خيبة م ب س الاقتصادية

في بداية هذا الشهر، خفضت “وكالة موديز للتصنيف الائتماني” تصنيف السعودية من مستقر إلى سلبي. وأرجعت الوكالة ذلك التخفيض إلى ارتفاع المخاطر المالية التي تواجهها السعودية، بسبب انهيار أسعار النفط، والغموض بشأن قدرة الحكومة على تعويض خسائر عائدات النفط، واستقرار ديونها على المدى المتوسط. ربطت الوكالة هذا التصنيف السلبي بأمرين: أولهما المخاطر التي تحيط بالأوضاع المالية السعودية جراء تزامن الهزة الناجمة عن انخفاض الطلب على النفط وتدهور أسعاره مع تداعيات جائحة كورونا. وثانيهما الشك في قدرة الحكومة السعودية على معالجة تداعيات خسائرها في سوق النفط وعجزها عن ضبط أعباء ديونها.

يضيف تقرير وكالة “موديز” الأخير خطوطاً حالكة إلى الصورة المظلمة التي يتداولها دارسو الوضع الاقتصادي السعودي. وهو وضعٌ تدفعه عوامل كثيرة، منها سوء الإدارة والارتهان إلى الخارج، نحو أزمة اقتصادية لم تعهدها البلاد منذ دخولها عصر النفط. فقرار السعودية الأخير بالالتزام بخفض إنتاجها من النفط يعني – حسب تقديرات متفائلة – أن عوائدها ستنخفض بنسبة 33 في المئة في هذه السنة، وبنسبة 25 في المئة في السنة القادمة مقارنة بعائداتها النفطية في 2019. سيتبع ذلك انخفاض إجمالي الناتج القومي، وتسارع إنكماش عوائد قطاعات الإنتاج غير النفطية التي يعتمد نشاطها ونموها في السعودية، كما في بقية بلدان الخليج، على الإنفاق الحكومي.

“إجراءات صارمة… شديدة ومؤلمة لكنها ضرورية”

في الثاني من هذا الشهر (أيار/ مايو) أعلن وزير المالية السعودي أن حكومته “ستتخذ إجراءات صارمة جداً، وأن هذه الإجراءات قد تكون مؤلمة”. فالسعودية، حسب الوزير، تواجه أزمة لم تواجهها من قبل. فإيراداتها النفطية انخفضت إلى النصف، ويتوجب عليها أن تقوم بتخفيض نفقاتها. وكان الوزير قد أعلن في تصريح سابق عن خفض ميزانية العام الحالي بمقدار 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، أي ما يمثل 5 في المئة من الميزانية الإنفاقية. لم يحدد الوزير نوعية وتفاصيل تلك الإجراءات الصارمة والمؤلمة، إلا أنه أشار، دون تفاصيل، إلى تخفيض شديد في بند النفقات في الميزانية

اعتمدت السلطات السعودية تقليدياً على ثلاثة مصادر تمويل أساسية لتعويض النقص في عوائد النفط جراء تقلبات السوق. وهذه المصادر هي الاستدانة، والسحب من الاحتياطي، وخفض الإنفاق الحكومي في انتظار عودة عوائد النفط إلى الارتفاع. ويبدو أن السلطات هناك تتصرف كما تصرفت في السابق، دون أن تأخذ بعين الاعتبار أن وضع السعودية الآن ليس كوضعها الماضي.

ستأتي الإجراءات “الشديدة والمؤلمة” التي ستتخذها الحكومة السعودية منسجمة مع السياسة الاقتصادية التي اعتمدها محمد بن سلمان منذ وصوله إلى السلطة. إلا أنها لن تؤدي إلى معالجة مكامن الخلل البنيوية في الاقتصادالسعودي. بل هي قد تفاقم تداعيات ذلك الخلل وتزيد من معاناة الناس.

 يستسهل ل وزير المالية وغيره من المسؤولين السعوديين تبرير اللجوء إلى فرض إجراءات شديدة ومؤلمة، كما يستسهلون دعوة الناس إلى شد الأحزمة، بالإشارة إلى”الظروف الاقتصادية والعالمية الناتجة عن تبعات تفشي الوباء العالمي كوفيد – 19وانخفاض سعر النفط”. وبهذا يتحاشون التعاطي مع الواقع، ومعالجة أخطاء السياسة الاقتصادية المعتمدة وتخبطها. ولعل آخر تلك الأخطاء القراراتُ التي أشعلت النزاع المدمر في سوق النفط، ودور السعودية، وبخاصة محمد بن سلمان، في تأجيج ذلك النزاع الذي أدى إلى إغراق سوق النفط وتدني سعره وانخفاض عوائده.

لقد كان ذلك النزاع مقامرة وحماقة في آن. فلم تحقق السعودية أهدافها السياسية من قراريها في 8/3/2020 برفع إنتاجها النفطي إلى أكثر من 12 مليون برميل يومياً، وإعطاء حسومات معتبرة لزبائنها في سوق النفط. لقد غامرت السعودية وخسرت كما خسر غيرها من منتجي النفط. إلا أن خسائرها أكبر بكثير من خسائر غيرها بحكم أنها أكثر أعضاء “الأوبك” إنتاجاً وتصديراً للنفط. وتتفاقم آثار تلك الخسائر في السعودية بسبب أن عائدات النفط هي موردها المالي الرئيس. فلقد كانت تخسر 12 مليون دولار يومياً مقابل كل دولار ينخفض من سعر برميل النفط، فما بالك حين ينخفض سعر البرميل من 80 دولاراً فما فوق إلى 20 دولاراً فما دون.

مضاعفة الدين واستنزاف الصندوق السيادي

لقد تضاعفت ديون السعودية في السنوات الأربع الماضية، أي منذ بداية تولي محمد بن سلمان ولاية العهد. ففي 2016 كانت ديون السعودية في حدود 23 مليار دولار أمريكي. وفي 2019 بلغ إجمالي الديون المستحقة على الحكومة السعودية 149 مليار دولار، نصفها ديون خارجية. وسيستمر هذا التوجه في 2020 طبقاً لمصادر وزارة المالية السعودية، التي تشير إلى استدانة ما قد يزيد على خمسين مليار دولار إضافية. علاوة على ذلك، تعتمد السياسة المالية السعودية على اللجوء أيضاً إلى السحب من الاحتياطيات المالية المتمثلة في الصناديق السيادية.

أهم صناديق الثروة السعودية هو “صندوق الاستثمارات العامة” الذي أصبح أحد الأذرع التنفيذية، التي وضع محمد بن سلمان يده عليها مباشرة بعد وصوله إلى ولاية العهد. سارت الأمور في البداية بشكل إيجابي. فلقد خطط الصندوق لنمو سنوي ليصل إلى 400 مليار دولار بحلول عام 2020. وبالفعل ازدادت أصول الصندوق خلال سنتين (كانون الأول/ ديسمبر 2015 وأيلول/ سبتمبر 2017). إلا أن تلك الصورة الزاهية والمبشرة بالخير كانت مضللة في الوقت نفسه. إذ لم تشكل أرباح الاستثمارات التي يديرها الصندوق سوى جزءٍ محدودٍ من نموه. بل كان نموه ذاك معتمداً بالأساس على ضخ رأس المال من قبل الحكومة إلى الصندوق وتحويل بعض الأصول الحكومية إليه. ولهذا أصبح الصندوق حسب دراسة الباحث الألماني ستيفان رول “صندوق ثروة سيادي خاص بالأمير“. فبدلاً من أن يقوم بما يُفترض بالصناديق السيادية أن تقوم به كاحتياطي للأجيال القادمة، وكأداة لتحريك مشروعات التنمية الاستراتيجية، وكأداةللاستثمار، أصبح خزنة خاصة يستطيع محمد بن سلمان أن يسحب منها ما يشاء لتغطية احتياجات طارئة. ولهذا لم يستغرب أحدٌ في الإعلام السعودي حين كشف وزير المالية أن الحكومة السعودية سحبت تريليون ريال (أي ما يزيد على 266 مليار دولار) من احتياطي الصناديق السيادية خلالالسنوات الأربع الماضية
2020-05-10.

 

 

خيبة م ب س الاقتصادية

 

.

برلمان الأطفال ومهزلة التمثيل الشعبي في الإمارات

الإمارات دولة اتحادية من طراز خاص. ففي كل واحدة من إماراتها السبع عائلة حاكمة، وعلى رأس كل عائلة حاكمة منها شيخٌ يحكم شعب إمارته ويتمتع بحقٍ مطلق في إدارة شؤونها. وحسب الدستور الاتحادي، يتشارك حكام الإمارات السبع في عضوية “مجلس أعلى” يقوم بإدارة شؤون الدولة، أي رسم السياسة العامة والتصديق على المعاهدات الدولية والقوانين الاتحادية، بما فيها الميزانية العامة للدولة. وبحسب الترتيبات الدستورية السارية، تتساوى أصوات الإمارات السبع في “المجلس الأعلى”. إلا أن تلك الترتيبات ذاتها منحت حق الفيتو في “المسائل الموضوعية” لمشيختَي أبو ظبي ودبي بحجة حجمهما السكاني وبحكم قوتهما المالية.

قبل تأسيس الاتحاد، كان حكام الإمارات يعيشون في كنف الحماية البريطانية إلى أن اضطُرت بريطانيا إلى الانسحاب من الخليج ومن بقية مستعمراتها شرقي السويس. وقبل إتمام الانسحاب نجحت بريطانيا في إقامة اتحاد يجمع الإمارات السبع في كيان سياسي دون أن تتخلى العوائل الحاكمة في كل إمارة عن امتيازاتها ضمن حدودها التي قررتها بريطانيا.

لم تكن المسائل المتعلقة بالتمثيل الشعبي، ناهيك عن الديمقراطية، تؤرق حكام الإمارات السبع عند إعلانهم تأسيس دولة الإمارات في 1972. فلقد كان أغلب اهتمامهم يتمحور حول أمرين، أولهما ضمان استمرار سيطرة كل عائلة حاكمة على إمارتها. وثانيهما درء الأخطار الخارجية بما فيها أطماع الجارتين الكبيرتين، المملكة السعودية وإيران الشاهنشاهية، علاوة على درء تأثيرات كل من الثورة العُمانية وجمهورية اليمن الجنوبي والتحركات الشعبية والعمالية في البحرين والكويت.

الحل المؤقت الذي توصل إليه الحكام السبعة في 1972 هو تشكيل مجلس استشاري وطني ليقوم بملء خانة التمثيل الشعبي أو بدور البرلمان في الدول الحديثة. عيَّن حاكم كل إمارة من الإمارات السبع ممثلي إمارته في المجلس الاستشاري طبقاً لمعادلة الثقل السكاني والمالي لكل إمارة. وعلى نسق البرلمانات الحقيقية أصبح لدى المجلس الاستشاري لجانه المتخصصة، ولائحة داخلية تنظم مداولاته وتضبط إجراءات التصويت فيه. إلا أن هذا المجلس لم تكن لديه الصلاحية لممارسة سلطات تقارب تلك التي تمارسها البرلمانات الحقيقية. فأقصى ما يستطيع أعضاءه منذ تأسيسه وحتى الآن، هو مناقشة ما تحيله لهم الحكومة من أمور. بل هم لا يستطيعون حتى اقتراح القوانين أو رفض القوانين التي يصدرها مجلس الحكام.

تغيرت تركيبة المجلس الاستشاري بعد 2006 بتغيير طريقة تعيين مندوبي الإمارات فيه وذلك بالمزج بين الانتخاب والتعيين، بحيث يقوم حكام الإمارات بتعيين نصف أعضاء المجلس، بينما يتم انتخاب النصف الآخر عن طريق “الهيئات الانتخابية”. رافق ذلك الإعلان ضجيجٌ إعلامي عن توجه لـ”إعطاء فرصة لمواطني الدولة لاختيار ممثليهم في المجلس الوطني من أجل تعزيز الانتماء الوطني، وتغليب المصالح العامة للشعب، وإتاحة الفرصة للمشاركات المحلية من قبل الفئات الشابة والمتعلمة، فضلاً عن تمكين المرأة”. إلا أن ذلك التغيير كان أقل بكثير من الضجة التي أثيرت حوله. إذ أن حاكم كل إمارة هو من يختار أعضاء “الهيئة الانتخابية” من بين مواطني إمارته. وحاكم الإمارة هو الذي يحدد “طبيعة وصفات وشروط الناخب، ويمكنه وفقاً لتقديره تخصيص نسبة للإناث أو البالغين أو كبار السن”.

العدد الرسمي لمن يتم اختيارهم لعضوية “الهيئات الانتخابية” في جميع الإمارات السبع كان وما زال فضائحياً. فهو لم يزد على 6595 شخص في 2006 أي أقل من 1 في المئة من مواطني الدولة. ثم ارتفع العدد في عام الربيع العربي (2011) ليزيد قليلاً على 135 ألف شخص، وعاد فارتفع في 2015 ليصل إلى 224 ألف شخص. وفي الانتخابات الأخيرة (2019) وصل عدد المواطنين الذين تم اختيارهم لعضوية الهيئات الإنتخابية إلى 338 ألف شخص.

حين يتزين الاستبداد

لا يجد المسؤولون الإماراتيون نقيصة في أعداد من يتاح لهم/ لهن المشاركة في الهيئات الانتخابية. بل يرونها تمثل “نقلة نوعية، ومؤشراً واضحاً على حرص القيادة الرشيدة على استكمال مسيرة التمكين السياسي”، وأنها تؤكد “الخطى الثابتة والمدروسة التي تسير بها الدولة نحو تحقيق خططها الاستراتيجية الطموحة لإرساء النموذج الإماراتي المتميز في العمل البرلماني”.

لا غَرْوَ أن يعتبر حكام الإمارات نموذجهم المتميز في العمل البرلماني “استثماراً جيداً”. شيئاً فشيئاً يتيقن أكثرهم استبداداً وعنجهية أن الدور التزييني الذي يلعبه تنظيم “انتخابات” دورية لبرلمان صوري يبرر كلفة إقامته وإدامته. فعلى الرغم من صورية “المجلس الاستشاري” وهشاشة شرعيته الانتخابية، إلا أنه يواصل تمثيل نظام بلاده في الاتحاد البرلماني العالمي، وفي الاتحاد البرلماني العربي. مثله في ذلك مثل برلمانات حقيقية.

برلمان الأطفال: زينة إضافية

في أواخر شباط/ فبراير الماضي نشرت وكالة الأنباء الإماراتية تفاصيل مؤتمر صحافي تحت رعاية الشيخة فاطمة بنت مبارك – أم محمد بن زايد ولي عهد أبو ظبي (ورئيسة الاتحاد النسائي العام، ورئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة والرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية). في ذاك المؤتمر الذي سبقه وتلاه ضجيج إعلامي يتناسب ومركز الشيخة، كُشف النقاب عن إنشاء “برلمان الطفل الإماراتي”. وحسبما ذكرت وكالة الأنباء، فمن المقرر أن يبدأ برلمان الأطفال أعماله في منتصف هذا الشهر (آذار / مارس) لتأكيد اهتمام الدولة ومؤسساتها بدور الأطفال والناشئة ليكونوا “اللبنة الفاعلة في بناء الدولة الحديثة في مختلف مجالات الحياة”. أظهرت وكالة أنباء الإمارات خبر إنشاء برلمان الأطفال في صيغة جادة. واحتفت وسائل الإعلام الرسمية بالخبر وتفاصيله، ولم تهتم بالتوقف عند المفارقة الواضحة بين الخبر وواقع الحال في الإمارات التي تعاني من نظام حكمٍ استبدادي متعدد الرؤوس. وإلا كيف يكون للأطفال برلمان، في حين لا يتوفر مثله لآبائهم وأمهاتهم؟

ليس الهدف من برلمان أطفال الإمارات ترسيخ الوعي بينهم بقيم الديمقراطية وممارسة حقوقها، بما فيها حق الاختيار عبر انتخابات فعلية حرة ونزيهة، وحق الناخبين في مساءلة “نوابهم” والمسؤولين عن تسيير شؤون البلاد. بل هم يأملون أن يوفر لهم برلمان الأطفال زينة لم يوفَّق في توفيرها لهم “برلمان الكبار”ا

 

 

برلمان الأطفال ومعضلة التمثيل الشعبي في الإمارات

 

 

بومبيو و”حاجة السعودية المستمرة للوقوف معها” ا

في زيارته الأخيرة للرياض (2020/02/19)، أجرى وزير الخارجية الأمريكي مباحثاتٍ متتالية مع الملك السعودي وولي عهده. جاءت الزيارة، حسبما نشر الوزير في تغريدة له في موقع تويتر، تلبيةً لـ “حاجة مستمرة للوقوف مع السعودية في مواجهة سلوك إيران الخبيث في المنطقة”. ولتأكيد وصول هذه الرسالة إلى كلّ من الطرف الإيراني وإلى الجمهور السعودي، اهتمت وسائل الإعلام السعودية بتفاصيل التصريحات التي أدلى بها المسؤول الأمريكي، والمقابلات التي قام بها في أثناء زيارته القصيرة للسعودية، وخاصة قيامه بتفقد قاعدة الأمير سلطان الجوية قرب الرياض. وهي القاعدة التي “تستضيف” 2500 عنصرٍ من القوات الأمريكية، وسرباً من طائرات ف-15 التابعة لسلاح الجو الأمريكي وإحدى منظومات صواريخ “باتريوت” التي تديرها تلك القوات.

خمسة وسبعون سنة من التبعية

وصل بومبيو إلى الرياض بعد أيام من احتفالات واسعة شهدتها الرياض في الذكرى الخامسة والسبعين لما يسمّيه الإعلام السعودي ب “اللقاء التاريخي” بين الملك عبد العزيز، والرئيس الأمريكي الأسبق روزفلت، على متن السفينة الأمريكية “كوينسي” في 1945/02/14. وهو اللقاءُ الذي وضع أسس و شروط ضمان توفير الحماية الأمريكية للنظام السعودي.

قبل 75 سنة، كانت أغلب كلفة توفير تلك الحماية تتمثل في حصول الشركات الأمريكية على امتيازاتِ التنقيب عن النفط، وإقامة قاعدة عسكرية أمريكية في الظهران بالقرب من أكبر حقول النفط السعودية. شيئاً فشيئاً تصاعدت كلفة تلك الحماية لتصل إلى ما وصلت إليه في عهد ترامب. ومعلومٌ أن الرئيس الأمريكي في مقابلة له بثتها قناة فوكس نيوز (2020/01/14) أكد أن السعوديين “أودعوا مليار دولار في البنك” لتغطية مصاريف القوات التي أرسلهاإلى السعودية لحمايتها.

كانت الطفرة النفطية في منتصف سبعينيات القرن الماضي،هي المعْبر الذي استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية لإبقاء بلدان الخليج تابعةً لها، على الرغم من التغييرات في شروط تلك التبعية وأسسها. فمنذ بداية تلك الطفرة، برز سباق تسلح إقليمي شجعته الولايات المتحدة الأمريكية وبقية الدول الغربية المصدرة للسلاح. ولم يكن مستغرباً أن يكون أشرس المشاركين في ذلك السباق هما السعودية وإيران الشاهنشاهية – أكثر دول المنطقة تبعية للغرب. وقد أصبح سباق التسلح، ومازال، أهم أدوات ما يُعرف بعمليات “تدوير البترودولار”. أي استعادة الدول الغربية للأموال التي دفعتها مقابل شراء النفط. وقتها كان الخليج على ضفتيه سوقاً مفتوحة لسماسرة السلاح، الرسميين وغير الرسميين، وفي معيّتهم خبراء استراتيجيون يحملون تقاريراً ودراسات مفصلة عمّا “تحتاجه” دول المنطقة من أنظمة تسليح وعتاد وتدريب.

في ظل الطفرة النفطية، شهدت المنطقة هوساً جماعياً بين حكام الخليج بالتسوق في أسواق السلاح. بل صارت معارض شركات السلاح تنعقد دورياً في بلدان الخليج. ودخلت هذه الدول في قوائم كبار مستوردي السلاح، وقوائم أكثر الدول إنفاقاً في المجال العسكري.

بعد ما يقارب من أربعة عقود من هوس الهدر العسكري، صار بإمكان الإعلام السعودي في 2018 أن يتباهى مبشراً أن”السعودية تتقدم على روسيا وفرنسا بأكبر ميزانية دفاعية في العالم”،وأنها أصبحت ثالثَ دولة في الإنفاق العسكري بعد الولايات المتحدة الأمريكية والصين. ولا شك أن التباهي قد ازداد بعد أن زادت الميزانية العسكرية في السعودية في العام 2019،وتجاوزت ميزانياتِ دول كبرى مثل روسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والهند.

نتائج الهدر: القوة البحرية السعودية مثالاً

في أواخر خمسينيات القرن الماضي، تشكلت نواة القوات البحرية السعودية من بضعِ قوارب صيد كقوة خفر سواحل. شهدت تلك القوة منذ منتصف السبعينيات نمواً ملحوظاً، إلا أنها ظلت قوة هامشية في المنظومة العسكرية السعودية، ولم تتجاوز مهماتها كقوة لخفر السواحل. وبطبيعة الحال، لم يكن لتلك القوة المتواضعة تأثيرٌ يذكر خارج المياه الإقليمية السعودية

لعبت عوامل تاريخية، وخاصة شروط الوضع الإقليمي وتقاليد الحكم في المملكة منذ تأسيسها في 1932 دوراً في تكريس عدم الاهتمام الرسمي السعودي ببناء القوات البحرية. فهذه مهمات محظورة على المملكة بحكم الوضع القائم في الخليج العربي منذ بداية القرن التاسع عشر. وقد اختصت بها أساطيلُ بريطانيا ومن بعدها الولايات المتحدة الأمريكية. ولهذا ركز حكام السعودية على بناء قدراتهم العسكرية (الجيش والطيران والحرس الوطني والداخلية) لمواجهة الأخطار الداخلية، وحماية الحدود البرية من اعتدءات أشقائهم في دول الخليج الأخرى.

ينسجم ذلك التوجّه مع ما كان يقدمه المستشارون والخبراء الاستراتيجيون في الغرب، لأصحاب القرار في العائلة الحاكمة في السعودية وغيرها من دول الخليج. فما الداعي، حسب أولئك الخبراء، لهدر الأموال على تطوير القوات البحرية طالما أن دولة عظمى ستتولى حماية الملاحة في الخليج؟ لم تسمح الولايات المتحدة لأيّ من زبائنها في ضفتي الخليج ببناء قواتٍ بحرية، عدا التزود بقوارب الدوريات. وعلى عكس موقف دول الخليج العربية، لم يقبل شاه إيران وقتها بذلك الحظر. بل استفاد من علاقاته الإقليمية لتوسيع هامش حركته في المجال التسليحي، وخاصة في القوة البحرية والتكنولوجيا النووية. وبذلك فتح طريقاً سار عليها من جاؤوا بعده إلى سدّة الحكم في طهران.

على الورق، تتكون القوة البحرية السعودية من إسطولين: إسطولٍ شرقي في “قاعدة الملك عبد العزيز” على ساحل الخليج، وأسطولٍ غربي في “قاعدة الملك فيصل” على ساحل البحر الأحمر. يبالغ بعض الإعلام السعودي حين يعتبر أن القوات البحرية السعودية تُظهِر “سيطرتها على أهم مدخلين مائيين في منطقة الشرق الأوسط” (الرياض، 2015/04/03). إذ لا تزيد معدات الإسطولين عما تملكه القوات البحرية في دول إقليمية أصغر، ويقل إنفاقها العسكري بكثير عمّا تنفقه السعودية. بل ليس لدى البحرية السعودية ما يمكن مقارنته بما في حوزة البحرية الإيرانية من عتاد ومعدات

لم تصبح القوات البحرية كغيرها من أفرع القوات العسكرية والأمنية في السعودية (الجيش والطيران والحرس الوطني والداخلية) مجالاً لتقاسم السلطة بين أجنحة العائلة الحاكمة. ولم يهتم أحدٌ من أولاد الملك عبدالعزيز، وأحفاده بالاستحواذ على القوات البحرية أو أن يصبح قائداً فيها. ترسخت هامشية القوات البحرية التي لم تتجاوز مهماتها القيام بدوريات الحراسة حول الموانئ الرئيسة المطلة على الخليج والبحر الأحمر، بالإضافة إلى المشاركة في المهرجانات والاحتفالات الرسمية وخصوصاً عند زيارة الملك لأحد تلك الموانئ.

غداة زيارة وزير الخارجية الأمريكي مارك بومبيو إلى الرياض، أعلنت السعودية أن قاعدة الملك عبد العزيز البحرية على ساحل الخليج العربي ستشهد انطلاق تمارين بحريةٍ تشارك فيها قواتٌ أمريكية وسعودية. وأكد الإعلان أن “المناورة التمرينية السعودية – الأمريكية هي جزءٌ من سلسلة مناورات وتدريبات مشتركة، تهدف إلى رفع الجاهزية القتالية للحفاظ على حرية الملاحة البحرية. يتضمن التمرين عدداً من المناورات والتدريبات التي تعزز إجراءات الأمن البحري بالمنطقة، وتوحيد مفاهيم أعمال قتال القوات البحرية” (الشرق الأوسط 2020/02/19). تؤكد متابعة وسائل الإعلام السعودية لأخبار المناورة أمرين. أولهما اهتمام القيادة السعودية بتطوير “الجاهزية القتالية” لقواتها المسلحة بما فيها قواتها البحرية. وثانيهما إعلان صمود “الشراكة التاريخية بين المملكة والولايات المتحدة الأمريكية” بعد 75 سنة على قيامها.

لا يتوقع أحدٌ خارج أُطر الإعلام السعودي أن يكون للمناورات التمرينية السعودية – الأمريكية آثارٌ ملموسة أو محتملة على التوازن العسكري في مياه الخليج. فلا تزيد قوة “الإسطول الشرقي” السعودي عن ثلاثة فرقاطات، وعدد محدود من قوارب الدورية يزيد عمر بعضها على عشرين سنة. إلا أن المناورات قد توفر للأمريكيين فرصة إضافية لترويج أنظمة تسليح جديدة، وبرنامج تدريب لم يكن السعوديون على علمٍ بحاجتهم لها. وفي حال تمخضت المناورات المشتركة عن صفقات أسلحة وتدريب جديدة، فلن يعني ذلك تأهيل السعودية للقيام بدورٍ أكبر مما هو منوط بها.

هل يتجه عصر النفط إلى الغروب؟

في العام 2017، عقدت الولايات المتحدة الأمريكية صفقةً بقيمة 250 مليون دولارٍ أمريكي ل”تجهيز وتدريب سلاح البحرية السعودي”. كعادته، هلّل الإعلام السعودي لتلك الصفقة، إلا أن البيان الرسمي الأمريكي عن تلك الصفقة، حسب العادة أيضاً، شدّد على أن”التدريبَ الذي ستوفره هذه الصفقة لن يؤثر على التوازن العسكري في المنطقة”. لا تخفي الولايات المتحدة الأمريكية أن صفقاتِ التسليح، وبرامج التدريب التي تقدمها للسعودية، أو غيرها من دول الخليج هي صفقاتٌ سياسية وتجارية لا تهدف إلى تغيير موازين القوى في منطقة الخليج خصوصاً، ومنطقة الشرق الأوسط عموماً. وهذا من ثوابت السياسة الأمريكية تجاه هذه المنطقة، والتي يحرص المسؤولون الأمريكيون على تأكيدها في جلسات الاستماع التي تعقدها اللجان المختصة في الكونغرس الأمريكي منذ منتصف السبعينيات الفائتة وحتى الآن. وبسبب تكرارها، فلم تعد تلك التأكيدات تثير اهتماماً أو استغراباً!

قرنان على “معاهدة السلام العامة” في الخليج

في الثامن من هذا الشهر، كانون الثاني /يناير، مرّت مناسبة لم يحتفل بها أطرافها. ففي مثل ذلك اليوم قبل قرنيْن، تمّ تدشين “معاهدة السلام العامة” بين ممثلي بريطانيا وشيوخ قبائل عربية، في ما كان يُعرف آنذاك بـ “ساحل القراصنة” قبل أن يغيّر البريطانيون تسميته إلى “الساحل المتهادن” (دولة الإمارات العربية في الوقت الحاضر). بعد تلك المعاهدة الأم جاءت سلسلة اتفاقيات جماعية وفردية بين بريطانيا وشيوخ قبائل خليجية.

أسست معاهدة 1820 لحقبة الهيمنة البريطانية على بلدان الخليج العربي التي امتدت لقرنٍ ونصف القرن والتي مهدت بدورها لحقبة الهيمنة الأمريكية الراهنة على المنطقة. كما أسهمت تلك المعاهدة وما تلاها في تحويل شيوخ تلك القبائل المتهادنة إلى حكام دولٍ رعت بريطانيا إقامتها وأشرفت على رسم حدودها. ولعل في هذا ما يُفسر التجاهل الملحوظ لهذه الذكرى السوداء في تاريخ المنطقة التي قد يشكل التذكير بها تشكيكاً في المحاولات التي تبذلها العوائل الحاكمة لتوثيق سرديات ملفقة لتاريخ المنطقة.

من ساحل قراصنة إلى ساحل متهادن

في بداية كانون الثاني /يناير 1820، انتقل الميجور جنرال البريطاني “وليام جرانت كير” مع معاونيه من مقره في جزيرة قشـم على الجانب الفارسي من الخليج، إلى ميناء رأس الخيمة في الجانب العربي، ليأخذ هناك تواقيع شيوخ الساحل العُماني على “معاهدة السلام العامة” بينهم وبين بريطانيا.

أول من وضع بصمته على تلك الوثيقة بتاريخ 8/1/1820 كان شيخ رأس الخيمة الذي قاومت قبيلته القواسم وحلفاؤها ببسالة المحاولات البريطانية لإخضاعهم (1). صمد تحالف القواسم أمام حصار بحري وأمام حملات عسكرية متتالية شنتها بريطانيا في 1800 و1805 و1809 و1819، تحت حجج مكافحة القرصنة وتجارة الرقيق. آخر تلك الحملات أسفرت عن سقوط رأس الخيمة وتدميرها، ثم تدمير الموانئ الأخرى والحصون الساحلية التابعة للقواسم في الشارقة وأم القيوين وعجمان. وبعد قبول شيخ القواسم شروط تلك المعاهدة، استمر استدعاء رؤساء بقية قبائل المنطقة على التوالي إلى مقر إقامة الجنرال البريطاني لوضع بصماتهم على تلك الوثيقة… ووافقت بريطانيا لاحقاً على طلبات قدمها شيوخ قبائل أخرى، ومن بينهم حاكم البحرين، للانضمام إلى تلك المعاهدة

أظهرت بنود المعاهدة أن الاهتمام البريطاني كان محصوراً بتأمين الملاحة عن طريق فرض هيمنة إسطولها على مياه الخليج العربي ومداخله، ومنع أي طرف محلي من محاولة منافستها. ولهذا الغرض ألزمت بريطانيا الشيوخ المتصالحين بعدم السعي لبناء السفن الكبيرة أو محاولة إعادة بناء قواهم البحرية الخاصة، وبعدم تشييد التحصينات في المناطق التي يتواجدون فيها. مقابل ذلك حصل شيخ كل قبيلة من القبائل المتعاهدة على الأمان لنفسه ولقبيلته، كما ضمن حماية بريطانيا له من جيرانه بل ومن منافسيه داخل قبيلته ذاتها. وفيما يمكن اعتباره سابق لما يُسمى الآن بـ”التحالف الدولي ضد الإرهاب”، أعطت المادة السابعة من المعاهدة لبريطانيا الحق في دعوة جميع القبائل المتهادنة للمشاركة في “تحالف ضد القرصنة” والعمل وفق قابلياتهم ضد أي طرف لا يلتزم بنصوص المعاهدة
مقابل تركيز بريطانيا على تثبيت حقها المطلق في القيام بمهمات شرطي المنطقة الذي يحمي الملاحة التجارية في البحر العربي والخليج، فهي تركت ولفترة طويلة بعد 1820 لشيوخ القبائل المتهادنين مهمات تسوية أمورهم الداخلية، بما فيها تسوية النزاعات المزمنة بين تلك القبائل حول الزعامة وحول الحدود وآبار المياه ومناطق الرعي والصيد. لم يكن ذلك عبثاً بل على العكس. فمن جهة انشغلت تلك القبائل بنزاعاتها مع بعضها البعض، ومن جهة أخرى أتاحت تلك النزاعات لبريطانيا أن تتدخل وقتما تشاء لتقوية قبيلة ضد أخرى أو لتنصيب شيخٍ مكان آخر.

من اللورد كرزون إلى الرئيس ترامب

بعد مرور تسعين سنة على معاهدة 1820، قام اللورد “كرزون” بصفته نائب الملك البريطاني والحاكم العام في الهند، التي تخضع منطقة الخليج لإداراتها، بزيارة تفقدية لبلدان المنطقة. وفي الشارقة، على الساحل المتهادن، استقبل اللورد في سفينته وفداً من شيوخ القبائل، ضم شيوخ أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين، ليؤكد لهم أن الهيمنة البريطانية هي ضمانة السلم في المنطقة مثلما هي ضمانة استمرار حكم الشيوخ. فلا شك إنهم يتذكرون، قال اللورد، بأن الخليج كان منطقة “حرب ونزاع، وكان كل إنسان على الأغلب إما قرصاناً أو قاطع طريق…”. شدد اللورد على أن الأحوال قد تغيرت في المنطقة بعد أن “أقامت الحكومة البريطانية، وبرضاكم أنتم، وصايتها على السلم بين القبائل، ونمت روابط سياسية بين حكومة الهند وبينكم، وأصبحت الحكومة البريطانية بمقتضاها سيدة عليكم وحامية لكم (…) ولذا يجب أن يستمر السلم في هذه المياه وعندها يمكن ضمان استقلالكم وبقاء نفوذ الحكومة البريطانية فوق كل نفوذ” (2

إثر الانسحاب البريطاني من الخليج في نهاية ستينيات القرن الماضي، انتهت عملياً الهيمنة البريطانية على المنطقة لتحل محلها هيمنة أمريكية استفادت كثيراً من خبرات الاستعمار البريطاني، لكنها لم تستنسخها جميعاً. فقد تغيرت أحوال الخليج كثيراً عما كانت عليه. فمنذ اكتشاف النفط، وخاصة بعد الطفرة النفطية، لم يعد الخليج مجرد ممر للتجارة البحرية في الطريق إلى الهند والمستعمرات الآسيوية. وشيوخ الخليج، الذين كان بعضهم يعتمد على القرصنة وتجارة الرقيق وتهريب الأسلحة، أصبحوا حكاماً لدولٍ معترف بها، لها جيوشها ومواردها وعلاقاتها الإقليمية والدولية. إلا أنهم وعلى الرغم من ذلك كله لم يتخلوا عن موروث تراكمت تداعياته طيلة أكثر من قرنين من الخضوع لهيمنة الاستعمار البريطاني. وهذا بالضبط ما استوعبه الرئيس الأمريكي

يمكن إنكار أن الخليج قد تغير كثيراً عما كان عليه تحت الهيمنة البريطانية. وإن حكام المنطقة قد تغيروا عما كان عليه أسلافهم في زمن الجنرال كير في 1820 وزمن اللورد كرزون في 1903. إلا إن أمراً أساسياً لم يتغير، ألا وهو اقتناع حكام الخليج العربي بأن أنظمتهم لا يمكن أن تستمر بدون حماية خارجية. وإن عليهم قبول دفع لأكلاف السياسية والمالية التي مقابل استجلاب تلك الحماية والخضوع لها
ربما لم يسمع ترامب بالجنرال كير أو باللورد كرزون. إلا إنه هو يستعيد بعضاً من خبراتهما حين يكرر في الفينة والأخرى إن دول الخليج “لن تبقى لأسبوع واحد دون حمايتنا وإن عليهم دفع ثمن لذلك”. لقد رهن الجنرال كير واللورد كرزون استقلال شيوخ القبائل المتهادنة مقابل اعترافهم بهيمنة بريطانيا عليهم وبقاء نفوذها فوق كل نفوذ. أما ترامب فأضاف على ذلك إن على حكام الخليج أن يدفعوا لبلاده ثمن حمايتهم وضمان استمرار أنظمتهم واستقلالها.

________________
1 – للتفاصيل، صالح العابد ” دور القواسم في الخليج العربي”، جامعة بغداد 1976
2 – حسين البحارنة “الوضع القانوني لبلدان الخليج العربية”، جامعة مانشستر 1968

مقال منشور في السفير العربي

قرنان على “معاهدة السلام العامة” في الخليج

البحرين: حين تراقب العائلة الحاكمة نفسها

في منتصف تشرين الاول/ أكتوبر الماضي، وفي أجواء تظاهرة إعلامية، استقبل ملك البحرين رئيس ديوان الرقابة المالية والإدارية ليستلم منه آخر تقرير أصدره الديوان. فيما بعد، وككل سنة، تستمر الأجواء الإحتفالية برتابة طقوسٍ لا تتغير، فيزور رئيس الديوان كبار مسئولي الدولة بمن فيهم رئيسَي مجلس النواب والشورى لتسليم التقرير إليهم. وعلى هامش تلك الزيارات التي توثقها وسائل الإعلام بتفاصيلها، يتولى صحافيون تدبيج المقالات ونشر التحقيقات حول بعض ما يتضمنه التقرير من أمثلة على سوء إدارةٍ وهدر مالي. تتغير العبارات ويتغير أصحابها، ولكنها تتشابه في إنها لا ترى إلا ما تريد السلطة أن يراه الناس.

طقوس سنوية لإدانة الفساد

لم تتغير هذه الطقوس منذ أن بدأ ديوان الرقابة نشاطه في 2002. وحسب مرسوم تأسيسه، يتولى الديوان مهمة الرقابة المالية على أموال الدولة والتحقق بوجه خاص من سلامة ومشروعية استخدام هذه الأموال وحسن إدارتها. لا تشمل صلاحيات الديوان الرقابة المالية أو الإدارية على وزارتي الدفاع والداخلية، وعلى الحرس الوطني وجهاز الأمن الوطني التي تشكل ميزانياتها المعلنة أكثر من 38 في المئة من ميزانية الدولة (2019).

لم يتوصل ديوان الرقابة المالية والإدارية طيلة الستة عشر سنة الماضية إلى تسمية فاسدين، أفراداً كانوا أو شبكات، ناهيك عن مقاضاتهم. فمنذ تأسيسه، لم يكن مطلوباً منه وليس متوقعاً في المستقبل أن يتمخض ديوان الرقابة ذاك وتقاريره السنوية بأكثر من الضجيج الذي يمكن تقديمه في المحافل الدولية تنفيذاً لمتطلبات “الشفافية” وحكم القانون. فالمطلوب كما رأينا بعد ستة عشر تقرير سنوي هو تنظيم مهرجان ينشغل به الناس، مع ما ينشره الإعلام وما يدور في مجلس النواب من مداولات حول طرق إجتثاث الفساد. وطيلة أسابيع قليلة بعد صدور التقرير تنشر الصحف مقالات مكرورة تستنكر الفساد والهدر وتعلن في الوقت نفسه ثقتها في الملك وعائلته.

يتكرر هذا الطقس في مجلس النواب المؤلف من نوابٍ سهّلت السلطة وصولهم إلى عضوية البرلمان بدون تمييز بين الليبراليين منهم أو رجال دين يراوحون بين مختلف درجات التشدد. يتنافس بعض النواب على رفع الأصوات إستنكاراً لتجاوزات ذكرها التقرير. ثم تنتهي سريعاً مناقشاتهم بإتفاق الجميع، بمن فيهم ممثلي الحكومة التي يستعرض التقرير بعض مظاهر الفساد وسوء الإدارة فيها، على ضرورة الإصلاح. طيلة ممارسة هذه الطقوس السنوية لا يرفع أحدٌ صوته (أو صوتها) إلى أعلى مما هو مقبول. وبالطبع لا يجرؤ أحدٌ أن يطالب بمساءلة وزير أو محاسبته ناهيك عن سحب الثقة منه. فهذه جميعها أدوات دستورية لم تستطع البرلمانات المتتالية التي شهدتها البحرين منذ 2002 أن تستخدمها.

وزير مالية فاشل في دورٍ جديد

التقرير الجديد ضخمٌ، تقارب صفحاته التسعمئة. وهو أول تقرير يصدره الديوان منذ أن تولى رئاسته أحمد الخليفة في أيار/مايو الماضي. وهو نفسه الذي تولى وزارة المالية في الفترة بين 2005 و2018 وكرّس دورها في حراسة الإعتداءات على المال العام فساداً أو هدراً أو نهباً. ففي تلك الفترة، كانت المخالفات والتجاوزات في وزارة المالية مواضيع متكررة في جميع التقارير السنوية لديوان الرقابة. إلا إن السلطة وعلى رأسها الملك وعمه رئيس الوزراء استمرت في تجاهل ما أشارت إليه تلك التقارير صراحة أو ضمناً، كما استخفت بما كانت تطرحه أطرافٌ معارضة من حلول إصلاحية. فتلكَ تستدعي بدايةً أن تتخلى العائلة الحاكمة عن إمتيازاتها التي تستند من جهة إلى حقوقها في “غنيمة فتح البحرين”، ومن جهة أخرى إلى ما سنّه الإستعمار البريطاني من قوانين وأنظمة وأساليب حكم.

بعد أربعة عشر سنة من ولاية أحمد الخليفة على وزارة المالية، وصلت البلاد إلى مشارف الإعلان عن إفلاسها وبدا واضحاً فشله في الإمساك بزمام الأمور. فلقد إنخفضت إحتياطياتها من النقد الأجنبي وتجاوزت تكاليف خدمة ديونها، المعلنة وغير المعلنة، قدرتها على التسديد وإنخفض تصنيفها الإئتماني. ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه اتخذ الوزير، وبموافقة أعضاء مجلسي النواب والشورى، سلسلة من الإجراءات المتخبطة بما فيها إلغاء الدعم الحكومي على المواد الأساسية وفرض سلسلة من الضرائب غير المباشرة وزيادة الرسوم المفروضة على الخدمات. وعلى الرغم من الأعباء الإضافية التي فرضتها تلك الإجراءات على الفقراء وشرائح الطبقة الوسطى، إلا إنها لم تؤدِ إلى وقف وتيرة الإنهيار الإقتصادي الوشيك.

لم تعد الإجراءات الترقيعية تكفي وليس مطروحاً مجرد التفكير في إدخال إصلاحات حقيقية على النظام السياسي والإقتصادي.

جاء الفرجُ، مرة أخرى، عن طريق السعودية والإمارات والكويت التي قدمت دعماً مالياً مشتركاً بقيمة عشرة مليارات دولار. لم تكن هذه أول مرة تتلقى العائلة الحاكمة في البحرين دعماً مالياً من العوائل الحاكمة في كلٍ من السعودية والإمارات والكويت وقطر (قبل 2016). فقبل أيام قليلة من دخول القوات السعودية والإمارتية إلى البحرين للمشاركة في قمع إنتفاضة دوار اللؤلؤة، أعلن المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون الخليجي عن تخصيص مبلغ عشرة مليارات دولار لتمويل مشاريع التنمية في البحرين لفترة عشر سنوات قادمة. (جريدة الرياض 1/3/2011). إلا إن الدول الثلاث إشترطت ما يرقى إلى فرض الوصاية المالية على البحرين، أي إشرافها المباشر على تطبيق برنامج متكامل يتضمن مراجعة السياسة المالية وصولاً إلى تحقيق التوازن المالي بحلول العام 2022. كان ذلك الشرط إعلاناً بعدم الثقة في قدرات وزارة المالية في البحرين والخشية من أن تلقى المليارات العشرة الجديدة مصير ما سبقها.

على الرغم من الحصانة الخاصة التي يتمتع بها أفراد العائلة الحاكمة في البحرين، لم يجد الملك مفراً من التضحية بوزير ماليته في نهاية العام الماضي بآخر من أفراد العائلة. فحين أقال الملك وزير المالية من منصبه كان يؤكد للسعودية والكويت والإمارات جدية إلتزامه بالشروط التي يتطلبها “برنامج التوازن المالي”.

عُزل وزير المالية من منصبه في كانون الأول/ ديسمبر الماضي بسبب عدم ثقة الدول الثلاث المانحة في قدراته وكفاءته. إلا إنه لم يختفِ. ربما فرضت توازنات أجنحة العائلة الحاكمة والحصانة الخاصة التي يتمتع بها أفرادها أن يحتفظ الملك به بل وأن يكافأه بعد ستة أشهر من عزله. لهذا رأينا إن وزير المالية الذي غادر وزارته وقد تجاوزت ديون البحرين الثلاثين مليار دولار أمريكي أي ما يزيد على أربعة أخماس الناتج المحلي الإجمالي للبلاد هو نفسه الذي يتولى الآن المراقبة المالية والإدارية في الدولة.

مقال منشور في “السفير العربي” بتاريخ

2019-11-20

البحرين: حين تراقب العائلة الحاكمة نفسها

 


Continue reading

من قديم الكلام (16 أكتوبر 2003 ) ا

مداخلة في

نــدوة الامتيازات و حقوق الإنسان

نادى العروبة
16/10/2003

الســــلام عليـكم
أحييكم أيها الأخوات و الاخوة و أحي الزملاء المنتدين كافة ، كما أشـكركم جميعا على سماحكم لي بالمشاركة في هذا اللقاء الهام . وهو لقاءٌ تتعزز أهميته برمزية المكان الذي ينعقد فيه . ذلك لأن نادى العروبة صرح ٌ يشهد تاريخُه الطويل لأكثر من خمسة عقود على أن بناء الأوطان هي مهمة كل الناس, إذا لا تنحصر في فئة أو طائفة أو طبقة دون الآخرين و هي مهمة لا يجب أن تتوقف مهما كانت العقبات و لا أن تتباطأ في أوقات الإنجازات
و أنني أقدر لمنظمي هذا اللقاء انتباههم إلى ضرورة التأكيد على ربط أشكال التمييز بنظام إمتيازات العائلة الخليفية و التأكيد على كون إستمرار التمييز و الامتيازات هما من أكبر معيقات التحول الديمقراطي و بناء الوطن و الدولة الدستورية

أقولُ لقد علمنا الرواد الذين أســســوا هذا النادي , نادي العروبة, و الذين أســهموا أيضاً في تأسـيس هيئة الاتحاد الوطني في الخمســينات حقيقةً لا يمكن تجاهلها , ألا و هي إن الأوطان لا تشـــاد على الظلم و لا على التفرقة و لا على استثارة النعرات القبلية و الطائفية و لا على التمييز بين أهل البلاد . كما و علمنا روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية بأطيافها, بديهية من بديهيات الحياة السـياسية : إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة

و لقد استمرت الحركة الوطنية على نفس الطريق الذي اختطه روادها. و عملت و ما زالت تعمل ، بجميع أطيافها الإسلامية و القومية و اليسارية , من أجل إقامة الوطن الذي ســعت هيئة الاتحاد الوطني لإقامته ، وطنٌ يتساوى فيه أهله دون امتيازات و دون تمييز. و طنٌ حرٌ حقاً و شعبٌ سعيدٌ حقاً لأنه يتمتع بالمسـاواة في الكرامة و في الحقوق و الواجبات. و كما كانت هذه الجهود الخيرة تتصاعد كذلك كانت تتصاعد العراقيل الذي تضعها السـلطات أمام جهود بناء الهوية الوطنية التي يسـمو الانتماء إليها على الانتماءات الإثنية و القبلية الأخرى .

و يشـهد تاريخ البحرين منذ أن ُضربت هيئة الاتحاد الوطني عام 1956 أن الســلطات الحاكمة ، سـواء في عهد الحماية البريطانية أو عهد ما بعد الاسـتقلال ، اقترفت آثاماً عظاماً و جرائمَ كبرى بحق الناس فسـقط الشــهداء من كل الطوائف و من كل الفئات ، و من كل الأعمار و من كل المناطق. لقد سُــــجن الآلاف و عُذِب منهم من عُذِب ، و لم تفرق زنازنهم و لا الموت تحت التعذيب بين شيعي و سني أو بين قروي و منامي و محرقي ، و لا بين هولي و عربي قح. لقد كنا جميعاً و ما نزال في نظرهم رعايا علينا أن نرضى بما يتكرمون علينا به من فتات على شكل مكرمات و عطايا. و صار المطالب بحقه ، بحق الناس ، عدواً للنظام ، يلاحقه جلاوزة النظام و يدينه أتباع النظام على اختلاف طوائفهم و مذاهبهم

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد كانت الحركة الوطنية تواجه على الدوام عائقيْن صعبيْن: أولهما ما نسميه بحاجز الخوف الذي كمَم بعض الأفواه و أخرس بعضها الآخر. و لقد تعلم الناس كيف يتغلبون على هذا الحاجز بتضحياتهم و بإصرارهم و بصمودهم. أما العائق الآخر فهو مسـتنقع الطمع الذي سـقط فيه كثيرون منذ الخمسـينات. و هو المستنقع الذي ما زال بعضنا يسقط فيه حتى يومنا هذا. فكثيرون هم الذين باعوا تاريخنا المشترك أو باعوا رفاقهم مقابل عطايا النظام و مكرماته. و هؤلاء الذين ســقطوا و يســقطون في هذا المسـتنقع لم تختص بهم طائفة دون أخرى ، و لا مدينة أو قرية, بل و لم ينفرد بتخريجهم تيار سياسي دون آخر. و لقد ثبت أن النظام على اســتعداد لشــراء كل من يريد أن يبيع الناس و الوطن ، سواءً أكان هذا المتساقط إسلاميا أو شــيوعيا أو قوميا. فالطمعُ لا يختص بطائفة ولا بتيار

و لقد رأينا في الفترة الأخيرة , و بالذات منذ إجهاض المشروع الإصلاحي الذي تعاهدنا عليه يومَ وضعنا ثقتنا في الملك عشية الإستفتاء على ميثاق العمل الوطني, رأينا كيف إن النظام سعى و يسعى جاهداً أيضاً إلى خلط الأوراق إما عن طريق مختلف إجتماعات السقيفة المعلنة و غير المعلنة أو عن طريق توليد تيارات سياسية تتســابق في موالاتها له . و لقد شهدنا مؤخراً مؤشراتٍ لبروز تيارٍ سـياسي لا أجد تسمية أفضل له من أن أسميه بالتيار القافض , أي تيار القابلين الرافضين في الوقت نفسه. و هذا التيار, كما يبدو من مؤشـراته, سيضم شخصيات لا يجمعها جامع سوى القبول بالتراجعات عن الميثاق تحت حجة إنها, أي التراجعات, أصبحت أمراً واقعاً. و سيكون لهؤلاء القافضين حظوة ملحوظة لدى أهل الحكم الذين يأملون أن يتمكن القافضون من إقناع الناس بقبول التراجعات التي فرضتها التعديلات الإنفرادية على الدستور التي أجهضت المشروع الإصلاحي. و تسعى جهود القافضين تحت حجج الدعوة للعقلانية و البراجماتية و الواقعية إلى شرعنة النظامٍ القائم على إمتيازات العائلة

أيتها الأخوات و الاخوة
يواجهنا النظام بسلاحٍ آخر, و هو سلاحٌ قديمٌ من أسلحته يتمثل في تشــجيع إثارة النعرات و الحزازات الطائفية. و تلعب أشكال التمييز بين الناس ، أحياناً على أسـاس طائفي ، و أحيانا على أساس مناطقي ، و أحيانا على أساس عائلي ، دوراً هاماً في هذا المجال . فالتمييز و الإحساس بالغبن المترتب عن التمييز المنظم هو طريق مجرب لإثارة النعرات و إشاعة الفرقة بين الناس. وهو طريق يأملون من إنتهاجه إضعاف احتمالات تمتين وحدة المعارضة و تثبيت خطى حركتها

إلا أن من الواجب التنبيه مرة أخرى ، بالضبط كما فعل روادنا قادة الحركة الوطنية عبر الأجيال من المرحوم عبد الرحمن الباكر إلى وقتنا الحاضر, على إن إثارة النعرات الطائفية هو سلاحٌ خطر و خطير. و هو سلاحٌ لا يليق بأي شخص يحب الوطن و يحب الخير لأهل هذا الوطن أن يستخدمه مهما كانت الدوافع و الظروف و التبريرات. ذلك إن شـرذمة الناس و إثارة النعرات و الحزازت بينهم إنما تصب في خدمة النظام نفسه. أقولُ هذا و أشددُ على القول بإن إثارة النعرات الطائفية تؤدي إلى حرف الأنظار عن حقيقة أن التمييز الطائفي و القبلي ما هو إلا أداة من جملة أدوات في ترســانة متكاملة يســتخدمها النظام لإدامة احتكار العائلة الحاكمة لثروات الوطن و إستمرار ســيطرتها على مقدراته

لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام أبداً بالإحصائيات حول كم شيعي في مجلس الوزراء و كم سني فيه. ولا هي تهتم بأرقام متعلقة بكم عدد السـفراء الهولة و لا بكم من السـفراء هم عربٌ أقحاح . ما يهمهم و ما يهتمون به هو ولاءُ هؤلاء الوزراء و السفراء و حتى أصغر المتنفعين. ما يهمُ الأطراف المتشددة في النظام هو سكوت المتنفعين عن إستمرار مظاهرالظلم الذي يرزح تحته جميع أبناء الوطن و بناته دون استثناء . ما يهم الأطراف المتشددة في النظام هو بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة . و لقد تعلمنا منذ عشرات السـنين أنهم لن يتورعوا في سـبيل ذلك عن سجن الناس و تعذيبهم أو تشريدهم ، و إنهم لن يتوانوا عن تشجيع إثارة النعرات الطائفية في أكثر صورها بذاءة ، و لن يتوقفوا لا عن شراء الذمم ، و لا عن تخويف الناس من بعضها البعض و لا عن إشاعة الشـكوك فيما بينهم ، و إضعاف ثقتهم بقدراتهم على الصمود في نضالهم السـلـمي من أجل إسـترجاع الحقوق

من جهة أخرى يمكنكم ملاحظة أمرٍ يستحق التوقف عنده بسبب دلالاته السـياسية. و هذا الأمر يتعلق بأخواتنا و أخوتنا ممن تركونا بعد أن كانوا معنا و كنا معهم في المنافي أو في السجون و إلتحقوا مؤخراً بركب الســلطة. وفي الوقت الذي يتأسف بعضنا لأننا خسرنا بعض هؤلاء الأخوة و الأخوات و نتأسف لأن المشروع الوطني قد خســر إسهامات كثيرين منهم, إلا إننا يجب أن نلاحظ أيضاً إن النظام كان كريماً مع هؤلاء كرماً ملحوظاً.دون تفريق أو تمييز. فكما تعرفون لم يفرق بين السني و الشيعي من بين هؤلاء , و لا بين المتدين و الشـيوعي، و لا بين المتعلم و غير المتعلم و لا بين صاحب المؤهلات من عديمها. بل ســاوى بين جميع من أراد منهم أن يلتحق بركبه , طالما هم يســبحون بحمده و يشــكرونه على مكرماته و عطاياه. و تأتي هذه المسـاواة على إساس قاعدة معروفة : كلُ من يدخل الحظيرة يأكل من نفس العلف

أقولُ لا تهتم الأطراف المتشددة في النظام إلا بما يضمن بقاء نظامهم و استقراره و عدم المسـاس بامتيازات العائلة. و لقد رأيناهم بالأمس و قد رموا عادل فليفل شر رمية عند ما إشتد الضغط عليه بل و ســهلوا خروجه عبر المطار. و لم تتوان وزارة الداخلية عن التبرؤ منه بسبب ما ســمته اســـتغلاله لوظيفته …. إلا أنها تجاهلت إتهامه بالتعذيب , و ذلك لان كل زملائه من هندرسـون و من هم فوق هندرســون و تحته هم أيضا معذبون، جلادون ، ومسئولون عن دماء الشــــهداء و صيحات المعذَبين و دموع أمهاتنا و آبائنا و أطفالنا. إلا أنهم حين عرفوا أن محاكمة عادل فليفل في أســتراليا ســتفضح النظام كله و ســتبرز للعالم كله و ستفضح كل مخازيهم طوال الثلاثين ســنة الماضية. و حين عرف الجميع إن محاكمة عادل فليفل في اســتراليا ســتطال أيضا جميع رؤسائه , عندها صدر المرســوم التفسيري سـيء الصيت. و عاد العقيد الذي كان فاراً إلى البلاد و هاهو يحظى بما لا يحظى به ضحاياه
حين أرددُ ما يقوله المخلصون لهذا الوطن من إن المشـكلة التي تعاني منها بلادنا ليست مشكلة قائمة بين شـيعة و سـنة فلا يعني هذا إنني أقلل من أهمية و عمق مشــاعر الإحباط بل و الغضب التي تصيب أياً منا حين تقف السـياسة التمييزية التي تمارســها الدولة في بعض المؤسـسـات و الوزارات و الدوائر, أو التصرفات التمييزية التي يقوم بها, بدوافع الفســاد و المحسوبية و التشبه بالكبار, أغلب المتنفعين المتنفذين في مؤســسات الدولة و وزاراتها ودوائرها, حين تقف حاجزأً أمام الحصول على حقٍ مشـروعٍ في سكنٍ أو عملٍ أو غيرهما من متطلبات العيش الكريم الآمن. حين يتعرض أياً منا لأي نوع من أنواع المعاملة التمييزية, ســواء بسبب سياسة النظام أم بسبب تصرفات فردية, فأن له و لها الحق في الغضب و في الإحتجاج و في رفض إنتهاك حقٍ أســاسي من حقوق المواطنة الدستورية, ألا وهو حق الجميع في الفرص المتكافئة دون إعتبار لأصلٍ أو دينٍ أو جنس. إلا إنه و بجانب الغضب و الإحتجاج و الرفض علينا أيضاً أن نتفكر في ماذا نستطيع أن نفعل , معاً و بجميع فئاتنا و على إختلاف توجهاتنا الفكرية و رؤانا الســياسية, لوقف سـياسة التمييز من تحقيق أهدافها

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. الأرقام التي رأيتموها و تعرفونها لا تحكى إلا جزءً يسـيراً من جملة ما يعرف كل واحدة وواحد منكم . فمن منا من لم يتعرض لمعاملة تمييزية ؟ و من منا لم يشــعر بالمهانة بسبب تصرفات أصحاب السـلطة و شــاكرديتهم في الإسكان و في المرور و في الجوازات و في المطار ،نعم في كل مكان تقريبا … حتى داخل بيوتنا عبر بعض ما يبثه التلفزيون و تذيعه الإذاعة من ترهات عنصرية و طائفية. نعم أيتها الأخوات و الأخوة, إن الأرقام تحكى قصصا نعرفها جميعا و لكن علينا أن ننتبه و ننتبه , و علينا أن نتحاشى إغراءات الوقوع في مصيدة الطائفية أو الإنجرار إلىتجربة الغوص في مســتنقعها. فما أكثر الإغراءات

نعم ثمةَ تمييز نشــاهده أينما يَممْنا وجهنا. و لكن علينا أن نعرف إن الغرض من إصرار النظام على نهجه التمييزي ليس تفضيل الســنة كطائفة على الشــيعة كطائفة, بل إن المقصود هو , أولاً و قبل أي شئ آخر , إستخدام التمييز كأداة لحماية إمتيازات العائلة الحاكمة . و علينا أن لا نقع في الفخ المنصوب فنصدق إنهم يحبون السنة لله في الله و يكرهون الشيعة لله في الله, أو نصدق إنهم يفضلون سكان هذه المدينة على سكان تلك. لا أيها الأخوات و الأخوة إن المتطرفين فيهم يحبون أنفسهم , أولاً و قبل أي شئ آخر. أقولُ إن المتطرفين فيهم إنما يريدون إستمرار نظام الإمتيازات حتى ولو تطلب ذلك أن تمزق الطوائف بعضها البعض. , هذا ما لن يحدث أبداً بسبب وعينا بأن هذا الوطن هو وطننا جميعاً.

نحتاج دائماً ، مثلما فعل رواد الحركة الوطنية ، و منهم مؤسسو هذا النادي , إلى تذكير أنفسـنا أولاً و تذكير الناس ثانياً بأن المشاكل التي تعانى منها البلاد لا يمكن أن تُحل أبداً عبر الإنخراط في مشـروع النظام التفتيتي و لا عبر السـقوط في مصيدته التشطيرية . مشــاكلنا لا يمكن حلها أبداً بحلول طائفية أو قبلية و لا بتحشيدٍ فئوي أو مناطقي ، فهذا هو بالضبط ما يريده النظام . و علينا أن نجد حلا يضمن مسـاواة الجميع في حقوقهم وواجباتهم ، مسـاواة الجميع : مســاواة دعيج بألماص بشبر بغلوم ، كما هي مسـاواة حصة بجوهرة بزهرة و بكلثم

أن البلاد تعانى أيتها الأخوات و الاخوة ، من تراكم عقود طويلة من محاولات النظام لإجهاض جميع الجهود التي بذلتها الحركة الوطنية بفصائلها المنظمة و بشخصياتها المستقلة من أجل بناء الوطن الذي يتساوى فيه أهله ، الوطن الذي يعيش فيه مواطنون و مواطنات متســاوون توحدهم المواطنة الدسـتورية التي تؤمن لهم جميعاً التكافؤ في الفرص وتضمن المسـاواة في الحقوق كما في الواجبات

أيتها الأخوات و الاخوة
لقد إنتبه مؤسـسـو هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه منذ عشرات السنين إلى حقيقة أن أصل البلاء في البلاد ليس كم عدد الشيعة أو السنة في هذه الوزارة أو تلك المؤسسة ، و لا المشكلة هي كيف تصلى مديرة هذه المدرسة أو تلك. أصل البلاء هو غير هذا كله. و لن نخفف هذا البلاء عن طريق المطالبة بحلول شكلية لا جدوى من ورائها مثل توزيع الوظائف على أساس الكوتا أو الحصص بحيث يحصل الشيعة على حصة ، و السنة على حصة ، الهولة على حصة و العجم على حصة. هذا ليس هو الحل الوطني و لا هو الحل الدستوري الأنسب. هذا حلٌ طائفي يلائم النظام نفسه و لا يغير من ميزان القوى في المجتمع بل و يعطى للنظام فرصة تكريس الانتماء الطائفي بديلا للانتماء الوطني . هذا ليس هو الحل الذي ناضل من أجله جيل عبدعلى العليوات و عبدالرحمن الباكر و عبدالعزيز الشملان و إبراهيم محمد حسن فخرو و حسن الجشي و محمد دويغر، و لا جميع من حمل الراية من بعد هؤلاء و في مقدمتهم شـيخنا الجليل عبدالامير الجمرى ، عافاه الله و أعاده بين صفوفنا بثاقب بصيرته

لم يسقط عشرات الشهداء و لم يُسـجن آلاف و لم تتشرد العائلات ، و لم ُيعذب الأطفال من أجل زيادة حصة هذه الطائفة أو تلك في وظائف الدولة , في هذه الوزارة أ, تلك المؤسسة. فلو كان الأمر كذلك ، أي لو كان الأمر محصوراً في مطلب المحاصصة, لما تردد النظام في الاستجابة. فالمحاصصة لا تضيره ما دام زمام الأمور كلها في يده. من جهتنا , علينا أن نتســائل ماذا يسـتفيد الوطن من زيادة عدد الوزراء الشيعة أو تقليل عدد المدراء السنة أو زيادة أو تقليل الوكلاء من العجم أو الهولة إذا كانت زمام الأمور كلها محصورة في يد النظام , و إذا كان كل هؤلاء الوزراء و الوكلاء و المدراء و السفراء و المستشارين و من لف لفهم لا يستطيعون التصرف قيد أنملة دون أمر من الجهة العليا التي تعرفونها تمام المعرفة

أقولها لكم بصراحة ، حتى و لو أصبح مجلس الوزراء كله من طائفة واحدة ، شيعة أو سنة فان الأوضاع في البلاد لن تتغير ما لم يتغير نظام الامتيازات غير الدسـتورية القائم. و لعلكم تلاحظون أن الوزارة الحالية ، تضم وزراءَ جُدُد يمثلون فئتين لم تحظيا منذ فجر الاستقلال بدخول مجلس الوزراء. فلقد أنعم النظام على إخواننا من عجم المنامة بوزيرٍ كما أنعم على أهلنا في القرى بثلاثة وزراء. فهل تغيرت بالله عليكم أوضاع القرى أو أوضاع العجم ؟ و هل تأثر نظام إمتيازات العائلة بتولي هؤلاء الوزراء مسئـوليات تصريف شــئون وزاراتهم ؟

و لعلكم تلاحظون أيضا انه و لأول مرة منذ الخمسـينات جرى إختيار شيعي لرئاسة تحرير صحيفة و ُمنح شــيعيٌ آخر ترخيصاً لإصدار صحيفةٍ أخرى. فهل تغيرت أوضاع الطائفة الشــيعية نتيجة لصعود نجم هذا أو ذاك ؟ و هل تقلصت سيطرة النظام على الصحافة و بقية أجهزة الأعلام في البلاد ؟ بل , وهذا هو بيت القصيد: هل سـقط الشــهداء من كل الفئات ، و من كل الأعمار ومن كل المناطق لمجرد أن تتقاسم الطائفتان, مناصفةً, مناصبَ رئاسة تحرير الصحف اليومية في البلاد؟ و ماذا عن بقية الفئات و التعاضديات؟ هل ستحصل هي أيضاً على حصصها الإعلامية كجزءٍ من إجراءات النظام لتفتيت مجتمعنا و شـرذمته ؟

أصل المشـكلة ، كما تعلمنا من روادنا و رائداتنا في الحركة الوطنية ,بأطيافها, ليست مشكلة بين شـيعة و سـنة . و حلها لا يكمن في زيادة الوزراء أو الوكلاء أو المدراء من هذه الطائفة أو تلك ، بل هو في الاعتراف بحقنا جميعا في أن نرفض أن نكون رعايا في إقطاعية عائلية و بحقنا جميعا في أن نصبح مواطنين لنا مثل مالهم من حقوق و عليهم مثلما علينا من واجبات . و طريق الحل هو تحويل البلاد من إقطاعية عائلية إلى دولة دستورية عصرية يحكمها القانون و يظللها الولاء لدستور عقدي يكفل المواطنة المتساوية للمواطنين و المواطنات كافة.

أيتها الأخوات و الاخوة

في المجال الذي أعمل فيه يفرق بعضنا بين مفهوميْن هما التحسين و التغيير. أي إننا نفرقُ بين تحســين الظروف و بين تغييرها ، بين تحسين الواقع و بين تغييره. فحين يعطيك الطبيب مســكنا للآلام فأنه يحســن وضعك و لكنه لا يغيره لأنه لم يعالج مسببات المرض. و لهذا ربما تظل مريضا حتى و لو اختفى الإحساس بالألم . بل و لربما تفاقم المرض دون أن تشــعر بسبب المسـكنات التي أعطاها الطبيبُ لك. و حين يضع الســجان مكيفا في زنزانتك فهو قد قام بتحسـين وضع ســجنك و لكنك ما زلت ســجينا ، و ما زال هو يتحكم فيك و ما زلت لا تملك من أمرك شيئا . و حتى لو ســمح الســجان لك بقراءة عشــر جرائد فلن يتغير واقع ســجنك ما دامتَ مسجوناً و ما دام ســجانك هو ســجانك الذي يقرر لك ماذا تقرأ و متى تقرأ و كيف
و هو بالضبط ما حصل في بلادنا . لقد تحســنت الظروف و لكن الواقع لم يتغير. فما زال الأمر بأيدي من كان الأمر بأيديهم .. و ما زالت مفاتيح الحاضر و المســتقبل في أيديهم. صحيحٌ إننا لسـنا الآن في السجون أو المنافي و لكننا لســنا أحراراً بعد. و لكننا نعرف الطريق إلى ذلك المهرجان , مهرجان الحرية و المســاواة الحقة, و نعرف إنه طريقٌ صعبٌ و يتطلب التضحيات

و هذا بالضبط هو ما شــددت عليه في محاضرتي في نادى الخريجين في 15 مايو 2001, تلك المحاضرة التي أثارت غضب الديوان الأميري ، وقتها، و إسـتنفر كل المتنفعين ممن كلما دقت طبول النظام هرعوا إلى السـاحات يرقصون
فمن بين خمسـة ظروف جوهرية اقترحت آنذاك ضرورة توافرها لضمان نجاح المشـروع الإصلاحي ذكرت مشــكلة الامتيازات غير الدسـتورية التي تتمتع بها العائلة الحاكمة إلى الآن. و ما أزالُ على قناعتي بأنه لا يمكن أن تقوم للإصلاح قائمة في بلادنا ما دامت الهوة واضحة بين تلك الامتيازات و بين معاناة الناس على اختلاف فئاتهم. و لابد أن أشدد الآن على ضرورة توفير الظروف اللازمة لاندماج بنات و أبناء العائلة الخليفية في الوطن . و سـيبقى هذا الاندماج إحدى مســتلزمات نجاح المشــروع الإصلاحي. كما سيؤدى تحقيقه إلى تسريع تحقيق الحلم الذي قامت هيئة الاتحاد الوطني من أجل تحقيقه ، و هو الحلم الذي أسـتشـهد من أجله شــهداؤنا ، و ضحى من أجله مناضلونا و مناضلاتنا ســجناً و تعذيباً و تشـريداً

و يعلم بعضكم إنني ناشدت جلالة الملك , بل و توسلت إليه, أن يعالج موضوع الإمتيازات بالحكمة الواجبة, و ذلك لأن مشروع بناء الوطن و تأسيس مملكةٍ دستوية حقاً لا يمكن أن يتحقق طالما كان هناك من يعتبر البلاد مزرعة و يحسب أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثهم جيلاً بعدَ جيل . و لقد ناشدت جلالته , و ما أزال أناشــده, حباً في هذا البلد و أهله, أن يقوم بالخطوة التغييرية المطلوبة ، أن يتخذ المبادرة الشــجاعة حقاً، ألا وهى تحويل العائلة الخليفية من عائلة مالكة إلى عائلة ملكية , بالضبط كما هو الحال في مختلف الممالك الدستورية التي يريد جلالته أن يحذو حذوها

و لكنكم تعلمون أيضا ، أيتها الأخوات و الاخوة ، إن العكس من ذلك تماماً هو ما حدث طوال العامين الماضين. . فبدلآً من تكثيف الجهود التي تســهل إندماج العائلة الخليفية في الوطن , بإعتبار ذلك أفضل لها و لنا, إزداد إنعزالها عن الناس و إتسـعت الهوة بيننا. بل, و كما يقول بعض أصحابنا , زادت امتيازات العائلة عما كانت عليه في أي وقت مضى منذ عهد جده المرحوم عيسـى بن على. و هذا بالضبط هو ما كان يخشـاه كل محب لهذا الوطن ، و كل من تحمس ، بنية صادقة لا عن طمع و لا خوف ، للمشروع الإصلاحي و لميثاق العمل الوطني . أما الذين يرددون المواويل التي تتغنى بنصف الكأس المليان فإنهم يخدعون أنفســهم و يخدعون جلالة الملك و قبل هذا و ذاك فإنهم يخدعون الناس

أيتها الأخوات و الاخوة
يرتبط بما سبق بالحديث عن مظاهر الفسـاد الإداري المستشري في البلاد. و هو حديثٌ مهمٌ و ضروريٌ طالما لم يكن
حديثاً معمماً أو متعامياً لا هدف من ورائه سوى تحويل الأنظار عن أهل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . و لهذا أرى من الضروري عدم حرف النظر عن أصل الفسـاد و مصادرة الحقيقية . نحتاج إلى التوقف عن التعميمات و السعي للإجابة على سـؤال محدد : أليس لفسـاد الإداري و المالي من عنوان ؟ أليس وراء الفاسـدين من يحميهم و يشـجعهم و يستفيد منهم ؟ أليس للفســاد في بلادنا من منبع؟

أقولُ أيتها الأخوات و الاخوة أن علينا أن نسمى الأشياء بأسمائها بدلاً من الإنشغال بفسـاد صغار المتنفعين و الشاكردية . لا أيتها الأخوات و الاخوة ، الفســاد الأخطر هو فســاد الكبار. و هم معرفون. و ســنكون نحن جميعا مســئولين إن نحن صمتنا أو تعامينا عن رؤوس الفســاد في بلادنا. أقولُ نحن جميعا ، مسئولون إن لم نســمِ الأشياء بأسمائها ، علينا أن نتحدث عن دور المسئول الأول في البلاد طوال الأربعة عقود و نصف الماضية . أي عن رئيس الوزراء الدائم خليفة بن سلمان. فهو الذي أمسـك و يمسك إلى الآن بزمام الأمور كلها و هو الذي وضع قبضته الحديدية على كل صغيرة و كبيرة في البلاد منذ أن تولى المسئولية العامة قبل حوالي 46 عاماً. و كما يقول الكاتب الرسمي للسيرة الذاتية لرئيس الوزراء, بل و حسبما يُنقل عن أقواله هو نفسه في مجالسـه ، فإنه هو الذي أسس الدولة ، و حده لا معين له لا من بين أخوانه و لا من بين أولاد أخوانه و لا من بين أفراد عائلته أو مئات الشاكردية الذين جمعهم حوله طوال هذه السنين . و لعل بعضكم يعرف إن هندرســون, الذي أجرمَ بحق الناس طوال خمسة و ثلاثين سنة, يؤكد دائماً إنه إنما كان ينفذ الأوامر و التعليمات التي يتلقاها حسب إدعائه من رئيس الوزراء خليفة بن سلمان نفسه. و لم نسمع و لا نعرف ما ينفي ذلك

أقول هذا لا لكي أبرئ هذا الوزير أو ذاك الوكيل أو تلك المديرة أو عشــرات و عشــرات تنعموا و ما زالوا يتنعمون في ظل الفساد . هؤلاء مسئولون أيضا عن فسـاد النظام لانه عاضدوه و ما يزالون و لأنهم يزينون له أفعاله. و لا أريد أن أبرئ بقولي هذا كل أولئك الطبالة و الطبالات من بين العاملين في الصحافة و الأعلام ، ممن جعلوا الأعمى بصيراً و من الناهب مصلحاً و من السـارق أمينا و جعلوا من فتات النهب مكرمات . أيتها الأخوات و الاخوة, هؤلاء أيضا مسئولون بتطبيلهم ، كما هو مسئولٌ كل من سكت منا عن فساد الكبار أو تجاهله أو ساهم في حرف الأنظار عمن يقف وراء مظاهر الفسـاد الإداري و المالي في بلادنا . إننا نخدع أنفسـنا إذا لم نستطع أن نرى من الفسـاد إلا بعض مظاهره ، و من التمييز إلا بعض مظاهره .. بالضبط مثل طبيب لا يرى من الأمراض إلا أعراضها. و حينها لا نخدع أنفسـنا فحسب بل و نخدع الناس و نسـاعد الأطراف المتشددة في النظام على تحقيق أهدافها و بخاصة أولئك منهم ممن يعتبرون البلاد مزرعة و يحسبون أهلها رعايا من ســبايا الغزو و غنائمه يرثوننا جيلاً بعد جيل. ا
أحييكم مرة أخرى , و أحي عبركم الدور التاريخي لنادي العروبة, هذا الصرح الوطني الذي تجتمعون فيه ,كما أحي ذكرى من غاب عنا من مؤسسـيه, فما نحن إلا على طريقهم نســير
عبدالهادي خلف

الإمارات تسحب قواتها من اليمن… وقد تبقى فيها

في بداية تموز/ يوليو الماضي نشرت وكالات الأنباء، ومواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن اعتزام الإمارات سحب جزء من قواتها التي تقاتل في اليمن. إلا أن المصادر الرسمية الإمارتية سعت فيما بعد للتخفيف من تداعيات الحدث، بالتأكيد على أن الأمر لا يعدو أن يكون “إعادة انتشار للقوات”، وأنها ما زالت ملتزمة بدورها في التحالف السعودي – الإماراتي، ولن تترك فراغاً في اليمن.

على الرغم من مرور عدة أسابيع على تلك الأخبار، فما زال من غير الممكن التحقق من مدى جدية القرار الإماراتي، سواء أكان يتعلق بانسحاب كامل لقواتها، أو كان إعادة انتشار لجزء منها. بالمقابل هناك مبررات معقولة للتشكيك في جدية القرار. فهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الإمارات “انتهاء حرب اليمن”. فقبل ثلاث سنوات، صدرت تصريحات مماثلة عن مختلف مستويات المسؤولين الإماراتيين تعلن “انتهاء الحرب بالنسبة لهم”. بل إن وكالات الأنباء تناقلت تصريحات لولي عهد أبو ظبي (في 16/6/2016) – وهو الحاكم الفعلي لبلاده، والمسؤول الأول عن قواتها المسلحة – يعلن فيها أن “الحرب عملياً انتهت لجنودنا”. وأن بلاده ترصد “الترتيبات السياسية، ودورنا الأساسي حالياً تمكين اليمنيين في المناطق المحررة”.

كان إعلان انتهاء الحرب في 2016 جزءاً نافعاً من جهود الإمارات لتحسين مغانم مشاركتها في الحرب اليمنية. فعلى الرغم من تلك التصريحات الرسمية، فإن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الإماراتية مباشرة، أو عبر مختلف التشكيلات التابعة لها في اليمن لم تتوقف مذاك. أما ما توقف من العمليات العسكرية، فكان ذلك الجزء الاستعراضي منها، أي الذي شارك فيه أولاد الشيوخ، والأمراء وقامت أجهزة الإعلام الرسمية، ووسائل التواصل الاجتماعي ببثه تخليداً لمغامراتهم هناك.

قرارٌ متأخر وناقص

كان الواجب إعلان وقف الحرب في اليمن بعد انقضاء الأسبوع الأول من بدئها. فحينذاك، أي بعد أسبوع من انطلاق “عاصفة الحزم” في 26 آذار/ مارس 2015، كان من الواضح أنها لن تحقق أياً من الأهداف المرجوة منها لكلٍ من الشريكين السعودي والإماراتي. فعشية إعلان حرب اليمن، لم تكن لدى الإمارات، ولا لدى السعودية القدرات الاستراتيجية – بما فيها القدرات العسكرية والسياسية – التي تؤهلهما للانتصار على الحوثيين. ناهيك عن تغيير موازين القوى في الخليج العربي، أو في منطقة الشرق الأوسط عموماً. لا يكفي الطموح، خصوصاً إذا كان لا يستند إلى تقييم واقعي للإمكانيات والقدرات، بل إن الطموح قد يتسبب في كوارث كالتي شهدناها طيلة السنوات الأربع الماضية، وكالتي سنشهدها في حال استمرت الحرب.

ولم يتغير الحال بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من تدمير اليمن، وهدر طاقات وثروات بلدان المنطقة. فلم يتمكن التحالف السعودي الإماراتي من هزيمة الحوثيين، بل لم يستطع حتى تأمين إعادة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وحكومته من الرياض إلى عدن، أو غيرها من المدن الواقعة تحت السيطرة الإسمية للتحالف، بينما هي تحت سيطرة واحدة من عشرات الميليشيات التي جندتها الإمارات ودربتها لاستخدامها حين اقتسام غنائم حرب اليمن.

أدى الغموض الذي ما زال يحيط بقرار الإمارات الأخير إلى بروز تكهنات متباينة تتراوح بين الإدانة والترحيب. فمن جهة لا يستبعد محللٌ يمني أن يكون قرار الانسحاب نتيجة “تفاهمات إيرانية – إماراتية، بحيث تحكم جماعة الحوثي بعض المناطق الشمالية، وتحكم ميليشيات “المجلس الانتقالي” التابعة لأبو ظبي بعض المناطق الجنوبية والشرقية”. فالإمارات، حسب هذا المحلل، تنفذ أجندات دول غربية ربما قد أوعزت لها “بالانسحاب التدريجي من اليمن من أجل توريط السعودية في الملف اليمني أكثر مما هو حاصل الآن تمهيدًا لإسقاط السعودية وتقسيمها”(1).

يتكرر هذا التفسير، على الرغم من غرابته، في عددٍ من تعليقات المحللين اليمنيين التي تشير أيضاً إلى أن سحب القوات الإماراتية من خطوط المواجهة، يأتي في وقت تعاظمت فيه الهجمات على الحدود السعودية وداخلها.

على الطرف الآخر، يدافع محللٌ مشهور في الإعلام الإماراتي عن انسحاب قوات بلاده من اليمن، بعد أن أدّت “واجبها القومي على أكمل وجه، وربما أكثر من غيرها […] ودفعت ثمن هذه المشاركة باهظاً، وحتماً أكثر من غيرها، بشرياً ومادياً ومعنوياً وسياسياً”. فقرار سحب القوات يأتي بعد “أن ساهمت أكثر من غيرها في تحقيق انتصارات عسكرية، بما في ذلك تحرير أهم المدن والموانئ، وكانت على وشك تحرير مدينة وميناء الحُديدة، وبعد أن قامت بإعداد وتدريب وتمويل آلاف الجنود وتزويد المقاومة الشعبية بأحدث المعدات والأسلحة”. وحسب ذلك المحلل الإماراتي، فإن قرار بلاده “سيشكل لحظة فارقة […] فمشاركة الإمارات في حرب اليمن لم تكن مشاركة رمزية وعابرة، بل كانت فاعلة وفعالة ومن الصعب الاستغناء عنها أو استبدالها بسرعة وبسهولة”(2). وبهذا المعنى، فإن قرار الانسحاب هو بادرة حسن نية سـتوفر أرضية خصبة ومناسبة لإنهاء الحرب في اليمن إنْ أحسن الحوثيون والإيرانيون استقبالها.

لا يمكن الاستخفاف بوجهتي النظر المشار إليهما. إلا أنهما لا تكفيان لتفسير توقيت إعلان قرار الإمارات سحب قواتها من اليمن. كما لا تكفيان لتفسير طابع المفاجأة فيه، وبدون التشاور مع الشريك السعودي في قيادة الحرب.

الطائرات المسّيرة، ورعب “مدن الملح”

تحولت هجمات الحوثيين بالمقذوفات الصاروخية، وبالطائرات المسيّرة من ضرب جيزان وأبها وغيرها من المناطق السعودية القريبة من الحدود، إلى استهداف متكرر لمناطق في العمق السعودي. وفي السنتين الأخيرتين نجح الحوثيون في استخدام المقذوفات الصاروخية لضرب مواقع استراتيجية بما فيها محطات ضخ النفط والغاز. وفي بداية 2018، نجح الحوثيون في توجيه صاروخ باليستي ضرب مطار الملك خالد في الرياض التي تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن صنعاء.

تمكّن الحوثيون، بفضل استخدامهم الفعال لتلك المقذوفات الصاروخية والطائرات المسيّرة، من نقل جزء من الحرب من اليمن والمناطق الحدودية إلى المدن السعودية. كما استطاعوا في الوقت نفسه إيصال رسالة ضمنية تقول بأن أبو ظبي وغيرها من مدن الإمارات لن تكون في مأمنٍ ما دامت الحرب مستمرة. خاصة وأن طبيعة المدن والمناطق السكنية الحديثة في الإمارات، تجعلها أكثر هشاشة وأقل أماناً في حال صارت هدفاً عسكرياً. وهذا بالفعل ما أراد توصيله إعلان الحوثيين عن استهدافهم مطار أبو ظبي بطائرة مفخخة في 27 تموز/ يوليو من العام الماضي.

نفى الإماراتيون الخبر، فأعاد الحوثيون تأكيده. والرسالة وصلت بوضوح إلى قادة الإمارات، وربما تكون قد أسهمت في تعجيل قرارها بسحب قواتها، أو “إعادة انتتشارها”ا

_____________________________________
1- د. عادل دشيلة “لهذه الأسباب انسحبت الإمارات من اليمن تدريجياً” (ساسة بوست 17/7/2019)
2- د. عبدالخالق عبد الله “دوافع سحب الإمارات لقوات من اليمن” (سي إن إن بالعربي 14/7/2019