الكويت: العودة إلى حكم المشيخة

يفاخر الكويتيون، وهم على حق، بأن نضالهم جعل بلادهم منذ إعلان استقلالها في 1961 أول أمارة خليجية تتوافق نخبها السياسية مع العائلة الحاكمة فيها على إقامة نظام دستوري برلماني ينظِّم العلاقة فيما بينهما.  ساهم ذلك التوافق في تمتين الوحدة الوطنية لمواجهة مطالبة الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم وقتها بضم الكويت، مما استدعى عودة القوات البريطانية إليها. من جهة أخرى، ساهم ذلك التوافق الوطني في سرعة إصدار دستور الكويت (1962) الذي أرسى أساساً عقلانياً لتحويل المشيخة إلى دولة.
كانت الآمال في الكويت كما في محيطها الخليجي تتطلع إلى أن تضمن مؤسسات تلك الدولة المساواة لجميع مواطنيها ومواطناتها، وتمدُّهم في الوقت نفسه بمبررات الانتماء إليها.  إلا إن مسار تاريخ البلاد منذ الاستقلال كان يمضي في اتجاه معاكس. ولعل في هذا التصور بعض ما دفع سياسياً مخضرماً مثل الدكتور أحمد الخطيب، الذي ساهم في وضع دستور 1962، إلى التنبيه إلى عودة نظام المشيخة فيها. وهي عودة تدريجية كانت أولى خطواتها العلنية هي تزوير إنتخابات 1967.

اللعبة البرلمانية في الكويت

لم يقم التوافق بين النخب السياسية وعائلة الصباح على أساس التكافؤ بين الطرفين. فعلى الرغم من نصوص الدستور، بقيت العائلة الحاكمة تحتكر التحكم بموارد البلاد، بما فيها عائدات النفط، والإمساك بقدرات الدولة الأمنية والعسكرية، علاوة على الإنفراد بالقرار السياسي. وقد انعكس ذلك بوضوح في سيرة مجلس الأمة بإعتباره أحد أهم مجالات تطبيق ذلك التوافق التاريخي. فطيلة أكثر من نصف قرن، منذ انتخاب أول برلمان في الكويت في 1963 وحتى الآن، لم تتحول اللعبة البرلمانية إلى لعبة بين طرفين متساويين: الشعب والعائلة الحاكمة. العائلة تتحكم في تشكيل البرلمان عبر طرق متعددة، بما فيها مختلف أساليب تزوير نتائج الانتخابات والتلاعب بترسيم الدوائر الانتخابية ودعم حملات من يُسَّمون بـ”نواب الخدمات” في مواجهة المترشحين عن أحزاب سياسية. علاوة على ذلك، تعسفت العائلة الحاكمة في تفسير نصوص الدستور لتتعامل مع مجلس الأمة وكأنه مجرد مؤسـسـة ملحقة بالديوان الأميري.

يعطي الدستور الكويتي للأمير الحق في أن يحل مجلس الأمة المنتخب في حال ثبت لديه إن المجلس لم يتمكن من التعاون مع رئيس الوزراء. ونَجَم عن التعسف في إستخدام هذا الحق تعريض مجلس الأمة للحلّ إحدى عشر مرة ما بين 1976 و2016. وأتى الحلّ في أغلب تلك المرات إثر مطالبات يقدمها أعضاء مجلس الأمة للتحقيق في إتهامات بالفساد ضد وزراء وأفراد من العائلة الحاكمة. ويكرر الإعلام الرسمي الإشارة إلى أن حل مجلس الأمة يستند إلى الدستور لمنع “مساس بعض أعضاء مجلس الأمة بوحدة الوطن واستقراره والتهجم والتجني على المسؤولين وإساءة استخدام الأدوات الدستورية في الرقابة والاستجوابات”.
ويبدو قرار الحل “مفاجئاً” في كل مرة، على الرغم من تكراره طيلة العقود الخمسة الماضية. إلا أن ما لا يفاجئ متابعي الوضع السياسي في الكويت هو إن العائلة الحاكمة تستخدم الحلَّ المبكر لمواجهة أمرين. أولهما إستباق إحتمال قيام قوى المعارضة بتشكيل تحالفات تتجاوز حدود قواعدها القبلية أو المذهبية أوالمناطقية. أما الثاني، فهو إحباط محاولة إتفاق قوى المعارضة المختلفة فيما بينها على مساءلة إجراءات وقرارات اتخذتها الحكومة أو لم تتخذها

بعد كل حل، تجري انتخابات جديدة لتعود اللعبة البرلمانية إلى سياقها، فيفلت المتهمون بالفساد من المساءلة السياسية في مجلس الأمة ومن الملاحقة القانونية في المحاكم. بل قد تأتي نتائج الانتخابات التالية بما يناسب بقاءهم في مواقع المسئولية عبر تغيير الحقائب الوزارية التي تناط بهم.
وحين أعلن أمير الكويت في 16 تشرين الأول الماضي/ أكتوبر عن حل مجلس الأمة، لم تشّذ التبريرات الإعلامية عن مثيلاتها طيلة العقود الماضية. فحسب تصريح لرئيس الوزراء، عانت البلاد من “خللٍ في العمل البرلماني أدى إلى أن يصبح مجلس الأمة ساحة للجدل العقيم وإفتعال الأزمات”. ولعله يشير بذلك إلى جهود عدد من النواب في التفاعل مع الغضب الشعبي جراء إجراءات التقشف التي بدأت السلطات الكويتية بتطبيقها، أو إلى محاولة عددٍ منهم طرح استجواب لوزيري المالية والعدل حول قضايا من بينها إهدار المال العام وسوء استخدام السلطة.

مجلس 2017

عملت السلطات الكويتية على الإستفادة من فترة الحل لتمرير عددٍ من القرارات بهدف تطويق حركة المعارضة، تضمنت حرمان من تتهمه السلطة بالتعرض للذات الأميرية وللعقيدة الدينية ولحكام دول شقيقة من حق الترشح. وأدى التطبيق التعسفي لتلك القرارات إلى رفض ترشيح العشرات من شخصيات المعارضة ومن بينهم أعضاء في دورات سابقة لمجلس الأمة كالنائبة صفاء الهاشم، أحد أكثر أعضاء المجلس السابق جرأة وتماسكاً. إلا إن ارتباك القرارات الحكومية والتعسف البيِّن في تطبيقها سهّلا استصدار حكم محكمة الاستئناف بإلغاء عدد من قرارات منع الترشح. ولعل في هذا بعض ما يفسر إن الانتخابات الأخيرة التي جرت في 26 تشرين الثاني / نوفمبر فاجأت كثيرين، بمن فيهم الحكومة الكويتية التي كانت تأمل بتركيبة برلمانية أكثر طواعية من التركيبة السابقة. ربما بالغ بعض المعلقين في التفاؤل بالحديث عن إنجازات إنتخابية حققتها المعارضة بفوزها بأربع وعشرين مقعداً من أصل خمسين مقعداً، وبأن الناخبين الكويتيين فرضوا تغييراً في المجلس حين إنتخبوا وجوهاً جديدة تشكل أكثر من نصف الأعضاء المنتخبين. (لم تنجح سوى صفاء الهاشم من بين 15 امرأة ترشحن هذه المرة).
سيكون على المجلس الجديد مواجهة الملفات التي لم يكن المجلس السابق قادراً على مواجهتها. أغلب هذه الملفات يندرج تحت عنوان تحول الدولة إلى مشيخة، وفي مقدمها ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف المجالات وتصاعد حدة الإجراءات القمعية والعقابية ضد معارضي السلطة ومنتقدي قراراتها.
ومن بين هذه الملفات أيضاً ملف الإجراءات التقشفية التي تضمنتها وثيقة “الإجراءات الداعمة لمسار الإصلاح المالي والاقتصادي – المدى المتوسط” التي أقرتها الحكومة الكويتية في منتصف آذار / مارس الماضي. لم تتمكن الحكومة من تمرير تلك الوثيقة عبر مجلس الأمة السابق بعد أن إرتفعت أصوات عدة أطراف في المعارضة الكويتية تدعو لمواجهة المشاريع المالية / الاقتصادية التي تسعى العائلة الحكمة لتمريرها عبر “وثيقة الإصلاح”. فالتيار التقدمي مثلاً  اعتبر الوثيقة انحيازا “لصالح قلة من كبار الرأسماليين ضد مصالح الغالبية الساحقة من الجماهير الشعبية”.
لا تختلف وثيقة الإصلاح الكويتية عن مثيلاتها في بلدان مجلس التعاون الخليجي (السعودية: رؤية 2030، والبحرين: الخطة الإستراتجية الاقتصادية 2030، وقطر: رؤية 2022). فجميع تلك الخطط والرؤى تعلن إنها تسعى  إلى “الانتقال من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد منتج عبر إستراتجيات اقتصادية تؤدي إلى تنويع مصادر الدخل وزيادة معدلات الإنتاجية وتوطين سوق العمل”.ا

وكمثيلاتها في منطقة الخليج وخارجها، تنطلق وثيقة الإصلاح الكويتية من تشخيص خاطئ لتطرح علاجات قاصرة ومحددة مسبقاً، للوصول إلى هدف لا يمكن صياغته إلا بعبارات مطاطة تقبل التفسير حسبما يُراد لها.  فجميع تلك الخطط والرؤى، وإن اختلفت بيوت الاستشارات العالمية التي أعدتها، تستند في الواقع على التوصيات ذاتها التي تسوِّقها تقارير صندوق النقد الدولي في مختلف البلدان. وهذه التوصيات تتلخص ــ وبصياغات مختلفة ــ في: 1) تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة وإلغاء الدعم الحكومي للمواد الاستهلاكية الأساسية، بما فيها المحروقات ومياه الشرب والكهرباء، 2) تجميد التعيينات في أجهزة الدولة ومؤسسات القطاع العام تمهيداً لتقليص دورها في سوق العمل، 3) زيادة واردات الخزينة العامة عن طريق رفع التعرفة الجمركية وفرض ضريبة القيمة المضافة وتحميل المواطنين الجزء الأكبر من كلفة توفير الخدمات الصحية والتعليمية التي سيتم بيعها للقطاع الخاص، 4) خصخصة أجزاء رئيسية من أنشطة القطاع العام وتقليص دوره الاقتصادي بالاعتماد على القطاع الخاص.

المواجهة القادمة

طيلة العقود السابقة نجحت العائلة الحاكمة الكويتية في تمرير ما تريد فرضه من قوانين وقرارات عبر مجالس الأمة المتعاقبة. ولأنها كانت، حين تعجز في وقتٍ من الأوقات عن ذلك، تلجأ إلى حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة تأتي بمجلس أكثر تفهماً.. لهذا لم تواجه الحكومات المتعاقبة صعوبات جدية داخل مجلس الأمة لتمرير قوانين جديدة أو تعديلات على قوانين سارية، تنتهك حقوق الإنسان بما فيها حريات التعبير والتجمع. بل إن المجلس الأخير سكت عن إجراءات نزع الجنسية والترحيل القسري ومرّر قوانين تنتهك حقوق الإنسان مثل قانونيْ “البصمة الوراثية” و”الجرائم الإلكترونية” وغيرهما.
في ضوء التركيبة الجديدة لمجلس الأمة يصعب الآن التكهن حول طول الفترة الزمنية التي سيمارس عمله فيها قبل أن “يُضطر” الأمير إلى إصدار مرسومٍ بحله ودعوة الناخبين الكويتيين لممارسة حقهم في إنتخاب مجلس آخر. إلا إن القرار هذه المرة لن يكون بيد العائلة الحاكمة وحدها. فإجراءات التقشف المتوقعة ستكون قاسية وستتضرر منها شرائح واسعة من مواطني الكويت والمقيمين فيها. وهذه قد لا ترتضي البقاء صامتة إنتظاراً لدورة برلمانية أخرى

——————

مقالٌ منشور في السفير العربي

http://arabi.assafir.com/article/5738

..

عسكرة الخليج… – مقالٌ منشور في “النهج” 1984

قانون أحكام الأسرة في البحرين – الشق الجعفري

في بداية تشرين الثاني / نوفمبر الجاري، افتتحت الأميرة سبيكة قرينة ملك البحرين بصفتها “رئيسة المجلس الأعلى للمرأة” المؤتمر الوطني الثالث للمرأة البحرينية. وطالبت الأميرة في كلمتها بالإسراع في إصدار الشق الجعفري من قانون أحكام الأسرة. من جانبه، كرر وزير العدل والشؤون الإسلامية في كلمته خلال المؤتمر مضمون تصريحات سابقة له بأن استكمال قانون أحكام الأسرة هو أحد أولويات وزارته باعتباره “استحقاقاً لا مناص من تحقيقه”.

ساحة صراع حول أمور أخرى

طرحت الحكومة مسودة قانون أحكام الأسرة في 2005 بهدف معلن هو تطبيق التزامات تنصّ عليها اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة (“سيداو”). وكانت البحرين وقتها في أوج المواجهات بين المعارضة بأطرافها المتعددة والسلطة حول شرعية دستور 2002 الذي أعلنه الملك منفرداً. وهي مواجهات تمثلت في مقاطعة القوى السياسية المعارِضة المشاركة في أول انتخابات تُجرى طبقاً للدستور الجديد.
أدى طرح مسودة قانون أحكام الأسرة إلى انقسام مواقف قوى المعارضة حوله. إلّا أنّ الطرف الأقوى بينها وهي “جمعية الوفاق الإسلامية” تبنّت موقفاً متشدداً أعلنه “المجلس العلمائي” الذي كان يترأسه وقتها الشيخ عيسى قاسم. من جهتها بذلت السلطة جهوداً إعلامية كبيرة للدفاع عن القانون باعتباره عصرياً ويتماشى مع الشريعة الإسلامية ويراعي الخصوصيات المذهبية في البحرين. وبالتوازي، حاولت القوى المعارضة العلمانية والتجمعات النسائية تنظيم حراكٍ شعبي في مواجهة الحراك الذي تولى رعايته “المجلس العلمائي”. اعتبر متابعون أنّ معارضة كبار رجال الدين الشيعة للقانون تعبيراً عن “حساسية لديهم من تدخل السلطة السياسية في الشؤون الدينية” ولرغبتهم في “إبعاد تلك السلطة عن الشؤون الدينية الخاصة بطائفتهم”. ويشير أصحاب هذا الرأي إلى التشدد الذي عبرت عنه التصريحات المضادة للقانون والتي بلغت حد التهديد بإعلان العصيان المدني. وهو تهديد لم يثره أحدٌ من رجال الدين أو غيرهم في مواجهة دستور عام 2002.
شهدت البحرين في 2005 وبداية 2006 مسيرات متضادة وتجمعات خطابية نظّمتها الأطراف الثلاثة. ومع احتدام الخلاف حول قانون أحكام الأسرة انفرط عقد إجماع قوى المعارضة حول رفض دستور 2002 ومقاطعة ما يتولد عنه من مؤسسات، بل أعلنت هذه القوى تخلّيها عن المقاطعة ومشاركتها في انتخابات تشرين أول/ أكتوبر 2006 لكي “تتمكن من مواجهة السلطة تحت قبة البرلمان”.

التسوية الموقتة

بعد أكثر من أربع سنوات من جهود الوساطة والاتصالات المباشرة بين الملك ورئيس “المجلس العلمائي”، أصدر الملك في 27 أيار /مايو 2009 قانون أحكام الأسرة (الشق السنّي) بعد إقراره من قبل البرلمان. وكما يُستدل من اسمه، فلا يشمل القانون الصادر عام 2009 أحوال الأسر الشيعية التي تشكل أكثر من ثُلثيْ أسر المواطنين في البحرين. إلّا أنّ إصدار القانون رغم جزئيته حقق هدفيْن هاميْن. أولهما الاستجابة لنصائح المجتمع الدولي المطالبة بإصدار التشريعات الوطنية اللازمة لتطبيق اتفاقية “سيداو”، وثانيهما تأكيد التزام الملك بالتسوية التي توصّل إليها مع كبار رجال الدين الشيعة والتي مهدت لإنهاء مقاطعة التنظيمات السياسية المعارضة للمشاركة في البرلمان.
عززت تسوية الخلاف بين الملك والمجلس العلمائي حول قانون أحكام الأسرة وجهة النظر القائلة بأن الخلاف وما رافقه من تصعيد لا يتعلق بالقانون نفسه بل هو جزءٌ من حراكٍ يهدف لتحسين شروط العلاقة السياسية بين المؤسسة الدينية الشيعية والعائلة الحاكمة. ومهما يكن الأمر، فقد خذلت تلك التسوية قطاعاً كبيراً من نساء البحرين اللواتي ناضلت قياداتهن من أجل قانون عصري يحميهن من تغوِّل التفسيرات الاستنسابية لأحكام الشريعة. كما خذلت تلك التسوية أطرافاً مؤثرة من المعارضة الوطنية بمن فيها رجال دين رفضوا دستور 2002 الذي أصدره الملكُ منفرداً، وقاطعت كل ما ترتب عليه.

ماذا تَعلَّم الملك؟

اكتشف الملك أنّه تمكّن عبر تحريك قانون الأحوال الشخصية من الإمساك بما تبيّن أنّه عصب حسّاس في ذهن رجل الدين. وحين أصدر قانون الأحوال الشخصية بشقه السنيّ فقط لم يكن يتخلى عن حقه الدستوري وإنّما كان يؤكد امتلاكه تطبيق ذلك الحق كيفما ووقتما يشاء. فهو ترك مسألة “حل ملف الشق الشيعي” للتوازنات ضمن قوى الطائفة الشيعية، وهي توازنات يستطيع التأثير فيها معتمداً على التنازع على الرئاسة والمناصب بين أعيان الطائفة ووجهائها بمن فيهم رجال الدين. فمنذ وضعت أولى لبنات الإدارة الحكومية في عشرينيات القرن الماضي، كانت السلطة تتحكم إلى حدٍّ كبير في تغيير الأعيان وتدويرهم.
لا تستند قدرة الملك في هذا المجال إلى سيطرته على أدوات وقنوات توزيع الريْع بما فيها المكرمات فحسب، بل وأيضاً على الترتيبات التي وضعها البريطانيون لبناء الإدارة الحكومية في البحرين. ففيما يخص رجال الدين من الطائفتين، أخضع البريطانيون الأوقاف والقضاء الشرعي للسلطة الحكومية. وبحسب تلك الترتيبات أصبحت إدارتا الأوقاف السنية والجعفرية وأغلب المساجد والحسينيات تابعة منذ ذلك الحين للجهاز الحكومي. كما أصبحت وظيفة القاضي الشرعي وظيفة حكومية ضمن النظام الإداري المستحدث. وبطبيعة الحال عارض وقتها رجال الدين وبعض أطراف العائلة الحاكمة تلك الترتيبات. إلّا أنّ البريطانيين تمكّنوا من فرضها بعد سلسلة إجراءات شملت إزاحة شيخ البحرين واستبداله بابنه في 1923، كما شملت إزاحة قضاة شرع من مناصبهم واستبدالهم بآخرين.
طرأت تعديلات كثيرةٌ على تلك الترتيبات البريطانية، إلّا أنّها لا تزال تلعب دورها في إدامة الاعتماد المتبادل وغير المتساوي بين العائلة الحاكمة من جهة وأعيان البلاد بمن فيهم كبار رجال الدين من جهة أخرى. لهذا، ليس مستغرباً أن تلاحظ إحدى الدراسات “استحواذ بعض الأسر على إدارات الأوقاف والقضاء الشرعي بفرعيه السني والشيعي”. ففي الجهتين تطغى أسماء عوائل بعينها منتشرة في مختلف مدن البلاد وقراها. يضاف إلى ذلك ما توفره أواصر النسب وعلاقات المصاهرة بين هذه العوائل في تعزيز احتكارها لهذه الوظيفة. إلّا أنّ هذه العوائل تعرف أنّ الوصول إلى الوظيفة لا يتم إلا بقرارٍ يتوافق عليه الملك وعمه رئيس الوزراء. تقليدياً تمثّل هذه العوائل في الجانب الشيعي المخزون الاجتماعي ــ السياسي الذي تعتمد عليه العائلة الحاكمة لإدارة شؤون الطائفة وللتأثير في توازناتها.

إعلان “الشق الجعفري”

منذ الأوّل من هذا الشهر تكررت التصريحات الرسميّة حول قرب إقرار المجلس النيابي لما يعرف بـ “الشق الجعفري” من قانون أحكام الأسرة. وفي المقابل، تكرّرت بيانات وتصريحات لعددٍ من كبار رجال الدين الشيعة، وفي مقدمتهم الشيخ عيسى قاسم، معارضاً إصدار “الشق الجعفري” قبل عرضه على المرجعية العليا للشيعة في النجف لإقراره من طرفها. وهذا ما ترفضه السلطة رفضاً مطلقاً.
أتت التصريحات الأخيرة بقرب إقرار “الشق الجعفري” على خلفيّة أنّها تشعر بأنّها ستحظى بدعم قوى المعارضة العلمانية والتنظيمات النسوية، وأنّ لديها ما تحتاجه من غطاء شرعي سيوفره لها دعم رجال الدين الشيعة الموالين لها. علاوة على ذلك، فإن حسابات السلطة تشير إلى أنّ معارضي القانون لم يعودوا قادرين على عرقلة إقراره بعد أن قامت بحل “المجلس العلمائي” وإسقاط جنسية مؤسّسه الشيخ عيسى قاسم، وبعد أن حلّت “جمعية الوفاق” وسجنت أمينها العام.


المقال منشور في “السفير العربي” 25/11/2016

مقالات ذات صلة

قمع النساء بالنساء

مساعٍ مزدوجة لاحتواء حراك المرأة في البحرين

 

رسالة مفتوحة إلى الشيخ عيسى بن سلمان (أبريل 1992)ا

بعد نفيٍ دامَ منذ مايو 1976  وصلتُ إلى البحرين في 18 مارس 1992 قادماً من لندن. منعنتني سلطات المطار من الدخول كما مُنعتُ من الإتصال بعائلتي في البحرين أو في السويد.  بعد إحتجازي من قبل  جهاز أمن الدولة لمدة  18 ساعة تخللتها جولات تحقيق جاء الأمر بتسفيري على الطائرة المغادرة إلى لندن

  بتاريخ 28 أبريل 1992 نشرت جريدة “القدس العربية” الصادرة في لندن هذه الرسالة المفتوحة

  cropped-oneandhalfdinar1.jpg

LetterToShiekhIsa

من بين أوراق قديمة

الكويت: نحو إلغاء قانون البصمة الوراثية

في بداية تموز / يوليو 2015، أقر البرلمان الكويتي مشروع “قانون البصمة الوراثية” الذي ينص على جمع عينات البصمة الوراثية من المواطنين والوافدين والزائرين وكلّ من يعبر الأراضي الكويتية. ويعاقب القانون من يمتنع عن إعطاء بصمته الوراثية بالحبس سنة واحدة وغرامة تصل إلى 10 آلاف دينار كويتي (33 ألف دولار أميركي).

أقرّ البرلمان ذلك القانون بعد أقل من أسبوع من هجوم انتحاري على مسجد الإمام الصادق في قلب العاصمة، أودى بحياة 27 شخصاً وجرح أكثر من مئتين. أتت الموافقة السريعة على ذلك القانون لتعزز احتمال ان مسودة القانون كانت معدّة قبل ذلك الهجوم. ولا شك بأنّ التعاطف الشعبي العارم مع الضحايا وفّر للحكومة الكويتية وأنصارها في البرلمان فرصة لتسريع تمريره. من جهتها، بررت الحكومة تلك السرعة في الإقرار وفي توفير التمويل اللازم لتطبيق القانون بتبريرات عدة، منها أنّه سيسهل مهمات الأجهزة المعنية في جمع المعلومات عن الجرائم وتحديد مرتكبيها، بالإضافة إلى التعرف على أصحاب الجثث المجهولة. بتاريخ 2 آب / أغسطس بعد أقل من شهر، أصبح “قانون البصمة الوراثية” سارياً بعد نشره في الجريدة الرسمية.

جدٌ كالهزل

بدا القانون، كما علقت “واشنطن بوست”، موضوعاً لرواية خيال علمي سيئة. فالاكتشافات المتسارعة في علم الجينات وتقدم تقنياته توفر آليات جديدة للسلطات في الدول الحديثة لإدارة مجتمعاتها عن طريق استخدام ما يسميه “مايكل هاردت وأنطونيو نيغري” آليات التحكم الحيوي (البيو ـ سلطة). فهل سبقت الكويت في هذا المجال بلداناً أكثر تقدماً واستقراراً كبلدان أوروبا الغربية الشمالية؟ ففي هذه الدول لم تجرؤ الطبقات الحاكمة حتى الآن على “فرض” ما فرضته الحكومة الكويتية جبراً، أي إقامة قاعدة معلومات حيوية عن طريق المسح الشامل للحمض النووي لمواطنيها وبقية المقيمين في أراضيها. فما زالت صلاحية أجهزة الشرطة في السويد مثلاً، في ما يتعلق بجمع وحفظ البصمة الوراثية، محصورة في المتهمين بجرائم معينة أو الصادرة بحقهم أحكام سجن.
لا يبدو قانون البصمة الوراثية في الكويت غريباً أو جزءاً من رواية خيال علمي. فالكويت انفردت بين دول العالم بإعلانها قبل ثلاث سنوات عن مشروع يهدف لإخضاع الوافدين للعمل لفحص طبي للكشف عن المثليين والمتحولين جنسياً منهم. وهذه المرة أيضاً، ستكون قاعدة البيانات التي ستقيمها الكويت فريدة من نوعها على مستوى العالم، إذ ستشمل بيانات ما يزيد على أربعة ملايين نسمة من مواطنين وأجانب، علاوة على مئات الألوف من السياح الذين يزورون الكويت سنوياً، ومثلهم من العابرين من منافذ الكويت الجوية والبحرية.
ما يثير الحيرة هو مدى تمهيد المسؤول السياسي الكويتي للتعاطي مع هذا الكم من المعلومات خارج استخداماتها الأمنية؟ هل تملك الكويت القدرات البشرية القادرة على الاستفادة علمياً وتقنياً من بناء قاعدة البيانات؟ علاوة على ذلك، فإن استيراد الطاقة البشرية من الخارج، علاوة على المعدات والبرامج اللازمة لإنشاء قاعدة معلومات كهذه، وإدامتها وتجديدها، يتطلب استثماراً يفوق بكثير مبلغ الأربعمئة مليون دولار المخصصة لها. أما ما ستتطلبه حماية أمن المعلومات المخزّنة ومنع اختراقها فهو أفقٌ مفتوح في عالمٍ تشتدّ فيه المنافسة بين حكومات وأجهزة مخابرات وشركات أمنية وشركات مختصة بالصناعات الحيوية على مثل ما ستحتويه قاعدة المعلومات الكويتية.

معارضة قانون البصمة

على الرغم من التعاطف الواسع مع ضحايا الإرهاب في مسجد الصادق وغيره، إلا أن القانون الجديد واجه معارضة من فئات متعددة ولأسباب مختلفة. فمن جهة ثمة تساؤلات بديهية يتعلق بعضها بحاجة الكويت لقاعدة بيانات الحمض النووي التي سيوفرها تطبيق القانون. عبّر النشطاء المدافعون عن حقوق الإنسان عن مخاوفهم من تداعيات تطبيق قانون البصمة في ما يتعلق بتوسيع سلطات الأجهزة الأمنية وتمكينها من تكثيف انتهاك خصوصية الأفراد. وتشير اعتراضات أخرى إلى تداعيات استخدام معطيات البصمة الوراثية في المنازعات حول تحديد الأنساب والمواريث، بل وفي تقرير “الكفاءة” بين الأصهار وتفكيك الأُسر! وثمة اعتراضات تشير إلى مخاطر القانون على العلاقات الاجتماعية في مجتمع تتحكم في فضاءاته العامة السياسية والاجتماعية قوى تشجع الهوس بتراتبيات الأصول القبلية وتستفيد من تسليع الانتماء القبلي. فهذه قبائل عدنانية وتلك قبائل قحطانية، وبينهما يتراتب الآخرون بين خضيرية وبَياسر وهُوَلة وغيرهم من “الطارئين”.

من جهة أخرى، لاحظ منتقدو القانون خطورة هدفيْن غير مبرزيْن له. أولهما تسخير قاعدة البيانات التي يوفرها المسح الشامل للبصمة الوراثية في الكويت لما يسميه القانون “المصالح العليا للدولة”، تاركاً تحديد تلك المصالح لمشيئة السلطة التنفيذية، وهي في الكويت تبقى رهينة لتوازن القوى داخل العائلة الحاكمة. أما الهدف الثاني فيتمثل في إطلاق يد السلطة التنفيذية وجهازها الأمني لتبادل المعلومات الحيوية التي سيوفرها تطبيق القانون عن سكان الكويت مع جهات أمنية خارجية من دون أن يكون ذلك التبادل مشروطاً وخاضعاً لرقابة برلمانية فعالة.

الخروج من الورطة

بجانب المعارضة الداخلية المتعددة الأوجه، واجهت الحكومة الكويتية انتقادات منظمات دولية معنية بحقوق الإنسان. وقد يشكل قبول المحكمة الدستورية بالطعون المقدمة إليها حول دستورية القانون بداية لإعادة النظر في القانون أو سحبه. وهذا ما يوحي به تصريح أدلى به قبل أيام رئيس مجلس الأمة الكويتي (قبل حلِّه) عن التوصل إلى “تفاهم مع الحكومة حول تعديل قانون البصمة الوراثية بحيث يشمل المشتبه فيهم وحدهم”.. إلا أنّه أضاف انّ الأمر سيظل متروكاً لوزارة الداخلية لتحديد من هم فئة “المشتبه فيهم”. وهذا لا يبشر بخير. ولهذا فقد يكون قرار حل مجلس الأمّة الحالي، وإجراء انتخابات مبكرة ستأتي بتركيبة نيابية يؤمل أن تكون أكثر حرصاً على حقوق الإنسان وعلى السلم الاجتماعي في الكويت، من المجلس المنحل الذي أقر قانون البصمة الوراثية!

عُمان: ماذا بعد السّلطان؟

تحظى سلطنة عُمان من بين دول الخليج العربية بتغطية إعلامية مميزة رغم أنّها لا تمتلك ما لدى شقيقاتها الخليجيات الأكبر والأغنى. تبدو السلطنة في أغلب التغطيات الإعلامية في صورة غير واقعية لدولة مستقرة لا تعكر استقرارها النزاعات القبلية والطائفية والطبقية التي تعصف ببقية البلدان العربية وتهدد وحدتها الوطنية بل وحتى وجودها. وحتى حين هبت فيها رياح “الربيع العربي” بعدما وصلت إلى جوار عُمان، في كلٍ من البحرين واليمن، غَلَب على الرسالة الإعلامية إن المحتجين العمانيين لم يطالبوا كغيرهم في بلدان الربيع العربي بسقوط النظام. وبالغ البعض فنقل أنّ المحتجين هتفوا بحياة السلطان واكتفوا بالتجمع في الساحات للاحتجاج ضد البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وفساد بعض المسؤولين الحكوميين.
ضمن هذه الصورة الإيجابية يبدو سلطان عُمان حاكماً متنوراً وحكيماً تجد دولاً كبرى وإقليمية في كنفه مجالاً للتفاوض على تسوية النزاعات، كما حدث بالنسبة للملف النووي الإيراني، أو بالنسبة للمساعي غير الموفقة حتى الآن لتسوية النزاع اليمني. والسلطان الذي لم يُعتقَل أيٌ من مواطنيه في سجن غوانتانامو، قدم بلاده كي تكون ملاذاً لاستقبال المفرَج عنهم من نزلاء ذلك المعتقل.
وتختلف التفسيرات التي يمكن التعويل عليها لهذه التغطية الإيجابية للسلطنة من أطرافٍ مختلفة فيما بينها. فثمة أطراف تأخذ بعين الاعتبارمواقف السلطنة المتمايزة عن محيطها فيما يتعلق بعلاقاتها الإيجابية بإيران، أو اعتراضها على قرار الجامعة العربية تسليم مقعد سوريا إلى ممثلي المعارضة السورية، وكذلك رفضها المشاركة في حرب اليمن. وفي الجهة المقابلة، ثمة أطراف تنظر إلى مواقف السلطنة المتمايزة عن محيطها فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، وخاصة وقوف سلطان عُمان إلى جانب الرئيس المصري الأسبق السادات بعد اتفاقيات كامب ديفيد في 1979. كما يشير بعضها إلى الزيارات المتبادلة بين المسؤولين العمانيين والإسرائيليين، بما فيها زيارتان قام بهما رئيس الكيان الإسرائيلي شمعون بيريز إلى مسقط.

السلطنة: نظام استبداد

بين وقت وآخر يتفاجأ الإعلام بأخبار تكشف أن سلطنة عُمان لا تختلف عن غيرها من مشيخات الخليج. وهذا ما حدث في الأشهر الأخيرة، إثراتخاذ السلطات العُمانية عدداً من الإجراءات لزيادة التضييق على حرية التعبير في السلطنة. أتت الإجراءات الأخيرة استمراراً للمسار نفسه الذي اتخذته أجهزة الأمن العُمانية قبل وبعد حراك شباط / فبراير 2011. وفي هذا، لا تختلف أغلب الانتهاكات في السلطنة عمّا تفعله شقيقاتها الخليجيات. فهي كغيرها من مشيخات الخليج العربي ليست محصورة بقمع حريات الرأي والتعبير والتجمع. وفيها أيضاً تعاني فئات عديدة انتهاكات يوميّة لحقوقها ومن آثار التمييز الطبقي والإثني والمناطقي. إلّا أنّ عوامل أخرى تتدخل لتقليل الاهتمام الإعلامي بما يحدث في عُمان. ولعل خلفيات ضحايا هذه الانتهاكات الأخيرة لحقوق الإنسان ساهمت في اهتمام العالم الخارجي بها.
من بين تلك الإجراءات الأخيرة اعتقال عددٍ من الصحافيين بمن فيهم رئيس تحرير الجريدة اليومية “الزمن” التي تم إغلاقها إثر نشرها مقالات تنتقد مظاهر الفساد. كما ازدادت ملاحقة الأجهزة الأمنية للمثقفين والنشطاء الحقوقيين وتهديدها لمستخدمي وسائل التواصل الإلكترونية بمقاضاتهم استناداً إلى تهمٍ فضفاضة من قبيل “إعابة الذات السلطانية” و “بث الفتنة في المجتمع” و “النيل من هيبة الدولة”. وشملت الاعتقالات عدداً من النشطاء الحقوقيين بمن فيهم الكاتب “حمود الشكيلي”، على خلفية تضامنه مع جريدة “الزمن” وصحافييها. والشكيلي هو نفسه الذي تساءل في روايته “صرخة واحدة لا تكفي” عمّا سيقوله العُماني “إذا ما مُنح فرصة للكلام. هل سيجد فرصة قبل أن تميته الدنيا عن قول ما يريد؟”.

بعض ما سيقوله العماني

في 23 تموز / يوليو 1970، وبعد أن انقضت أكثر من ست سنوات من بقاء قابوس تحت الإقامة الجبرية، تمكن من إزاحة أبيه عن عرش السلطنة. ولهذا، تحتفل عُمان الرسمية كل عام في هذا التاريخ بـ “يوم النهضة”. إلّا أنّ المتوافر الآن من الدراسات الأكاديمية والوثائق المفرج عنها حديثاً تؤكد أنّ تفاصيل خطة الانقلاب العملياتية وضعها قبل أربعة أشهر من موعد تنفيذها ضباطٌ بريطانيون في الجيش السلطاني وقاموا بتنفيذها وتنصيب قابوس سلطاناً.
على أية حال، لم تكن تلك هي المرة الأولى التي يتدخل البريطانيون فيها لعزل حاكمٍ خليجي ولتنصيب آخر. والسوابق في عُمان تعود إلى 1856 و1866 و1932. من جهة ثانية لم تكن إزاحة قابوس لأبيه أول “انقلاب قصر” في المنطقة. ففي السعودية أزاح فيصل أخاه سعود في العام 1964. وفي العام نفسه أزاح خالد القاسمي ابن عمه محمد عن حكم إمارة الشارقة. وفي أبوظبي انقلب الشيخ زايد على أخيه شخبوط في 1966. وفي قطر انقلب الشيخ خليفة على ابن عمه في العام 1972 ليحكم حتى العام 1995، حين أزاحه عن الحكم ابنه حمد

من بين العوامل التي دفعت البريطانيين إلى إزاحة سلطان عُمان السابق في العام 1970 هو حاجتهم لترتيب أوضاع منطقة الخليج العربي قبل انسحابهم المقرر منها في السنة التالية. وكان إنهاء الثورة المسلحة في جبال ظفارعلى رأس قائمة الترتيبات اللازمة. لذلك كان أحد أهم القرارات المصيرية التي اتخذها السلطان الجديد بعد استيلائه على الحكم هو التوجّه إلى الشاه الإيراني بطلب مساعدته عسكرياً في مواجهة قوات الثورة. انسجم ذلك القرار مع التحول الجيو ـ سياسي في المنطقة بالتمهيد لجعل إيران الشاهنشاهية شرطي الخليج. لم يتردد الشاه في تلبية ذلك الطلب، وهو الطامع في تثبيت موقع إيران الاستراتيجي بعد الانسحاب البريطاني من المنطقة. وفوق ذلك، رأى الشاه في الجبال العُمانية الوعرة مناطق ملائمة لتدريبٍ قتالي لآلاف المظليين والمشاة الإيرانيين. صمدت قوات الثورة ببسالة أمام تلك التحشيدات، وخاضت ببطولة معارك دامية. إلّا أنّها لم تتمكن من مواصلة صمودها لأكثر من ثلاث سنوات في مواجهة هجوم ثلاثي للقوات البريطانية والإيرانية والسلطانية.

السلطان هو السلطنة

بحلول العام 1975، كان قابوس يحتفل أولاً بانتصاره على قوى الثورة وإحكام سيطرته الأمنية على جميع أنحاء عُمان، وثانياً بدخول بلاده عصر الطفرة النفطية. إلّا أنّه لم يستفد من الفرص التي كانت أمامه لتنمية بلاده وتحويل السلطنة الإقطاعية إلى دولة حديثة. بدلاً من ذلك، اعتمد على التحسينات الشكلية التي أبقته حاكماً مطلقاً لا نظير له ولا منافس.
انتظر قابوس أكثر من ربع قرن على توليه الحكم ليصدر في العام 1996 مرسوماً سلطانياً بإعلان “النظام الأساسي لسلطنة عُمان”. وحسب ذلك الدستور، أصبح السلطان رأس السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. لقي ذلك الإعلان ترحيباً حماسياً من الحكومتين الأميركية والبريطانية اللتين اعتبرتاه خطوة على طريق الملكية الدستورية. تضمنت نصوص الدستور مواداً تُمَأسِس بوضوح امتيازات السلطان. واستتبع ذلك أن يكون السلطان نفسه هو رئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحة والقائد الأعلى للشرطة السلطانية ورئيس مجلس الأمن الوطني ووزير الخارجية والمالية ورئيس مجلس محافظي البنك المركزي ورئيس مجلس التخطيط الأعلى.
في السنة نفسها، وضع السلطان “رؤية عُمان 2020” بهدف استراتيجي عام هو بناء الدولة الحديثة وتحقيق عددٍ من الأهداف المرحلية المتمثلة بـ: 1) التخلص من الاعتماد على النفط، 2) “التعمين”، أي توطين سوق العمل بتنمية القوى البشرية المحلية وعدم الاعتماد على استيراد الأيدي العاملة من الخارج، 3) تطوير القطاع السياحي بما يتطلبه من استثمارات في البنى التحتية. لا يمكن، بعد عشرين سنة من إعلان تلك الرؤية، الحديث عن تحقيق تقدم نحو بناء الدولة الحديثة. ولهذا بدأ الحديث عن استعدادات يعطلها كما يبدو مرض السلطان للقيام بمحاولة أخرى لإعلان “رؤية عُمان 2040”.
تشير الأرقام الرسمية إلى تراجع أوضاع السلطنة عما كانت عليه حين وُضعتْ “رؤية 2020 “. فما زال النفط يمثل ما بين 78 في المئة و80 في المئة من موارد السلطنة. وازداد الاعتماد على استيراد الأيدي العاملة الأجنبية التي شكلت في العام 2015 أكثر من 44 في المئة من سكان عُمان. ولم يتم تطوير القطاع السياحي ليتمكن من منافسة البدائل السياحية المتوافرة في منطقة الخليج العربي بضفتيه. من جهة أخرى فإن صعوبات اقتصادية تواجهها عُمان جراء انخفاض أسعار النفط، وبسبب قلة إنتاجها النفطي أصلاً، الذي يقل عن مليون برميل في اليوم. وقد سجل العجز المتوقع في ميزانية هذا العام حوالي 3.3 مليار ريال (8.5 مليار دولار) أو ما يعادل 38 في المئة من إجمالي الإيرادات. من المفارقة أن قيمة هذا العجز تقل عن مخصصات الميزانية لمصروفات الأمن والدفاع (3.7 مليار ريال) التي تشكل 28 في المئة من جملة الإنفاق الحكومي.

ماذا بعد السلطان؟

منذ أن أطاحت هبّات “الربيع العربي” حسني مبارك ومعمر القذافي، صار قابوس البوسعيدي أقدم الحكام في المنطقة العربية. إلّا أنّه بعد أكثر من 46 عاماً من تنصيب البريطانيين له على عرش عُمان، لم يبنِ الدولة الحديثة التي وعد بها الناس. واتضحت هشاشة النظام السياسي الذي أسسه قابوس في فترات غيابه المتكرر عن البلاد لتلقي العلاج، ودامت آخرها فترة ثمانية أشهر قضاها السلطان في مشافي ألمانيا. في فترات غيابه يتولى مسؤولو الديوان السلطاني على مختلف درجاتهم إيصال التعليمات السلطانية إلى الوزراء وكبار المسؤولين في السلطنة. وفي ظل شبكة التواصل التي تزداد تعقيداً في غياب السلطان، لا يجرؤ مسؤول على اتخاذ قرار أو مبادرة. لقد بنى قابوس نظاماً محوره قابوس نفسه، ولا شريك له فيه ولا وريث. ولهذا تبقى عُمان بمناطقها وقبائلها وبمكوناتها الإثنية والمذهبية المتنافرة في حالة انتظار المجهول الذي سيأتي بعده.


المقال منشور في السفير العربي

http://arabi.assafir.com/Article/1/5377

.