الحملة الأمنية الأخيرة في السعودية

تشهد السعودية منذ العاشر من أيلول/ سبتمبر الماضي سلسلة متتالية من الاعتقالات شملت أفراداً ينتمون إلى شرائح مختلفة من المجتمع، بمن فيهم أساتذة جامعات ورجال دين ورجال أعمال وإعلاميين… كررت البيانات الرسمية المتتالية إن الاعتقالات شملت “عناصر تعمل لصالح جهات خارجية ضد أمن المملكة ومصالحها ومنهجها ومقدّراتها وسلْمها الاجتماعي، بهدف إثارة الفتنة والمساس باللحمة الوطنية”. ويفهم أن الجهات الأجنبية المقصودة هي حركة الإخوان المسلمين وقطر. من جهتها، تباينت تفسيرات المراقبين الخارجيين لتلك الاعتقالات التي طالت نشطاء في المعارضة، إلا إنها شملت أيضاً أشخاصا معروفين بولائهم المعلن للحكم السعودي وكانوا من السباقين لإعلان البيعة لولي العهد الجديد.

حين كان “الصمت يخدم الوطن”ا

لم تفاجئ حملة الاعتقالات الأخيرة متتبعي تاريخ القمع في السعودية لكنها بالتأكيد صدمت كثيرين. ومن بين هؤلاء سعوديون روّجوا لولي العهد الجديد وساهموا في حملة العلاقات العامة التي قدمته أميراً إصلاحياً. ولا شك إن من بينهم من كان مقتنعاً بأن محمد بن سلمان سيدشن عهداً جديداً، ينقل النظام السياسي في بلادهم من العصور الوسطى إلى القرن الواحد والعشرين. ولعل أبرز من عبّر عن صدمته إعلامي سعودي كتب بعد لجوئه إلى الولايات المتحدة الأمريكية مقالاً عنوانه “لم تكن السعودية دائماً قمعية إلى هذا الحدّ. الآن هي لا تطاق” (واشنطن بوست 18/9/2017). ا

 بعيداً عن أحاسيس الصدمة وخيبة الأمل التي عبّر عنها كثيرون، فلا يمكن اعتبار حملة الاعتقالات الأخيرة تغيّراً في أسلوب تعاطي السلطة السعودية مع معارضيها أو مع من تشك في ولائهم لها. فلم يسلم من سيرة القمع طيلة أكثر من سبعة عقود على نشأة المملكة فئة أو شريحة أو منطقة. ولم تخلُ السجون السعودية يوماً من سجناء الرأي، ولم يتوقف أبداً تعريضهم للتعذيب الذي أودى بحياة الكثيرين منهم.  نعم، كان أكثر القمع في خمسينيات وستينيات القرن الماضي موجهاً لنشطاء الحركات العمالية واليسارية والقومية. ومنذ سبعينيات ذلك القرن وحتى الآن، شمل القمع أيضاً نشطاء الشبكات والتنظيمات حديثة النشوء المطالِبة بحقوق الإنسان بما فيها حقوق المرأة

طيلة تلك العقود، دافع إعلاميو النظام عن انتهاكاته لحقوق الإنسان وأشاحوا أنظار الناس عن فساده. وحتى حين كان النظام يجد سبباً للمفاخرة العلنية بتجاوزاته، فهو كان يجد بين النخب من يبرر له أفعاله. من جهتهم كان رجال الدين يُفْتون بما شاء ولي الأمر وظلوا يعلِّمون الناس إن طاعته هي من طاعة الله. وكان القضاة يحكمون دون مراعاة لضمير أو قانون بأقصى العقوبات على كل من اعتبرته السلطات معارضاً.  لقد اختار هؤلاء الصمتَ حين كان الصمتُ مجزياً. فتجاهل الإعلاميون ورجال الدين أخبار الاختفاء القسري والموت تحت التعذيب، ولم يقبل القضاة روايات التعذيب التي تعرض لها المتهمون المعروضون أمامهم.  كذلك لم يخرج الموالون للنظام عن صمتهم، مثلاً، حين جرى تفريغ عشرات القرى والبلدات في جنوب البلاد من سكانها، ولا حين صدر الحكم على مغردٍ بالسجن وبألف جلْدة. ولهذا لم يكن مستغرباً صمت إعلاميي السلطة ووعّاظها وغيرهم من النخب الموالية عن حصارٍ فرضته أجهزة الأمن السعودية قبل أربعة أشهر على بلدة “العوامية” في المنطقة الشرقية. بل وبرّر كثيرون منهم بحجج شتى ذلك الحصار الذي أدى إلى تهجير الآلاف من سكان البلدة وهدم منازلها وتغيير معالمها التراثية.

لا وقت للشماتة

ليس ثمة جدوى من التذكير بدلالات المثل السائر “أكلتُ يوم أُكلَ الثور الأبيض”.  فما كان يجب أن يُفاجأ أحدٌ من الموالين للسلطة، سواءً حسبوا أنفسهم حلفاء أو أنصاراً أو جنوداً، حين تتخلى عنهم أو حين تخذلهم.  فالعائلة الحاكمة في السعودية لم تتحالف طيلة تاريخها إلا مع أقرانها في القوة.  إلا إنه لا يمكن التقليل من عمق الإحساس بالصدمة بل وخيبة الأمل التي يشعر بها كثيرون ممن عوّلوا على حصانة يوفِّرها لهم تاريخهم الطويل في خدمة النظام السعودي. فهم تعوّدوا ألا تزيد عقوبة من يتخطى حدوده منهم على فركة أذن أو الإبعاد عن مجال نشاطه لمدة يحددها وليُّ الأمر. كما لا يمكن تخفيف طعم المرارة التي يحسّ بها أولئك الذين اعتبروا أنفسهم شركاء -وإن صغاراً – مع العائلة الحاكمة في الدولة فإذا بها تخذلهم وتعاملهم كما كانت تعامل الشيوعيين والقوميين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

 لم يتصور كثيرون ومن بينهم ذلك الإعلامي السعودي البارز الذي وجد نفسه مضطراً إلى اللجوء إلى أمريكا أن تصل موس النظام إلى لحاهم وهم قد خدموا النظام السعودي لعقودٍ طويلة في أجهزة الإعلام أو المؤسسات الدينية أو أجهزة القضاء. فلا شك إن السعودية ــ بالنسبة لهم وحدهم ــ لم تكن قمعية إلى هذا الحد، وإنها الآن ليست “السعودية التي أعرفها” حسب قول الرجل.

استحضار الكواكبي

لا يمكن للاستبداد، كما رأى الكواكبي قبل مئة وعشرين سنة، أن يستمر بدون أعوانٍ، لكل فئة منهم دورها المعلوم وزمانها وظرفها. إلا أن أخطر الأدوار منوطة بفئة “المتمجدين” كما سماها.  وهي فئة من الناس يحرص كل نظام استبدادي على “إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها.  فيَسُوقها مثلا لحرب اقتضاها محض التجبر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنه يريد نصرة الدين، أو يسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبهة المملكة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعداء ظلمه باسم أنهم أعداء لها. أو يتصرف في حقوق المملكة والأمة كما يشاء هواه باسم أن ذلك من مقتضى الحكمة والسياسة”. ا

لم يشهد الكواكبي التقدم الهائل الذي شهدناه في العقود الأخيرة في مجالَي الإعلام والتواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من ذلك لاحظ أن فئة المتمجدين هي فئة واسعة وتزداد اتساعاً كلما اشتد الاستبداد.  فعليهم تقع مهمات “تغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حب الوطن، أو توسيع المملكة”. وعلى الرغم من ازدرائه الملحوظ لهذه الفئة، إلا إنه لم يستصغر شأن أفرادها ولم يستعظمه.  فمن جهة، هم من لوازم الاستبداد الضرورية، فـ”بدونهم لا حول للمستبد ولا قوة”، ومن جهة أخرى فإن الواحد منهم لا يملك سلطة بذاته بل هو معرض للاستبدال وإحلال غيره مكانه ليغرف من ذهبِ المُعِّز وليضرب بسيفِه.

خطوة استباقية أم شطط آخر

قد تكون حملة الاعتقالات الأخيرة جزء من إجراءات استباقية اتخذتها السلطات السعودية، لا لخشيتها مما سيقوله او سيفعله من قامت باعتقالهم أو من نصحتهم بالنفي الاختياري، بل لكي يُردع غيرهم ممن قد تسوّل له نفسه المغامرة بالاعتراض على قرارات وإجراءات قادمة تترافق مع انتقال صولجان المُلْك من يد الأب إلى يد ولده. ولعلها من سخرية الأقدار أن تختار السلطة أن يكون أنسب من تضرب بهم المثل هم من “المتمجدين”، كما سمّاهم الكواكبي. فهؤلاء عملوا على إقناع الناس بـ”حرمة الخروج على وليّ الأمر أو التشهير به بل وحتى توجيه النصيحة له علناً”. ولا غرابة في ذلك، فالسلطة السعودية تعوّل على ولاء كثيرين من ضحاياها. وهي تحسب إنها لم تخطئ التقدير حين يردد بعض ضحاياها من منافيهم أو من زنازين رمَتهم فيها إنهم ما زالوا ملتزمون بالبيعة للملك ولولي عهده

من جهة أخرى ثمة ما يرجح احتمال أن تكون حملة الاعتقالات الأخيرة هي حلقة أخرى من سلسلة قرارات وإجراءات متخبطة لم يحسب الملك السعودي ولا ولدُه نتائجها وتداعياتها. أولى حلقات تلك السلسلة كانت إعلان “عاصفة الحزم” التي دمّرت اليمن واستنزفت السعودية مالياً وسياسياً وأخلاقياً. وما زال النزف مستمراً.  تلا ذلك توتير العلاقات بين أجنحة العائلة المالكة نفسها عبر الإطاحة في 2015 بولي العهد آنذاك مقرن بن عبد الله، ثم الإطاحة في 2017 بولي العهد التالي، محمد بن نايف وإحلال بن سلمان مكانه.  ثم جاء إعلان محمد بن سلمان عن “رؤية 2030” لإصلاح الاقتصاد السعودي التي رفعت حملات الترويج لها توقعات الناس. إلا أنه سرعان ما اتضح إنها مجرد رؤية مكتبية وإنها تحتاج إلى فرقٍ متخصصة تقوم بالدراسات وتقترح المشاريع وتضع الخطط اللازمة وترسم السياسات المطلوبة قبل الشروع في تنفيذ أيٍ من جوانبها.

ثم جاءت مشاركة السعودية الريادية في إشعال الأزمة الخليجية الأخيرة (مع قطر) التي فضحت هشاشة مجلس التعاون الخليجي ككيان إقليمي كما بيّنت عجز السعودية عن ممارسة دورها القيادي فيه.  والآن يرتكب بن سلمان حماقة أخرى حين يرفض الإقرار بأخطائه السابقة تمهيداً لمعالجة عواقبها ووقف تداعياتها.  فبدلاً من ذلك نراه مقتنعاً بقدرته على تخفيف الإحباط لدى الناس بتوجيه أنظارهم إلى جهات أخرى. ولهذا أعلن مؤخراً عن تأسيس “الهيئة العامة للترفيه” التي ستتولى “تنظيم وتنمية قطاع الترفيه في المملكة وتوفير الخيارات والفرص الترفيهية لكافة شرائح المجتمع”. واستتبع ذلك بإطلاق حملة أمنية تثبِّت جدار الخوف في المجتمع وتذكّر معارضيه ومواليه على حد سواء بأن لا حصانة لأحد

.

 

http://arabi.assafir.com/Article/10395

 


Advertisements

توثيق القمع والمقاومة في سجون البحرين

لا تزيد مساحة البحرين عن 800 كيلومتر مربع إلا إن بها أكثر من عشرين سجناً ومعتقلاً (عدا أماكن الاحتجاز السرية). أكبر هذه السجون هو “سجن جَوْ المركزي” الذي يبعد 25 كيلومتراً عن العاصمة، وتبلغ طاقته الاستيعابية 1200 سجين، إلا إنه يضم أكثر من ثلاثة آلاف سجين أغلبهم من نشطاء المعارضة وأنصارها.
في مثل هذه الأيام قبل سنتيْن شهد “سجن جَوْ” مواجهة بين السجناء وحرس السجن في ما صار يُعرف في إعلام المعارضة بـ”انتفاضة السجون”، وفي إعلام السلطة بـ”شغب سجن جو”. كانت شرارة تلك المواجهة تكرار تعديات الشرطة وحرس السجن على أهالي السجناء في أوقات الزيارة المقررة. تعرض المئات ممن شاركوا في “انتفاضة سجن جو” إلى المزيد من التنكيل أثناء قمع حراكهم، وبقي التنكيل مستمراً طيلة السنتين الماضيتين. وقبل أسبوعين قضت محكمة الاستئناف بتثبيت العقوبة الإضافية التي حُكم بها على 54 مشاركاً في تلك الانتفاضة إلى 10 سنوات سجن، وألزمتهم بسداد غرامة قدرها نصف مليون دينار (حوالي مليون وثلاثمائة وخمسين ألف دولار أمريكي)ا

القمع والمقاومة في السجن

لم تكن انتفاضة 10 آذار/مارس 2015 أول أو آخر الاحتجاجات الفردية أو الجماعية التي يقوم بها المعتقلون والسجناء في البحرين بسبب الاكتظاظ وسوء المعاملة واستمرار تعريض السجناء إلى التعذيب الجسدي والنفسي. إلّا أنّ ظروفاً ملائمة جعلت تلك الانتفاضة تحظى بتغطية إعلامية غير مسبوقة وساهمت في الكشف عن تفاصيل المعاناة التي يتعرض لها المعتقلون والسجناء من نشطاء المعارضة والمتعاطفين معها. من جانبٍ آخر، أكدت تلك الانتفاضة أيضاً على ما تحفظه الخبرات الثورية في مختلف أنحاء العالم عن أنّ المقاومة لا تنتهي عند بوابة السّجن، بل قد يجد السجين أو السجينة في سجنهما أشكالاً جديدة لمواجهة السلطة وتوسيع إطار معارضيها.

في بداية كانون أول / ديسمبر الماضي، صدرت رواية “جَوْ” التي كتبها “معتقل سياسي لا زال يرزح في السّجن”، لتكون “إفادة حقوقية بطابعٍ روائي” تتناول حياة المعتقلين. وفي هذا الشهر، وبمناسبة الذكرى الثانية لانتفاضة “سجن جو” يُنشر كتاب توثيقي، “زفرات”، الذي أعدّه وحرّره الباحث البحريني نادر المتروك معتمداً على شهادات 68 من السجناء.
يسهم الكتاب في توثيق التعذيب الممنهج باعتباره أحد أساليب ممارسة السلطة في البحرين، وليس مجرد إجراء عقابي استثنائي. وتتضح من هذا التوثيق المفارقة التاريخية التي يمثلها استمرار النظام الاستبدادي في البحرين. فهو من جهة نظام يسند شرعيته إلى أنّه “فتح البلاد بحدّ السيف في عام 1783″، ومن جهة أخرى هو استنسخ مفردات الحداثة وأدواتها، بما فيها بنية الدولة الحديثة ومؤسساتها وأنظمتها، لكي يديم ممارسات سلطة الفاتحين. وعلى هذه الثنائية، يصبح ممكناً لحاكمٍ أن يعلن نفسه ملكاً لمملكة دستورية ولكنه يمارس سلطاته كما يمارسها شيخ قبيلة في القرن الثامن عشر.
تشير التفاصيل التي يوثقها الكتاب في كل زفرة من زفرات ضحايا التعذيب إن السلطة الخليفية لا تعترف بآدمية معارضيها ولا بحقهم في العيش بأمان وكرامة في وطنهم. وبالمقابل نكتشف في التفاصيل التي يسردها كتاب “زفرات” والشهادات الشخصية للسجناء كيف يسعى ضحايا التعذيب في البحرين للذود عن كرامتهم والحفاظ على آدميتهم وعلى إيمانهم بأن صمودهم في السجن سيسهم في تسريع بناء بحرين المستقبل كما يريدها أهلها.

التعذيب كأداة من أدوات ممارسة السلطة

التعذيب بأشكاله المختلفة هو وسيلة أساسية من وسائل الحكم التي تستخدمها الأنظمة الاستبدادية على اختلاف درجاتها في جميع أرجاء العالم. ورغم انتشاره، فما زال التعذيب سراً من الأسرار الذي تبذل الدول الاستبدادية جهوداً كبيرة لإخفاء ممارستها له ولإنكاره إن افتضح أمرها. لقد عرف العالم قبل غوانتنامو وقبل أبوغريب وبعدهما مئات التقارير التي توَثِّق التعذيب وأشكاله. وثمة آلاف الشهادات عن معاناة من ماتوا تحت التعذيب أو أُصيبوا بعاهات جسدية ونفسية. وعلى الرغم من ذلك، فلا يمكن القول إننا نعرف كل ما يجب أن يُعرَف عن آثار التعذيب المباشرة وغير المباشرة على ضحاياه، ناهيك عن أساليبهم في مقاومة جلاديهم.ا

لا تنحصر أهمية التعذيب لدى نظامٍ استبدادي في كونه وسيلة لانتزاع اعترافات المتهمين وتعجيل محاكمتهم، بل في أنه إجراءٌ مخفي ولا حدود له. فحتى حين تصدر الأحكام القضائية في بلادٍ مثل السعودية وإيران بجلد متهمٍ، فإن القاضي يحدد عدد الجلدات المقررة التي لا يتجاوزها الجلاد عادة. أما في التعذيب، كما نعرف من شهادات السجناء والمعتقلين في “سجن جَوْ”،  فلا حدود لعدد الضربات التي يتلقاها الضحية ولا حدود لشدتها سوى إرادة الجلاد ومدى حاجته إلى إبقاء الضحية على قيد الحياة.  ولكي يكون فعالاً، فلا بد أن يكون التعذيب مفتوحاً لا حدود ولا زمن له. يأتيك الجلاد في أي وقت ليلاً نهاراً ولا تدري هل سيصب عليك ماءً مثلجاً وأنت معلق بحبل مربوط في السقف أم سيضربك بخيزران، أم سيقتلع من قدمك ظفراً. ولا تدري هل ستدوم جلسة التعذيب ساعة أم أقل أم أكثر. وهل ستتكرر الجلسة بعد ساعة، يستريح فيها جلادك، أم سيأتيك بعد يوم. ولا يعتمد سوى القليل من ممارسات التعذيب على سادية الجلاد نفسه ومشاعره الشخصية تجاه الضحية أو تجاه التهم الموجهة إليه. فغالبية التعذيب، وخاصة ذاك الذي يمارسه الجلادون بعد صدور الحكم ضد المتهم، هو نشاط يهدف إلى تأكيد قوة السلطة وقدرتها على معاقبة من يخالفها كيفما تشاء. وهو نشاطٌ يشرح بوضوح ما أشار إليه ميشيل فوكو في أنّ أنواع التعذيب ودرجاته هي تعبيرات عن علاقة “الدولة” بالخاضعين لسلطتها.ا

تؤكد الشهادات التي يسردها كتاب “زفرات” أنّ أغلب ممارسات التعذيب لا تهدف للحصول على معلومات يعتبرها الجلادون هامة. فكما تبين مما عُرفَ عن الممارسات الإجرامية في غوانتنامو وأبو غريب وغيرهما من سجون التعذيب، تسعى أغلب ممارسات التعذيب في الواقع إلى إذلال الضحية ونزع آدميته. ففي السجن لا تكتفي السلطة الاستبدادية بأساليب شيطنة معارضيها لتوفير أكبر قدر من التبريرات التي تحتاجها لقمعهم، بل هي تجهد من أجل نزع آدميتهم لتبرير تنكيلها بهم ليس لأنهم يشكلون تهديداً سياسياً أو أمنياً، بل لأنهم لا يستحقون المعاملة الآدمية. وهو ما يتضح أيضاً من قراءة شهادات كثيرة يتضمنها هذا الكتاب. فعلى سبيل المثال، حين يأمر الجلادون الضحايا بالزحف على بطونهم في ممرٍ طويلٍ بينما هم يضربونهم بالهراوات على ظهورهم وأرجلهم،  فليس الهدف انتزاع معلومات أو حتى معاقبة السجين على مخالفة، بل الإذلال ونزع الآدمية وإرغام الضحايا على قبول إن صوت الجلاد هو صوتهم وإرادته هي إرادتهم. ولهذا نجد إهتمام الجلادين بترتيب “جلسات التعذيب الدسمة” في أوقاتٍ لا تخطر على بال أو قيامهم بصب المياه الباردة في عزِّ فصل الشتاء على المعتقلين والسجناء. ولهذا أيضاً يتكرر إرغام الضحايا على إهانة أنفسهم بعبارات مثل “أنا أرنب.. أنا حمار.. أنا كلب.. أنا خنزير..”.  ولهذا أيضاً يُجبر السجناء على تقليد أصوات الحيوانات وحركاتهم. ولهذا أيضاً تتكرر الشهادات عن جلسات التعذيب التي يرغم الجلادون فيها ضحاياهم على التغني بالنشيد الملكي أو الهتاف بحياة الملك وعمه ووليّ عهده أو شتم زعماء المعارضة ورموزها.

تحطيم جدار الصمت

يساهم توثيق شهادات ضحايا التعذيب في تحطيم جدار الصمت. فصمت الضحايا هو الدرع الذي يحتمي به الجلادون في جميع البلدان الاستبدادية. نعم، لكل صمتٍ أسبابه، ولكل ضحيةِ تعذيب ظروفه وظروفها. إلا إن ثمة عوامل مشتركة تسهم في إسكات الضحايا وإخفاء معاناتهم. أبرز هذه العوامل هو الخوف من انتقام أجهزة النظام. وقد يكون صمت الضحايا بسبب اليأس من العدالة أو نتيجة قناعة بأن السلطة (وجلاديها) قادرة على الإفلات من المساءلة بما لديها من أجهزة إعلامية تتولى الإنكار، وما لديها من أجهزة أمنية وقضائية تتولى ملاحقة من يجرؤ على الشكوى. ولهذا يكتسب هذا الكتاب قيمة إضافية عبر إسهامه في إزالة جدار الصمت في البحرين. فالزفرات التي يتضمنها هي من جهة شهادات لضحايا تعذيب بعضهم خرج من السجن وبعضهم ما زال فيه، وجميعهم عرضة لانتقام سلطة العائلة الحاكمة في البحرين. وهي من الجهة الأخرى تسهم في توثيق أساليب المقاومة التي شهدتها سجون البحرين ومعتقلاتها في السنوات الخمس الأخيرة.ا