الحملة الأمنية الأخيرة في السعودية

تشهد السعودية منذ العاشر من أيلول/ سبتمبر الماضي سلسلة متتالية من الاعتقالات شملت أفراداً ينتمون إلى شرائح مختلفة من المجتمع، بمن فيهم أساتذة جامعات ورجال دين ورجال أعمال وإعلاميين… كررت البيانات الرسمية المتتالية إن الاعتقالات شملت “عناصر تعمل لصالح جهات خارجية ضد أمن المملكة ومصالحها ومنهجها ومقدّراتها وسلْمها الاجتماعي، بهدف إثارة الفتنة والمساس باللحمة الوطنية”. ويفهم أن الجهات الأجنبية المقصودة هي حركة الإخوان المسلمين وقطر. من جهتها، تباينت تفسيرات المراقبين الخارجيين لتلك الاعتقالات التي طالت نشطاء في المعارضة، إلا إنها شملت أيضاً أشخاصا معروفين بولائهم المعلن للحكم السعودي وكانوا من السباقين لإعلان البيعة لولي العهد الجديد.

حين كان “الصمت يخدم الوطن”ا

لم تفاجئ حملة الاعتقالات الأخيرة متتبعي تاريخ القمع في السعودية لكنها بالتأكيد صدمت كثيرين. ومن بين هؤلاء سعوديون روّجوا لولي العهد الجديد وساهموا في حملة العلاقات العامة التي قدمته أميراً إصلاحياً. ولا شك إن من بينهم من كان مقتنعاً بأن محمد بن سلمان سيدشن عهداً جديداً، ينقل النظام السياسي في بلادهم من العصور الوسطى إلى القرن الواحد والعشرين. ولعل أبرز من عبّر عن صدمته إعلامي سعودي كتب بعد لجوئه إلى الولايات المتحدة الأمريكية مقالاً عنوانه “لم تكن السعودية دائماً قمعية إلى هذا الحدّ. الآن هي لا تطاق” (واشنطن بوست 18/9/2017). ا

 بعيداً عن أحاسيس الصدمة وخيبة الأمل التي عبّر عنها كثيرون، فلا يمكن اعتبار حملة الاعتقالات الأخيرة تغيّراً في أسلوب تعاطي السلطة السعودية مع معارضيها أو مع من تشك في ولائهم لها. فلم يسلم من سيرة القمع طيلة أكثر من سبعة عقود على نشأة المملكة فئة أو شريحة أو منطقة. ولم تخلُ السجون السعودية يوماً من سجناء الرأي، ولم يتوقف أبداً تعريضهم للتعذيب الذي أودى بحياة الكثيرين منهم.  نعم، كان أكثر القمع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي موجهاً لنشطاء الحركات العمالية واليسارية والقومية. ومنذ سبعينيات ذلك القرن وحتى الآن، شمل القمع أيضاً نشطاء الشبكات والتنظيمات حديثة النشوء المطالِبة بحقوق الإنسان بما فيها حقوق المرأة

طيلة تلك العقود، دافع إعلاميو النظام عن انتهاكاته لحقوق الإنسان وأشاحوا أنظار الناس عن فساده. وحتى حين كان النظام يجد سبباً للمفاخرة العلنية بتجاوزاته، فهو كان يجد بين النخب من يبرر له أفعاله. من جهتهم كان رجال الدين يُفْتون بما شاء ولي الأمر وظلوا يعلِّمون الناس إن طاعته هي من طاعة الله. وكان القضاة يحكمون دون مراعاة لضمير أو قانون بأقصى العقوبات على كل من اعتبرته السلطات معارضاً.  لقد اختار هؤلاء الصمتَ حين كان الصمتُ مجزياً. فتجاهل الإعلاميون ورجال الدين أخبار الاختفاء القسري والموت تحت التعذيب، ولم يقبل القضاة روايات التعذيب التي تعرض لها المتهمون المعروضون أمامهم.  كذلك لم يخرج الموالون للنظام عن صمتهم، مثلاً، حين جرى تفريغ عشرات القرى والبلدات في جنوب البلاد من سكانها، ولا حين صدر الحكم على مغردٍ بالسجن وبألف جلْدة. ولهذا لم يكن مستغرباً صمت إعلاميي السلطة ووعّاظها وغيرهم من النخب الموالية عن حصارٍ فرضته أجهزة الأمن السعودية قبل أربعة أشهر على بلدة “العوامية” في المنطقة الشرقية. بل وبرّر كثيرون منهم بحجج شتى ذلك الحصار الذي أدى إلى تهجير الآلاف من سكان البلدة وهدم منازلها وتغيير معالمها التراثية.

لا وقت للشماتة

ليس ثمة جدوى من التذكير بدلالات المثل السائر “أكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض”.  فما كان يجب أن يُفاجأ أحدٌ من الموالين للسلطة، سواءً حسبوا أنفسهم حلفاء أو أنصاراً أو جنوداً، حين تتخلى عنهم أو حين تخذلهم.  فالعائلة الحاكمة في السعودية لم تتحالف طيلة تاريخها إلا مع أقرانها في القوة.  إلا إنه لا يمكن التقليل من عمق الإحساس بالصدمة بل وخيبة الأمل التي يشعر بها كثيرون ممن عوّلوا على حصانة يوفِّرها لهم تاريخهم الطويل في خدمة النظام السعودي. فهم تعوّدوا ألا تزيد عقوبة من يتخطى حدوده منهم على فركة أذن أو الإبعاد عن مجال نشاطه لمدة يحددها وليُّ الأمر. كما لا يمكن تخفيف طعم المرارة التي يحسّ بها أولئك الذين اعتبروا أنفسهم شركاء -وإن صغاراً – مع العائلة الحاكمة في الدولة فإذا بها تخذلهم وتعاملهم كما كانت تعامل الشيوعيين والقوميين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

 لم يتصور كثيرون ومن بينهم ذلك الإعلامي السعودي البارز الذي وجد نفسه مضطراً إلى اللجوء إلى أمريكا أن تصل موس النظام إلى لحاهم وهم قد خدموا النظام السعودي لعقودٍ طويلة في أجهزة الإعلام أو المؤسسات الدينية أو أجهزة القضاء. فلا شك إن السعودية ــ بالنسبة لهم وحدهم ــ لم تكن قمعية إلى هذا الحد، وإنها الآن ليست “السعودية التي أعرفها” حسب قول الرجل.

استحضار الكواكبي

لا يمكن للاستبداد، كما رأى الكواكبي قبل مئة وعشرين سنة، أن يستمر بدون أعوانٍ، لكل فئة منهم دورها المعلوم وزمانها وظرفها. إلا أن أخطر الأدوار منوطة بفئة “المتمجدين” كما سماها.  وهي فئة من الناس يحرص كل نظام استبدادي على “إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها.  فيَسُوقها مثلا لحرب اقتضاها محض التجبر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنه يريد نصرة الدين، أو يسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها. أو يتصرف في حقوق المملكة والأمة كما يشاء هواه باسم أن ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة”. ا

لم يشهد الكواكبي التقدم الهائل الذي شهدناه في العقود الأخيرة في مجالَي الإعلام والتواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من ذلك لاحظ أن فئة المتمجدين هي فئة واسعة وتزداد اتساعاً كلما اشتد الاستبداد.  فعليهم تقع مهمات “تغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حب الوطن، أو توسيع المملكة”. وعلى الرغم من ازدرائه الملحوظ لهذه الفئة، إلا إنه لم يستصغر شأن أفرادها ولم يستعظمه.  فمن جهة، هم من لوازم الاستبداد الضرورية، فـ”بدونهم لا حول للمستبد ولا قوة”، ومن جهة أخرى فإن الواحد منهم لا يملك سلطة بذاته بل هو معرض للاستبدال وإحلال غيره مكانه ليغرف من ذهبِ المُعِّز وليضرب بسيفِه.

خطوة استباقية أم شطط آخر

قد تكون حملة الاعتقالات الأخيرة جزء من إجراءات استباقية اتخذتها السلطات السعودية، لا لخشيتها مما سيقوله او سيفعله من قامت باعتقالهم أو من نصحتهم بالنفي الاختياري، بل لكي يُردع غيرهم ممن قد تسوّل له نفسه المغامرة بالاعتراض على قرارات وإجراءات قادمة تترافق مع انتقال صولجان المُلْك من يد الأب إلى يد ولده. ولعلها من سخرية الأقدار أن تختار السلطة أن يكون أنسب من تضرب بهم المثل هم من “المتمجدين”، كما سمّاهم الكواكبي. فهؤلاء عملوا على إقناع الناس بـ”حرمة الخروج على وليّ الأمر أو التشهير به بل وحتى توجيه النصيحة له علناً”. ولا غرابة في ذلك، فالسلطة السعودية تعوّل على ولاء كثيرين من ضحاياها. وهي تحسب إنها لم تخطئ التقدير حين يردد بعض ضحاياها من منافيهم أو من زنازين رمَتهم فيها إنهم ما زالوا ملتزمون بالبيعة للملك ولولي عهده

من جهة أخرى ثمة ما يرجح احتمال أن تكون حملة الاعتقالات الأخيرة هي حلقة أخرى من سلسلة قرارات وإجراءات متخبطة لم يحسب الملك السعودي ولا ولدُه نتائجها وتداعياتها. أولى حلقات تلك السلسلة كانت إعلان “عاصفة الحزم” التي دمّرت اليمن واستنزفت السعودية مالياً وسياسياً وأخلاقياً. وما زال النزف مستمراً.  تلا ذلك توتير العلاقات بين أجنحة العائلة المالكة نفسها عبر الإطاحة في 2015 بولي العهد آنذاك مقرن بن عبد الله، ثم الإطاحة في 2017 بولي العهد التالي، محمد بن نايف وإحلال بن سلمان مكانه.  ثم جاء إعلان محمد بن سلمان عن “رؤية 2030” لإصلاح الاقتصاد السعودي التي رفعت حملات الترويج لها توقعات الناس. إلا أنه سرعان ما اتضح إنها مجرد رؤية مكتبية وإنها تحتاج إلى فرقٍ متخصصة تقوم بالدراسات وتقترح المشاريع وتضع الخطط اللازمة وترسم السياسات المطلوبة قبل الشروع في تنفيذ أيٍ من جوانبها.

ثم جاءت مشاركة السعودية الريادية في إشعال الأزمة الخليجية الأخيرة (مع قطر) التي فضحت هشاشة مجلس التعاون الخليجي ككيان إقليمي كما بيّنت عجز السعودية عن ممارسة دورها القيادي فيه.  والآن يرتكب بن سلمان حماقة أخرى حين يرفض الإقرار بأخطائه السابقة تمهيداً لمعالجة عواقبها ووقف تداعياتها.  فبدلاً من ذلك نراه مقتنعاً بقدرته على تخفيف الإحباط لدى الناس بتوجيه أنظارهم إلى جهات أخرى. ولهذا أعلن مؤخراً عن تأسيس “الهيئة العامة للترفيه” التي ستتولى “تنظيم وتنمية قطاع الترفيه في المملكة وتوفير الخيارات والفرص الترفيهية لكافة شرائح المجتمع”. واستتبع ذلك بإطلاق حملة أمنية تثبِّت جدار الخوف في المجتمع وتذكّر معارضيه ومواليه على حد سواء بأن لا حصانة لأحد

.

 

http://arabi.assafir.com/Article/10395

 


Advertisements

عاصفة الحزم وأرخبيل سُقطرى

سقطرى / تصوير: أميرة الشريف 

رافق إعلان الحكومة السعودية، في 26 آذار/مارس 2015، عن بدء العمليات العسكرية في اليمن تحت اسم “عاصفة الحزم”، حماس إعلامي بالغ في رسم الأهداف المباشرة لتلك العمليات، وتداعياتها الاستراتيجية. قيل وقتها إن بدء “عاصفة الحزم” يدشن تحولاً جديداً في الوضع الإقليمي يستند إلى “مبدأ سلمان” الذي يضع مسؤولية حماية الأمن على كتف الملك السعودي وبقية حكام الخليج، وخاصة شيوخ دولة الإمارات.

منظوران

 يختلف منظور كلٍ من الشريكيْن السعودي والإماراتي إلى الحرب اليمنية. فالسعودية خططت لتلك الحرب بهدف تدشين “العصر السعودي” الذي سيتولى قيادته ابن الملك سلمان، على رأس تحالف يضم عشرات الدول الإسلامية والعربية. وللسعودية أيضاً مصلحة استراتيجية مباشِرة في إبقاء اليمن ضمن نطاق نفوذها وحسابات أمنها القومي. فهناك من جهة الحدود البرية بين البلديْن والتي تمتد لأكثر من 1500 كيلومتر وتستخدمها شبكات تهريب البشر والأسلحة والمخدرات. ويشكِّل اليمنيون من جهة أخرى مخزوناً بشرياً لا تستغني عنه سوق العمل السعودية ولا قواتها المسلحة والأمنية.
على عكس السعودية، لا تشكّل التقلبات السياسية في اليمن تهديداً مباشراً للإمارات. إلا إنها، كما  سيتبيّن لاحقاً، اعتبرت أن حرباً سريعة في اليمن ستوفر لها موقع الند في تعاملها مع السعودية عند اقتسام الغنيمة اليمنية، علاوة على فرصة تحسين شروط بقاء الدولة ومدِّ نفوذها الإقليمي سياسياً واقتصادياً. ولهذيْن السببيْن، وليس لبناء “الإمبراطورية” كما هو حال السعودية، كان شيوخ الإمارات أكثر حكام الخليج العربي حماساً للمشاركة في “التحالف العربي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وتتصدره القوات المسلحة الإماراتية” حسب خطابها الإعلامي.

فبالإضافة إلى مشاركة الإمارات في الغارات الجوية، وفي فرض الحصار البحري على اليمن، تولّت أيضاً العبء الأكبر في شن العمليات البرية. وتمكنت قواتها العسكرية والكتائب اليمنية والأجنبية التابعة لها من السيطرة على مساحات واسعة من أراضي جنوب اليمن.
وحين اتضح أنّ “عاصفة الحزم” لم تتخذ المسار المرسوم لها، ولم تنته في أسبوع أو بضعة أسابيع كما كان مخططاً، اختلف قرار الشريكين. فبعد أن تحوّلت حرب اليمن إلى حرب استنزاف لا نهاية لها، أعلنت الإمارات انتهاء عملياتها الحربية. إلا إن السعودية عجزت عن إيجاد مخرجٍ لها من الحرب العبثيةً سوى بتصعيد عملياتها العسكرية على الرغم من تزايد كلفتها المالية والسياسية والأخلاقية.

للإمارات في اليمن مآرب أخرى 

لم تستمر الاندفاعة البرية للقوات الإماراتية بعد أن أحكمت سيطرتها على عددٍ من المواقع الاستراتيجية بما فيها ميناء عدن ومطارها. ففي منتصف حزيران/ يونيو 2016، فاجأت الإمارات المراقبين بإعلانها رسمياً “انتهاء العمليات العسكرية بالنسبة إلى القوات الإماراتية في اليمن”، وأنها ترصد الترتيبات السياسية بحيث يكون دورها الأساسي هو تمكين اليمنيين في المناطق المحررة (“الإمارات اليوم” 16/6/2016

تفاوتت تفسيرات الموقف الإماراتي بين الاكتفاء بالإشارة إلى موقف شيوخ الإمارات المعادي لحركة الإخوان المسلمين والخشية مِن أن يقود التسرع في إنهاء الحرب إلى تقوية “حزب الإصلاح” ــ الذراع اليمني للحركة، بينما هناك من اعتبر الموقف الإماراتي مؤشراً على عملها من وراء ظهر شركائها في الحرب اليمنية بسبب رغبتها في “احتكار جنوب اليمن تحت نفوذها وهيمنتها”.

 الاستيلاء على سُـقطرى

 بموازاة مشاركتها المباشرة في “عاصفة الحزم” بتسمياتها المختلفة، سارعت الإمارات إلى الاستفادة من الفرص الاستثمارية التي توفرها لها سيطرتها على مناطق شاسعة في جنوب اليمن. ومِنْ بين الفرص الاستثمارية التي تم الكشف عنها، وربما هي أكبرها حتى الآن، ما يجري في جزيرة سُقطرى أكبر جزر الأرخبيل اليمني (الذي يسكنه 45 ألف نسمة وتبلغ مساحته 3800 كلم مربع ويبعد عن ساحل الجزيرة العربية مسافة 300 كلم). وكانت اليونيسكو سجلت ذلك الأرخبيل منذ 2008 ضمن مواقع الإرث العالمي باعتباره منطقة فريدة من حيث التنوع الكبير في نباتاته وطيوره وأسماكه ونسبة الأنواع المستوطنة فيه و”غير الموجودة في أي مناطق أخرى من العالم”.

 
سقطرى / تصوير: أميرة الشريف 

وفي الأسبوع نفسه الذي أعلنت الإمارات فيه عن انتهاء حربها في اليمن، كشفت عن بدء عددٍ من المشاريع الاستثمارية في أرخبيل سُقطرى يجري تسويقها على أنّها “معجزة تنموية وخدمية شاملة ظل يحلم بها المجتمع السُقطري لسنوات”. وهي لا تختلف كثيراً عن “المعجزة التنموية” التي كان شيوخ قطر يخططون للقيام بها في الأرخبيل نفسه قبل أن تضع القوات الإماراتية يدها على المنطقة بعد “عاصفة الحزم”. من بين المشاريع الاستثمارية التي تقوم بها الإمارات، يبرز مشروعان لكل منهما تداعيات سيئة وطويلة الأمد. أولهما بناء مطار جزيرة سُقطرى لاستقبال رحلات الطيران المتوقعة بعد إنشاء المنتجعات السياحية التي ستجعل الأرخبيل موقعاً منافساً لمنتجعات مماثلة في المحيط الهندي. واستناداً إلى متابعة التدمير الذي أصاب البيئة في دولة الإمارات نفسها، فمن المتوقع أيضاً أن يؤدي هذا المشروع (والمشاريع الملازمة له) إلى تدمير البيئة الفريدة في أرخبيل سُقطرى. علاوة على ذلك سيتطلب إنشاء المطار والمنتجعات السياحية والبنى التحتية اللازمة، نزوح جزء كبير من سكانه وإخلاء بعض جزره ومناطقه الأكثر ملائمة لاجتذاب السواح من بلدان الشمال، حتى لو أعيد توطينهم في أماكن أخرى من الأرخبيل.
أما المشروع الثاني الذي تقوم به الإمارات فهو تأسيسها لقوة عسكرية خاصة بسقطرى، مكوّنة حسب مصادر إماراتية من 2300 عنصر من أبناء الأرخبيل يتم نقلهم إلى الإمارات على مراحل لتلقي الدورات التدريبية اللازمة، بما يسهم “في خلق كادر عسكري متدرب ومؤهل للأدوار الأمنية المطلوبة في المحافظة” (“الاتحاد” 16/6/ 2016).  وأما مواقف الأطراف المعنية وخاصة حكومة الرئيس هادي والأطراف الفاعلة في اليمن الجنوبي فغير معروفة من التشكيل العسكري الجديد في سُقطرى الذي يبدو متناسقاً مع ما فعلته الإمارات في مناطق أخرى من اليمن الجنوبي. فهي شكلت في حضرموت وعدن، وغيرهما، قوات محلية مستقلة عن بعضها البعض وعن أي طرفٍ يمني. وتتولى الإمارات تدريب هذه القوات المحلية وتمويلها وقيادتها لحماية المصالح الإماراتية في اليمن.

تدعم الجهود الإماراتية ما يثار من شكوك حول تفاهم إماراتي ــ سعودي لتقسيم اليمن إلى دويلات يتوزع البَلَدان النفوذ عليها. مهما تكن الأهداف الفعلية للتشكيلات العسكرية التي يمولها شيوخ الإمارات، فهي ليست جديدة لا على المنطقة ولا على شيوخها. ففي 1951، قامت سلطات الاستعمار البريطاني بتأسيس أول قوة عسكرية نظامية (“كشّافة ساحل عُمان المتصالح”) من أبناء الفقراء في الإمارات بتمويل بريطاني وبقيادة ضباط بريطانيين. وتولّت تلك القوة العسكرية “حماية فرق استكشاف النفط وحفظ السلام بين القبائل ومكافحة تهريب الأسلحة وتجارة الرقيق”. وبعد عشرين عاماً من تأسيسها، أصبحت تلك القوة البريطانية، أي “كشافة ساحل عُمان المتصالح”، نواة القوات المسلحة الإماراتية.

+++++

مقال منشور في موقع السفير العربي

http://arabi.assafir.com/article/7981

مستقبل مجلس التعاون الخليجي – الإنتظار

لم تختلف قمة الكويت لدول مجلس التعاون الخليجي (10- 12 كانون الأول/ديسمبر) عن سابقاتها في تركيزها على الإجراءات الأمنية والعسكرية الهادفة لحماية السلطات القائمة حتى ولو كان مفعول تلك الإجراءات قصير الأمد. فقد كرر المجتمعون الإشارة إلى قرارات اتخذت قبل ثلاثين سنة عن “بناء منظومة دفاعية مشتركة لتحقيق الأمن الجماعي” من دون الإشارة إلى كيفية التعاطي مع عوامل استمرارالمعيقات التي منعت حتى الآن تحقق ذلك. وفي مقدم هذه المعيقات جهود الولايات المتحدة وغيرها من الدول المصدرة للسلاح (أي التي تبيعه لسلطات متعددة)، علاوة على احتكار المناصب العسكرية من قبل أفراد العوائل الحاكمة وحلفائها.

أما في الجانب الاقتصادي، فاكتفى المجتمعون بإعلان صياغات عامة غير ملزمة، من قبيل “التوافق على قواعد موحدة تسهل تكامل أسواق الأواق المالية”. وفي الوقت نفسه، تحاشت قمة الكويت كسابقاتها التعرض لمعيقات توحيد العملة الخليجية وما يترافق معه ويترتب عليه من قرارات اقتصادية ومالية وسياسية. كما تحاشت التعرض لمتطلبات توحيد سوق العمل في المنطقة بما فيها إزالة معيقات حرية حركة اليد العاملة.

وقد عكس البيان الختامي الصادر عن القمة حالة الارتباك تلك وعدم القدرة على التوافق على نهج للتعاطي مع المستجدات التي تشهدها المنطقة. وما يثير الاستغراب هذه المرة هو ان لغة البيان الناعمة لم تأتِ متناسبة مع تشدد تصريحات وبيانات لمسؤولين خليجيين سبقت انعقاد قمة الكويت، وجرى فيها التحذير من أخطار محدقة بالمنطقة وشعوبها نتيجة لما قيل إنها “تسويات سرية” بين إيران والولايات الأميركية المتحدة.

تعاون أم اتحاد
بجانب الموضوعات التقليدية التي يزداد الاهتمام بها في كل موسم لقمة خليجية، برز هذا العام موضوع الاتحاد الخليجي الذي طرحه الملك السعودي منذ عاميْن داعياً إلى الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد. وقتها، جاءت تلك الدعوة في سياق محاولات التعامل مع تداعيات الربيع العربي.
فمن جهة تمكنت قطر، عبر قناة الجزيرة، ونفوذها المالي، وكونها تستضيف قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، من أن تستقطع لنفسها نفوذا إقليميا وحضوراً دوليا مستقلاً. وفيما عدا تدخلها المبكر عسكريا لقمع الحراك الشعبي في البحرين في 2011، بدت السعودية عاجزة عن التأثير في ما حولها والتعامل مع الأحداث المتسارعة في تونس ومصر وليبيا. تبين لاحقاً أن اقتراح الملك السعودي لم يكن مفاجئاً لزملائه من قادة مجلس التعاون فحسب بل حتى للأجهزة السعودية المعنية. فالملك لم يطرح اقتراحه مرفوقاً بحيثيات ودراسات تقييم جدوى لتسويقه بين حكام بلدان الخليج الأخرى. لهذا اكتفى الحكام المجتمعون في قمة الرياض منذ عامين بالترحيب بالاقتراح وإحالته على لجنة متخصصة. وفي أيار/مايو 2012، دعا الملك السعودي إلى قمة تشاورية في الرياض أيضاً لمناقشة اقتراحه على ضوء توصيات اللجنة المشكلة. إلا ان تلك القمة التشاورية فشلت في التوصل إلى اتفاق فأحالت الموضوع مرة أخرى على اللجان لاستكمال دراسة ” كافة جوانبه وبشكل متأن يخدم الأهداف المأمولة”. وفي القمة الاخيرة، لم يتمكن المجتمعون من التوصل إلى اتفاق نهائي، ولهذا دعا البيان الختامي لقمة الكويت إلى استمرار المشاورات واستكمال دراسة “الموضوع”.

عُمان والبحرين
عدا السعودية، فالعائلة الحاكمة في البحرين هي الأكثر حماسة لإقامة الاتحاد الخليجي. ولا تقتصر الحماسة على أفراد العائلة الحاكمة بل تشمل فئات كبيرة من المواطنين والنخب السياسية. ويمكن تفسير هذه الحماسة على مختلف مستوياته بالإشارة إلى حجم نفوذ السعودية اقتصاديا وأمنياً في البحرين. فالسعودية تستورد أكثر من نصف صادرات البحرين. ويتمثل الرأسمال السعودي في مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة في البحرين، علاوة على حصص كبيرة من أسهم الشركات الكبرى (تملك السعودية ثلث أسهم شركة البتروكيماويات وخُمس أسهم شركة صهر الألومنيوم). ويعتمد قطاعا الخدمات والتجارة في البحرين على أكثر من عشرين ألف زائر يعبرون جسر الملك فهد يومياً في الاتجاهين. وفوق ذلك وهبت السعودية منذ 1997 البحرين نصف إنتاج حقل أبو سعفة النفطي.
وتشكل العوائد المالية من حصة البحرين من ذلك الحقل (البالغة 150,000 برميل يوميا) ما يقارب 70 في المئة من بند الإيرادات في ميزانية البلاد.

ولقد تعلم ملك البحرين درسا حين امتنعت السعودية في 2004 عن تسليم البحرين تلك العوائد تعبيراًعن عدم رضاها عن قيام البحرين منفردة بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية. وعلى الجانب الأمني تشكل القدرات الأمنية والعسكرية السعودية درعأ واقياً تحتمي به السلطة الحاكمة في البحرين من تداعيات خلافاتها الداخلية أحياناً، وفي مواجهة معارضيها أحيانا أخرى. وكان دخول القوات السعودية في منتصف آذار/مارس 2011 أحد أمثلة سبقته في العقود السابقة تدخلات وإن لم تنتشر أخبارها.
أما عُمان فلقد أعلنت مبكراً تحفظها عن فكرة الاتحاد. وهو موقف تطور بإعلان وزير الشؤون الخارجية العماني عشية انعقاد قمة الكويت ان بلاده ضد مشروع الاتحاد ولن تكون جزءا منه. استسهل بعض “المحللين” الأمور حين أشاروا إلى الخلاف الديني المذهبي لتفسير الموقف العُماني. فرغم ان المذهب الغالب في عُمان هو المذهب الاباضي (مقابل الوهابي في السعودية والشيعي الاثني عشري في إيران)، إلا انه على خلاف الحال في البلديْن، ليس محركا من محركات السياسة السلطانية محليا أو خارجيا، وهو لا يفسر العلاقة الودية التي تربط سلطان عُمان بإيران سواء في عهد الشاه الذي سانده عسكرياً، أو في عهد الجمهورية الإسلامية.

عوضاً عن النظر إلى عامل الاختلاف المذهبي، يمكن تفسير الموقف العماني من فكرة الاتحاد الخليجي بالرغبة في الحفاظ على استقلال السلطنة، ومنع أيٍ من السعودية أو الإمارات من استخدام الاتحاد غطاءً لفرض هيمنتها. وحققت جهود السلطان في هذا المجال هدفه منها. فليس للسعودية في عُمان ذلك النفوذ السياسي أو الأمني أو الاقتصادي الذي تتمتع به في البحرين. من جهة أخرى لا يمكن التقليل من جدية وإلحاح مخاوف السلطان من تدخلات شيوخ إمارة أبو ظبي في شؤون بلاده وعلى استقرارها وتماسكها. وتبيّن حجم المخاوف في أثناء الأزمة الحادة بين البلدين بعد الكشف عن “شبكة تجسس إماراتية” في عُمان في نهاية 2011. ولم تنته تلك الأزمة إلا بعد شهور من الوساطات وزيارات مكوكية قام بها أمير الكويت.

بعد قمة الكويت، وبعد مرور سنتين على إعلان الملك السعودي عن اقتراحه، يبقى أمر الاتحاد “قيد الدراسة”. وعلى رغم ما تم خلال السنتين الماضيتين من مداولات بين الحكام أو بين أعضاء اللجان المختصة، ما زالت ميزات ذلك الاتحاد غامضة تماماً

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1464&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider.