ذاكـرة الأمكنة (مقال قديم) ا

لوهلة حسبتُ ما كتبه الأخ حسين السلم في الوقت[1] حول تغيير أسماء بعض القرى واحداً من تلك المقالات التي تجعل من الحبة قبة. فمن تهمه المحافظة على اسم قرية في وقت لا ندري فيه إلى أين تُبحر بنا سفينة البلاد؟ فضمن الصورة العامة المرتبكة للوضع السياسي في البلاد لا وقت للوقوف أمام مسألة إدارية من قبيل تغيير أسماء قرى أو تبديل لافتات تدل عليها. ولا أحد يتوقع شيئاً من احتجاج أهالي تلك القرى أو تهديدهم بالاعتصام السلمي. ولا يستدعي الأمر تشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول الموضوع في وقت لم تتوفر للبرلمان فرصة الاتفاق على تشكيل لجان للتحقيق في مسائل أخرى أكثر إلحاحاً وأولوية.

إلا أنني سرعان ما تبيّنتُ أن المقالَ يثير أموراً أكبر مما يشي عنوانه. فها نحنُ أمام عضويْن منتخبيْن في مجلسٍ بلدي يشتكيان من قرارات ينسبانها إلى ‘’مجهولٍ’’ في الجهاز المركزي للمعلومات. ومعلومٌ، بعد نشر ‘’التقرير الشهير’’، إن هذا الجهاز ليس كبقية أجهزة الدولة. بل هو أحد أكثر أجهزتها سطوة و أكثرها غموضاً. وإليه تُنسب عدد من ‘’الخطط’’ الطموحة التي جَنَّدت الدولة طاقاتها لمنع الحديث عنها. بل و بذلت أطراف كثيرة بما فيها أعضاءٌ في البرلمان جهوداً لإفشال محاولات خجولة ورمزية لمساءلة الوزير المسؤول عن الجهاز عن تداعيات ما ينسبه التقرير إليه. h

عرفتُ، قبل أن أباشر كتابة هذا التعليق، إن الجهاز المركزي للمعلومات نفى علاقته بالموضوع. إلا أن أحداً لم ينفِ بشكلٍ مقنع ما تشير إليه دلائل كثيرة عن وجود ‘’جهة ما’’ ترى أن من مهماتها إعادة رسم خريطة البلاد ديموغرافياً واجتماعياً وجغرافياً. وفي إطار السلطات الممنوحة لهذه الجهة غير المعلنة لا أستغرب اتخاذها قراراً قراقوشياً بإزالة اسم قرية أو تبديل اسم حي. لقد تعودنا على ألا يتم الإعلان عن أسباب هذه الإزالة أو ذلك الاستبدال. وهذا كان حال الحي الذي يقع فيه بيتنا في المنامة. فبدون سابق إنذار صرنا من سَكَنة ‘’فريق كانو’’ بعد أن كنا، مثل أجيالٍ قبلنا، نعرفه بإسم ‘’فريق الحطب’’. ما العيب في الاسم القديم؟ ومن قرّر تغييره؟ ولماذا؟. لا أحد يعرف. ولم يجرؤ أحدٌ على الاستفسار. بل وصار من يقول إنه من فريق الحطب كمن يعارض ‘’الحداثة’’ أو صار مروجاً، والعياذ بالله، للطائفية. شيئاً فشيئاً رأينا جزءاً من تاريخ البحرين يضيع بعد أن كان يختزنه المكان الذي كان اسمه فريق الحطب.

من الواضح أن الشكوى البلدية التي نقلها المقال لم يسببها التنافس على الصلاحيات بين جهازين من أجهزة الدولة. ولا أرجح أن مصدر التنازع هو رغبة أحد الأجهزة في تخطي ‘’عقبات’’ الروتين والبيروقراطية فاستبدل أسماء قرى أو أزالها دون استشارة المجلس البلدي المعني. ما تستثيره الشكوى هو أكبر من لافتة هنا أوهناك ومن حوْقلة عضويْن في مجلس بلدي. ففي حال صَحَّ ما قاله العضوان عن إزالة اسم قرية الماحوز أو غيرها فلن تكون هذه الخطوة إلا واحدة من مؤشرات كثيرة تشير إلى توجه رسمي لإعادة رسم خريطة البلاد ديموغرافياً واجتماعياً وجغرافياً. وهو توجه يصل إلى درجة الهَوَس الذي تفضحه كثرةٌ من القرارات والإجراءات الرسمية المتضاربة أحياناً. ومعلومٌ أن هذا الهوس قد بلغ مبلغه حين فُرضت السرية المشددة منذ بداية التسعينات على قرارات التجنيس بعد أن كانت جزءاً اعتياديا مما تنشره الجريدة الرسمية ولا تعيره الناس اهتماماً كبيراً. من الواضح أن المستشارين المُسْتجلبين لهذا الغرض يجهلون تفاصيل واقعنا الاجتماعي السياسي وتاريخه، أو هم يستخفون بها.

لهذا أضع يدي على قلبي جزعاً من أن يؤدي هذا الجهل وذلك الاستخفاف إلى المضي بعيداً في تطبيق سياسة ثبتت خطورتها في أكثر من بلد في العالم. وهي سياسة لا يشكل فرض أسماء جديدة لقرانا وأحيائنا إلا رأس جبل الجليد فيها. فالمنخرطون في هذه السياسة يعرفون أن نجاحها يتطلب الاستمرار إلى أقصى الحدود في جهود إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية. ولا شك أنهم يعرفون أيضاً أن هذه الذاكرة ليست محصورة فيما تختزنه ذاكرة الأفراد. بل إن القسم الأهم منها هو ما تختزنه ذاكرة الأمكنة.

حين ناشدَنا أبو العلاء المعري أن نخفف الوَطْءَ وحين وقف قبله امرؤ القيس يبكي بسقْط اللِّوى كانا يقولان ما سيقوله عالم الاجتماع موريس هالبواكس[2]، معاصرُ دوركهايم. ففي حين تتعرض ذاكرة الأفراد إلى التآكل والتلف تبقى ذاكرة الأمكنة. فالمكان هو حافظة الذاكرة الجمعية وأحد معالمها ورموزها في الآن نفسه. قد يكون المكان بقعة أرض أو حقلاً أو عيْن ماء. وقد يكون مسجداً أو مأتماً أو مقبرة أو طَلَلاً. فللأمكنة كلها، صغيرها وكبيرها، مواقعها الخاصة بها في لوحة الفسيسفاء التي نتعارف على تسميتها بذاكرة الوطن. وحين يختفى مكانٌ أو يُزال يبدأ اندثار كل ما يرتبط به في تلك الفسيفساء الوطنية. عندها تزداد البقعُ الفارغة في تلك الفسيفساء وتتسع الفوارق بين مكوناتها.ا

قرأتُ مقالاً كتبته الأخت باسمة القصاب[3] فرأيتُ، بعد أن اتكأت على هالبواكس، كيف يمكن التعرف على الذاكرة الجمعية في قريةٍ من خلال متابعة سِيَر حياة أمكنتها، دواليبها ونخلها. وهي سِيَر حياة تتوثق بها تعرجات علاقات القوة وما تُسهم في توليده من بُنَى داخل القرية وخارجها. وهذه السِيَر توفر للقرية، إن شاءت، لقاحاً ضد الابتلاء بثنائية الغالب الجمعي والمغلوب الجمعي. فذاكرة أمكنة جد الحاج، مثل كل قرانا، تُفصِح، حين تُسأل، عن تداخل بعضُ المغلوب في الغالب. وهي، بذلك، تعطي ‘’المظلومية’’ أوجهاً عدة مستترة. ا

يعكــــس تغيير أسماء القرى والأحياء انبهار الاستشاريين و بعض متخذي القرار بقدرة مشروعات الهندسة الاجتماعية على إعادة تشكيل المجتمع حسبما يريدون. وهو انبهارٌ يشابه ما ساد في الاتحاد السوفياتي وتركيا الأتاتوركية ولم تسلم منه أيضاً دول أنظمة الرفاه الاجتماعي في أوروبا الشمالية. لحسن الحظ، تتوافر الآن عشرات الأمتار من رفوف المكتبات المليئة بالدراسات عمّا سبَّبته مشروعات الهندسة الاجتماعية من مآسٍ حقيقية في تلك البلدان. لكن، لسوء حظنا، لا يبدو أن متخذي القرار لدينا قادرون على الاستفـــادة من قراءة تاريخ الآخـــرين.ا

—————
الهوامش: [1] ‘’طالبوا -المركزي للمعلومات- بالشفافية – تغيير أسماء القرى يثير ضجة في -بلدي العاصمة-’’ الوقت، 1 أغسطس/آب 2007 [2] انظر الترجمة التي قام بها لُويس كوسـِر Maurice Halbwachs on Collective Memory. The University of Chicago Press، 1992 [3] ‘’استملاكات القوة..نخل سيحة جد الحاج نموذجاً’’، الوقت ، 14 يونيو/حزيران 2007

——————————————–

مقال منشور في الوقت

قمع النساء بالنساء

تتشابه حراكات الربيع العربي وتختلف في كثير من تفاصيلها. ففي مسار جميع تلك الحراكات، على تنوعها، حققت المرأة اختراقا سياسيا ثقافيا تمثل في فرض وجودها في المجال العام كطرف أساسي وفاعل وليس مجرد رديف. ولكننا نرى اختلاف التفاصيل حين ننظر إلى كمّ المساحة التي تمكنت المرأة من الاستحواذ عليها في المجال العام كمواطنة متساوية في الحقوق. أو حين ننظر إلى تأرجح وتفاوت مستوى الاعتراف المجتمعي بحق المرأة في المجال العام كفاعلة مستقلة

حرّك الربيع العربي أعداداً كبيرة من النساء للمشاركة في مختلف أنشطة المعارضة لأنظمة القمع، كما هو حرّك أعداداً كبيرة أخرى من النساء للدفاع عن تلك الأنظمة. فحين نستعيد صور المواجهات بين مؤيدي الأنظمة ومعارضيها في مختلف مدن الربيع العربي، وكذلك روايات المشاركين فيها، نعرف أن المرأة عنصر بارز في الجهتيْن. وقد خبرنا هذا المشهد في البحرين. فحين ندقق في الصور ومقاطع الفيديو نلاحظ صور فتيات بحرينيات في الزي الخاص بقوات مكافحة الشغب وهن يطرحن على الأرض بحرينيات أخريات تمهيداً لتكبيلهن ونقلهن إلى المعتقل.

أدوار جديدة للشرطة النسائية في البحرين

فوجئ كثيرون بمنظر شابات في مقتبل أعمارهن في كامل الزي الأسود الذي يشبه الأزياء التي يلبسها ممثلو أفلام حرب النجوم وهن يلاحقن المتظاهرات في شوارع المنامة وأزقة القرى المحيطة بها. وسرعان ما تبين أن السلطات الأمنية في البحرين قد قررت مجابهة الحراك النسائي بتنظيم حراك أمني مضاد يعتمد على النساء.
قبل إعلان استقلال البحرين في 1971، أسس البريطانيون قسماً للشرطة النسائية لتولي القضايا المتعلقة بالنساء والأحداث. واستمر النمو التدريجي للشرطة النسائية بفضل الطفرة النفطية التي شجعت على توافد أعداد كبيرة من الأيدي العاملة الأجنبية، بما فيها النساء. إلا أن العنصر النسائي بقي هامشياً ولم يتجاوز نسبة 10 في المئة من مجموع العاملين في الشرطة البحرينية. كما بقيت مهمات الشرطة النسائية محصورة في «الجانب النسائي» سواء في مراكز الشرطة والمراكز الحدودية أو في سجن النساء وإصلاحية الأحداث. إلا أن الشرطة النسائية وفّرت للمسؤولين في البحرين سبباً للتباهي بدورها الريادي في المنطقة العربية عبر «فتح المجال للمرأة للمشاركة في حماية أمن البلاد».

 جديرٌ بالذكر أن التمييز الطائفي، بما فيه منع تعيين الشيعة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، حصر التجنيد في الفتيات السنيات اللواتي يشكلن 99 في المئة من الشرطة النسائية في البحرين. وتشير معطيات بحث ميداني في عام 2005-2006 إلى أن الشرطة النسائية تعاني من جدار عزل جندري، ومن تمييز في شروط وظروف العمل بالمقارنة مع الشرطة الذكور. وتتكرر في الشرطة النسائية احتكار المراتب القيادية للعائلة الخليفية والعوائل القريبة منها. ورغم متاعب التمييز، تتزايد طلبات التحاق البحرينيات بالشرطة النسائية نظراً لأن المتدربات يحصلن على مخصصات مالية في فترة التدريب، ولأن راتب الشرطية المبتدئة وحوافزها يزيد على ضعف ما تحصل عليه مواطنتها العاملة في معمل خياطة أو حضانة أطفال.

 بعد انطلاق حراك 14 فبراير 2011، استجدت ظروفٌ أسهمت في أن تتجاوز الشرطة النسائية دورها كرديف لجهاز الشرطة «الحقيقي»، وكذلك دورها كمادة للتباهي بين الرجال من المسؤولين. فلم يتوقع أحدٌ في السلطة أو المعارضة، أن يكون حجم مشاركة النساء في المسيرات والأعمال الاحتجاجية بالاتساع الذي شهدناه منذ بدء الاعتصام في دوار اللؤلؤة. وفيما سعى المحافظون في المعارضة إلى دعوة النساء إلى «التزام العفاف والقيام بما يناسب طبيعتهن» تسارعت جهود السلطات الأمنية في البحرين لمواجهة هذا التغيير بالإسراع في تخريج فرق نسائية ضمن قوات مكافحة الشغب التي تتولى مواجهة المسيرات والأعمال الاحتجاجية. فعلاوة على مهمات قمع الاحتجاجات في الشوارع واعتقال المشاركات فيها، نجد الشرطة النسائية وجنديات قوات الشغب يشاركن في مداهمة المنازل وتفتيشها. ونعرف من شهادات عدد كبير من الناشطات المعتقلات أثناء محاكماتهن أنهن تعرضن للتعذيب على أيدي ضابطات وعناصر شرطة متخصصات في ذلك النوع من المهمات.

توسيع الدائرة

مثلما كان تأسيس الشرطة النسائية في البحرين العام 1970 بقرار وتدريب بريطاني، فإن للأميركيين دوراً في تشكيل الفرق النسائية في قوات مكافحة الشغب. إلا أن المسؤولين البحرينيين لن يستطيعوا هذه المرة التباهي بدور ريادي عبر «توسيع المجال للمرأة للمشاركة في حماية أمن البلاد». فلقد سبقتهم اليمن بعد 2001 إلى الاستماع إلى النصيحة الأميركية بإشراك العنصر النسائي في «الحرب على الإرهاب». ومع ذلك يستطيع المسؤولون البحرينيون المفاخرة بالصيت الذي تتمتع به الشرطة النسائية في البحرين بين شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي. فبجانب قدرتها على توفير الدورات التدريبية، تمتلك البحرين خبرات عملية طويلة في تشكيل وإدارة جهاز شرطة نسائية يتولى مختلف المهمات بدءاً من مراقبة الجوازات وإدارة السجون النسائية إلى مواجهة الاحتجاجات في الشوارع وانتزاع الاعترافات.
وبسبب هذا الصيت، توفر البحرين دورات تدريبية أسهمت في تخريج دفعات متتالية من الشرطة النسائية في الكويت. وتشير معلومات إلى أن البحرين تقدم مثل هذه الدورات لقوى الأمن السعودية منذ افتتاح مركزيْن للشرطة النسائية في الرياض وجدة في آذار/مارس الماضي. بطبيعة الحال، ما زالت الخطوات السعودية بطيئة وما زالت أعداد النساء في الأجهزة الأمنية متواضعة بالقياس إلى ما حققته البحرين أو البلدان الخليجية الأخرى في هذا المجال. إلا أن هذه البداية المتواضعة تزامنت مع تصريحات ذات مغزى. ففي 24 أيار/مايو الماضي، كشف رئيس الحرس الوطني في السعودية متعب بن عبد الله عن استحداث أقسام نسائية في الحرس الوطني. ويرتبط بهذين التطورين إعلان هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أكثر حصون الذكورية تحصيناً في السعودية، عن مشروع لتوظيف النساء في الهيئة!

مفارقة التمكين

خلال الأشهر الماضية، استمر تخريج أعداد إضافية من الشرطة النسائية من دورات مكافحة الشغب ليشكلن الآن منظراً مألوفاً في شوارع البحرين، كما هو مألوف منظر الأعداد الكبيرة من الناشطات في المسيرات والاحتجاجات. ويعكس هذا أحد جوانب مفارقة «التمكين النسوي» التي تحملها التغييرات السياسية الثقافية في ظل الربيع العربي. فكلما ازداد انخراط النساء في الحراك السياسي من أجل التغيير كلما جندت السلطة المزيد من النساء لقمع ذلك الحراك. وكلما استمر الحراك النسوي من أجل التغيير وتعددت أشكاله، كلما توسعت السلطة في إضافة مهمات جديدة لنساء تجندهن لضبط النظام. ولكن السلطة لن تستطيع منع شرطتها االنسائية من اعتبار ان لها فضلا على السلطة السياسية.
رغم ما يبدو من التعارض، تشهد البحرين مساريْن لتمكين المرأة وتوسيع المساحة المتاحة لها في المجال العام: مسارٌ تشقه الناشطات اللواتي تجاوزن بكثيرالحدود الضيقة التي وضعتها السلطات السياسية والمجتمعية لحصر نشاطهن السياسي. ومسارٌ آخر فتحته السلطة السياسية نفسها، أدى إلى إشراك شرائح كانت مهمشة من النساء في قمع حراك أخريات.
لا يمكن توقع ما سيتولد عن هذين المساريْن وتزامنهما من نتائج على أوضاع المرأة في البحرين. إلا أن من الواضح أنه لن يكون سهلاً على أحد، سواء في المعارضة أو السلطة، أن يعيد الساعة إلى الوراء بتقليص مساحة المجال العام التي استحوذت عليها المرأة منذ بدء حراك الربيع العربي في البحرين

——–

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 15/11/2012م —

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=434&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider.

باخرة محملة بالأسلحة والمفرقعات

تناقلت وكالات الأنباء وبعض نشرات الأخبار الرئيسية في الفضائيات الدولية فحوى بيان أمني حول ”إلقاء القبض فجر الثلثاء على عدد من الأشخاص كانوا يخططون لتنفيذ عمل إرهابي بهدف الإخلال بالأمن العام وترويع الأبرياء الآمنين وتهديد حياتهم”.
ولا غرابة في هذا الاهتمام العالمي بالخبر. ففيه كل الكلمات اللازمة بعد 9/11 لاسترعاء الاهتمام الإعلامي. فمن لا يتوقف عند كلمات مثل ”عمل إرهابي” و”تفجير عبوات مصنعة محلياً” بهدف ”ترويع الأبرياء الآمنين”؟ ولهذا استغرب صحافيٌ طلب مني التعليق على ذلك الخبر حين قلتُ إن عليْنا أن ننتظر حتى نعرف مدى صدق الخبر وجديته. فقد يكون واحداً من الأخبار المعتادة في مواسم المسيرات. وديسمبر/ كانون الأول هو شهر مسيرات معارضة وموالاة كما هو معروف.

ولم تتأخر المؤشرات المعتادة والمقلقة. فنشرت الصحف المحلية ما صرح به مصدرٌ في النيابة العامة بأنها لم تبدأ التحقيق في واقعة حيازة عبوات متفجرة إلا بعد يوميْن من اعتقال المجموعة المؤلفة من شخصيْن أو ربما ثلاثة (حتى ساعة كتابة هذه الملاحظات). كذلك تبيَّن أمران مقلقان رغم أننا تعودنا عليهما. أولهما أن المواد المتفجرة المضبوطة هي قنينتا غاز وآلة لحام وعدد غير محدد من كرات الحديد ”الصجم”. والثاني هو عدم حصول محاميي الدفاع على إذن لزيارة المعتقليْن وحضور جلسات التحقيق معهما قبل ”اعترافهما”. بل لم يطلع المحاميان على ملف القضية. ورغم هذا وذاك صرح مصدر مسؤول لا أشك في اطلاعه أو اطلاعها على أصول التحقيق بأن المتهميْن اعترفا في التحقيقات أي دون حضور محاميهما. ولهذا أمرت النيابة بحبسهما لمدة أسبوعين كما ندبت خبراء المفرقعات المختصين لفحص المواد المضبوطة. ولن يستغرب أحدٌ أن يصيب المتهميْن ما أصاب غيرهما فيستمر احتجازهما ”رهن التحقيق” لأشهر قبل إحالتهما للمحاكمة. حينها لن يستطيع أحدٌ أن يثبت أو ينفي تعرضهما للتعذيب لدفعهما إلى ”الاعتراف بالواقعة”.

بدلاً من الدعوة للتروي نقلت بعض الصحف المحلية بيانات التنديد بالعمل الإرهابي حتى قبل أن تبدأ النيابة العامة التحقيق مع الشابيْن المعتقليْن. وطالب منددون بإنزال أقصى العقوبات بما فيها إعدامهما. هذا النوع من التسرع متوقع وأن لم يكن مقبولاً، من بعض أفراد الجمهور الذين تُهيِّجهم البيانات الرسمية وخطباء المساجد. إلا أنه غير متوقع من أعضاء في المجلس النيابي. فمن أكثر من النواب المنتخبين حاجة للتروي قبل أن يصيبوا قوماً بجهالة؟
أ

كتبُ هذا وأمامي تصريح النائب عبداللطيف الشيخ وهو الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي[1] . فقبل أن يتبين النبأ أي قبل أن تبدأ النيابة العامة تحقيقها وقبل أن يتم إبلاغ محاميي المتهميْن بالتهم الموجهة لموكليْهما، أدان سعادة النائب ”التخطيط للتفجير والتخريب والنَّيل من أمن واستقرار البحرين”. بل أشار وليس لديه أكثر مما لدينا من أخبار إلى أن المعتقليْن يستحقان أشد العقاب حيث إن أعمال التخريب والتفجير والإفساد في الأرض حرَّمها الإسلام ونص القرآن على توقيع أشد العقوبات بمن يتورطون في مثل هذه الأعمال الإجرامية. الطامة أن النائب لم يتروَ بل رأيناه يناشد رجال الأمن، وليس السلطة القضائية، الضرب بيد من حديد. لا أشكك البتة في نوايا سعادة النائب ولا أزايد عليه في حب الوطن والرغبة في أن يعمّه الأمن والعدل. ما أعتبُ عليه فيه أنه لم يعمل على التهدئة ومناشدة الناس المهتاجين انتظار أحكام القضاء بعد سماع دفوع المتهميْن. فهذا هو ما نفترضه ممن يسعى لبناء دولة القانون. فماذا سيكون حال سعادة النائب حين تقرر النيابة العامة إخلاء سراح المعتقليْن أو حين يقرر القضاء براءتهما؟

لا أطرح هذا السؤال مماحكة ولا استفزازاً. فلقد عشتُ مثل كثيرين من جيلي عشرات الأمثلة على”مؤامرات” يتم اكتشافها وعن أشخاص تم اعتقالهم بل وعن أدوات إرهاب وتخريب. وفي كل مرة تقوم الدنيا ولا تقعد تنديداً بالمتآمرين وترتفع أصوات بعضها لعقلاء تطالب بالضرب بيد من حديد بل وتطالب باجتثاث البذرة من جذورها. ثم تهدأ الأمور وينسى الناس الأمر. وتتكرر الحكاية مرة بعد مرة. ”مؤامرةٌ” بعد الأخرى ثم اعتقالات تليها ”اعترافات” وتنديدات ومزيد من الضرب بيد من حديد. ثم مزيد من السلطات لجهاز الأمن.

لا أعرف ما عمر سعادة النائب وهل يتذكر تفاصيل حكاية ”باخرة الأسلحة” أم لا؟ على أية حال سأستعيد لفائدته وفائدة من لا يعرف بعض ما نُشر عنها في الصحافة المحلية لتبرير حل المجلس الوطني في .1975 ومعلومٌ أن الصحافة نشرت قبل الحل وبعده كثيراً من ”الأخبار” عن ضبط أسلحة ومتفجرات وذخائر ومنشورات وكتب ”لدى بعض الخلايا الشيوعية”. إلا أن قمة المضحك المبكي وصلت حين نُشر خبرٌ عن حجز سفينة محملة بالأسلحة والمفرقعات في المياه الإقليمية البحرينية. وتضمن الخبر تفاصيل جيمس بوندية عن إلقاء القبض على قبطان الباخرة وبحارتها ومصادرة الأسلحة التي كان مقرراً تسليمها لأشخاص معينين في البحرين[2]. وحسب الرواية سيئة الحبكة مثل فيلم من الدرجة العاشرة كانت الأسلحة المخبأة في أماكن سرية بالسفينة ”مشفوعة بخطة مستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”.  لا يعرف حتى ”الجن الأزرق” ما حصل لتلك الباخرة المحتجزة التي عُرضت أمام الناس في ”فرضة المنامة”. وبالطبع لا نعرف ماذا حل بربانها وبحارتها و”الأشخاص المعينين” الذين كان من المفترض استلامهم لتلك الأسلحة و”الخطة المستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”. ما نعرفه إنها كانت واحدة من عشرات القصص التي كان يفبركها هندرسون وجهازه لتبرير اتساع سلطاته. ومعلومٌ أن الميزانية الموضوعة تحت تصرفه زادت بفضل باخرة الأسلحة المزعومة وأمثالها إلى ثمانية أضعاف ما كانت عليه قبل حل المجلس الوطني.

لا داعي لتفاصيل أو أمثلة أخرى. فلعل ما سبق يكفي لأن يرى سعادة النائب عبداللطيف الشيخ بصفته هذه أو بصفة الأمين العام لجمعية سياسية أهمية التروي وعدم الانجرار وراء مشعلي الفتن. ولعلّه وغيره ممن ساروا على نفس الطريق السريع يتراجعون عن هذه التصريحات غير البناءة التي تزيد معوقات بناء دولة دستورية تضمن التكافؤ والمساواة وحكم القانون

 

مقال منشور في الوقت23 ديسمبر 2008

 

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9079

____________________________________________

 

1] ”المنبر الإسلامي تستنكر التخطيط لعمل إرهابي في العيد الوطني”، صحيفة الوسط. 19 ديسمبر/كانون أول 2008
[2] انظر ما نقله حسن عبدالله المدني عن تغطية مجلة ”المواقف” الأسبوعية لقصة الباخرة ضمن موضوع ”كرة النار المتدحرجة منذ ثلاثة عقود” في موقع مكتبة الموسى الثقافية على الرابط:
http://www.al-  mousa.net/web/play.php?catsmktba=832

__________.

من المعايشة إلى المسايرة

سعدتُ بالنقاش الذي أثاره مقالة  سابقة عن موجة الأعراس الجماعية التي أشرتُ فيها إلى دور التنسيق القائم بين الديوان الملكي ونواب الوفاق ومشايخ المجلس العلمائي في إدامة التشطير العمودي للمجتمع. ولقد استفدتُ من أغلب التعليقات التي وصلتني مباشرة أو التي قرأتها في مواقع إلكترونية وخاصة في ”ملتقى البحرين”ا”

ولم أستغرب أن يركز قراءٌ على فقرة وآخرون على فقرة أخرى، فهذه هي طبيعة فعل القراءة الذي يجعل الكلمة المكتوبة ملكاً لقارئها ليفهمها كما يريد.    أحد التعليقات اعتبر ملاحظاتي إعلاناً عن ”توبة” وإيذاناً بعودة ”الأقلام الضائعة” إلى رشدها.    لكنه سارع إلى تذكيري أن الوقتَ ”متأخرٌ بعض الشيء” للتوبة.    وهناك من رأى في ملاحظاتي إشادة بالشيخ المدني وانتقاداً لجمعية ”الوفاق” ومن خلفها المجلس العلمائي.    من جهتي أقول رحم الله إمرأً عرفَ قدر نفسه.     فلا يحتاج أبو طاهر إلى تزكيتي وهو بين يدي ربِّه. ولن تستمع الوفاق أو المجلس العلمائي إلى انتقاداتي فهما لا يستمعان حتى للقريبين منهما.   فما بالك بيساري عتيق مثلي.

لرفع بعض اللبس أكرر هنا ما قلته حول أن المرحوم الشيخ سليمان المدني يتميز عمن يسيرون الآن على نهجه بصدقه مع نفسه وصراحته مع الناس. إلا أن هذا لا يغير موقفي المختلف عن أبي طاهر ونهجه. فلقد كان أحد أعمدة نظام التشطير الذي أعاق وما زال يعيق إنجاز بناء الدولة الدستورية ومؤسساتها التي توفر شروط التساوي بين مواطنيها.

معلومٌ لدى المتابعين من أنصاره ومعارضيه اقتناع المدني بأمريْن أولهما خطورة المواجهة مع النظام بأي شكلٍ من الأشكال وثانيهما عدم جدوى مجانبة النظام والاعتزال عنه.    ولهذا تبنى طريق الموالاة أو ما يُعرف بنهج ”المعايشة” والالتزام بالعمل من خلال ما يتيحه النظام من قنوات رسمية وشبه رسمية. وكان مؤمناً بضرورة ترْك المعسور والاكتفاء بأخذ الميسور.    ولا يخفى أن نهج المدني في المعايشة لا يختلف جوهرياً عن نهج المسايرة الذي مهد للتنسيق بين الديوان الملكي ونواب الوفاق ومشايخ المجلس العلمائي وأدى إلى تنظيم حفلات الزفاف الجماعي التي شهدتها أو التي ستشهدها مختلف مناطق البلاد.   ولا مراء في أن المعايشة والمسايرة تخففان من بعض أعباء الناس عبر جهود الوساطة التي يقوم بها وجهاء التعاضديات لدى النظام.     من جهة أخرى فلا مراء أيضاً في أن النهجيْن يسهمان في تكريس الواقع القائم على تشطير المجتمع إلى تعاضديات متزاحمة بل ومتعادية بما يقود إلى إجهاض جهود بناء وطن وتأسيس دولة.
أ

قولُ – ومن موقع المخالف لنهج المرحوم المدني – إنه لم يخفِ علاقته الحميمة بالسلطة وأهلها حتى في أحلك الظروف التي مرت بها البلاد. بل لقد أصر على موقفه الموالي رغم غضب الكثيرين عليه وازدراء بعضهم له. وهو لم يتخفَ وراء الشعارات الرنانة أو الهتافات أو العبارات حمّالة الأوجه. بل رأيناه يرّكز على توفير الخدمات لمريديه وأنصاره وأتباعه بدلاً من الدعوة لبناء الدولة ومؤسساتها ولإنهاء الامتيازات العائلية والتمييز الطبقي. نعم لقد مضى المرحوم المدني بعيداً في تعايشه مع السلطة حين اعتبر الوطنيين الداعين لتلك الأهداف كفرةً وأعداءً يتوجب استئصالهم. وهو موقفٌ يتماهى مع موقف المتشددين في السلطة الذين اعتمدوا على دعمه لهم في سعيهم لتمرير مرسوم أمن الدولة في السبعينيات وما تلاه من قمع وصل إلى أوجه في التسعينيات.

ومعلومٌ ما قاله الشيخ المدني عن أنه لا يفهم معنى ”الفصائل الوطنية[1]”. فالمواطن عنده ”هو المسلم فقط، أما من ولد من مسلمين ثم لم يؤمن بالإسلام فحكمهم في الشريعة باتفاق الفقهاء هو القتل، وإذا أعلن التوبة نعطيه فرصة لقضاء ما فاته من صلاة وصيام ثم يقتل أيضا حداً”. فالمنتمون للفصائل الوطنية في نظره هم خارج الملة والوطن في آنٍ واحد. ولهذا لا تجوز لهم المشاركة في العمل السياسي وصناعة القرار. بل لا يجوز في نظره بقاؤهم على قيد الحياة. فهو يسّفه القائلين بأن الدين لله والوطن للجميع لأن الوطن لله ولا يجب أن يبقى عليه إلا المؤمنون. بطبيعة الحال لا تتفق غالبية الناس مع رأي المدني. لكن أليس هذا هو الموقف المستور لبعض من يسيرون الآن على دربه؟ أليس هو نفسه موقف من لا يروْن دوراً للفصائل الوطنية ويعتبرون نضالها حبراً على ورق؟ أليس هو نفسه موقف من يعتبرون التعاون مع القوى الوطنية الأخرى نوعاً من التمكين المذموم حتى لو اقتصر التعاون على إلقاء كلمة في مأتمٍ لتأبين شهيد؟
أ

قولُ لم أتقبل نهج المدني لكنني لا أستطيع اتهامه بأنه كان يعلن شيئاً ويضمر شيئاً آخر. فلقد اعتبر المدني ارتباطه الحميم بأهل السلطة وسيلة سياسية رئيسة لتحقيق أهدافه. ولهذا رتب أجندته السياسية بما يلائم السلطة ودوام نعمتها عليه وعلى مريديه. وهذا هو بالضبط الموقف الذي أزعمُ أنه يتبلور الآن من جديد. فما أصعب تحقيق الوعود الكبرى المتعلقة ببناء الوطن وإنجاز بناء الدولة الدستورية بالمقارنة إلى سهولة تنظيم حفلات الزفاف. وما أسهل التوسط لدى أهل الحكم لرفع الحيف عن مظلوم أو لسد حاجة محتاج لمسكن أو عمل بالمقارنة إلى تقنين حقوق المظلومين والمحتاجين. وسواءً وصفنا ما يحدث الآن ”معايشة” أو ”مسايرة” فهي في واقع الأمر صفقة مقايضة آخر كلامها هو من كلام المدني: ”خذوا الميسور واتركوا المعسور”.
أ

سارع للتأكيد على أن هذه الملاحظات ليست افتراءات يساري حاقد بل هي نتاج متابعة دؤوبة لنشاط جمعية لي فيها بعض أصحاب أخاف عليهم وعلى البلاد من استمرار انزلاقهم في درب لا يليق بهم. ولا يخفى أن آخرين عبّروا قبلي عن مخاوف مشابهة. ويكفيني ما قاله أخونا عبدالوهاب حسين حين طابَقَ بين نهج المدني والنهج الذي تسير عليه إدارة الوفاق وبعض الوجهاء[2]. بل لقد رأى أداء الشيخ المدني أفضل من أداء بعض قادة الوفاق ورموز الوقت الحاضر. ذلك لأن الخطاب السياسي للمدني كان متطابقاً مع سلوكه. بينما نجد في أداء الوفاق حسب ما قال أخونا عبدالوهاب حسين ”خطاباً ثورياً” من جهة و”مواقف سياسية مسايرة للسلطة” من الجهة الأخرى. وللأسف الشديد لم يفقد هذا التوصيف صلاحيته رغم مرور ثلاثة أعوام عليه.

——————————————————————————————–
انظر: علي الديري، ”الرابطة غير المدنية”، صحيفة الوقت 5 أغسطس/ آب .2007 كذلك انظر ”تقرير عن وقائع جدل الدعوة لسقوط العلمانية- هكذا أسقطت العلمانية”، موقع الفراشة لباسمة القصاب عبر الوصلة:

http://www.bassema.net/?p=52.

 انظر موقع عبدالوهاب حسين ”مجموعة الاسئلة والاجوبة رقم ”28 على الوصلة:

http://www.alostad.net/page/question/index_28.html

______________________________

المقال منشور في الوقت بتاريخ  27/5/2008

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7046

لملاحظات القراء  راجع موقع الوقت أعلاه

.

طبائع الإستبداد (مقالٌ قديم 5 مايو 2009)م

تحتاج ملاحظاتي في مقالي السابق عن «الإفراط في السلطة» إلى ربطها ببعض ما جاء في كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذي نشره الشيخ عبدالرحمن الكواكبي باسم مستعار قبل أكثر من مئة سنة.   والكتابُ هو واحدٌ من جملة الجهود التي بذلها مفكرو النهضة العرب في سبيل استنهاض شعوب بلدانهم لإزاحة النير العثماني من جهة ولمقاومة الاستعمار الغربي المستشري من الجهة الأخرى.

لم ترتفع تلك الكتابات النهضوية العربية إلى ما وصلت إليه كتابات معاصرة لها أو سابقة عليها في بلدان غربية وشرقية أخرى. لا جدوى تُرجى من مقارنة «طبائع الاستبداد» بتلك الكتابات التي صيغت في إطار تغيرات جذرية شاملة اقتصادية وعلمية واجتماعية ودينية أفرزت مشروع الحداثة الأوروبي وكانت جزءاً منه.   وللسبب نفسه لا جدوى تُرجى من مقارنة ما طرحه الكواكبي بما جاء به «ديلا بويسي» قبله بثلاثة قرون في كتاب «خطاب حول العبودية الطوعية» الذي تعرضتُ إليه في هذه الصفحة قبل سنة. فالكواكبي رغماً عن تلك الفوارق البيِّنة يستحق مكانته المتميزة في تاريخ مشروع الحداثة العربي. وهو بالتأكيد يستحق اهتماماً أكبر مما يلقاه الآن من قبل القائمين على مؤسسات التعليم في بلداننا.

يسعى الكواكبي إلى الإجابة على سؤالٍ مزدوج: ما سبب الانحطاط وما هو دواؤه؟ ويعكس عنوان كتابه رغبةً في التوفيق بين جُهديْن، فكري وسياسي. فمن جهة ناقش «طبائع الاستبداد» عبر تفكيك المفهوم بالاعتماد على ما لديه بخلقه أدوات تحليل وتنظير. ومن جهة ثانية سعى عبر «مصارع الاستعباد» إلى تحديد ما سماه «طرائق التخلص من الاستبداد». ومع أن مناهج البحث الحديثة أكثر تعقيداً وتداخلاً مما توافر للكواكبي، إلا أننا لا نستطيع التقليل من قيمة الأسئلة المنهجية التي طرحها. فهو لم يكتفِ بطرح الأسئلة المعتادة بشأن تعريف الاستبداد وسببه وأعراضه ومساره. بل دخل في مباحث ماتزال ماثلة حتى اليوم

سأكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها: كيف يؤثر الاستبداد على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية بما فيه الدين والعلم والعمران لماذا يكون المستبد رغم جبروته شديد الخوف؟ ولماذا، بالمقابل، يستولي الخوف على الرعية؟ ويبدو الكواكبي ابناً للقرن الواحد والعشرين حين تتداخل إجابتاْه على السؤاليْن الأخيريْن فيقول إن «خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهلْ. خوفُه عن عجزٍ حقيقي وخوفهم عن توهم التخاذل فيهم[1]».

 يبدأ الكواكبي إجابته على سؤاله عن سبب الانحطاط بانتقاد آراء منتشرة بين العامة. فالقائل إن «أصل الداء التهاون في الدين لا يلبث أن يقف حائراً عندما يسأل نفسه: لماذا تهاوَن الناس في الدين؟ والقائل إن الداء هو اختلاف الآراء يقف مبهوتاً عند تعليل أسباب الاختلاف. فإن قال سببه الجهل، يُشْكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد. وهكذا في حلقة مفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير مكترثٍ بمنازعة عقله ودينه له بأن الله حكيم عادل رحيم». ويلخص الكواكبي التعريف «تحكم أصل الداء هو الاستبداد الذي يستند عليه كل فساد في الدين والعلم والعمران». يشير الكواكبي إلى أن «الاستبداد، لغةً، هو غرور المرء برأيه والأَنَفَة عن قبول النصيحة».

ولهذا يدخل في التعريف «تحكم الأب والأستاذ والزوج ورؤساء بعض الأديان وبعض الطبقات». إلا أن مُراد بحثه هو «استبداد الحكومات» بمعنى أن الاستبداد «هو صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلاً أو حكماً، التي تتصرف في الرعية كما تشاء بلا خشية حساب أو عقابٍ محققيْن».
يكرر الكواكبي بعض ما طرحه من سبقه من المفكرين الإصلاحيين والثوريين.

وبالمثل يكرر مفكرون إصلاحيون وثوريون في جيلنا بعض ما قصده الكواكبي. ومن جملته أن الاستبداد فعلٌ إنساني كما أن الاستعباد فعلٌ إنساني. وككل الأفعال الإنسانية فهي خاضعة للإرادة. وهذا يعني أن مواجهة الاستبداد والتخلص من الاستعباد هما أمران في أيدي الناس إنْ وَعَوا وإنْ أرادوا. ففي ذلك الوعي وتلك الإرادة تكمن الحرية كما تكمن العبودية. إلا أن للوعي كُلفةً وللإرادة ثمناً.

ونراه يقارب هذه المقولة في شرحه لما جاء في الأثر: «من أعان ظالماً على ظُلمه سَلَّطه الله عليه». ويشير إلى أن إعانة الظالم على الظلم تبتدئ بمجرد الإقامة في أرضه. أسارع للتنبيه إلى أن الكواكبي كتب ذلك في بداية القرن الماضي، أي حين لم تكن الدول العربية قد قامت ولم ترسَّم بعدُ حدودها.

يرى الكواكبي أن للاستبداد أعواناً لا يمكنه أن يستمر من دونهم. ولكل فئة من الأعوان دورها المعلوم زماناً وظرفاً.    ومن بين هؤلاء الأعوان رجالُ دينٍ ممن اتخذوا الدين «وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شِيَعاً وجعلوه آلة لأهوائهم السياسية فضيَّعوا مزاياه وحيَّروا أهله بالتفريع والتوسيع والتشديد والتشويش». وإلى جانب دور رجال الدين من أمثال هؤلاء يحتاج الاستبداد إلى من سماهم الكواكبي «العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسَهم بمحفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة».

ورغم قسوته الظاهرة على الفئتيْن السابقتيْن، إلا أنه احتفظ بأقسى الأوصاف لفئة «المتمجدين». وهي فئة من الناس يحرص المستبدُ على «إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها». يتخذ المستبدون من المتمجدين «سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حب الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال». يشدد على أن المتمجدين فئة واسعة وتزداد اتساعاً كلما اشتد الاستبداد.

وبطبيعة الحال فلا حدود لازدراء الكواكبي بالمتمجدين الذين يعتبرهم «مستبدين صغاراً في كنف المستبد الأعظم» يضربون بسيفه وينفقون من ذهبه. إلا أن الكواكبي لا يستصغر شأنهم. بل نراه يشير إلى دوريْن متداخليْن يقوم المتمجدون بهما في الوقت نفسه. فمن جهة هم من لوازم الاستبداد اللازمة. فمن دونهم لا حول للمستبد ولا قوة. ومن الجهة الأخرى هم مثل بقر الجنة لا ينطحون ولا يرمحون إلا برضا المستبد وفي ظل حمايته وبفضل عطاياه.

————
[1] عبدالرحمن الكواكبي، «طبائع الاستبداد ومصرع الاستعباد»، بيروت، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 6002. جميع الاقتباسات اللاحقة من الكتاب.

.رابط المقال : http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10493 

.

ز

عبيد المنزل وعبيد الحقل (مقال قديم)ا

في واحدة من أهم خطبه؟ في بداية ستينيات القرن الماضي تحدث مالكولم إكس، المناضل الأميركي الراحل، عن الفرق بين عبيد المنزل وعبيد الحقل. في تلك الخطبة التي ساهمت في إعطاء حركة الحقوق المدنية للسود الأميركيين بُعدها الثوري الجذري،  استعاد مالكولم إكس مفهوميْن مترسخيْن في الموروث التاريخي المتولّد عما عاناه السود الأميركيون في فترات العبودية وما تلا ‘’تحريرهم’’ من تمييز وتفرقة عنصرية واضطهاد طبقي .

شدّد مالكولم إكس على أهمية الاهتمام بالموروث ليس لأهميته التاريخية فحسب بل لأن تأثيرها لم يتوقف حتى الآن على أكثر من صعيد، بل هو لايزال فاعلاً في المجتمع الأميركي ومتمثلاً في حرمان السود، وغيرهم من الفئات المضطهدة، من الاستمتاع بحقوق المواطنة التي يضمنها لهم، على الورق، الدستور الأميركي.
كان مالكُ العبيد يفرق بين فئتيْن الأولى هي فئة عبيد المنزل التي ينتقيها لخدمته، شخصياً ولمساعدته في إدارة ممتلكاته وللقيام بشؤون قصره مباشرة من طبخ وغسيل وتنظيف وما إلى ذلك من خدمات. أما الفئة الثانية فهي فئة عبيد الحقل التي يُفرض عليها العمل في مختلف المهن والأعمال المجهدة الأخرى التي يطلب المالك أو وكلائه منهم أدائها.

قارن  مالكولم إكس عبيد المنزل وعبيد الحقل ليرسم صورة تتكرر فيما يمكن قرائته في بعض الأدب الأميركي ومشاهدته في الأفلام الأميركية القديمة. يبدو عبد المنزل مهندماً وعليه علائم العافية. صحيحٌ إن ما يلبسه عبد المنزل مما بَلِيَ من ثياب السيد وما يأكله هو مما تبّقى على سفرة السيد إلا أن هذا لايقلل من سعادة عبد المنزل وخاصة حين يقارن وضعه بوضع عبد الحقل الذي يهلك كل يوم ليضمن مجرد بقائه على قيد الحياة.
عبد المنزل وعبد الحقل، كلاهما، مملوكان لسـيّدهما الذي يملك أيضاً حق التصرف في كل شؤونهما، ماذا وأين يعملان أو يأكلان أو يسكنان أو يفكران. والسيّد يملك الحق في تقرير مصير العبديْن ومقدار سعادتهما أو بؤسهما. على رغم ذلك كله إلا أن العبديْن يعيشان في عالميْن مختلفيْن. عالمٌ يضم عبيد المنزل الذين يروْن أنفسهم، باعتبارهم النخبة المختارة، في مرتبة أعلى بكثير من بني جلدتهم من عبيد الحقل الذين يضمهم عالمٌ كما يضم غيرهم من الصعاليك وأشباه العبيد.
ما يشير إليه مالكولم إكس هو حالة إنسانية وليست ظاهرة أميركية فريدة. وهي حالة تساهم في تفسير قدرة أصحاب السلطة، في أي مجتمع، على ضمان استمرار سلطتهم عن طريق توليد وإدامة تراتبية هرمية تتمتع كل مرتبة أعلى فيها بميزات فعلية أو رمزية لا تُتاح للأفراد في المرتبات الأدنى. ولهذا نرى المالكَ يتكرم على عبد المنزل بما يفيض على حاجته من متاع وزاد بل وقد يتيح له بعض المتع وأسباب الترفيه. وفي نفس الوقت نرى المالكَ يشدد من قبضته على عبيد الحقل استغلالا وقمعاً وانتهاكا لإنسانيتهم. ويسعى المالكُ في الحاليْن إلى توسيع البرزخ الفاصل بين عالم عبيد المنزل وعالم عبيد الحقل بما في ذلك عن طريق توكيل عبيد المنزل بمهمات الإشـراف على الحقل ومراقبة العبيد فيه.
يقوم عبد المنزل بكل ما يظنه ضرورياً لإرضاء السيد. لذا نراه لا يأنف من عملٍ يضمن استمراره في موقعه المتميز ولتأكيد ولائه لمولاه. ويصف مالكولم إكس كيف إن عبد المنزل يبذل جهداً لإثبات انه يرى إن مصالح سيده هي مصلحته وانه على استعداد للتضحية بنفسه دفاعاً عن السيد وعن مصالحه. ولهذا نراه أول من يهب للدفاع عن امتيازات السيد حين يحسب إنها تتعرض لاعتداء بل وحتى قبل أن يتحرك السيد نفسه. ويتشبه عبد المنزل بسيده في كل شيء، في تصرفاته وسلوكياته ويحاكي أساليبه في التفكير والحديث وحتى المشية. وباختصار يسعى عبد المنزل للتماهي مع سيده ويقوم بكل شيء يظن إنه سيبقيه في كنف مولاه. وضمن جهوده لتأكيد التماهي مع السيد لا يتوانى عبد المنزل عن قطع ما يربطه بجذوره الثقافية حتى ولو تطلب ذلك إعلان ازدرائها والبراءة منها.
إلا إنه وعلى رغم إخلاصه وتفانيه في حب سيده فهو غير واثق من استمرار الرضا. فثمة قلق مستمر من خطرٍ يتمثل في احتمال أن يغضب السيد عليه وأن يطرده إلى الحقل. فليس لرضا صاحب الأمر من ضمانات. أما عبيد الحقل، وهم الغالبية في كل الأحوال، فأمامهم الصبر على القمع والهوان ثم الموت كمداً أو سحلاً أو ضرباً بالسياط. إضافة لذلك فأمامهم أحد خياريْن: التمرد أو الأمل في أن يلهم الله سيّدَهم فينتقي من بينهم عبيداً جُدداً في المنزل.
في القلق المستمر لدى عبيد المنزل وفي الأمل المستمر لدى عبيد الحقل يكمن مصدرٌ هامٌ من مصادر قوة مالك العبيد. فهو يبذل جهداً لتأجيج قلق عبيد المنزل وزيادة عدم اطمئنانهم على استمرار حظوتهم لديه في نفس الوقت الذي يؤكد أيضاً مخاوف عبيد الحقل من تبعات التمرد على واقعهم ويحي الأمل لدى المتعقلين بينهم في قرب تخلصهم من عبودية الحقل والتحاقهم في خدمة سيّدهم عبيداً في المنزل.

باخرة محملة بالأسلحة والمفرقعات

اalwaqt- 23 December 2008

تناقلت وكالات الأنباء وبعض نشرات الأخبار الرئيسية في الفضائيات الدولية فحوى بيان أمني حول ”إلقاء القبض فجر الثلثاء على عدد من الأشخاص كانوا يخططون لتنفيذ عمل إرهابي بهدف الإخلال بالأمن العام وترويع الأبرياء الآمنين وتهديد حياتهم”.
ولا غرابة في هذا الاهتمام العالمي بالخبر. ففيه كل الكلمات اللازمة بعد 9/11 لاسترعاء الاهتمام الإعلامي. فمن لا يتوقف عند كلمات مثل ”عمل إرهابي” و”تفجير عبوات مصنعة محلياً” بهدف ”ترويع الأبرياء الآمنين”؟ ولهذا استغرب صحافيٌ طلب مني التعليق على ذلك الخبر حين قلتُ إن عليْنا أن ننتظر حتى نعرف مدى صدق الخبر وجديته. فقد يكون واحداً من الأخبار المعتادة في مواسم المسيرات. وديسمبر/ كانون الأول هو شهر مسيرات معارضة وموالاة كما هو معروف.
ولم تتأخر المؤشرات المعتادة والمقلقة. فنشرت الصحف المحلية ما صرح به مصدرٌ في النيابة العامة بأنها لم تبدأ التحقيق في واقعة حيازة عبوات متفجرة إلا بعد يوميْن من اعتقال المجموعة المؤلفة من شخصيْن أو ربما ثلاثة (حتى ساعة كتابة هذه الملاحظات). كذلك تبيَّن أمران مقلقان رغم أننا تعودنا عليهما. أولهما أن المواد المتفجرة المضبوطة هي قنينتا غاز وآلة لحام وعدد غير محدد من كرات الحديد ”الصجم”. والثاني هو عدم حصول محاميي الدفاع على إذن لزيارة المعتقليْن وحضور جلسات التحقيق معهما قبل ”اعترافهما”. بل لم يطلع المحاميان على ملف القضية. ورغم هذا وذاك صرح مصدر مسؤول لا أشك في اطلاعه أو اطلاعها على أصول التحقيق بأن المتهميْن اعترفا في التحقيقات أي دون حضور محاميهما. ولهذا أمرت النيابة بحبسهما لمدة أسبوعين كما ندبت خبراء المفرقعات المختصين لفحص المواد المضبوطة. ولن يستغرب أحدٌ أن يصيب المتهميْن ما أصاب غيرهما فيستمر احتجازهما ”رهن التحقيق” لأشهر قبل إحالتهما للمحاكمة. حينها لن يستطيع أحدٌ أن يثبت أو ينفي تعرضهما للتعذيب لدفعهما إلى ”الاعتراف بالواقعة”.
بدلاً من الدعوة للتروي نقلت بعض الصحف المحلية بيانات التنديد بالعمل الإرهابي حتى قبل أن تبدأ النيابة العامة التحقيق مع الشابيْن المعتقليْن. وطالب منددون بإنزال أقصى العقوبات بما فيها إعدامهما. هذا النوع من التسرع متوقع وأن لم يكن مقبولاً، من بعض أفراد الجمهور الذين تُهيِّجهم البيانات الرسمية وخطباء المساجد. إلا أنه غير متوقع من أعضاء في المجلس النيابي. فمن أكثر من النواب المنتخبين حاجة للتروي قبل أن يصيبوا قوماً بجهالة؟
أكتبُ هذا وأمامي تصريح النائب عبداللطيف الشيخ وهو الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي[1] . فقبل أن يتبين النبأ أي قبل أن تبدأ النيابة العامة تحقيقها وقبل أن يتم إبلاغ محاميي المتهميْن بالتهم الموجهة لموكليْهما، أدان سعادة النائب ”التخطيط للتفجير والتخريب والنَّيل من أمن واستقرار البحرين”. بل أشار وليس لديه أكثر مما لدينا من أخبار إلى أن المعتقليْن يستحقان أشد العقاب حيث إن أعمال التخريب والتفجير والإفساد في الأرض حرَّمها الإسلام ونص القرآن على توقيع أشد العقوبات بمن يتورطون في مثل هذه الأعمال الإجرامية. الطامة أن النائب لم يتروَ بل رأيناه يناشد رجال الأمن، وليس السلطة القضائية، الضرب بيد من حديد. لا أشكك البتة في نوايا سعادة النائب ولا أزايد عليه في حب الوطن والرغبة في أن يعمّه الأمن والعدل. ما أعتبُ عليه فيه أنه لم يعمل على التهدئة ومناشدة الناس المهتاجين انتظار أحكام القضاء بعد سماع دفوع المتهميْن. فهذا هو ما نفترضه ممن يسعى لبناء دولة القانون. فماذا سيكون حال سعادة النائب حين تقرر النيابة العامة إخلاء سراح المعتقليْن أو حين يقرر القضاء براءتهما؟
لا أطرح هذا السؤال مماحكة ولا استفزازاً. فلقد عشتُ مثل كثيرين من جيلي عشرات الأمثلة على”مؤامرات” يتم اكتشافها وعن أشخاص تم اعتقالهم بل وعن أدوات إرهاب وتخريب. وفي كل مرة تقوم الدنيا ولا تقعد تنديداً بالمتآمرين وترتفع أصوات بعضها لعقلاء تطالب بالضرب بيد من حديد بل وتطالب باجتثاث البذرة من جذورها. ثم تهدأ الأمور وينسى الناس الأمر. وتتكرر الحكاية مرة بعد مرة. ”مؤامرةٌ” بعد الأخرى ثم اعتقالات تليها ”اعترافات” وتنديدات ومزيد من الضرب بيد من حديد. ثم مزيد من السلطات لجهاز الأمن.
لا أعرف ما عمر سعادة النائب وهل يتذكر تفاصيل حكاية ”باخرة الأسلحة” أم لا؟ على أية حال سأستعيد لفائدته وفائدة من لا يعرف بعض ما نُشر عنها في الصحافة المحلية لتبرير حل المجلس الوطني في .1975 ومعلومٌ أن الصحافة نشرت قبل الحل وبعده كثيراً من ”الأخبار” عن ضبط أسلحة ومتفجرات وذخائر ومنشورات وكتب ”لدى بعض الخلايا الشيوعية”. إلا أن قمة المضحك المبكي وصلت حين نُشر خبرٌ عن حجز سفينة محملة بالأسلحة والمفرقعات في المياه الإقليمية البحرينية. وتضمن الخبر تفاصيل جيمس بوندية عن إلقاء القبض على قبطان الباخرة وبحارتها ومصادرة الأسلحة التي كان مقرراً تسليمها لأشخاص معينين في البحرين[2]. وحسب الرواية سيئة الحبكة مثل فيلم من الدرجة العاشرة كانت الأسلحة المخبأة في أماكن سرية بالسفينة ”مشفوعة بخطة مستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”. لا يعرف حتى ”الجن الأزرق” ما حصل لتلك الباخرة المحتجزة التي عُرضت أمام الناس في ”فرضة المنامة”. وبالطبع لا نعرف ماذا حل بربانها وبحارتها و”الأشخاص المعينين” الذين كان من المفترض استلامهم لتلك الأسلحة و”الخطة المستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”. ما نعرفه إنها كانت واحدة من عشرات القصص التي كان يفبركها هندرسون وجهازه لتبرير اتساع سلطاته. ومعلومٌ أن الميزانية الموضوعة تحت تصرفه زادت بفضل باخرة الأسلحة المزعومة وأمثالها إلى ثمانية أضعاف ما كانت عليه قبل حل المجلس الوطني.
لا داعي لتفاصيل أو أمثلة أخرى. فلعل ما سبق يكفي لأن يرى سعادة النائب عبداللطيف الشيخ بصفته هذه أو بصفة الأمين العام لجمعية سياسية أهمية التروي وعدم الانجرار وراء مشعلي الفتن. ولعلّه وغيره ممن ساروا على نفس الطريق السريع يتراجعون عن هذه التصريحات غير البناءة التي تزيد معوقات بناء دولة دستورية تضمن التكافؤ والمساواة وحكم القانون.

[1] ”المنبر الإسلامي تستنكر التخطيط لعمل إرهابي في العيد الوطني”، صحيفة الوسط. 19 ديسمبر/كانون أول 2008
[2] انظر ما نقله حسن عبدالله المدني عن تغطية مجلة ”المواقف” الأسبوعية لقصة الباخرة ضمن موضوع ”كرة النار المتدحرجة منذ ثلاثة عقود” في موقع مكتبة الموسى الثقافية على الرابط:
http://www.al- mousa.net/web/play.php?catsmktba=832

 http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9079