توثيق القمع والمقاومة في سجون البحرين

لا تزيد مساحة البحرين عن 800 كيلومتر مربع إلا إن بها أكثر من عشرين سجناً ومعتقلاً (عدا أماكن الاحتجاز السرية). أكبر هذه السجون هو “سجن جَوْ المركزي” الذي يبعد 25 كيلومتراً عن العاصمة، وتبلغ طاقته الاستيعابية 1200 سجين، إلا إنه يضم أكثر من ثلاثة آلاف سجين أغلبهم من نشطاء المعارضة وأنصارها.
في مثل هذه الأيام قبل سنتيْن شهد “سجن جَوْ” مواجهة بين السجناء وحرس السجن في ما صار يُعرف في إعلام المعارضة بـ”انتفاضة السجون”، وفي إعلام السلطة بـ”شغب سجن جو”. كانت شرارة تلك المواجهة تكرار تعديات الشرطة وحرس السجن على أهالي السجناء في أوقات الزيارة المقررة. تعرض المئات ممن شاركوا في “انتفاضة سجن جو” إلى المزيد من التنكيل أثناء قمع حراكهم، وبقي التنكيل مستمراً طيلة السنتين الماضيتين. وقبل أسبوعين قضت محكمة الاستئناف بتثبيت العقوبة الإضافية التي حُكم بها على 54 مشاركاً في تلك الانتفاضة إلى 10 سنوات سجن، وألزمتهم بسداد غرامة قدرها نصف مليون دينار (حوالي مليون وثلاثمائة وخمسين ألف دولار أمريكي)ا

القمع والمقاومة في السجن

لم تكن انتفاضة 10 آذار/مارس 2015 أول أو آخر الاحتجاجات الفردية أو الجماعية التي يقوم بها المعتقلون والسجناء في البحرين بسبب الاكتظاظ وسوء المعاملة واستمرار تعريض السجناء إلى التعذيب الجسدي والنفسي. إلّا أنّ ظروفاً ملائمة جعلت تلك الانتفاضة تحظى بتغطية إعلامية غير مسبوقة وساهمت في الكشف عن تفاصيل المعاناة التي يتعرض لها المعتقلون والسجناء من نشطاء المعارضة والمتعاطفين معها. من جانبٍ آخر، أكدت تلك الانتفاضة أيضاً على ما تحفظه الخبرات الثورية في مختلف أنحاء العالم عن أنّ المقاومة لا تنتهي عند بوابة السّجن، بل قد يجد السجين أو السجينة في سجنهما أشكالاً جديدة لمواجهة السلطة وتوسيع إطار معارضيها.

في بداية كانون أول / ديسمبر الماضي، صدرت رواية “جَوْ” التي كتبها “معتقل سياسي لا زال يرزح في السّجن”، لتكون “إفادة حقوقية بطابعٍ روائي” تتناول حياة المعتقلين. وفي هذا الشهر، وبمناسبة الذكرى الثانية لانتفاضة “سجن جو” يُنشر كتاب توثيقي، “زفرات”، الذي أعدّه وحرّره الباحث البحريني نادر المتروك معتمداً على شهادات 68 من السجناء.
يسهم الكتاب في توثيق التعذيب الممنهج باعتباره أحد أساليب ممارسة السلطة في البحرين، وليس مجرد إجراء عقابي استثنائي. وتتضح من هذا التوثيق المفارقة التاريخية التي يمثلها استمرار النظام الاستبدادي في البحرين. فهو من جهة نظام يسند شرعيته إلى أنّه “فتح البلاد بحدّ السيف في عام 1783″، ومن جهة أخرى هو استنسخ مفردات الحداثة وأدواتها، بما فيها بنية الدولة الحديثة ومؤسساتها وأنظمتها، لكي يديم ممارسات سلطة الفاتحين. وعلى هذه الثنائية، يصبح ممكناً لحاكمٍ أن يعلن نفسه ملكاً لمملكة دستورية ولكنه يمارس سلطاته كما يمارسها شيخ قبيلة في القرن الثامن عشر.
تشير التفاصيل التي يوثقها الكتاب في كل زفرة من زفرات ضحايا التعذيب إن السلطة الخليفية لا تعترف بآدمية معارضيها ولا بحقهم في العيش بأمان وكرامة في وطنهم. وبالمقابل نكتشف في التفاصيل التي يسردها كتاب “زفرات” والشهادات الشخصية للسجناء كيف يسعى ضحايا التعذيب في البحرين للذود عن كرامتهم والحفاظ على آدميتهم وعلى إيمانهم بأن صمودهم في السجن سيسهم في تسريع بناء بحرين المستقبل كما يريدها أهلها.

التعذيب كأداة من أدوات ممارسة السلطة

التعذيب بأشكاله المختلفة هو وسيلة أساسية من وسائل الحكم التي تستخدمها الأنظمة الاستبدادية على اختلاف درجاتها في جميع أرجاء العالم. ورغم انتشاره، فما زال التعذيب سراً من الأسرار الذي تبذل الدول الاستبدادية جهوداً كبيرة لإخفاء ممارستها له ولإنكاره إن افتضح أمرها. لقد عرف العالم قبل غوانتنامو وقبل أبوغريب وبعدهما مئات التقارير التي توَثِّق التعذيب وأشكاله. وثمة آلاف الشهادات عن معاناة من ماتوا تحت التعذيب أو أُصيبوا بعاهات جسدية ونفسية. وعلى الرغم من ذلك، فلا يمكن القول إننا نعرف كل ما يجب أن يُعرَف عن آثار التعذيب المباشرة وغير المباشرة على ضحاياه، ناهيك عن أساليبهم في مقاومة جلاديهم.ا

لا تنحصر أهمية التعذيب لدى نظامٍ استبدادي في كونه وسيلة لانتزاع اعترافات المتهمين وتعجيل محاكمتهم، بل في أنه إجراءٌ مخفي ولا حدود له. فحتى حين تصدر الأحكام القضائية في بلادٍ مثل السعودية وإيران بجلد متهمٍ، فإن القاضي يحدد عدد الجلدات المقررة التي لا يتجاوزها الجلاد عادة. أما في التعذيب، كما نعرف من شهادات السجناء والمعتقلين في “سجن جَوْ”،  فلا حدود لعدد الضربات التي يتلقاها الضحية ولا حدود لشدتها سوى إرادة الجلاد ومدى حاجته إلى إبقاء الضحية على قيد الحياة.  ولكي يكون فعالاً، فلا بد أن يكون التعذيب مفتوحاً لا حدود ولا زمن له. يأتيك الجلاد في أي وقت ليلاً نهاراً ولا تدري هل سيصب عليك ماءً مثلجاً وأنت معلق بحبل مربوط في السقف أم سيضربك بخيزران، أم سيقتلع من قدمك ظفراً. ولا تدري هل ستدوم جلسة التعذيب ساعة أم أقل أم أكثر. وهل ستتكرر الجلسة بعد ساعة، يستريح فيها جلادك، أم سيأتيك بعد يوم. ولا يعتمد سوى القليل من ممارسات التعذيب على سادية الجلاد نفسه ومشاعره الشخصية تجاه الضحية أو تجاه التهم الموجهة إليه. فغالبية التعذيب، وخاصة ذاك الذي يمارسه الجلادون بعد صدور الحكم ضد المتهم، هو نشاط يهدف إلى تأكيد قوة السلطة وقدرتها على معاقبة من يخالفها كيفما تشاء. وهو نشاطٌ يشرح بوضوح ما أشار إليه ميشيل فوكو في أنّ أنواع التعذيب ودرجاته هي تعبيرات عن علاقة “الدولة” بالخاضعين لسلطتها.ا

تؤكد الشهادات التي يسردها كتاب “زفرات” أنّ أغلب ممارسات التعذيب لا تهدف للحصول على معلومات يعتبرها الجلادون هامة. فكما تبين مما عُرفَ عن الممارسات الإجرامية في غوانتنامو وأبو غريب وغيرهما من سجون التعذيب، تسعى أغلب ممارسات التعذيب في الواقع إلى إذلال الضحية ونزع آدميته. ففي السجن لا تكتفي السلطة الاستبدادية بأساليب شيطنة معارضيها لتوفير أكبر قدر من التبريرات التي تحتاجها لقمعهم، بل هي تجهد من أجل نزع آدميتهم لتبرير تنكيلها بهم ليس لأنهم يشكلون تهديداً سياسياً أو أمنياً، بل لأنهم لا يستحقون المعاملة الآدمية. وهو ما يتضح أيضاً من قراءة شهادات كثيرة يتضمنها هذا الكتاب. فعلى سبيل المثال، حين يأمر الجلادون الضحايا بالزحف على بطونهم في ممرٍ طويلٍ بينما هم يضربونهم بالهراوات على ظهورهم وأرجلهم،  فليس الهدف انتزاع معلومات أو حتى معاقبة السجين على مخالفة، بل الإذلال ونزع الآدمية وإرغام الضحايا على قبول إن صوت الجلاد هو صوتهم وإرادته هي إرادتهم. ولهذا نجد إهتمام الجلادين بترتيب “جلسات التعذيب الدسمة” في أوقاتٍ لا تخطر على بال أو قيامهم بصب المياه الباردة في عزِّ فصل الشتاء على المعتقلين والسجناء. ولهذا أيضاً يتكرر إرغام الضحايا على إهانة أنفسهم بعبارات مثل “أنا أرنب.. أنا حمار.. أنا كلب.. أنا خنزير..”.  ولهذا أيضاً يُجبر السجناء على تقليد أصوات الحيوانات وحركاتهم. ولهذا أيضاً تتكرر الشهادات عن جلسات التعذيب التي يرغم الجلادون فيها ضحاياهم على التغني بالنشيد الملكي أو الهتاف بحياة الملك وعمه ووليّ عهده أو شتم زعماء المعارضة ورموزها.

تحطيم جدار الصمت

يساهم توثيق شهادات ضحايا التعذيب في تحطيم جدار الصمت. فصمت الضحايا هو الدرع الذي يحتمي به الجلادون في جميع البلدان الاستبدادية. نعم، لكل صمتٍ أسبابه، ولكل ضحيةِ تعذيب ظروفه وظروفها. إلا إن ثمة عوامل مشتركة تسهم في إسكات الضحايا وإخفاء معاناتهم. أبرز هذه العوامل هو الخوف من انتقام أجهزة النظام. وقد يكون صمت الضحايا بسبب اليأس من العدالة أو نتيجة قناعة بأن السلطة (وجلاديها) قادرة على الإفلات من المساءلة بما لديها من أجهزة إعلامية تتولى الإنكار، وما لديها من أجهزة أمنية وقضائية تتولى ملاحقة من يجرؤ على الشكوى. ولهذا يكتسب هذا الكتاب قيمة إضافية عبر إسهامه في إزالة جدار الصمت في البحرين. فالزفرات التي يتضمنها هي من جهة شهادات لضحايا تعذيب بعضهم خرج من السجن وبعضهم ما زال فيه، وجميعهم عرضة لانتقام سلطة العائلة الحاكمة في البحرين. وهي من الجهة الأخرى تسهم في توثيق أساليب المقاومة التي شهدتها سجون البحرين ومعتقلاتها في السنوات الخمس الأخيرة.ا

 مجلس التعاون الخليجي…السبع السمان(مقال منشور في أغسطس ١٩٨٨)ا

تصريح الوزير الكلكجي

‏أعلن الوزير الكَلكجي بإسم الجناحيْن الإصلاحي والمتشدد (وبإسم جناحيْ سباقات السياكل والفورميلا): إن السلطة الخليفية لن تتحاور إلا مع مَواليها
روّجت “دراسات” لغواية الأجنحة فقيل هذا إصلاحي وذاك متشدد وهذا خوالد وذاك أوادم. وتناست إن من رضع موروث الغزو تربّى اأيضاً  على إعتبار البحرين غنيمة

 ا‏مازالت السلطة الخليفية ومَواليها(شيعة وسنة) عاجزة عن فهم ما حصل في ١٤ فبراير ٢٠١١. فبجانب إنهيار حاجز الخوف بدأ ايضاً تخليص الناس من موروث الغزو. وهو موروثٌ أتاح للسلطة وبدعم من الأعيان والنخب (شيعة وسنة) أن تستعيد المبادرة مباشرة بعد قمع كل إنتفاضة وكل حراكٍ وطني. حدث ذلك في ١٩٥٦

‏كما حدث في الستينات والسعينات والثمانينات والتسعينات. ولكنه لم يتكرر بعد قمع إنتفاضة اللؤلؤة. فلقد فشلت السلطة الخليفية في جميع محاولاتها و بالتعاون من

‏مع الأعيان والنخب الموالية والمسايرة (سنة وشيعة) على تكرار سيرتها السابقة. فلأول مرة في تاريخ البحرين الحديث يعجز الأعيان والنخب عن القيام

‏بدورهم المعهود والمتمثل في توريد الناس إلى حظيرة السلطة عن طريق الإيحاء بوعودٍ عن الإصلاح السياسية أوتحسين الأحوال المعيشية. فلم تعد الناس بعد

‏١٤ فبراير  ٢٠١١ تصدق تلك النخب وأولئك الأعيان.  ولم يعد هؤلاء يحتكرون القيادة وقنوات التواصل مع الناس. ولهذا لم تنجح محاولات عقد الصفقات

‏المعهودة بين السلطة الخليفية وبين من تختارهم من الأعيان والنخب. فالبحرين لم تعد منذ ١٤ فبراير ٢٠١١ بحرين ماقبل ذلك اليوم. وفي هذا بعض ما

يفسر ‏إزدياد عنف السلطة الخليفية وإجراءاتها القمعية التي فاقت عنف وقمع ما شهدته البحرين طيلة تاريخها الحديث قبل ٢٠١١.  فخلال الست سنوات الماضية زاد

‏عدد المعتقلين عن عدد من إعتقلوا منذ إعتقال قادة هيئة الإتحاد الوطني في اكتوبر ١٩٥٦. وزاد عدد الشهداء جراءالتعذيب في السجون او برصاص قوات

‏الشرطة في شوارع البحرين على مجموع الشهداء منذ منتصف الخمسينات.  وفوق ذلك صارت السلطة تحاصر مناطق سكنية لأيا ولأسابيعٍ بل ولأشهر كما هو الحال

‏الآن في الدراز. كما زادت أعداد المفصولين والمفصولات من العمل خلال السنوات الست الماضية عن أعدادهم طيلة ستة عقود سبقتها. وأضافت السلطة الى كل

‏ذلك قرارات سحب الجنسية التي طالت مئات المواطنين. وهو إجراءٌ صار السلطة تهدد به كل من يعارضها أو تخشى أن يعارضها. وجاء إعدام الشبان الثلاثة بعد محاكمة فقدت

‏كل شروط العدالة لتؤكد إن السلطة الخليفية فقدت قدرتها السابقة على ترويض الناس مياشرة أو عبر من يواليها أو يسايرها من الأعيان والنخب. وتأتي

‏الإشارات الأخيرة عن نية السلطة تنفيذ أحكام إعدام جديدة لتؤكد إنها لا تجد وسيلة لإخضاع الناس سوى القمع بالعنف والإذلال. إلا إنها سمعت مؤخراً

‏من أمهات الشهداء الثلاثة ما يعبر عن موقف أغلب الناس: لا شرعية لسلطة ترى الغزو أساساً لشرعيتها ولا حل في البحرين إلا بإزالة موروث الغزو. لقد فاجأت أمهات الشهداء السلطة الخليفية كما فاجأن من راهن على إن  تعب الناس سيفتح الطريق لتسويات يريدونها.  أما ما قاله الوزير الكلكجي فهو من زَبَدِ القول بعد كل ما فعلته وتفعله السلطة  الخليفية من قمع وبطش بالناس طيلة السنوات الست الماضية.  لذا لا يجدر ان يهتم بتصريح  الوزير الكلكجي أو يحزن لسماعه سوى من إنتظروا  تسوية تديم وجاهتهم وتديم موروث الغزو

من تغريدات سابقة: لمن لا يعرف تاريخنا ولعلم المتابعين الجُدد

‏لعلم المتابعين الجُدد: تأجيج السلطة الخليفية للخلافات بين مكونات مجتمعنا ليس جديداً. في ١٩٥٣ قاد دعيج بن حمد(أخ الحاكم آنذاك) هجوماً لعصابة‏من التفلنزية  على مواكب العزاء. سقطت ضحايا وكادت الأمور ان تفلت لولا الجهود الجبارة التي بذلها روّاد حركتنا الوطنية وفي مقدمهم الباكر‏والشملان والعليوات وغيرهم رحمهم الله والتي تمخض عنها قيام ما عُرف بعد ذلك بإسم هيئة الإتحاد الوطني والتي عقدت أول إجتماعاتها في مأتم‏ بن خميس في السنابس.ا

   حاولت السلطة الخليفية ومعها سلطات الحماية البريطانية تشتيت جهود الهيئة أوإضعافها عن طريق تقديم الوعود لهذا الطرف أو‏ذاك. إلا غالبية القيادات ظلت متماسكة. وأمام تطور الحركة الوطنية ونمو أنشطتها لجأت السلطتان الخليفية والبريطانية من جديد إلى القمع. فتمّ‏إعتقال قادة الهيئة وجرت محاكمتهم في محكمة صورية برئاسة المذكور أعلاه دعيج بن حمد (وهو نفس الشخص الذي قاد هجوم عصابة التفلنزية على مواكب العزاء في ١٩٥٣ والذي  أصبح فيما بعد “رئيس االمحاكم في البحرين”)ا

وكانت إحدى التهم التي لفقتها السلطة لقادة الهيئة هي “التخطيط لإغتيال الحاكم”. فحكمت‏‏على ثلاثة من القادة(الباكر والشملان والعليوات) بالنفي خارج البحرين وسجنهم في جزيرة سانت هيلانة لمدة ١٤ سنة. كما حكمت على  إثنين آخريْن (فخرو وبن موسى) بالسجن في جزيرة جدا. من جهة أخرى أمرت السلطة‏الكثيرين من القيادات الوسطى بمغادرة البلاد . ومن لم يقبل منهم نفته قسراً. وبهذا نشأت أولى موجات النفي القسري واللجوء في تاريخ البحرين الحديث.

‏لم تميّز السلطة في قمعها بين الشيعة والسنة سواءً في النفي أو السجن أو التعذيب أو الموت تحت التعذيب أو الإرغام على مغادرة البلاد أو قطع الأرزاق. ما يهمها وقتها وحتى الآن‏‏هو بقاء سلطتها على البحرين التي تعتبرها غنيمة غزو وأهلها جزءً من تلك الغنيمة. تعطي من يرتضي ذلك ما تراه ليخدمها ومن لا يرتضي ذلك فله القمع

الكويت: العودة إلى حكم المشيخة

يفاخر الكويتيون، وهم على حق، بأن نضالهم جعل بلادهم منذ إعلان استقلالها في 1961 أول أمارة خليجية تتوافق نخبها السياسية مع العائلة الحاكمة فيها على إقامة نظام دستوري برلماني ينظِّم العلاقة فيما بينهما.  ساهم ذلك التوافق في تمتين الوحدة الوطنية لمواجهة مطالبة الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم وقتها بضم الكويت، مما استدعى عودة القوات البريطانية إليها. من جهة أخرى، ساهم ذلك التوافق الوطني في سرعة إصدار دستور الكويت (1962) الذي أرسى أساساً عقلانياً لتحويل المشيخة إلى دولة.
كانت الآمال في الكويت كما في محيطها الخليجي تتطلع إلى أن تضمن مؤسسات تلك الدولة المساواة لجميع مواطنيها ومواطناتها، وتمدُّهم في الوقت نفسه بمبررات الانتماء إليها.  إلا إن مسار تاريخ البلاد منذ الاستقلال كان يمضي في اتجاه معاكس. ولعل في هذا التصور بعض ما دفع سياسياً مخضرماً مثل الدكتور أحمد الخطيب، الذي ساهم في وضع دستور 1962، إلى التنبيه إلى عودة نظام المشيخة فيها. وهي عودة تدريجية كانت أولى خطواتها العلنية هي تزوير إنتخابات 1967.

اللعبة البرلمانية في الكويت

لم يقم التوافق بين النخب السياسية وعائلة الصباح على أساس التكافؤ بين الطرفين. فعلى الرغم من نصوص الدستور، بقيت العائلة الحاكمة تحتكر التحكم بموارد البلاد، بما فيها عائدات النفط، والإمساك بقدرات الدولة الأمنية والعسكرية، علاوة على الإنفراد بالقرار السياسي. وقد انعكس ذلك بوضوح في سيرة مجلس الأمة بإعتباره أحد أهم مجالات تطبيق ذلك التوافق التاريخي. فطيلة أكثر من نصف قرن، منذ انتخاب أول برلمان في الكويت في 1963 وحتى الآن، لم تتحول اللعبة البرلمانية إلى لعبة بين طرفين متساويين: الشعب والعائلة الحاكمة. العائلة تتحكم في تشكيل البرلمان عبر طرق متعددة، بما فيها مختلف أساليب تزوير نتائج الانتخابات والتلاعب بترسيم الدوائر الانتخابية ودعم حملات من يُسَّمون بـ”نواب الخدمات” في مواجهة المترشحين عن أحزاب سياسية. علاوة على ذلك، تعسفت العائلة الحاكمة في تفسير نصوص الدستور لتتعامل مع مجلس الأمة وكأنه مجرد مؤسـسـة ملحقة بالديوان الأميري.

يعطي الدستور الكويتي للأمير الحق في أن يحل مجلس الأمة المنتخب في حال ثبت لديه إن المجلس لم يتمكن من التعاون مع رئيس الوزراء. ونَجَم عن التعسف في إستخدام هذا الحق تعريض مجلس الأمة للحلّ إحدى عشر مرة ما بين 1976 و2016. وأتى الحلّ في أغلب تلك المرات إثر مطالبات يقدمها أعضاء مجلس الأمة للتحقيق في إتهامات بالفساد ضد وزراء وأفراد من العائلة الحاكمة. ويكرر الإعلام الرسمي الإشارة إلى أن حل مجلس الأمة يستند إلى الدستور لمنع “مساس بعض أعضاء مجلس الأمة بوحدة الوطن واستقراره والتهجم والتجني على المسؤولين وإساءة استخدام الأدوات الدستورية في الرقابة والاستجوابات”.
ويبدو قرار الحل “مفاجئاً” في كل مرة، على الرغم من تكراره طيلة العقود الخمسة الماضية. إلا أن ما لا يفاجئ متابعي الوضع السياسي في الكويت هو إن العائلة الحاكمة تستخدم الحلَّ المبكر لمواجهة أمرين. أولهما إستباق إحتمال قيام قوى المعارضة بتشكيل تحالفات تتجاوز حدود قواعدها القبلية أو المذهبية أوالمناطقية. أما الثاني، فهو إحباط محاولة إتفاق قوى المعارضة المختلفة فيما بينها على مساءلة إجراءات وقرارات اتخذتها الحكومة أو لم تتخذها

بعد كل حل، تجري انتخابات جديدة لتعود اللعبة البرلمانية إلى سياقها، فيفلت المتهمون بالفساد من المساءلة السياسية في مجلس الأمة ومن الملاحقة القانونية في المحاكم. بل قد تأتي نتائج الانتخابات التالية بما يناسب بقاءهم في مواقع المسئولية عبر تغيير الحقائب الوزارية التي تناط بهم.
وحين أعلن أمير الكويت في 16 تشرين الأول الماضي/ أكتوبر عن حل مجلس الأمة، لم تشّذ التبريرات الإعلامية عن مثيلاتها طيلة العقود الماضية. فحسب تصريح لرئيس الوزراء، عانت البلاد من “خللٍ في العمل البرلماني أدى إلى أن يصبح مجلس الأمة ساحة للجدل العقيم وإفتعال الأزمات”. ولعله يشير بذلك إلى جهود عدد من النواب في التفاعل مع الغضب الشعبي جراء إجراءات التقشف التي بدأت السلطات الكويتية بتطبيقها، أو إلى محاولة عددٍ منهم طرح استجواب لوزيري المالية والعدل حول قضايا من بينها إهدار المال العام وسوء استخدام السلطة.

مجلس 2017

عملت السلطات الكويتية على الإستفادة من فترة الحل لتمرير عددٍ من القرارات بهدف تطويق حركة المعارضة، تضمنت حرمان من تتهمه السلطة بالتعرض للذات الأميرية وللعقيدة الدينية ولحكام دول شقيقة من حق الترشح. وأدى التطبيق التعسفي لتلك القرارات إلى رفض ترشيح العشرات من شخصيات المعارضة ومن بينهم أعضاء في دورات سابقة لمجلس الأمة كالنائبة صفاء الهاشم، أحد أكثر أعضاء المجلس السابق جرأة وتماسكاً. إلا إن ارتباك القرارات الحكومية والتعسف البيِّن في تطبيقها سهّلا استصدار حكم محكمة الاستئناف بإلغاء عدد من قرارات منع الترشح. ولعل في هذا بعض ما يفسر إن الانتخابات الأخيرة التي جرت في 26 تشرين الثاني / نوفمبر فاجأت كثيرين، بمن فيهم الحكومة الكويتية التي كانت تأمل بتركيبة برلمانية أكثر طواعية من التركيبة السابقة. ربما بالغ بعض المعلقين في التفاؤل بالحديث عن إنجازات إنتخابية حققتها المعارضة بفوزها بأربع وعشرين مقعداً من أصل خمسين مقعداً، وبأن الناخبين الكويتيين فرضوا تغييراً في المجلس حين إنتخبوا وجوهاً جديدة تشكل أكثر من نصف الأعضاء المنتخبين. (لم تنجح سوى صفاء الهاشم من بين 15 امرأة ترشحن هذه المرة).
سيكون على المجلس الجديد مواجهة الملفات التي لم يكن المجلس السابق قادراً على مواجهتها. أغلب هذه الملفات يندرج تحت عنوان تحول الدولة إلى مشيخة، وفي مقدمها ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف المجالات وتصاعد حدة الإجراءات القمعية والعقابية ضد معارضي السلطة ومنتقدي قراراتها.
ومن بين هذه الملفات أيضاً ملف الإجراءات التقشفية التي تضمنتها وثيقة “الإجراءات الداعمة لمسار الإصلاح المالي والاقتصادي – المدى المتوسط” التي أقرتها الحكومة الكويتية في منتصف آذار / مارس الماضي. لم تتمكن الحكومة من تمرير تلك الوثيقة عبر مجلس الأمة السابق بعد أن إرتفعت أصوات عدة أطراف في المعارضة الكويتية تدعو لمواجهة المشاريع المالية / الاقتصادية التي تسعى العائلة الحكمة لتمريرها عبر “وثيقة الإصلاح”. فالتيار التقدمي مثلاً  اعتبر الوثيقة انحيازا “لصالح قلة من كبار الرأسماليين ضد مصالح الغالبية الساحقة من الجماهير الشعبية”.
لا تختلف وثيقة الإصلاح الكويتية عن مثيلاتها في بلدان مجلس التعاون الخليجي (السعودية: رؤية 2030، والبحرين: الخطة الإستراتجية الاقتصادية 2030، وقطر: رؤية 2022). فجميع تلك الخطط والرؤى تعلن إنها تسعى  إلى “الانتقال من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد منتج عبر إستراتجيات اقتصادية تؤدي إلى تنويع مصادر الدخل وزيادة معدلات الإنتاجية وتوطين سوق العمل”.ا

وكمثيلاتها في منطقة الخليج وخارجها، تنطلق وثيقة الإصلاح الكويتية من تشخيص خاطئ لتطرح علاجات قاصرة ومحددة مسبقاً، للوصول إلى هدف لا يمكن صياغته إلا بعبارات مطاطة تقبل التفسير حسبما يُراد لها.  فجميع تلك الخطط والرؤى، وإن اختلفت بيوت الاستشارات العالمية التي أعدتها، تستند في الواقع على التوصيات ذاتها التي تسوِّقها تقارير صندوق النقد الدولي في مختلف البلدان. وهذه التوصيات تتلخص ــ وبصياغات مختلفة ــ في: 1) تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة وإلغاء الدعم الحكومي للمواد الاستهلاكية الأساسية، بما فيها المحروقات ومياه الشرب والكهرباء، 2) تجميد التعيينات في أجهزة الدولة ومؤسسات القطاع العام تمهيداً لتقليص دورها في سوق العمل، 3) زيادة واردات الخزينة العامة عن طريق رفع التعرفة الجمركية وفرض ضريبة القيمة المضافة وتحميل المواطنين الجزء الأكبر من كلفة توفير الخدمات الصحية والتعليمية التي سيتم بيعها للقطاع الخاص، 4) خصخصة أجزاء رئيسية من أنشطة القطاع العام وتقليص دوره الاقتصادي بالاعتماد على القطاع الخاص.

المواجهة القادمة

طيلة العقود السابقة نجحت العائلة الحاكمة الكويتية في تمرير ما تريد فرضه من قوانين وقرارات عبر مجالس الأمة المتعاقبة. ولأنها كانت، حين تعجز في وقتٍ من الأوقات عن ذلك، تلجأ إلى حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة تأتي بمجلس أكثر تفهماً.. لهذا لم تواجه الحكومات المتعاقبة صعوبات جدية داخل مجلس الأمة لتمرير قوانين جديدة أو تعديلات على قوانين سارية، تنتهك حقوق الإنسان بما فيها حريات التعبير والتجمع. بل إن المجلس الأخير سكت عن إجراءات نزع الجنسية والترحيل القسري ومرّر قوانين تنتهك حقوق الإنسان مثل قانونيْ “البصمة الوراثية” و”الجرائم الإلكترونية” وغيرهما.
في ضوء التركيبة الجديدة لمجلس الأمة يصعب الآن التكهن حول طول الفترة الزمنية التي سيمارس عمله فيها قبل أن “يُضطر” الأمير إلى إصدار مرسومٍ بحله ودعوة الناخبين الكويتيين لممارسة حقهم في إنتخاب مجلس آخر. إلا إن القرار هذه المرة لن يكون بيد العائلة الحاكمة وحدها. فإجراءات التقشف المتوقعة ستكون قاسية وستتضرر منها شرائح واسعة من مواطني الكويت والمقيمين فيها. وهذه قد لا ترتضي البقاء صامتة إنتظاراً لدورة برلمانية أخرى

——————

مقالٌ منشور في السفير العربي

http://arabi.assafir.com/article/5738

..

عسكرة الخليج… – مقالٌ منشور في “النهج” 1984