ذاكـرة الأمكنة (مقال قديم) ا

لوهلة حسبتُ ما كتبه الأخ حسين السلم في الوقت[1] حول تغيير أسماء بعض القرى واحداً من تلك المقالات التي تجعل من الحبة قبة. فمن تهمه المحافظة على اسم قرية في وقت لا ندري فيه إلى أين تُبحر بنا سفينة البلاد؟ فضمن الصورة العامة المرتبكة للوضع السياسي في البلاد لا وقت للوقوف أمام مسألة إدارية من قبيل تغيير أسماء قرى أو تبديل لافتات تدل عليها. ولا أحد يتوقع شيئاً من احتجاج أهالي تلك القرى أو تهديدهم بالاعتصام السلمي. ولا يستدعي الأمر تشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول الموضوع في وقت لم تتوفر للبرلمان فرصة الاتفاق على تشكيل لجان للتحقيق في مسائل أخرى أكثر إلحاحاً وأولوية.

إلا أنني سرعان ما تبيّنتُ أن المقالَ يثير أموراً أكبر مما يشي عنوانه. فها نحنُ أمام عضويْن منتخبيْن في مجلسٍ بلدي يشتكيان من قرارات ينسبانها إلى ‘’مجهولٍ’’ في الجهاز المركزي للمعلومات. ومعلومٌ، بعد نشر ‘’التقرير الشهير’’، إن هذا الجهاز ليس كبقية أجهزة الدولة. بل هو أحد أكثر أجهزتها سطوة و أكثرها غموضاً. وإليه تُنسب عدد من ‘’الخطط’’ الطموحة التي جَنَّدت الدولة طاقاتها لمنع الحديث عنها. بل و بذلت أطراف كثيرة بما فيها أعضاءٌ في البرلمان جهوداً لإفشال محاولات خجولة ورمزية لمساءلة الوزير المسؤول عن الجهاز عن تداعيات ما ينسبه التقرير إليه. h

عرفتُ، قبل أن أباشر كتابة هذا التعليق، إن الجهاز المركزي للمعلومات نفى علاقته بالموضوع. إلا أن أحداً لم ينفِ بشكلٍ مقنع ما تشير إليه دلائل كثيرة عن وجود ‘’جهة ما’’ ترى أن من مهماتها إعادة رسم خريطة البلاد ديموغرافياً واجتماعياً وجغرافياً. وفي إطار السلطات الممنوحة لهذه الجهة غير المعلنة لا أستغرب اتخاذها قراراً قراقوشياً بإزالة اسم قرية أو تبديل اسم حي. لقد تعودنا على ألا يتم الإعلان عن أسباب هذه الإزالة أو ذلك الاستبدال. وهذا كان حال الحي الذي يقع فيه بيتنا في المنامة. فبدون سابق إنذار صرنا من سَكَنة ‘’فريق كانو’’ بعد أن كنا، مثل أجيالٍ قبلنا، نعرفه بإسم ‘’فريق الحطب’’. ما العيب في الاسم القديم؟ ومن قرّر تغييره؟ ولماذا؟. لا أحد يعرف. ولم يجرؤ أحدٌ على الاستفسار. بل وصار من يقول إنه من فريق الحطب كمن يعارض ‘’الحداثة’’ أو صار مروجاً، والعياذ بالله، للطائفية. شيئاً فشيئاً رأينا جزءاً من تاريخ البحرين يضيع بعد أن كان يختزنه المكان الذي كان اسمه فريق الحطب.

من الواضح أن الشكوى البلدية التي نقلها المقال لم يسببها التنافس على الصلاحيات بين جهازين من أجهزة الدولة. ولا أرجح أن مصدر التنازع هو رغبة أحد الأجهزة في تخطي ‘’عقبات’’ الروتين والبيروقراطية فاستبدل أسماء قرى أو أزالها دون استشارة المجلس البلدي المعني. ما تستثيره الشكوى هو أكبر من لافتة هنا أوهناك ومن حوْقلة عضويْن في مجلس بلدي. ففي حال صَحَّ ما قاله العضوان عن إزالة اسم قرية الماحوز أو غيرها فلن تكون هذه الخطوة إلا واحدة من مؤشرات كثيرة تشير إلى توجه رسمي لإعادة رسم خريطة البلاد ديموغرافياً واجتماعياً وجغرافياً. وهو توجه يصل إلى درجة الهَوَس الذي تفضحه كثرةٌ من القرارات والإجراءات الرسمية المتضاربة أحياناً. ومعلومٌ أن هذا الهوس قد بلغ مبلغه حين فُرضت السرية المشددة منذ بداية التسعينات على قرارات التجنيس بعد أن كانت جزءاً اعتياديا مما تنشره الجريدة الرسمية ولا تعيره الناس اهتماماً كبيراً. من الواضح أن المستشارين المُسْتجلبين لهذا الغرض يجهلون تفاصيل واقعنا الاجتماعي السياسي وتاريخه، أو هم يستخفون بها.

لهذا أضع يدي على قلبي جزعاً من أن يؤدي هذا الجهل وذلك الاستخفاف إلى المضي بعيداً في تطبيق سياسة ثبتت خطورتها في أكثر من بلد في العالم. وهي سياسة لا يشكل فرض أسماء جديدة لقرانا وأحيائنا إلا رأس جبل الجليد فيها. فالمنخرطون في هذه السياسة يعرفون أن نجاحها يتطلب الاستمرار إلى أقصى الحدود في جهود إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية. ولا شك أنهم يعرفون أيضاً أن هذه الذاكرة ليست محصورة فيما تختزنه ذاكرة الأفراد. بل إن القسم الأهم منها هو ما تختزنه ذاكرة الأمكنة.

حين ناشدَنا أبو العلاء المعري أن نخفف الوَطْءَ وحين وقف قبله امرؤ القيس يبكي بسقْط اللِّوى كانا يقولان ما سيقوله عالم الاجتماع موريس هالبواكس[2]، معاصرُ دوركهايم. ففي حين تتعرض ذاكرة الأفراد إلى التآكل والتلف تبقى ذاكرة الأمكنة. فالمكان هو حافظة الذاكرة الجمعية وأحد معالمها ورموزها في الآن نفسه. قد يكون المكان بقعة أرض أو حقلاً أو عيْن ماء. وقد يكون مسجداً أو مأتماً أو مقبرة أو طَلَلاً. فللأمكنة كلها، صغيرها وكبيرها، مواقعها الخاصة بها في لوحة الفسيسفاء التي نتعارف على تسميتها بذاكرة الوطن. وحين يختفى مكانٌ أو يُزال يبدأ اندثار كل ما يرتبط به في تلك الفسيفساء الوطنية. عندها تزداد البقعُ الفارغة في تلك الفسيفساء وتتسع الفوارق بين مكوناتها.ا

قرأتُ مقالاً كتبته الأخت باسمة القصاب[3] فرأيتُ، بعد أن اتكأت على هالبواكس، كيف يمكن التعرف على الذاكرة الجمعية في قريةٍ من خلال متابعة سِيَر حياة أمكنتها، دواليبها ونخلها. وهي سِيَر حياة تتوثق بها تعرجات علاقات القوة وما تُسهم في توليده من بُنَى داخل القرية وخارجها. وهذه السِيَر توفر للقرية، إن شاءت، لقاحاً ضد الابتلاء بثنائية الغالب الجمعي والمغلوب الجمعي. فذاكرة أمكنة جد الحاج، مثل كل قرانا، تُفصِح، حين تُسأل، عن تداخل بعضُ المغلوب في الغالب. وهي، بذلك، تعطي ‘’المظلومية’’ أوجهاً عدة مستترة. ا

يعكــــس تغيير أسماء القرى والأحياء انبهار الاستشاريين و بعض متخذي القرار بقدرة مشروعات الهندسة الاجتماعية على إعادة تشكيل المجتمع حسبما يريدون. وهو انبهارٌ يشابه ما ساد في الاتحاد السوفياتي وتركيا الأتاتوركية ولم تسلم منه أيضاً دول أنظمة الرفاه الاجتماعي في أوروبا الشمالية. لحسن الحظ، تتوافر الآن عشرات الأمتار من رفوف المكتبات المليئة بالدراسات عمّا سبَّبته مشروعات الهندسة الاجتماعية من مآسٍ حقيقية في تلك البلدان. لكن، لسوء حظنا، لا يبدو أن متخذي القرار لدينا قادرون على الاستفـــادة من قراءة تاريخ الآخـــرين.ا

—————
الهوامش: [1] ‘’طالبوا -المركزي للمعلومات- بالشفافية – تغيير أسماء القرى يثير ضجة في -بلدي العاصمة-’’ الوقت، 1 أغسطس/آب 2007 [2] انظر الترجمة التي قام بها لُويس كوسـِر Maurice Halbwachs on Collective Memory. The University of Chicago Press، 1992 [3] ‘’استملاكات القوة..نخل سيحة جد الحاج نموذجاً’’، الوقت ، 14 يونيو/حزيران 2007

——————————————–

مقال منشور في الوقت

Advertisements

على هامش مجلس 1973

مقال منشور في الوقت بتاريخ 2 أكتوبر 2007

سأبدأ اليوم بتذكير القارئ بأن ما هو متاح للعموم من أرشيف وثائق الخارجية البريطانية المتعلقة بالبحرين لا يحتوي جديداً لا يعرفه المهتمون بمسار التطور السياسي في البلاد. بل إن أغلب ما هو متاح للجمهور من معلومات وتفاصيل لا تفيد الباحث الجاد أكثر من إضافة هامش طريف إلى ما يكتبه.
نجد في الأرشيف تفاصيل ومعلومات هامشية بعضها له طابع شخصي يتعلق بكبار المسؤولين علاوة على المعارضة. وبطبيعة الحال توخيتُ مطالعة الإشارات المتناثرة المتعلقة بي شخصياً وبكتلة الشعب التي كنتُ أنتمي إليها في برلمان .1973 وسأتعرض هنا لمضمون رسالة سرية من السفير روبرت تيش إلى رؤسائه في لندن في 12 فبراير/ شباط 1974[1].
بعد أن يخبر السفير تيش رؤساءه في لندن بقرار إبطال عضويتي في المجلس الوطني يُخبرهم أيضاً بضرورة تعديل قائمة انتماءات النواب البحرينيين ”نحو الأحسن” حسب قوله نتيجة لقيام المحكمة بتعيين شخص آخر في مكاني. إلا أن السفير يضيف مفاجأة لم أتوقعها. فهو ينسب للأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان الخليفة أنه ألمح له بأن إلغاء عضويتي في المجلس الوطني كانت ”عملية مدبّرة” وأنه، أي الأمير الراحل، لم يكن راضياً عن ذلك.
هذه ”المعلومة” ليست جديدة في حد ذاتها. فلقد وصلتنا تسريبات عنها منذ أن فشلت الجهود الحكومية لإقناع كتلة الشعب بالتخلي عن نيتها استصدار قرار من المجلس الوطني يطالب بإطلاق جميع سراح المعتقلين السياسيين. ولقد كان آخر تلك الجهود هو اجتماع ثنائي جمعني بأحد كبار المسؤولين لمدة قاربت الساعة مما تسبّبَ في تأخير انعقاد جلسة العمل الأولى للمجلس الوطني. وكما هو معروف لم يؤدِ اجتماعنا الثنائي إلى تغيير موقف الكتلة. بعد ذلك مباشرة بدأت إجراءات الطعن في صحة عضويتي. وفي ذلك السياق أشارت تسريباتٌ وصلتنا آنذاك إلى وجود اختلاف بين المسؤولين حول جدوى إزاحتي كإشارة تحذير لبقية أعضاء الكتلة. وبطبيعة الحال لم نهتم بتلك التسريبات فلقد كان تقديرنا أن الأطراف المتشددة في الحكومة لن تنجح في استخدام طردي من المجلس لتخويف الآخرين.
أتت ردود الفعل مثلما توقعنا. وأكدت التطورات التالية أن إسقاط عضوية عضو واحد من كتلة الشعب لم يؤدِ إلى تخويف البقية ولم يؤثر في إصرارهم على المضي حسب برنامج العمل المتفق عليه. فكما يعرف المتابعون لم تكن تلك الكتلة ملكاً لشخصٍ أو حتى لتنظيم. من جهة أخرى فلقد انقلب بعض السحر على الساحر. فبسبب صدور قرار المحكمة بطردي في بداية شهر محرّم قام منظمو بعض مواكب العزاء في المنامة وبعض القرى برفع ”الشيلات” المناسبة. ومن تلك الشيلات اشتهرت ”مال ميزان العدالة وفاز بالكرسي عميل/ من بعد سحب الثقة أصبح الكرسي هزيل” وغيرها من الشيلات السياسية التي أصبحت من خمسينات القرن الماضي إحدى المؤشرات على توتر أو استقرار الوضع السياسي في البلاد.
من خلال الرسالة نفسها (12 فبراير/ شباط 1974) نتعرف أيضاً على مقدار رضا السفير عن مجريات الأمور حين يشير إلى هدوء جلسات المجلس الوطني في الثلاثة الأسابيع الأخيرة. ويبدي السفير إعجابه بأن الوزراء قد أصبحوا أكثر قدرة على مواجهة النواب. فمن جهة انشغل النواب بالتنازع فيما بينهم حول تفاصيل اللائحة الداخلية للمجلس. كما أن الحكومة، حسبما يخبرنا السفير، تنوي إشغال النواب بمناقشة ثلاثة قوانين جديدة للصحة العامة والعقوبات الجنائية والعمل. ويكرر السفير إعجابه بهذه الخطة التي ستؤدي إلى إنهاء الستة الأشهر الأولى من عمر المجلس من دون مشكلات.
يسجل السفير إعجابه أيضاً ببعض الوزراء الذين أثبتوا قدرتهم على تفنيد إدعاءات النواب بوجود بطالة عن العمل في البحرين. وهو يؤكد أن الحكومة افحمت النواب حين أكدت بالأرقام أن عدد العاطلين عن العمل في البحرين هو في حدود 300 شخص فقط. ويورد السفير خبراً ذا دلالة عن اجتماعه ببعض الوزراء بعد تلك الجلسة حامية الوطيس التي أصر النواب فيها على وجود أزمة اجتماعية بسبب الأعداد الكبيرة من العاطلين. لسوء الحظ لا يخبرنا السفير عن دواعي ذلك الاجتماع وعما دار فيه. إلا أنه يذكر في سياق رسالته نفسها إنه حثَّ احد الوزراء الذين أبلوا في الدفاع عن إنجازات الحكومة في مجال سوق العمل على استخدام جاذبيته وقدراته الإقناعية على شاشة التلفزيون.
لن تفوت المتابعين ملاحظةُ أن الحكومة ظلت طيلة العقود التالية تنفي وجود البطالة عن العمل بل وظلت تكرر الرقم الذي ذكره وزير العمل آنذاك وردده خلفه الوزير ذو الجاذبية التلفزيونية. ولم يتوانَ المسؤولون عن الاختباء خلف المجازات والاستعارات البلاغية التي تصل إلى حدود القسوة اللفظية حين يُتهمَ العاطلون بأنهم كسالى وأنهم يتظاهرون بالفقر. فالحال الآن، في جوهره، كما كان قبل أكثر من ثلاثين سنة. فمازلنا نرى المسؤول في قمة الرضا عن نفسه حين ينجح في ”إفحام” الناس أو إسكاتهم بدل أن يسعى معهم لمعالجة ما يعانون من مشكلات من جذورها. فكأنما مجرد نفي وجود الظاهرة سيلغي الحاجة لمعالجة أسبابها وإزالة كل انعكاساتها السياسية والاجتماعية. وهكذا هو الحال فيما يخص أمور كثيرة، كبيرة وصغيرة.
لا يملك قارئ تقارير السفير تيش ورسائله قبل أكثر من ثلاثين سنة من التعجب من استمرار الأحوال على ما كانت عليه. على رغم ما حل بالبلاد وأهلها من مصائب طيلة العقود الماضية يستمر السلوك القديم والعقيم. فنحن نرى السلوك نفسه في إصرار الجانب الرسمي على عدم التعاطي الشفاف مع ما يسمى بـ ”التقرير المشهور” على رغم انتشاره بل وعلى رغم وجود نسخة منه في بيت كل المهتمين بالشأن العام. ونحن نرى السلوك نفسه عبر الإصرار على استخدام تعبير ”المتنفذ” في وقت يعرف كل الناس أسم من هو المقصود في كل حالة من الحالات. ومازال بين المسؤولين من يتخيل أننا سنتحول إلى أسرة واحدة تعيش في تبات ونبات بمجرد تحاشي الحديث عن الامتيازات العائلية والطبقية. ومازال بينهم من يتخيل أن نفي التمييز الطائفي ومنع الحديث عنه سيلغي الطائفية وتداعياتها السياسية والأمنية. وربما يجد بعض هؤلاء سفيراً آخرَ لدولة عظمى أخرى يقوم بتهنئتهم على نجاحهم في ”إفحام” المعارضين على غرار ما فعل السفير البريطاني روبرت تيش قبل أكثر من ثلاثين سنة.

الهوامش:
[1] رسالة سرية موجهة الى بي.آر.اتش. رايت، مكتب الشرق الاوسط، وزارة الخارجية البريطانية، لندن بتاريخ 12 فبراير/ شباط .1974

متى حُلَّ مجلس 1973؟

مقال منشور في الوقت بتاريخ 11 أكتوبر 2007

لوْ كانت هذه مسابقة رمضانية فلن يحصل على جائزة مَن يقول 26 أغسطس/ آب  1975.   فسؤالي لا يتعلق بتاريخ إعلان قرار حلّ المجلس، بل بتاريخ اتخاذ ذلك القرار. صحيحٌ أنه في 26 أغسطس/ آب 1975 استخدم الأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان سلطاته الدستورية فأصدر المرسوم رقم 14 للعام 1975 معلناً حل المجلس الوطني المنتخب قبل أن يكمل العام الثاني من حياته.

ولقد تبع ذلك المرسوم أوامر أميرية وإجراءات[1] أوقفت العمل بعدد من مواد الدستور بما فيها تلك التي تنص على انتخاب مجلس بديل خلال مدة شهرين من استخدام الأمير حقه الدستوري. لدي اقتناع يزداد رسوخاً بأن قرار حل المجلس صدر لحظة صدور نتائج الانتخابات البرلمانية في السابع من ديسمبر/ كانون الأول .1973

لقد صدمت تلك النتائج كثيرين ممن كانوا يعتمدون على معلومات الأجهزة الأمنية، خصوصاً على تحليلات إيان هندرسون وتنبؤاته. ولعل من لم يعاصر تلك الفترة يجد بعض ملامح تلك الصدمة فيما ينقله علي ربيعة[2] عن أحد الوزراء الاستراتيجيين آنذاك الذي قال «لقد تعرضت البحرين خلال هذا العام (أي 1973) لثلاث مصائب. انتشار الكوليرا وحريق معمل التكرير وفوز اليساريين في المجلس الوطني».

لا تنحصر أسباب الصدمة الحكومية في نجاح «كتلة الشعب» التي  حصلت على أكثر من ربع مقاعد المنتخبين في المجلس. وهنا لا أقلل من الأهمية التاريخية لما تمثله «كتلة الشعب» التي استطاعت أن تقدم بديلاً تقدمياً وطنياً على أساس مشروع سياسي متكامل ومُعلن. وبطبيعة الحال، لا أقلل من أهمية صمود أعضائها أمام عامل الترغيب والترهيب، والذي وصل إلى حد تسفير أحد أعمدتها الرئيسة، علي دويغر، قبل الانتخابات بشهرين.

إلا أنني أرغب في التأكيد أن وصول اليساريين إلى المجلس الوطني كان واحداً من جملة أسباب أدت إلى الصدمة الحكومية. فلقد نجح وطنيون آخرون شكلوا عصب ما عُرف لاحقاً بـ «كتلة الوسط»، كما فاز متدينون تمكن بعضهم لاحقاً من الفكاك من تبعات توافق قيادتهم التقليدية مع السلطة. معلومٌ أن تركيبة المجلس الوطني في العام 1973 كانت على عكس ما تشتهي الحكومة. ولقد برزت مؤشرات ذلك وبوضوح تام منذ الأسبوع الأول لعمل المجلس.

فلقد بينت انتخابات هيئة رئاسة المجلس وجود اصطفاف برلماني لا يلائم رغبات السلطة البتة. لقد فاز حسن الجشي برئاسة المجلس بتوافق الأعضاء الثلاثين المنتخبين مع الوزراء الأربعة عشر، وهم أعضاء في المجلس بحكم مناصبهم. بعد ذلك انقسم المجلس بشأن منصبيْ نائب الرئيس وأمين السر. جاءت المفاجأة الأولى حين تعادلت الأصوات التي حصل عليها كلٌ من جاسم مراد، مرشح المعارضة، والمرحوم خليفة البنعلي، مرشح الحكومة، لمنصب نائب الرئيس.

ولقد كان من السهل معرفة أن ثمانية من الأعضاء المنتخبين، بمن فيهم الكتلة الدينية، قد انضموا إلى الوزراء الأربعة عشر لدعم البنعلي. وبإعادة التصويت وبتغيير حسن الجشي موقفه فاز مرشح الحكومة. وجاءت المفاجأة الثانية في حصول مرشح كتلة الشعب لأمانة سر المجلس، على أصوات 18 من الأعضاء المنتخبين وحصول مرشح الكتلة الدينية على 26 صوتاً بما فيها أصوات 14 وزيراً. وبهذا آلت أمانة سر المجلس للمرحوم عبدالله المدني. لم يتقرر في تلك الجلسة مصير المجلس. فلقد كان مصيره محسوماً منذ إعلان نتائج الانتخابات في 7 ديسمبر/ كانون الأول .1973

إلا أن تلك الجلسة عززت مواقف المتشددين في السلطة وخارجها الداعية إلى إنهاء التجربة البرلمانية قبل فوات الأوان. ومن المفيد الإشارة هنا إلى ما تذكره إحدى المذكرات السرية في أرشيف وثائق وزارة الخارجية البريطانية من أن مجريات تلك الجلسة كانت «غير مشجعة» رغم فوز المرشح الحكومي في الحالتيْن. فلقد كان السفير مستاءً من جهتيْن. فلقد حصل جاسم مراد على أصوات 22 من أصل 30 عضواً منتخباً. ومن جهة ثانية، فلقد «فضّل النوابُ شيوعياً على رجل دين من أنصار الحكومة(3)ا 

حين أقول إن مصير المجلس محسوم قبل انعقاد أولى جلسه لا أ

دّعي علم الغيب ولا ما في القلوب. كما لا أنفي أن مجريات الأمور قد ساهمت في توفير الحجج اللازمة لوضع القرار موقع التنفيذ. وبهذا المعنى لن أحاجج من يلوم أعضاء المجلس الوطني وقتها على ما يعتبره بعض الناس الآن تصلباً. أو يلومهم على إصرارهم على مواجهة الحكومة بشأن مسائل مختلفة واستعجالهم في طرح مشروعاتهم واقتراحاتهم.

ومن أبرز الأمثلة التي تُضرب في جلسات المحاججة يتكرر مثالان؛ أولهما يتعلق بـ «جدوى» إثارة موضوع إلغاء الاتفاقية الخاصة بالقاعدة العسكرية الأميركية في الجفير. والثاني هو «الاستعجال» في طرح مشروع بقانون بشأن تحويل الأراضي الأميرية إلى ملكية الدولة وتحت إشراف المجلس التشريعي. وبطبيعة الحال، هناك من يثير أمثلة أخرى للتدليل على دور المجلس الوطني في «دفع» الحكومة دفعاً إلى حلِّه وإلى إنهاء التجربة البرلمانية وحرمان الناس من حقوقهم الدستورية لأكثر من ربع قرن. ا

في بداية أبريل/ نيسان 1974 كتب السفير البريطاني روبرت تيش إلى رؤسائه في لندن بشأن علاقة الحكومة بالمجلس الوطني، مؤكداً «أن الأمور لا تبدو سيئة في الوقت الحاضر. وبالتأكيد لا أرى احتمالاً لمواجهة عنيفة. لكنني أعتقد أن وزراء عدة قد بدؤوا بالتفكير في حل المجلس أو إصلاحه أو إلغائه. والسبب في ذلك ليس أن المجلس يشكل خطراً، بل لأنه مصدر إزعاج وخيبة أمل[4]». اد

تاريخ هذه الملاحظات سابقٌ لأي نقاش برلماني عن إلغاء اتفاقية القاعدة الأميركية في الجفير، وسابقٌ أيضاً لاحتجاج النواب على قيام الحكومة، سراً، بإعادة تجديد تلك الاتفاقية رغم أنها أُلغيت فعلاً في أعقاب حرب أكتوبر/ تشرين الأول .1973 وبطبيعة الحال، فإن حديث الوزراء عن حل المجلس أو إصلاحه أو إلغائه سابقٌ أيضاً لطرح مشروع بقانون عن تحويل الأراضي الأميرية إلى ملكية الدولة وتحت إشراف المجلس التشريعي. نعم. لوْ لمْ يُطرح هذا المشروع أو لوْ لمْ تُثر تلك المسألة لربما طال عمر المجلس شهراً إضافياً. وربما أكثر. ولكن هذا لن يغير في القرار الأصلي. فتأجيل تنفيذ الحكمِ لا يعني إلغاءه. والحكمُ قد صدر بحق مجلس 1973 يوم تبين أنه لن يكون مجلساً لتبادل الرأي بشأن أحسن السبل لشكر الحكومة على ما تقوم به من خطوات رشيدة

———————

الهوامش:

[1] شملت تلك الإجراءات اعتقال ثلاثة نواب من أعضاء كتلة الشعب هم علي ربيعة ومحمد جابر الصباح ومحسن مرهون لمدة أسبوعين وثلاث سنوات وخمس سنوات على الترتيب.

[2] علي قاسم ربيعة «التجربة الدستورية في البحرين – التجربة الموءودة»، مسودة تحت الطبع.

[3] مذكرة سرية من السفير روبرت تيتش في البحرين إلى بي.آر.اتش. رايت في مكتب الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الأول .1973

[4] مذكرة سرية من السفير روبرت تيتش في البحرين إلى بي.آر.اتش. رايت في مكتب الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 9 أبريل/ نيسان .1974

الديمقراطية .. هي المخرج

الطليعة : العدد 926 ، 25 يناير1986

http://blog.altaleea.com/?p=119

بقلم / د. عبدالهادي خلف

على الرغم من حداثتها والهشاشة الناجمة عن ذلك، وعلى الرغم مما تتعرض له من ضغوط خارجية وداخلية، وعلى الرغم من مخاطر النكوص، تبقى الحياة البرلمانية الكويتية الشكل الديمقراطي اليتيم في منطقتنا الشاسعة. ويبقى الكويتيون شعبا ونظاما متميزين بين أشقائهم الخليجيين، وقادرين على الاشارة إلى مجلس الأمة باعتباره ثمرة لنضال عشرات السنين ورمزا لغلبة التعقل وخطوة هامة باتجاه ديمقراطية حقة.

ولقد جاءت المناقشات المسؤولة التي دارت في أروقة مجلس الامة عندما طرحت إجابة وزير المالية على سؤال الأخ النائب العنجري، جاءت لتؤكد للمتتبعين من خارج الكويت أن مجلس الأمة الكويتي يقوم أيضا بمهمة»تمثيل «أبناء دول مجلس التعاون الأخرى. وان المناقشات التي يقوم بها اعضاؤه لا تدور حول موضوع كويتي بحت، بل حول مواضيع خليجية مشتركة. وأن المناقشات لا تدور حول تصرف غير مقبول في المال العام، ولا تدور حول هذا الجانب أو ذاك من الوضع الاقتصادي أو السياسة العامة، بل هي تدور حول جذر  الأزمة التي تعيشها جميع بلدان مجلس التعاون دون استثناء.

وجها الأزمة

ولهذه الأزمة، كما نراها، وجهان متلازمان أولهما تصميم أنظمة الحكم في دولنا على ممارسة السلطة كحق لا يحق لها مساءلتها عنه، وثانيهما رغبة هذه الأنظمة في أن تكون شرعية ومقبولة من مواطنيها.

وكما هو واضح فإن الوجهين متناقضان رغم تلازمهما لدى جميع أنظمتنا دون استثناء. فالوجه الأول يفترض استمرار السلطة غير الخاضعة للمساءلة واستمرار إمتيازات أفرادها ويفترض خضوع أو اخضاع المواطنين ( الرعايا في هذه الحالة ) بأي شكل من الأشكال. أما الوجه الثاني فيفترض تنازلات أهمها خضوع الأنظمة وأفرادها للمساءلة وتحملهم تبعات ممارساتهم للسطلة.

وحيث أن التناقض بين الوجهين هو تناقض بنيوي فإنه يزداد حدة أو ينقص تبعا لطبيعة بنية المجتمع، ولمدى تطور العلاقات الاجتماعية فيه ، وحجم القاعدة الاجتماعية للأنظمة، وبالمقابل حجم القاعدة الاجتماعية المتضررة من ممارسات الأنظمة لسلطاتها.

وحيث أن التلازم بين الوجهين هو تلازم بنيوي فإنه يزداد وضوحا أو يقل تبعا لقدرات الأنظمة على السيطرة على أدوات الحكم وعلى التحكم في أشكال المعارضة وحجمها ومطالبها.

ولقد رأينا التلازم بين الوجهين، ورأينا تناقضهما بوضوح شديد خلال عقد الطفرة النفطية. فلقد وفرت الموارد المالية لعوائد النفط منذ 1973 قدرات هائلة لدى الأنظمة كي تمارس حقها في السلطة دون حاجة للبحث عن إضفاء الشرعية على ذلك الحق. ولقد أمكنها ذلك بما قدمته من تسهيلات واغراءات أدت إلى توسيع قاعدتها الاجتماعية.

وأدت هذه التسهيلات والاغراءات إلى ان تتناسى شرائح وفئات اجتماعية مطالبها السياسية. أو ان تنشغل عنها. ومع أن هذه الشرائح والفئات تركزت في أعلى الهرم الاجتماعي. الا أن انعكاسات »رخاء« عقد الطفرة النفطية والآمال المعقودة على استمراره شمل ايضا شرائح وفئات تنتمي واقعيا إلى قاعدة الهرم الاجتماعي.

شرعية.. بلا تنازلات سياسية!

لقد وفر رخاء عقد الطفرة النفطية للأنظمة إمكانيات الحصول على »الشرعية« دون أن تقدم تنازلات سياسية بل ومكنها من النكوص عن عدد من الانجازات التي تحققت بفضل نضال التحالف الاجتماعي الواسع الذي ارتكزت عليه المعارضة قبل عقد الطفرة النفطية.

ففي ظل رخاء الطفرة النفطية تم التراجع عن انجازات ديمقراطية، وتم احتواء مطالب الحركة الجماهيرية وتمت إعادة صياغة حركة المجتمع لتتلاءم مع »ضرورات« الاستقرار الاجتماعي كما تصورتها الأنظمة والفئات الاجتماعية المستفيدة من ممارساتها، وهي فئات رأيناها تتزايد طوال عقد الطفرة النفطية.

ولقد تناست هذه الفئات الاجتماعية، أو انشغلت، عن حقيقة انها لا تستطيع ان تنمو بشكل طبيعي إلا في مناخ ديمقراطي حقيقي. وان منافع رخاء الطفرة النفطية هي منافع مؤقتة مرتبطة بتقلبات سوق عالمية لا حول لها ولا قدرة على التأثير فيها.

ولهذا رأينا هذه الفئات غير راغبة في الاعتراض على وقف المسيرة الديمقراطية ولا على حل مجلسي البرلمان في البحرين والكويت، ولا على تمرير القوانين والمراسيم والأنظمة المجحفة والتي لم تؤد الا إلى تكريس حق الأنظمة في ممارسة السلطة بدون مساءلة.

وبالمقابل، وفي ظل الرخاء وفي ظل الرغبة في تحقيق الاستقرار، تمكنت الأنظمة من المضي قدما في مساعيها لاسكات الأصوات المعارضة الأخرى التي كانت تعبر عن هموم المتضررين من ممارسة السلطة بدون شرعية.

التناقض المزمن

قلنا أن التناقض بين ممارسة السلطة لـ«حقها» وبين الرغبة في الشرعية، هو تناقض مزمن في منطقتنا  ولقد كان بالامكان إخفاء هذا التناقض بما توفر من موارد هائلة طوال عقد الطفرة النفطية الا ان التناقض باق ويزداد بروزا بعودته الى السطح مرة أخرى مع بروز الضائقة الاقتصادية التي تمر بها بلدان منطقتنا.

فعلاوة على حقيقة أن الضائقة الاقتصادية قد قلصت قدرات الأنظمة على الاستمرار في ارضاء قاعدتها الاجتماعية بالأشكال التي كانت سائدة منذ عشر سنوات، فإنها كشفت بوضوح شديد أن المناخ الذي ساد طوال تلك السنوات كان لمصلحة الأنظمة اكثر مما كان لصالح قاعدتها الاجتماعية، والتي بدأت تعي، وان بشكل متأخر، أن تنازلاتها للأنظمة كانت أكبر من الثمن الذي حصلت عليه.

من الجهة الأخرى اثبتت الأيام أن قوانين القمع والممارسات غير الديمقراطية ضد أصوات المعارضة، والتي وصلت في حالات كثيرة إلى حد التصفية السياسية، لم تلجم هذه الاصوات ولم تمنع نموها وسعيها لاستعادة زمام المبادرة بل أن هذه المعارضة تشهد، مرة أخرى، اتساعا ناجما عن إتساع قاعدة المتضررين من الضائقة الاقتصادية الراهنة وانعكاساتها، والمتضررين من الاجراءات المتخدة لمعالجتها.

وكل هذا يعيد الأنظمة في بلداننا إلى مواجهة مأزقها الحقيقي كيفية ممارسة السلطة وكيفية الحصول علي الشرعية.

ولقد كانت الاتجاهات العقلانية في السلطة الكويتية سباقة إلى تلمس الطريق المؤدي إلى الخروج من هذا المأزق. فلا القمع يكفي ولا الرخاء المؤقت يكفي ولا التنازلات الشكلية تكفي كأساس لاستمرار ممارسة السلطة وتأكيد شرعيتها.

الاختلاط بالغمار

كما لا يمكن ممارسة السلطة بشكل شرعي دون رضا القاعدة الاجتماعية، واعتمادا فقط على الحسب والنسب.

فما شهدته بلداننا منذ بدء تحولها إلى السوق الرأسمالية قبل أكثر من نصف قرن أحدث تغيرات جوهرية في قيمة الحسب والنسب. وهذه التغيرات هي التي لمسها ابن خلدون حين كتب في مقدمته »وقد يكون للبيت شرف أول بالعصبية والخلال ثم ينسلخون منه لذهابها بالحضارة كما تقدم، ويختلطون بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعيدون به أنفسهم من أشراف البيوتات أهل العصائب وليسوا منها في شيء لذهاب العصبية جملة«.

هذا»الاختلاط بالغمار« كما سماه ابن خلدون والذي يشمل أن يمارس حكامنا التجارة وغيرها من أوجه النشاط الاقتصادي كغيرهم من المواطنين، هذا الاختلاط يعني من بين ما يعنيه أن اسس الحكم الفردي وبدون مساءلة لم تعد قائمة رغم وسواس الحسب، الباقي في النفوس.

بطبيعة الحال فإن هذه الظاهرة موجودة في جميع بلداننا الخليجية دون استثناء.

ولقد أشار إلى هذا الأمر أخونا الدكتور عبدالله النفيسي في أحدى مداخلاته البرلمانية بقوله ان هناك »ظاهرة غير شرعية موجودة في الكويت وفي الخليج والجزيرة الا وهي ظاهرة الحكم والتجارة. وهذه الظاهرة هي الازمة اليوم: عندنا في الكويت إصرار من فئة تحكم ومتنفذة على ان تكون طرفا في السوق تريد أن تربح وان تراكم الأرباح«

ولا شك ان أحد لا يطالب هذه الفئة المتنفذة ولا شقيقاتها في بلدان الخليج الأخرى ان تبتعد عن السوق أو ألا تراكم الارباح كغيرها من فئات السوق. فلقد اختلطت هذه الفئة وشقياتها بالغمار واضحت جزء لا يتجزأ منه. ولم يعد بإمكانها العودة إلى ما في نفسها من  »وسواس الحسب« على حد تعبير ابن خلدون.

ان طبيعة تطور مجتمعاتنا تفرض هذا الاختلاط باعتبار ان الطبقة المتنفذة اقتصاديا لا بد وان تكون متنفذة سياسيا. باعتبار أن النفودذالسياسي لابد وان يكون انعكاسا لنفوذ اقتصادي. وحيث ان الشرائح الاجتماعية المتنفذة سياسيا في بلداننا لم تعد، وخاصة في العقود الأخيرة، تكتفي بمواردها الريعية، بل انخرطت بالكامل في العملية الاقتصادية وأصبحت شريحة» اعتيادية «تراكم الربح وتتزاحم عليه، لذلا فمن البديهي ان تتقبل اضطرارها لتقديم تنازلات تتلائم مع مكانتها الجديدة ومع الأسس التي تقوم عليها هذه المكانة.

واذا كانت الأوساط العقلانية في النظام الكويتي قد تفحصت هذه الحقيقة واستوعبت مترباتها، فإنها حظيت بالمقابل على تأكيد شرعيتها وازدياد قبول الجمهور لممارساتها للسلطة.

ومع إقرارنا بأن الطريق مازال طويلاً، وإننا مازلنا في بدايته كما تؤكد لنا المناقشات التي تدور في أروقة مجلس الأمة الكويتي، إلا أننا لا نملك إلا تثمين سعي هذه الأوساط العقلانية لاستيعاب دروس التاريخ رغم الضغوط الداخلية منها والخارجية ورغم مخاطر النكوص.

ولعل ما يجري في الكويت يسهم في تسريع عملية التغيير والاصلاح المطلوبة على مستوى دول مجلس التعاون جميعها. إذ تثبت الحياة البرلمانية أن شرعية السلطة لا تتأتى الا عن طريق واحد، هو الاقرار غير المشروط بحق الشعب في أن يحكم نفسه ومن خلال المؤسسات الدستورية التي تمثله حقا، لا المؤسسات التي عفا عليها الزمن، أو التي لا يقصد منها الا التجميل الخارجي.

وإذا كان ابن خلدون قد تحدث عن ان»الظلم مؤذن بخراب العمران« فإنه تحدث أيضا عن»ان حصول النقص في العمران عند الظلم والعدوان هو أمر لا بد منه، ووباله عائد حتما على الدولة. «ولعل هذا يصف أكثر ما يصف حال منطقتنا في ظل الضائقة الاقتصادية (نقص العمران ) وفي ظل غياب الديمقراطية (الظلم والعدوان) وهو يصف بوضوح كبير طبيعة المأزق القائم: كيف تمارس السلطة سلطتها بشكل شرعي؟؟.

* الطليعة : العدد 926 ، 25 يناير 1986

http://blog.altaleea.com/?p=119

الخبز و المهرجانات (مقالٌ عمره أكثرمن 10 سنوات) ا

أبريل 

This slideshow requires JavaScript.

2002
.

أثناء وجودي في البحرين مؤخـراً , كانت البلاد مســــرحاً لعدة مهرجانات احتفالاً بمرور عام على التصويت على الميثاق.  يلخص ما نشــرته  احدى الجرائد المحلية جانبا من الاجواء التي ســادت البلاد في فبراير و بهرجة الاحتفالات التي  شــهدتها :   ” تبدأ البحرين اليوم احتفالاتها بمناسبة الذكرى الأولى على مرور عام على اجماع الشعب على ميثاق العمل الوطني والذي جرى في فبراير من العام الماضي، وتعد هذه الاحتفالات في هذه المناسبة أكبر حدث في تاريخ البحرين ذلك لان جميع فئات الشعب من شتى مناطق البلاد ستشارك فيها من خلال الكرنفالات والبرامج الترفيهية والعروض الشعبية، وتستمر لمدة 7 أيام.   وكانت نتيجة الاستفتاء على الميثاق الموافقة بنسبة 98.4%، وعلى ضوء هذا الاجماع والارادة الشعبية صدر الميثاق عن حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أمير البلاد المفدى. وتقام الاحتفالات في أربع محافظات لتشمل المنامة والمحرق والمنطقة الجنوبية والمنطقة الشمالية بمشاركة الاندية والجهات الأخرى المنظمة وذلك تحت رعاية وزارة الاعلام، وتتضمن برامجها مواكب للسيارات والدراجات وعروضا للخيل وأخرى موسيقية تتخللها رقصات شعبية. كما سيتم أيضا إلقاء بعض القصائد الشعرية وكلمات بهذه المناسبة. وتبدأ هذه الاحتفالات في الساعة الثالثة عصرا وتستمر حتى يوم الخميس مع تنظيم برنامج خاص يوم الجمعة. كما سيتم تنظيم كرنفال خاص في جامعة البحرين خلال أيام السبت والاحد والاثنين وستعلن الجامعة فيما بعد تفاصيل هذا البرنامج

بعض  الاحتفالات التي شــهدتها  البلاد كانت محدودة الجمهور  بينما كان بعضها الآخر مفتوحة لمن أراد حضورها .

من النوع الأول  كانت الاحتفالية التى تم تنظيمها تحت راية نادى العروبة تحت اسـم ” ندوة التحول الديمقراطي في البحرين ” و التى دعي إليها نخبة من الشخصيات العربية و الأجنبية التى ارتبطت أسماؤها بنضالنا الوطني و الديمقراطي طوال العقود الثلاثة الماضية .  و  أما من النوع الثاني  فلقدشهدت البحرين عشرات الاحتفالات الممتدة من سباق الماراثون و سباقات القدرة حتى الحفلات الموسيقية الســــاهرة بأغانيها المؤلفة خصيصاً للإشـــادة بالأمير و بمشروعه الإصلاحي .

لم يحضر كل من دعته اللجنة المنظمة لحضــور ” ندوة التحول الديمقراطي في البحرين”  و ذلك لأسباب عملية مختلفة بطبيعة الحال.   من جهتها تحاشت اللجنة المنظمة دعوة من اعتبرت مشاركتهم إخلالا بالجانب الاحتفالي  للندوة . و مع ذلك كانت الندوة , كما قيل لي ,  ندوة ناجحة.  و لولا إعلان الأمير , عظمة الملك لاحقاً, عن تعديلاته الدستورية الانفرادية لكانت الندوة الاحتفالية أكثر بهجة  مما كانت عليه لمن حضــرها من باحثين  مرموقين محليين و عرب و أجانب.
لأســباب لا تخفى لم تتح لي المشاركة في تلك الندوة الفكرية الاحتفالية  رغم  ان توقيت حضوري الى البحرين كان بسببها وعلى اســـاس دعوة اســـتلمتها من المنظمين  (غير نادى العروبة)  أي  قبل ان يضطروا الى طلب التمويل من الديوان الاميري . و لقد تبين لاحقاً  ان   للديوان الاميري أولوياته فيما يتعلق بمن يحضــر الندوة . اللهم لا اعتراض .

و لأسباب لا تخفى أيضاً , لم أســـتســغ حضور أي من الاحتفالات من النوع  الآخر بما في ذلك ســباقات للسيارات والدراجات وعروض الخيل .

ما لم أرغب في تحاشيه كانت الاحتفالية التى نظمتها جمعية المنبر  التقدمي الديمقراطي و التي أحياها الفنان التقدمي مارســــيل خليفة بمشــاركة فرقته و بخاصة الفنانة ذات الصوت الباهر أميمة الخليل . كانت حفلة رائعة , رغم ما اعتراها بســــبب حماس الجمهور.

شـــاءت الصدف الطيبة أن يكون مقعدي بجانب مقعد الشاعر قاسم حداد الذي تحاشى هو أيضا الجلوس في المقاعد الأمامية حيث جلس كبار عليتنا.  و في ســياق ما يمكن تبادله من أحاديث متقطعة في انتظار بدء الحفل الموســيقي,  ذكرت لشاعرنا الكبير إن أجواء البحرين الاحتفالية تذكرني بشاعر آخر , لا شـــك انه يعرفه و ان كان قد عاش قبله بأكثر من ألفين سنة . و هو شاعر  يستحق أن نســتذكره هذه الايام و البحرين ترفل في أجواء المهرجانات على اختلاف أشـكالها .

و الشــاعر الذي أقصده هو جوفنال  Juvenal الذي عاش في روما ما بين عام 140 – 60 قبل الميلاد و اشتهر بأشعاره الساخرة مما اعتبره انحطاطاً أخلاقيا في روما آنذاك . و من بين ما تركه هو تعريضـــه ليس فقط بأمبراطور روما و حاشـــيته , بل و أيضاً بأهل المدينة الذي لا هم  لهم سوى البحث عن المتعة و التسلية .

تلخص عبارة ” جوفنال    أعط الناس ما تحتاجه … أعطهم خبزاً و سيركاً , تلخص تقييمه للحياة السياسية و الاجتماعية في روما التى عاصرها . و لقد ذهبت العبارة , بتحويراتها, ” أعط الناس خبزاً و مهرجانات ” , مثلا يصور مخزوناً  يكاد لا ينضــب  لســياسـات تتبناها السـلطات لشغل الناس و جذب اهتمامها بعيداً عن مشاكلها الحقيقية .

تعلم أباطرة روما القديمة درساً ثميناًَ : لكي تبقىالناس راضية و منشــغلة عما يفعل الإمبراطور  فما عليه إلا أن يوفر لها الحد الأدنى من أسباب المعيشة , مرموزاً له بالخبز عند جوفنال , و أن يوفر لها الحد الأدنى من أسباب المتعة و التسلية , في شكل مهرجانات و سيرك .

لم يغب الدرس الروماني عن ملوكنا و حكامنا , على اختلاف تســــمياتهم . و هذا ما يمكن ملاحظته في إصرار جميع حكامنا تقريباً على عدم التخلي عن ســياسـة دعم أســعار الخبز , و في نفس الوقت , تشــــجيع المهرجانات الاحتفالية , والتى تشكل المباريات الرياضية اقلها كلفة و أكثرها انتشاراً . مباريات كرة , و مسابقات رياضية على اختلاف أشكالها , بدء من مباريات الدوري حتى الألعاب الأولمبية  مرورا بكأس الكؤوس و كأس العرب و ما يشبهما.

و تعلٌم حكامنا أنهم يسـتطيعون الإفلات من المحاسبة حتى حين تتعرض أمتنا الى هزيمة مثل هزيمة حزيران  و حتى حين يقفون صــامتين بينما تقصف اسرائيل ~ أي الولايات المتحدة الاميركية ~ أهلنا في فلســطين , ولكنهم لن يســــتطيعوا مواجهة غضب الجماهير إن هم , أي الحكام , غامروا بتخفيض دعم الدولة لأســعار الخبز , أو إن هم غامروا بالتعرض إلى مواعيد دوري مباريات كرة القدم في بلدانهم .

الخبز و المهرجانات سلاح مزدوج شهدناه عشية الإعلان  عن المملكة و عن التعديلات الدستورية التى أعلنها عظمة ملك البحرين  بشــكل انفرادي و بدون مراعاة لتعهدات قطعها على نفســــه , و  بدون أدنى إلتفات  لإعتراضات قيادات القوى السياسية في البحرين .

و تمٌثل الخبز , الذي أشار إليه جوفنال , في الإعلان عن مكرمة ” تخفيض القروض الإسكانية . و تمثلت المهرجانات  التي أشار إليها جوفنال , في سلسلة الاحتفالات التى أقامتها الدولة  بنفســها  أو التي نفذتها الجمعيات الســياسـية. بدءً من الندوة الفكرية الاحتفالية التى نظمت تحت راية نادى العروبة  بتمويل مباشر من الديوان الأميري , مروراً بحفلات أخرى  , و انتهاءً بالحفلة الموسيقية التى أحياها الفنان الكبير مارسيل خليفة  و بتمويل مباشر من الديوان الأميري هي أيضا.

للخبز و المهرجانات دور سياسي هام في حرف اهتمام الناس بعيداً  و طويلاً  كي لا يلاحظوا , ولكي لا يعترضوا عن الأخطاء التى يرتكبها حكامهم و عن التجاوزات التى ترتكب ضدهم . و هي حالات تشابه ما تفعله الأم حين تعطى رضيعها مصاصــته أو حين تهز له الخرخشـــــانة فيتوقف الرضيع عن البكاء و إزعاج والدته و محيطها .

في حالات معينة  , كما هو حال دولنا الريعية , يصبح الخبز و المهرجانات أســلوباً دائماً و نهجاً ثابتاً من أساليب ممارسة الحكم . و تتوفر للدولة الريعية , كما لا يخفى , موارد ضخمة تسهل عليها توفير ما هو أكثر من دعم أسعار الخبز لتشمل توفير السكن و قروضه على سبيل المثال , و تسهل عليها تمويل تنظيم ما هو أكثر من سيرك لتشمل مهرجانات كالتي شهدتها البحرين طوال فبراير الماضي .

ناقش عديد من المفكرين  السياسيين دور الخبز و المهرجانات في تخدير الناس و إضعاف قدراتها على معارضة إجراءات الحكم و سياساته .( انظر على سبيل المثال باتريك براتلينغر Brantlinger في كتابه المعنون خبز و سيرك   Bread and Circuses  الذي يشدد  فيه على هذا الدور التخديري التى تقوم به المهرجانات و المكرمات) . و لدى الاجتماعيين من ذوى الميول الماركســــية تداعيات مستمدة من الشاعر الروماني الساخر جوفنال و ذلك حين يتحدثون عن الوعي المزيف لدى الطبقات و فئات المجتمع المسحوقة . وهو وعى مزيف بواقعها يدفع هذه الطبقات و الفئات الى عدم مواجهة خصومها الحقيقيين و الانشغال بمحاربة بعضها بعضاً .

لدى بعض هؤلاء الاجتماعيين أمثلة كثيرة يمكن أن يسوقونها للتدليل على انتشار الوعي المزيف حتى خارج إطار الطبقات المســتضعفة و فئات المجتمع المسحوقة , ليشـــــمل المثقفين و قيادات المجتمع . و من هذه الأمثلة ما شهدته البحرين من انشغال قيادات العمل السياسي و الاجتماعي طوال السنة الماضية بمنافســـــة بعضها بعضاً في مجال تأســـــيس الجمعيات مما اســتنزف جهودها الجســـدية و الذهنية و جعلها غير قادرة على توفير الوقت و الجهد لمعالجة ما كان يتم تحضيره في الخفاء من إجراءات سياسية تمثل التعديلات الدستورية الانفرادية بعض مظاهرها.  بل  انها   انشـــغلت  , على ما رأينا , بمنافســـــة بعضها بعضاً حتى في مجال من منها ينظم الاحتفالية الأهم أو  الأكبر أو الأخطر……الخ .

الخبز و المهرجانات سلاح سياسي خطير يعرف خطورته كل منشغل بالشأن العام منذ جوفنال  , بل و قبل جوفنال , حتى يومنا. و من الثابت انها  ســتبقى سلاحاً سياسياً خطيراً بعدنا نحن ايضا .   و مع ذلك , و رغم حصافة و حذر , نقع دائماً فريسة ما يوفره الخبز و المهرجانات لنا من تخذير .

و مع إنني أظنها رمية من غير رامٍِ  , إلا أن توقيت انتخابات البلدية سريعا يوفر أجواء مهرجانات تنشغل بها الناس , وقياداتهم عما هو أهم . أما إذا كانت الرمية مقصودة فان مهارات من وراءها وبراعته و تكتيكاته قد فاقت كل توقعاتي .فمن  منا ســـيجد  لديه وقت  كاف  لكي يناقش عدم دستورية التعديلات الانفرادية التي اعلنها عظمة الملك و هو   يرى الاخرين يتدافعون نحو مقاعد موعودة في المجلس البلدي ؟ و من لديه وقت أن يطلب من جمهوره أن لا يحضر المهرجانات التى ستترافق مع الانتخابات البلدية , أو عدم قبول المكرمات  و هي خبز الدولة الريعية التي تعودت الناس أن تتوقعها ؟

يا قاسـم حـداد يا  شاعرنا الحبيب , لقد  أصـبح جـوفنال ,  زميلك الروماني الذي ســـخر من امبراطور روما  قبل أكثر من ألفين عام  , شاعراً بحـرينياً هو  أيـضاً .

عبدالهادي خلف
مملكة الســـــــــويد
أبريل  2002

باخرة محملة بالأسلحة والمفرقعات

تناقلت وكالات الأنباء وبعض نشرات الأخبار الرئيسية في الفضائيات الدولية فحوى بيان أمني حول ”إلقاء القبض فجر الثلثاء على عدد من الأشخاص كانوا يخططون لتنفيذ عمل إرهابي بهدف الإخلال بالأمن العام وترويع الأبرياء الآمنين وتهديد حياتهم”.
ولا غرابة في هذا الاهتمام العالمي بالخبر. ففيه كل الكلمات اللازمة بعد 9/11 لاسترعاء الاهتمام الإعلامي. فمن لا يتوقف عند كلمات مثل ”عمل إرهابي” و”تفجير عبوات مصنعة محلياً” بهدف ”ترويع الأبرياء الآمنين”؟ ولهذا استغرب صحافيٌ طلب مني التعليق على ذلك الخبر حين قلتُ إن عليْنا أن ننتظر حتى نعرف مدى صدق الخبر وجديته. فقد يكون واحداً من الأخبار المعتادة في مواسم المسيرات. وديسمبر/ كانون الأول هو شهر مسيرات معارضة وموالاة كما هو معروف.

ولم تتأخر المؤشرات المعتادة والمقلقة. فنشرت الصحف المحلية ما صرح به مصدرٌ في النيابة العامة بأنها لم تبدأ التحقيق في واقعة حيازة عبوات متفجرة إلا بعد يوميْن من اعتقال المجموعة المؤلفة من شخصيْن أو ربما ثلاثة (حتى ساعة كتابة هذه الملاحظات). كذلك تبيَّن أمران مقلقان رغم أننا تعودنا عليهما. أولهما أن المواد المتفجرة المضبوطة هي قنينتا غاز وآلة لحام وعدد غير محدد من كرات الحديد ”الصجم”. والثاني هو عدم حصول محاميي الدفاع على إذن لزيارة المعتقليْن وحضور جلسات التحقيق معهما قبل ”اعترافهما”. بل لم يطلع المحاميان على ملف القضية. ورغم هذا وذاك صرح مصدر مسؤول لا أشك في اطلاعه أو اطلاعها على أصول التحقيق بأن المتهميْن اعترفا في التحقيقات أي دون حضور محاميهما. ولهذا أمرت النيابة بحبسهما لمدة أسبوعين كما ندبت خبراء المفرقعات المختصين لفحص المواد المضبوطة. ولن يستغرب أحدٌ أن يصيب المتهميْن ما أصاب غيرهما فيستمر احتجازهما ”رهن التحقيق” لأشهر قبل إحالتهما للمحاكمة. حينها لن يستطيع أحدٌ أن يثبت أو ينفي تعرضهما للتعذيب لدفعهما إلى ”الاعتراف بالواقعة”.

بدلاً من الدعوة للتروي نقلت بعض الصحف المحلية بيانات التنديد بالعمل الإرهابي حتى قبل أن تبدأ النيابة العامة التحقيق مع الشابيْن المعتقليْن. وطالب منددون بإنزال أقصى العقوبات بما فيها إعدامهما. هذا النوع من التسرع متوقع وأن لم يكن مقبولاً، من بعض أفراد الجمهور الذين تُهيِّجهم البيانات الرسمية وخطباء المساجد. إلا أنه غير متوقع من أعضاء في المجلس النيابي. فمن أكثر من النواب المنتخبين حاجة للتروي قبل أن يصيبوا قوماً بجهالة؟
أ

كتبُ هذا وأمامي تصريح النائب عبداللطيف الشيخ وهو الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي[1] . فقبل أن يتبين النبأ أي قبل أن تبدأ النيابة العامة تحقيقها وقبل أن يتم إبلاغ محاميي المتهميْن بالتهم الموجهة لموكليْهما، أدان سعادة النائب ”التخطيط للتفجير والتخريب والنَّيل من أمن واستقرار البحرين”. بل أشار وليس لديه أكثر مما لدينا من أخبار إلى أن المعتقليْن يستحقان أشد العقاب حيث إن أعمال التخريب والتفجير والإفساد في الأرض حرَّمها الإسلام ونص القرآن على توقيع أشد العقوبات بمن يتورطون في مثل هذه الأعمال الإجرامية. الطامة أن النائب لم يتروَ بل رأيناه يناشد رجال الأمن، وليس السلطة القضائية، الضرب بيد من حديد. لا أشكك البتة في نوايا سعادة النائب ولا أزايد عليه في حب الوطن والرغبة في أن يعمّه الأمن والعدل. ما أعتبُ عليه فيه أنه لم يعمل على التهدئة ومناشدة الناس المهتاجين انتظار أحكام القضاء بعد سماع دفوع المتهميْن. فهذا هو ما نفترضه ممن يسعى لبناء دولة القانون. فماذا سيكون حال سعادة النائب حين تقرر النيابة العامة إخلاء سراح المعتقليْن أو حين يقرر القضاء براءتهما؟

لا أطرح هذا السؤال مماحكة ولا استفزازاً. فلقد عشتُ مثل كثيرين من جيلي عشرات الأمثلة على”مؤامرات” يتم اكتشافها وعن أشخاص تم اعتقالهم بل وعن أدوات إرهاب وتخريب. وفي كل مرة تقوم الدنيا ولا تقعد تنديداً بالمتآمرين وترتفع أصوات بعضها لعقلاء تطالب بالضرب بيد من حديد بل وتطالب باجتثاث البذرة من جذورها. ثم تهدأ الأمور وينسى الناس الأمر. وتتكرر الحكاية مرة بعد مرة. ”مؤامرةٌ” بعد الأخرى ثم اعتقالات تليها ”اعترافات” وتنديدات ومزيد من الضرب بيد من حديد. ثم مزيد من السلطات لجهاز الأمن.

لا أعرف ما عمر سعادة النائب وهل يتذكر تفاصيل حكاية ”باخرة الأسلحة” أم لا؟ على أية حال سأستعيد لفائدته وفائدة من لا يعرف بعض ما نُشر عنها في الصحافة المحلية لتبرير حل المجلس الوطني في .1975 ومعلومٌ أن الصحافة نشرت قبل الحل وبعده كثيراً من ”الأخبار” عن ضبط أسلحة ومتفجرات وذخائر ومنشورات وكتب ”لدى بعض الخلايا الشيوعية”. إلا أن قمة المضحك المبكي وصلت حين نُشر خبرٌ عن حجز سفينة محملة بالأسلحة والمفرقعات في المياه الإقليمية البحرينية. وتضمن الخبر تفاصيل جيمس بوندية عن إلقاء القبض على قبطان الباخرة وبحارتها ومصادرة الأسلحة التي كان مقرراً تسليمها لأشخاص معينين في البحرين[2]. وحسب الرواية سيئة الحبكة مثل فيلم من الدرجة العاشرة كانت الأسلحة المخبأة في أماكن سرية بالسفينة ”مشفوعة بخطة مستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”.  لا يعرف حتى ”الجن الأزرق” ما حصل لتلك الباخرة المحتجزة التي عُرضت أمام الناس في ”فرضة المنامة”. وبالطبع لا نعرف ماذا حل بربانها وبحارتها و”الأشخاص المعينين” الذين كان من المفترض استلامهم لتلك الأسلحة و”الخطة المستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”. ما نعرفه إنها كانت واحدة من عشرات القصص التي كان يفبركها هندرسون وجهازه لتبرير اتساع سلطاته. ومعلومٌ أن الميزانية الموضوعة تحت تصرفه زادت بفضل باخرة الأسلحة المزعومة وأمثالها إلى ثمانية أضعاف ما كانت عليه قبل حل المجلس الوطني.

لا داعي لتفاصيل أو أمثلة أخرى. فلعل ما سبق يكفي لأن يرى سعادة النائب عبداللطيف الشيخ بصفته هذه أو بصفة الأمين العام لجمعية سياسية أهمية التروي وعدم الانجرار وراء مشعلي الفتن. ولعلّه وغيره ممن ساروا على نفس الطريق السريع يتراجعون عن هذه التصريحات غير البناءة التي تزيد معوقات بناء دولة دستورية تضمن التكافؤ والمساواة وحكم القانون

 

مقال منشور في الوقت23 ديسمبر 2008

 

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9079

____________________________________________

 

1] ”المنبر الإسلامي تستنكر التخطيط لعمل إرهابي في العيد الوطني”، صحيفة الوسط. 19 ديسمبر/كانون أول 2008
[2] انظر ما نقله حسن عبدالله المدني عن تغطية مجلة ”المواقف” الأسبوعية لقصة الباخرة ضمن موضوع ”كرة النار المتدحرجة منذ ثلاثة عقود” في موقع مكتبة الموسى الثقافية على الرابط:
http://www.al-  mousa.net/web/play.php?catsmktba=832

__________.

من المعايشة إلى المسايرة

سعدتُ بالنقاش الذي أثاره مقالة  سابقة عن موجة الأعراس الجماعية التي أشرتُ فيها إلى دور التنسيق القائم بين الديوان الملكي ونواب الوفاق ومشايخ المجلس العلمائي في إدامة التشطير العمودي للمجتمع. ولقد استفدتُ من أغلب التعليقات التي وصلتني مباشرة أو التي قرأتها في مواقع إلكترونية وخاصة في ”ملتقى البحرين”ا”

ولم أستغرب أن يركز قراءٌ على فقرة وآخرون على فقرة أخرى، فهذه هي طبيعة فعل القراءة الذي يجعل الكلمة المكتوبة ملكاً لقارئها ليفهمها كما يريد.    أحد التعليقات اعتبر ملاحظاتي إعلاناً عن ”توبة” وإيذاناً بعودة ”الأقلام الضائعة” إلى رشدها.    لكنه سارع إلى تذكيري أن الوقتَ ”متأخرٌ بعض الشيء” للتوبة.    وهناك من رأى في ملاحظاتي إشادة بالشيخ المدني وانتقاداً لجمعية ”الوفاق” ومن خلفها المجلس العلمائي.    من جهتي أقول رحم الله إمرأً عرفَ قدر نفسه.     فلا يحتاج أبو طاهر إلى تزكيتي وهو بين يدي ربِّه. ولن تستمع الوفاق أو المجلس العلمائي إلى انتقاداتي فهما لا يستمعان حتى للقريبين منهما.   فما بالك بيساري عتيق مثلي.

لرفع بعض اللبس أكرر هنا ما قلته حول أن المرحوم الشيخ سليمان المدني يتميز عمن يسيرون الآن على نهجه بصدقه مع نفسه وصراحته مع الناس. إلا أن هذا لا يغير موقفي المختلف عن أبي طاهر ونهجه. فلقد كان أحد أعمدة نظام التشطير الذي أعاق وما زال يعيق إنجاز بناء الدولة الدستورية ومؤسساتها التي توفر شروط التساوي بين مواطنيها.

معلومٌ لدى المتابعين من أنصاره ومعارضيه اقتناع المدني بأمريْن أولهما خطورة المواجهة مع النظام بأي شكلٍ من الأشكال وثانيهما عدم جدوى مجانبة النظام والاعتزال عنه.    ولهذا تبنى طريق الموالاة أو ما يُعرف بنهج ”المعايشة” والالتزام بالعمل من خلال ما يتيحه النظام من قنوات رسمية وشبه رسمية. وكان مؤمناً بضرورة ترْك المعسور والاكتفاء بأخذ الميسور.    ولا يخفى أن نهج المدني في المعايشة لا يختلف جوهرياً عن نهج المسايرة الذي مهد للتنسيق بين الديوان الملكي ونواب الوفاق ومشايخ المجلس العلمائي وأدى إلى تنظيم حفلات الزفاف الجماعي التي شهدتها أو التي ستشهدها مختلف مناطق البلاد.   ولا مراء في أن المعايشة والمسايرة تخففان من بعض أعباء الناس عبر جهود الوساطة التي يقوم بها وجهاء التعاضديات لدى النظام.     من جهة أخرى فلا مراء أيضاً في أن النهجيْن يسهمان في تكريس الواقع القائم على تشطير المجتمع إلى تعاضديات متزاحمة بل ومتعادية بما يقود إلى إجهاض جهود بناء وطن وتأسيس دولة.
أ

قولُ – ومن موقع المخالف لنهج المرحوم المدني – إنه لم يخفِ علاقته الحميمة بالسلطة وأهلها حتى في أحلك الظروف التي مرت بها البلاد. بل لقد أصر على موقفه الموالي رغم غضب الكثيرين عليه وازدراء بعضهم له. وهو لم يتخفَ وراء الشعارات الرنانة أو الهتافات أو العبارات حمّالة الأوجه. بل رأيناه يرّكز على توفير الخدمات لمريديه وأنصاره وأتباعه بدلاً من الدعوة لبناء الدولة ومؤسساتها ولإنهاء الامتيازات العائلية والتمييز الطبقي. نعم لقد مضى المرحوم المدني بعيداً في تعايشه مع السلطة حين اعتبر الوطنيين الداعين لتلك الأهداف كفرةً وأعداءً يتوجب استئصالهم. وهو موقفٌ يتماهى مع موقف المتشددين في السلطة الذين اعتمدوا على دعمه لهم في سعيهم لتمرير مرسوم أمن الدولة في السبعينيات وما تلاه من قمع وصل إلى أوجه في التسعينيات.

ومعلومٌ ما قاله الشيخ المدني عن أنه لا يفهم معنى ”الفصائل الوطنية[1]”. فالمواطن عنده ”هو المسلم فقط، أما من ولد من مسلمين ثم لم يؤمن بالإسلام فحكمهم في الشريعة باتفاق الفقهاء هو القتل، وإذا أعلن التوبة نعطيه فرصة لقضاء ما فاته من صلاة وصيام ثم يقتل أيضا حداً”. فالمنتمون للفصائل الوطنية في نظره هم خارج الملة والوطن في آنٍ واحد. ولهذا لا تجوز لهم المشاركة في العمل السياسي وصناعة القرار. بل لا يجوز في نظره بقاؤهم على قيد الحياة. فهو يسّفه القائلين بأن الدين لله والوطن للجميع لأن الوطن لله ولا يجب أن يبقى عليه إلا المؤمنون. بطبيعة الحال لا تتفق غالبية الناس مع رأي المدني. لكن أليس هذا هو الموقف المستور لبعض من يسيرون الآن على دربه؟ أليس هو نفسه موقف من لا يروْن دوراً للفصائل الوطنية ويعتبرون نضالها حبراً على ورق؟ أليس هو نفسه موقف من يعتبرون التعاون مع القوى الوطنية الأخرى نوعاً من التمكين المذموم حتى لو اقتصر التعاون على إلقاء كلمة في مأتمٍ لتأبين شهيد؟
أ

قولُ لم أتقبل نهج المدني لكنني لا أستطيع اتهامه بأنه كان يعلن شيئاً ويضمر شيئاً آخر. فلقد اعتبر المدني ارتباطه الحميم بأهل السلطة وسيلة سياسية رئيسة لتحقيق أهدافه. ولهذا رتب أجندته السياسية بما يلائم السلطة ودوام نعمتها عليه وعلى مريديه. وهذا هو بالضبط الموقف الذي أزعمُ أنه يتبلور الآن من جديد. فما أصعب تحقيق الوعود الكبرى المتعلقة ببناء الوطن وإنجاز بناء الدولة الدستورية بالمقارنة إلى سهولة تنظيم حفلات الزفاف. وما أسهل التوسط لدى أهل الحكم لرفع الحيف عن مظلوم أو لسد حاجة محتاج لمسكن أو عمل بالمقارنة إلى تقنين حقوق المظلومين والمحتاجين. وسواءً وصفنا ما يحدث الآن ”معايشة” أو ”مسايرة” فهي في واقع الأمر صفقة مقايضة آخر كلامها هو من كلام المدني: ”خذوا الميسور واتركوا المعسور”.
أ

سارع للتأكيد على أن هذه الملاحظات ليست افتراءات يساري حاقد بل هي نتاج متابعة دؤوبة لنشاط جمعية لي فيها بعض أصحاب أخاف عليهم وعلى البلاد من استمرار انزلاقهم في درب لا يليق بهم. ولا يخفى أن آخرين عبّروا قبلي عن مخاوف مشابهة. ويكفيني ما قاله أخونا عبدالوهاب حسين حين طابَقَ بين نهج المدني والنهج الذي تسير عليه إدارة الوفاق وبعض الوجهاء[2]. بل لقد رأى أداء الشيخ المدني أفضل من أداء بعض قادة الوفاق ورموز الوقت الحاضر. ذلك لأن الخطاب السياسي للمدني كان متطابقاً مع سلوكه. بينما نجد في أداء الوفاق حسب ما قال أخونا عبدالوهاب حسين ”خطاباً ثورياً” من جهة و”مواقف سياسية مسايرة للسلطة” من الجهة الأخرى. وللأسف الشديد لم يفقد هذا التوصيف صلاحيته رغم مرور ثلاثة أعوام عليه.

——————————————————————————————–
انظر: علي الديري، ”الرابطة غير المدنية”، صحيفة الوقت 5 أغسطس/ آب .2007 كذلك انظر ”تقرير عن وقائع جدل الدعوة لسقوط العلمانية- هكذا أسقطت العلمانية”، موقع الفراشة لباسمة القصاب عبر الوصلة:

http://www.bassema.net/?p=52.

 انظر موقع عبدالوهاب حسين ”مجموعة الاسئلة والاجوبة رقم ”28 على الوصلة:

http://www.alostad.net/page/question/index_28.html

______________________________

المقال منشور في الوقت بتاريخ  27/5/2008

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=7046

لملاحظات القراء  راجع موقع الوقت أعلاه

.