الإمارات تسحب قواتها من اليمن… وقد تبقى فيها

في بداية تموز/ يوليو الماضي نشرت وكالات الأنباء، ومواقع التواصل الاجتماعي أخباراً عن اعتزام الإمارات سحب جزء من قواتها التي تقاتل في اليمن. إلا أن المصادر الرسمية الإمارتية سعت فيما بعد للتخفيف من تداعيات الحدث، بالتأكيد على أن الأمر لا يعدو أن يكون “إعادة انتشار للقوات”، وأنها ما زالت ملتزمة بدورها في التحالف السعودي – الإماراتي، ولن تترك فراغاً في اليمن.

على الرغم من مرور عدة أسابيع على تلك الأخبار، فما زال من غير الممكن التحقق من مدى جدية القرار الإماراتي، سواء أكان يتعلق بانسحاب كامل لقواتها، أو كان إعادة انتشار لجزء منها. بالمقابل هناك مبررات معقولة للتشكيك في جدية القرار. فهذه ليست المرة الأولى التي تعلن فيها الإمارات “انتهاء حرب اليمن”. فقبل ثلاث سنوات، صدرت تصريحات مماثلة عن مختلف مستويات المسؤولين الإماراتيين تعلن “انتهاء الحرب بالنسبة لهم”. بل إن وكالات الأنباء تناقلت تصريحات لولي عهد أبو ظبي (في 16/6/2016) – وهو الحاكم الفعلي لبلاده، والمسؤول الأول عن قواتها المسلحة – يعلن فيها أن “الحرب عملياً انتهت لجنودنا”. وأن بلاده ترصد “الترتيبات السياسية، ودورنا الأساسي حالياً تمكين اليمنيين في المناطق المحررة”.

كان إعلان انتهاء الحرب في 2016 جزءاً نافعاً من جهود الإمارات لتحسين مغانم مشاركتها في الحرب اليمنية. فعلى الرغم من تلك التصريحات الرسمية، فإن العمليات العسكرية التي تقوم بها القوات الإماراتية مباشرة، أو عبر مختلف التشكيلات التابعة لها في اليمن لم تتوقف مذاك. أما ما توقف من العمليات العسكرية، فكان ذلك الجزء الاستعراضي منها، أي الذي شارك فيه أولاد الشيوخ، والأمراء وقامت أجهزة الإعلام الرسمية، ووسائل التواصل الاجتماعي ببثه تخليداً لمغامراتهم هناك.

قرارٌ متأخر وناقص

كان الواجب إعلان وقف الحرب في اليمن بعد انقضاء الأسبوع الأول من بدئها. فحينذاك، أي بعد أسبوع من انطلاق “عاصفة الحزم” في 26 آذار/ مارس 2015، كان من الواضح أنها لن تحقق أياً من الأهداف المرجوة منها لكلٍ من الشريكين السعودي والإماراتي. فعشية إعلان حرب اليمن، لم تكن لدى الإمارات، ولا لدى السعودية القدرات الاستراتيجية – بما فيها القدرات العسكرية والسياسية – التي تؤهلهما للانتصار على الحوثيين. ناهيك عن تغيير موازين القوى في الخليج العربي، أو في منطقة الشرق الأوسط عموماً. لا يكفي الطموح، خصوصاً إذا كان لا يستند إلى تقييم واقعي للإمكانيات والقدرات، بل إن الطموح قد يتسبب في كوارث كالتي شهدناها طيلة السنوات الأربع الماضية، وكالتي سنشهدها في حال استمرت الحرب.

ولم يتغير الحال بعد أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من تدمير اليمن، وهدر طاقات وثروات بلدان المنطقة. فلم يتمكن التحالف السعودي الإماراتي من هزيمة الحوثيين، بل لم يستطع حتى تأمين إعادة الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، وحكومته من الرياض إلى عدن، أو غيرها من المدن الواقعة تحت السيطرة الإسمية للتحالف، بينما هي تحت سيطرة واحدة من عشرات الميليشيات التي جندتها الإمارات ودربتها لاستخدامها حين اقتسام غنائم حرب اليمن.

أدى الغموض الذي ما زال يحيط بقرار الإمارات الأخير إلى بروز تكهنات متباينة تتراوح بين الإدانة والترحيب. فمن جهة لا يستبعد محللٌ يمني أن يكون قرار الانسحاب نتيجة “تفاهمات إيرانية – إماراتية، بحيث تحكم جماعة الحوثي بعض المناطق الشمالية، وتحكم ميليشيات “المجلس الانتقالي” التابعة لأبو ظبي بعض المناطق الجنوبية والشرقية”. فالإمارات، حسب هذا المحلل، تنفذ أجندات دول غربية ربما قد أوعزت لها “بالانسحاب التدريجي من اليمن من أجل توريط السعودية في الملف اليمني أكثر مما هو حاصل الآن تمهيدًا لإسقاط السعودية وتقسيمها”(1).

يتكرر هذا التفسير، على الرغم من غرابته، في عددٍ من تعليقات المحللين اليمنيين التي تشير أيضاً إلى أن سحب القوات الإماراتية من خطوط المواجهة، يأتي في وقت تعاظمت فيه الهجمات على الحدود السعودية وداخلها.

على الطرف الآخر، يدافع محللٌ مشهور في الإعلام الإماراتي عن انسحاب قوات بلاده من اليمن، بعد أن أدّت “واجبها القومي على أكمل وجه، وربما أكثر من غيرها […] ودفعت ثمن هذه المشاركة باهظاً، وحتماً أكثر من غيرها، بشرياً ومادياً ومعنوياً وسياسياً”. فقرار سحب القوات يأتي بعد “أن ساهمت أكثر من غيرها في تحقيق انتصارات عسكرية، بما في ذلك تحرير أهم المدن والموانئ، وكانت على وشك تحرير مدينة وميناء الحُديدة، وبعد أن قامت بإعداد وتدريب وتمويل آلاف الجنود وتزويد المقاومة الشعبية بأحدث المعدات والأسلحة”. وحسب ذلك المحلل الإماراتي، فإن قرار بلاده “سيشكل لحظة فارقة […] فمشاركة الإمارات في حرب اليمن لم تكن مشاركة رمزية وعابرة، بل كانت فاعلة وفعالة ومن الصعب الاستغناء عنها أو استبدالها بسرعة وبسهولة”(2). وبهذا المعنى، فإن قرار الانسحاب هو بادرة حسن نية سـتوفر أرضية خصبة ومناسبة لإنهاء الحرب في اليمن إنْ أحسن الحوثيون والإيرانيون استقبالها.

لا يمكن الاستخفاف بوجهتي النظر المشار إليهما. إلا أنهما لا تكفيان لتفسير توقيت إعلان قرار الإمارات سحب قواتها من اليمن. كما لا تكفيان لتفسير طابع المفاجأة فيه، وبدون التشاور مع الشريك السعودي في قيادة الحرب.

الطائرات المسّيرة، ورعب “مدن الملح”

تحولت هجمات الحوثيين بالمقذوفات الصاروخية، وبالطائرات المسيّرة من ضرب جيزان وأبها وغيرها من المناطق السعودية القريبة من الحدود، إلى استهداف متكرر لمناطق في العمق السعودي. وفي السنتين الأخيرتين نجح الحوثيون في استخدام المقذوفات الصاروخية لضرب مواقع استراتيجية بما فيها محطات ضخ النفط والغاز. وفي بداية 2018، نجح الحوثيون في توجيه صاروخ باليستي ضرب مطار الملك خالد في الرياض التي تبعد أكثر من ألف كيلومتر عن صنعاء.

تمكّن الحوثيون، بفضل استخدامهم الفعال لتلك المقذوفات الصاروخية والطائرات المسيّرة، من نقل جزء من الحرب من اليمن والمناطق الحدودية إلى المدن السعودية. كما استطاعوا في الوقت نفسه إيصال رسالة ضمنية تقول بأن أبو ظبي وغيرها من مدن الإمارات لن تكون في مأمنٍ ما دامت الحرب مستمرة. خاصة وأن طبيعة المدن والمناطق السكنية الحديثة في الإمارات، تجعلها أكثر هشاشة وأقل أماناً في حال صارت هدفاً عسكرياً. وهذا بالفعل ما أراد توصيله إعلان الحوثيين عن استهدافهم مطار أبو ظبي بطائرة مفخخة في 27 تموز/ يوليو من العام الماضي.

نفى الإماراتيون الخبر، فأعاد الحوثيون تأكيده. والرسالة وصلت بوضوح إلى قادة الإمارات، وربما تكون قد أسهمت في تعجيل قرارها بسحب قواتها، أو “إعادة انتتشارها”ا

_____________________________________
1- د. عادل دشيلة “لهذه الأسباب انسحبت الإمارات من اليمن تدريجياً” (ساسة بوست 17/7/2019)
2- د. عبدالخالق عبد الله “دوافع سحب الإمارات لقوات من اليمن” (سي إن إن بالعربي 14/7/2019

حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

 في 12 شباط / فبراير 2014 أصدر ملك البحرين مرسوماً بإنشاء الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء، وتبع ذلك مراسيم أخرى بتشكيل هيئاتها وتحديد المهمات المنوطة بها. من بين أولى تلك المهمات التي حددها المرسوم ” النهوض بعلوم الفضاء في البحرين وإنشاء بنية تحتية سليمة لمراقبة الفضاء والأرض من أجل تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة وتحقيق الريادة للمملكة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها”.

علوم الفضاء لزخرفة السلطة

على الرغم من الضجة الإعلامية (المحلية) التي رافقت إعلان مرسوم تشكيل “الهيئة الفضائية” لم يأخذ كثيرون دخول البحرين مجال علوم الفضاء بجدية. وإعتبر منتقدو سلطة العائلة الحاكمة في البحرين إن الهيئة الجديدة لا تعدو أن تكون مجرد زخرف إعلامي لتجميل صورة السلطة. فالبحرين لا تملك البنى التحتية (العلمية والتقنية والتنظيمية والمؤسساتية) اللازمة لتحقيق أحلام الملك الفضائية.

وبسبب حداثة التعليم الجامعي في البحرين وعدم الإهتمام بالبحث العلمي في مختلف المجالات، بما فيها العلوم الهندسية والفيزيائية، فلم تتشكل في البلاد الكتلة العلمية الحرجة التي تسهِّل دخولها إلى مجال البحث الفضائي ناهيك عن تحقيق الريادة فيه. وفوق ذلك، فالبحرين بلدٌ صغيرة وقليلة السكان وليس لديها ما لدى غيرها من شقيقاتها في الخليج العربي من الموارد المالية التي يتطلبها شراء تلك البنى التحتية أو إستئجارها. البحرين ليست الإمارات أو السعودية، فهاتان تستطيعان شراء أو إستئجار أكثر أشكال التقنية ومنتجاتها حداثة حتى ولو لم تكونا قادرتين على إستيعاب تلك التقنيات المستوردة

لحسن الحظ، وحتى الآن، لم يتهور مسئولو الهيئة الفضائية البحرينية ولم يندفعوا في الطريق الذي إفتتحه الملك بشطحته الفضائية. بل هم إكتفوا بإفتتاح صفحات الكترونية لها في مختلف مواقع التواصل الإجتماعي وبالإدلاء ببيانات تنشرها الصحف المحلية. وفي أحد تلك البيانات تشير الهيئة إلى أن من أهم إنجازاتها خلال الأربع سنوات الماضية كان إنها “صاغت واعتمدت الاستراتيجية الخاصة بالهيئة، واختارت الشعار والهوية، وأعدّت الميزانية التشغيلية وميزانية المشروعات للفترة من 2015 إلى 2018 بما يتوافق ومتطلبات تحقيق الاستراتيجية المعتمدة ورفعتها للجهات المعنية لاعتمادها” (صحيفة “البلاد” 5 /9/2017).

أول قمر صناعي بحريني في 2020

في 7 تموز/ يوليو 2018 أعلنت الهيئة الفضائية في البحرين عن طرح أول مشاريعها بتشكيل “فريق البحرين للفضاء”. وفُتح باب الإنضمام للفريق الذي سيتكون من عشرة أفراد أمام “ذوي الكفاءة من الجنسين”. ويتبين من التصريحات الرسمية إن أفراد العشرة الذين سيتم إختيارهم سيتلقون التدريب اللازم للإسهام في إطلاق أول قمر صناعي في العام 2020 ولتمكين البحرين بحلول العام 2023 من “تحقيق خطوات ملموسة نحو توظيف علوم الفضاء لخدمة التنمية ومواكبة الركب العالمي في هذا القطاع المهم” (صحيفة “الأيام” 15/7/2018).

أثار الإعلانان عن تشكيل الهيئة الفضائية وعن تشكيل “فريق البحرين للفضاء” حملات ساخرة على مواقع التواصل الإجتماعي. كما إستثارت مناشدات وجدت طريقها إلى الصحف المحلية، دعت إلى الإلتفات إلى قضايا أكثر أولوية وأقل صعوبة من غزو الفضاء كمكافحة الفساد الإداري ونتائجه بما فيها إنخفاض مستوى التعليم وسوء الخدامات الصحية. ففي مواقع التواصل الإجتماعي، كما في الصحف المحلية، تتكرر نداءات الإستغاثة التي يطلقها مواطنون بسبب المعاناة من نقص الأدوية في المستشفيات الحكومية أو بسبب رداءة نوعية المتوفر منها أو إنتهاء فترة صلاحيته (“الأيام” 15 /7/2018). إلا إن الوزير المشرف على الهيئة رفض تلك الإنتقادات وكرر التأكيد على إن “دخول مملكة البحرين بمجال علوم الفضاء جاء عبر رؤية ثاقبة تستشرف المستقبل من قبل ملك البحرين الذي يولي الهيئة اهتمامه ومتابعته الخاصة منذ تأسيسها” (وكالة أنباء البحرين 7/7/2018).

الكثير من اللغط حول لا شيء

شددت التصريحات الرسمية على إن برنامج البحرين الفضائي يهدف لاجتذاب النخبة من بين الكفاءات الوطنية من مختلف التخصصات العلمية، وأن من سيتم إختيارهم سيحصلون على فرصٍ وظيفية مستقرة في بيئة عمل ممتازة ومتميزة. وستقدم الهيئة لهم التأهيل اللازم في البحرين وخارجها لتمكينهم من تنفيذ المشاريع المتعلقة بالفضاء، بالإضافة إلى إلتزام الهيئة بتطوير مهاراتهم عبر فرص التدريب النوعية.

أسهمت التصريحات الرسمية في اجتذاب الآلاف من الراغبين في الإنضمام إلى الفريق الفضائي. ففي الإسبوع الأول بعد فتح باب قبول طلبات التوظيف تقدم 400 بحريني وبحرينية بطلباتهم إلى الهيئة وإستمرت الطلبات تتوالى حتى بلغت 2173 طلباً عند إنتهاء موعد إستلام الطلبات في نهاية الشهر نفسه.

رغم مرور سنة على إقفال باب الترشيح فلم يتم الإعلان عن أسماء من تمّ إختيارهم لعضوية “فريق البحرين للفضاء”. ولا يبدو في الأفق أن انتظار المتقدمين بطلباتهم سينتهي قريباً حسبما يتضح من مناقشات دارت في المجلس النيابي حول ميزانية الدولة للعامين القادمين. فالميزانية المرصودة للهيئة الفضائية لا تغطي سوى مصروفاتها التشغيلية، إذ يقل المبلغ المرصود لها في العام الحالي (2019) عن مليوني دولار أميركي (732 ألف دينار بحريني). وسيرتفع المبلغ المرصود في العام التالي (2020) – وهو عام إطلاق أول قمر صناعي بحريني – ليصل إلى مليونين وسبعمئة ألف دولار أمريكي (مليون وثلاثين ألف دينار بحريني). وهذا المبلغ لا يكفي لتشكيل فريق بحثي متواضع الطموح، ناهيك عن إطلاق مشروع يتضمن بناء قمر صناعي وإطلاقه وإدارته في خلال فترة قصيرة لا تتجاوز السنتين. جدير بالإشارة إن مجموع المخصصات المالية للهيئة الفضائية للسنتين القادمتين يقل عن ما تدفعه البحرين سنوياً لجامعة سابينزا في العاصمة الإيطالية مقابل تدشين كرسي أكاديمي تحت إسم “كرسي الملك حمد للحوار بين الأديان والتعايش السلمي”.

حتى بملاحظة تدَّني تحصيله التعليمي وعدم جَلَدِه على متابعة التفاصيل، فلا يُعقل أن يتخيل ملك البحرين أو أحدٌ من حاشيته أنْ تُحقق الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء المعجزة التي ستذهل العالم. أي أن تستطيع خلال الوقت القصير المحدد لها وضمن الميزانية المتواضعة المخصصة لها أن تجعل ملك البحرين يدخل عصر الفضاء ويحقق لمملكته “الريادة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها”.

ولكن من يعرف ما الذي يدور في ذهن حاكمٍ لا يستطيع أن يتفاهم حتى مع الموالين له. حاكم فرض الضرائب على شعبه واستدان الأموال لشراء طائرات ف.16، ثمن الواحدة منها أكثر من سبعين مليون دولار أمريكي (الوطن 23/6/2018). هل هو الهوس بالتنافس مع حكام الخليج الآخرين على الرغم من أنهم يحكمون بلدانأ أغنى وأكثر سكاناً؟ هل هو الهوس بزخرفة “دولة” حوَّلها من إمارة إلى مملكة؟ أم هو ضربٌ من جنون العَظَمة الذي تتزايد أعراضه ويدفع العباد والبلاد ثمنه؟

——–

 مقال منشور في السفير العربي 14/7/2019

حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

من يتابع وسائل الإعلام الرسمي البحريني يتيقن إن البحرين أصبحت دولة كبرى في منطقة الخليج العربي. ويتيقن إنها استكملت – أو هي على وشك استكمال – الإستعدادات التي تتطلبها الحرب مع إيران. وفيها يخرج كبار قادة القوات العسكرية والأجهزة الأمنية لطمأنة المواطنين والمقيمين على نجاحها في “تحقيق أعلى مستويات الجاهزية الدائمة للقوات وقدرتها على سرعة الانتشار لتنفيذ مهامها..” (أخبار الخليج 29/5/2019).

وتحت عنوان تأكيد الجاهزية، يندرج إهتمام وسائل الإعلام الرسمية بابراز خبر زيارات واستقبالات يقوم بها المشير الشيخ خليفة آلخليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين. ففي أحد الأيام الماضية قام المشير بزيارة تفقدية لمواقع عسكري لمتابعة الاستعدادات والتجهيزات وللوقوف على الجاهزية القتالية والإدارية (الأيام 24/5/2019). وفي اليوم نفسه إستقبل المشير البحريني وفداً عسكرياً أمريكياً برئاسة الجنرال جوزيف غواستيلا، قائد القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية، التي تُستخدم البحرين مركزاً لقيادة عملياتها، لمناقشة التنسيق العسكري والتعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة الأمريكية والبحرين.

توخي الحيطة والحذر

بهدف إستكمال تلك الإستعدادات للحرب قامت السلطات البحرينية بعددٍ من الإجراءات التي تؤكد من جهة على خطورة الأوضاع في المنطقة وتؤكد من جهة أخرى إهتمامها بسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها. ففي 18/5/2019 وجهت وزارة الخارجية في البحرين تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى إيران والعراق “نظراً للأوضاع غير المستقرة التي تشهدها المنطقة، والتطورات الخطيرة، والتهديدات القائمة وما تحمله من مخاطر كبيرة على الأمن والاستقرار” مشددة على ضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر”. ودعت الوزارة جميع المواطنين المتواجدين في البلدين “إلى المغادرة فوراً وذلك ضماناً لأمنهم وحفاظاً على سلامتهم”. وكان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تحذُ حذو البحرين ولم تطالب مواطنيها بمغادرة العراق أو إيران أو عدم السفر إليهما.

وفي 21/5/2019 أعلنت قيادة الأمن العام في البحرين إنها ستقوم في اليوم التالي وضمن “الإجراءات المعمول بها دوريا، بمراجعة الخطط الوطنية للطوارئ ومن بينها التأكد من جاهزية صفارات الإنذار”. وطلبت قيادة الأمن العام “من كافة المواطنين والمقيمين الاطمئنان وعدم الانزعاج” خلال فترة تجربة الصفارات. وبالفعل انطلقت في اليوم التالي صفارات الإنذار لتنطلق معها وبعدها ردود الفعل الشاكية والساخرة. فحسب تقارير صحافية، لم يسمع الناس في بعض مناطق البحرين أصوات الصفارات. أما من سمعوها فلم يعرفوا ما المطلوب منهم القيام به بعد سماع صفارة الإنذار، إذ لم تتوافر لهم الإرشادات اللازمة حول إجراءات السلامة والوقاية من شظايا القنابل أو المواد الكيميائية التي قد تحملها الصواريخ. ففيما عدا عددٍ محدود من مواقف السيارات المغطاة في المراكز التجارية، فلا يوجد في البحرين ملاجئ محصنة يلجأ إليها الناس. بل إن صغر مساحة البحرين، كما أشار أحد المغردين ساخراً “يجعلها هدفاً عسكرياً واحداً”. وهنا أيضاً، كان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تعلن عن قيامها بتجربة صفارات الإنذار فيها.

تتصرف السلطات البحرينية كما تتصرف دولة كبرى. إلا إنها وبسبب إمكانياتها المتواضعة لم تقم بتوفير وسائل النقل اللازمة لنقل مواطنيها من البلدين اللذين دعتهم الى مغادرتها. وليس سهلاً معرفة عدد البحرينيين الذين غادروا إيران أو العراق إستجابة لتحذير وزارة خارجية بلادهم. من جهة أخرى لم تتسرب أية معلومات عن الدروس المستقاة من تمرين صفارات الإنذار ولا عن مدى إستفادة أجهزة الدفاع المدني في البحرين والأجهزة الأخرى المعنية بالخطط الوطنية للطوارئ، بدءاً من ملاحظات الناس وشكاواهم من إنعدام الملاجئ وغيرها من وسائل الوقاية والحماية في حال إندلاع المواجهة العسكرية مع إيران. وهذا يعزز الظن إن تحذير المواطنين البحرينيين من زيارة إيران والعراق وتمرين صفارات الإنذار يندرجان ضمن الحرب الإعلامية المستعرة في المنطقة.

البحرين تبحث عن دور في الميزان العسكري للمنطقة

بعد توليه مهامه الرئاسية، رفع الرئيس الأمريكي الحظر المفروض على بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لعدد من البلدان بسبب إنتهاكات أنظمتها لحقوق الإنسان. ومن بين هذه البلدان البحرين التي تعاقدت خلال السنتين الأول من عهد ترامب على شراء ما تزيد قيمته على ستة مليار دولار من الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. وفي بداية أيار/مايو الماضي أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن الموافقة على بيع البحرين مجموعة من نظم صواريخ “باتريوت” والمعدات الرديفة تقارب قيمتها المليارين ونصف المليار دولار. تبع ذلك إعلانٌ آخرعن صفقة عسكرية بقيمة 750 مليون دولار لشراء معدات عسكرية رديفة لطائرات ف – 16 التي سبق أن تعاقدت البحرين على شرائها في صيف 2018 بقيمة ثلاثة مليار وثمانمائة مليون دولار. لا تبدو قيمة المشتريات العسكرية البحرينية كبيرةً عند مقارنتها بمئات المليارات التي تبلغها قيمة العقود العسكرية الأمريكية مع الدول الخليجية الأخرى. إلا إن البحرين ليست كشقيقاتها الخليجيات. فهي أصغر منهن جميعاً من حيث المساحة والتركيبة السكانية والبنى التحتية والقدرات المالية

يبدو جنونياً هدر السلطات البحرينية لموارد البلاد بالإضافة إلى الأموال التي تستدينها في محاولة محكوم عليها بالفشل لإنتزاع دور لها في الميزان العسكري الخليجي. فعدد أفراد القوات العسكرية في البحرين يقل عن العشرين ألف عنصر أغلبهم من المجندين من مواطني دول أخرى عربية وغير عربية. وهي تعاني مثل غيرها من القوات العسكرية الخليجية من معيقات استيعاب التقنية المتقدمة في أغلب منظومات الأسلحة التي تشتريها. وهو أمرٌ شاهدنا أمثلةً كثيرة على عواقبه المدمرة في حرب اليمن.

 ويتأكد جنون الهدر بالتذكير بأن البحرين تعاني من أزمة مالية تفاقمت أعراضها في السنوات الأخيرة ووضعتها على شفا الإفلاس. فبسبب الخشية من تداعيات إعلان إفلاس البحرين، تدخلت كلٌ من الكويت والسعودية والإمارات لتقديم حزمة دعم مالي بقيمة عشرة مليار دولار. وفرضت الدول الثلاث لتقديم دعمها المالي أن تُشرف على إنفاقه وأن تلتزم البحرين بتنفيذ إجراءات مالية تحد من الإنفاق الحكومي، وتلغي الدعم الحكومي على كثير من المواد والخدمات، بهدف إعادة التوازن في ميزانية الدولة. لسوء حظ البحرين أضاع النظام السياسي فيها الفرص التي كان يمكن لحزمة الدعم الخليجي توفيرها. فبدلاً من ترميم الوضع الاقتصادي وتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية، اتجهت السلطات في البحرين إلى هدر مواردها على تكديس الأسلحة إرضاء لغرورملكٍ يأمل في أن ينتزع لنظامه دوراً سياسياً وعسكرياً يفوق إمكانياته وقدراته

———-.

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ   8/6/2019

 

/

 

 

.

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

تتصرف البحرين كما لو كانت دولة كبرى في منطقة الخليج العربي، وهي استكملت – أوهي على وشك استكمال – الإستعدادات التي تتطلبها الحرب مع إيران

 

 

المقاال  منشور في السفير العربي بتاريخ 8/6/2019

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

 

الحيرة بين نزع الجنسية وتثبيتها في البحرين

.

في 16 نيسان/ أبريل 2019، أصدرت المحكمة الكبرى الجنائية في البحرين أحكاما قاسية تضمنت الحكم بتجريد 138 متهماً من جنسيتهم البحرينية. وبتلك الأحكام وصل عدد من جردتهم السلطات البحرينية من الجنسية إلى أكثر من 950 شخصاً. ويستن معظم هذه الأحكام إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

في 21 نيسان/ أبريل، أي بعد أقل من أسبوع من صدور ذلك الحكم، قرر ملك البحرين إلغاءه وإلغاء عدد آخر من أحكام مماثلة أصدرتها المحاكم في السنوات الست الأخيرة. يومها فوجئ الناس بما نقلته وكالة أنباء البحرين عن إن الملك أصدر أمراً بـ”تثبيت جنسية 551 محكوماً ممن صدرت بحقهم أحكاما بإسقاط الجنسية”. وفي هذا القرار أيضاً إستند الملك إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

خمسة أيام حافلة

حفلت الأيام الخمسة الفاصلة بين الحكم بتجريد مواطنين من جنسيتهم البحرينية ويوم الإعلان عن إعادة الجنسية لهم بالبيانات والتصريحات والأنشطة. فمن جهة تتالت بيانات الإستنكار التي أصدرتها المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، وكان في المقدمة منها المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة التي أشارت إلى أن المحاكمات في البحرين “لم تحقق المعايير الدولية للمحاكمة العادلة”. بينما شددت منظمة “العفو الدولية” على أن تلك المحاكمات “تستهزئ بالعدالة، وتؤكد وجود نمط يثير القلق من أحكام الإدانة إثر محاكمات جماعية جائرة في البحرين”. ومن جهة أخرى تداول الناس في البلاد وخارجها تفاصيل المهازل القضائية التي تتكرر في المحاكمات الجماعية في البحرين، حيث يمكن للقاضي أن يصدر في جلسة واحدة أحكاماً قاسية، بما فيها الحكم بالإعدام أو بالسجن المؤبد، إستناداً إلى أدلة مشكوك فيها أو إلى إعترافات تمّ إنتزاعها تحت التعذيب، وفي الغالب بعد فترات طويلة من الإعتقال والتعريض للمعاملة الحاطّة بالكرامة.

عددٌ قليل في قائمة المجردين من جنسيتهم تم تجريدهم بقرارات إدارية صدرت في 2012، في مخالفة صريحة لقانون الجنسية في البحرين. أما غالبية تلك القرارات فاستندت الى قانون 2006 ذاك. وهو تبنى تعريفاً فضفاضاً للإرهاب، مما يسهل تطبيقه على كل نشاط معارض حتى في حال لم يتجاوز ذلك النشاط حدود إنتقاد قرار سياسي أو المطالبة بوقف أنشطة أو تغييرها، تقوم بها جهات حكومية أو أحد أفراد العائلة الحاكمة. فما يدخل عادة في الدول الديمقراطية ضمن أطر ممارسة الحريات والحقوق العامة، بما فيها حرية التعبير عن الرأي والحق في التجمع السلمي، إعتبره القانون البحريني إرهاباً. وبمتابعة أحكام التجريد من الجنسية الصادرة منذ 2013 وحتى الآن، يمكن ملاحظة إن من يتم تجريدهم من جنسيتهم هم من مواليد البحرين لوالدَين بحرينيين. بل إن فيهم، كما تبيَّن من المحاكمة الجماعية الأخيرة وما سبقها، عددٌ من صغار السن ممن أدينوا بالمشاركة في تجمهر إحتجاجي.

لماذا ألغى الملك أحكام قُضاته؟

سرت شائعات متناقضة في أجواء الإبتهاج التي عمت البحرين حين صدر الإعلان عن الإلغاء الجزئي لأحكام التجريد من الجنسية. بعض الشائعات بالغ في إعتبار قرار الملك رضوخاً لضغط خارجي وبعضها بالغ في التفاؤل بالتلميح إلى إنفراجة أمنية قريبة.

على الرغم من أهمية بيانات الإستنكار التي صدرت عن مؤسسات دولية معتبَرة، وعلى الرغم من أهمية الأنشطة المحلية والخارجية التي عبرت عن إستهجان واسع لأحكام التجريد من الجنسية، فلا يمكن المبالغة في تقدير تأثيرهما على قرار ملك البحرين بالتراجع الجزئي عن تلك الأحكام. فملك البحرين يستند على دعمٍ سياسي وأمني ومالي غير مسبوق من السعودية ومن الإمارات، بما يضمن له إستمرار دعم الولايات المتحدة الأمريكية لنظامه. وبسبب ذلك فهو لا يرى نفسه في حاجة لإرضاء أي طرفٍ خارجي، سوى هذه الدول الثلاث التي ليس من أولوياتها حماية حقوق الإنسان

ومن جهة أخرى لا يرى الملك نفسه مضطراً لإسترضاء أي طرف داخلي والمبادرة بإنفراجة أمنية. فلقد أدت مختلف إجراءات القمع المتواصلة منذ قمع إنتفاضة دوار اللؤلؤة، في ربيع 2011، إلى إستنزاف قوى المعارضة التي يقبع أغلب قادتها في السجن أو في المنفى. كما سهّل القمع عودة الروح للعلاقات التقليدية بين العائلة الحاكمة ووجهاء البلاد بمن فيهم رجال الدين. بل أخذت تلك العلاقات تستعيد شيئاً فشيئاً أبرز مظاهرها التقليدية. فهي تضمن للملك وعائلته إستمرار إستحواذهم على موارد البلاد وأدوات إدارة الدولة، كما تضمن للوجهاء مصالحهم وتعطيهم دوراً سياسياً وهيبة إجتماعية ضمن الحدود المعترف بها لوجهاء كل تعاضدية طائفية أو مناطقية. وعلى الرغم من عدم التكافؤ بين العائلة الحاكمة والوجهاء، إلا إن علاقتهما ضمنت في السابق مصالح الطرفين وفي مواجهة التحدي الذي تمثله قوى المعارضة الوطنية.

ملك البحرين: أنا الدولة

يتساءل كثيرون عن هدف الملك من قراره بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدورها. لقد كان بإمكانه، مثلاً، أن يفسح المجال لمجلس النواب مباشرة أو عبر المحكمة الدستورية، إلغاء القوانين القمعية بما فيها قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته. إلا إن الملك إختار طريق “المكرمة الملكية” كي يستعيد مواطنون جردتهم سلطته من جنسيتهم بقانونٍ مجحف يخالف أحد أبسط الحقوق التي تنص عليها وثيقة حقوق الإنسان، أي الحق في الجنسية. قرار الملك بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدور تلك الأحكام هو تأكيد على إن الإرادة الملكية فوق كل قانون. فالملك هو الدولة وإرادته هي قوانينها.

 

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 5/5/2019

 

الحيرة بين نزع الجنسية وتثبيتها في البحرين

 

 

زوجة ملك البحرين وتمكين نساء العالم

قبل أيام، وفي سياق اجتماع “لجنة أوضاع المرأة” في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، عُقد احتفال لتوزيع “جائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لتمكين المرأة” التي تبلغ قيمتها 400 ألف دولار أميركي وتنقسم إلى أربع فئات. أعلنت لجنة التحكيم عن الفائزين الأربعة وهم: شرطة أبو ظبي (عن فئة القطاع الحكومي)، وشركة نيبالية (عن فئة القطاع الخاص)، وجمعية تنموية كينية (عن فئة المجتمع المدني) وإحدى الناشطات في الهند (عن فئة الأفراد).

جهود “مملكة البحرين في نشر ثقافة تمكين المرأة على المستوى العالمي”

في رسالتها إلى حفل التوزيع ذكرت الأميرة سبيكة إن رسالة الجائزة “هي خلاصة فكرية ومعرفية لخبرتنا الوطنية في مجال تمكين المرأة ومتابعة تقدمها في مملكة البحرين ]تضعها[ تحت تصرف المجتمع الدولي من خلال هيئة الأمم المتحدة للمرأة”.

لم تنقطع طيلة الأيام الماضية إشادات الإعلام الرسمي بجائزة الأميرة. في تلك الإشادات الكثير من المبالغة. إلا إن المبالغة أمر لا مفر منه حين يتناول الإعلام الرسمي أخبار ما يفعله المسئولون في البحرين وخاصة في حال كان المسئول أحد أبناء أو بنات العائلة الحاكمة. فلا يقرأ الناس خبراً عن تخريج أحدهم/إحداهن من مدرسة أو جامعة إلا وأن يكون في الخبر إشارة إلى “درجة امتياز أو “مرتبة الشرف”. ولا يدخل أحدهم/إحداهن سباقاً إلا وكان الأول على الجميع أو على الأقل “الأول في فئته”. ولم يشذ الاحتفاء بجائزة الأميرة عن السلوك المعتاد للإعلام الرسمي. فهو يكرر في مختلف قنواته إن “جائزة الأميرة سبيكة هي إسهام منها ومن البحرين بتمكين نساء العالم”ا

لم تُشر التقارير الإعلامية إلى مدى تجاوب الحاضرين والحاضرات في حفل التوزيع مع مبادرة الأميرة بوضع خلاصة خبرات مملكة البحرين في مجال تمكين المرأة تحت تصرف المجتمع الدولي. إلا إن بعضهم على الأقل يعرف إن ذلك لن يكون سهلاً، فمعيقات تمكين المرأة في البحرين ما تزال كبيرة وعصيِّة. فحسب “المؤشر العالمي للفجوة الجندرية” لعام 2018 تحتل البحرين مرتبة متدنية (المرتبة 132 من بين 149 دولة) وهي مرتبة أدنى مما كانت عليه البحرين في 2006 (المرتبة 102). أما فيما يتعلق بالتمكين السياسي فإن المؤشر يضع البحرين في المرتبة 143 وهي أدنى أيضاً مما كانت عليه في 2006 (المرتبة 110).

ما زال الطريق طويلاً أمام البحرين كي تصبح منارة لتمكين المرأة في مختلف أرجاء العالم. بل ما زال الطريق طويلاً أمام تمكين المرأة في البحرين. فالبطالة أكثر انتشاراً بين النساء. ومعيقات مشاركتهن في سوق العمل تحصر نسبتهن في حدود 39 في المئة من إجمالي المواطنين العاملين. وفوق ذلك فإن المرأة البحرينية رغم حصولها على حق الانتخاب والتصويت، ما تزال تعاني من تأثير عوامل سياسية وثقافية وبنيوية تنتقص حقوقها كمواطنة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع أن تعطي جنسيتها لأطفالها. من جهة أخرى، يشير تقرير منشور في موقع “المجلس الأعلى للمرأة” (استناداً إلى بيانات “الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي” لعام 2016) إلى ثبات الفجوة في الأجور بين الجنسين وتصاعدها. إذ يقل متوسط الأجر الشهري للمواطنة العاملة في القطاع الخاص عن أجر المواطن في جميع الفئات العمرية. ففي الفئة العمرية ما بين 20-39 سنة تحصل المرأة على 83 في المئة من أجر الرجل. وفي الفئة العمرية 40-59 سنة ينخفض الأجر الذي تحصل عليه المرأة إلى 44 في المئة من أجر الرجل.

الدور التزييني للسيدة الأولى في أنظمة القمع

تندرج هذه الجائزة تحت مسمى “الدور التزييني (أو “الدور الرمزي” كما تسميه الباحثة جين كينينمونت) الذي يتمثل في قيام زوجات الملوك والرؤساء والشيوخ بما يمكنهن من أنشطة من أجل أنْسَنَة أزواجهن الطغاة وتلميع أنظمة حكمهم. وللقيام بهذا الدور التزييني قد تحتاج زوجة الطاغية إلى مشروعٍ خيري أو مؤسسة وطنية أو نشاط فني أو رياضي يجتذب الاهتمام الإعلامي الإيجابي.

لتسهيل قيام زوجته بدورها التزييني، قرر الملك أن يؤسس “المجلس الأعلى للمرأة” وأن يوليها رئاسته. إلا إن تشكيل المجلس الأعلى لم يكن عبثاً. فلقد جاء ضمن سلسلة من جهود بذلتها السلطة لاحتواء مكونات المجتمع المدني بما فيها الجمعيات النسائية وجمعيات حقوق الإنسان.

رغم صلاحيات المجلس الأعلى الواسعة وتخويله “إبداء الرأي والبت في الأمور المرتبطة بمركز المرأة بصفة مباشرة أو غير مباشرة” إلا إن تأثيره السياسي محدود. فهو لم يستطع أن يتخلص من تبعات إنه مؤسسة تابعة للديوان الملكي تتعاطى مع الناس بفوقية وبريبة أمنية. وهو يركز، كغيره من المؤسسات الرسمية، على أنشطة التباهي التي يحيطها – مهما صغرت – ببهرجة إعلامية

يشكل تكليف الأميرة سبيكة بهذا الدور خطوة غير مسبوقة حتمتها الظروف المعقدة التي رافقت تولي حمد مقاليد الحكم. فتقليداً لا تلعب نساء العائلة الحاكمة دوراً سياسياً معلناً ومعترفاً به. فهن غير ممثلات في مجلس العائلة الخليفية الذي ينظم شئونها ويفصل في نزاعاتها بعيداً عن أجهزة الدولة، وفي الغالب بدون ضجيج. لا يعني حرمان نساء العائلة الحاكمة من عضوية مجلس العائلة إنهن لا يمارسن بطرق غير مباشرة أدواراً سياسية فيه، وخارجه، عبر أزواجهن أو أولادهن أو عبر آخرين. ففي القصص المتداولة والتي لا يمكن التحقق منها نجد أخباراً عمّا قامت به هذه أو تلك من نساء العائلة لدعم فريق ضد آخر

الأميرة في مواجهة المعارضة

كانت المهمة التزينية الأولى التي اضطلعت بها الأميرة سبيكة هي المشاركة في مواجهة جهود المعارضة التي دعت لرفض دستور 2002 ومقاطعة الانتخابات التي دعا الملك لها. جنّد الملك لتلك المواجهة جميع أجهزة السلطة ورموزها وأدواتها. وكانت زوجته إحدى تلك الأدوات الي استخدمها للتواصل مع النساء اللواتي منحهن الدستور الملكي الجديد حق الانتخاب والترشيح.

بصفاتها المتعددة (زوجة الأمير وأم ولي العهد ورئيسة للمجلس الأعلى) قامت الأميرة سبيكة بصحبة حاشية معتبرة بزيارات للنساء في منازلهن. وبتلك الصفات المتعددة أيضاً فُتحت للأميرة أبواب حسينيات ومساجد في الأحياء الشعبية لتلتقي بحشود من النساء اللواتي لم يلتقِ بعضهن قبلها بفرد من العائلة الحاكمة

كانت تلك أول مرة يتجه مسئولٌ بحريني لمخاطبة النساء باعتبارهن مواطنات لهن حيثياتهن وليس باعتبارهن توابع لأقربائهن من الذكور. وها هي زوجة الأمير وأم ولي العهد تتحدث معهم بل تناشدهم أن يمنحن زوجها ثقتهن وأن يشاركن في الانتخابات لإنجاح مشروعه السياسي. وحسبما تمّ تناقله فيما بعد، شاركت الحاضرات في “حوار مفتوح من القلب إلى القلب”، فناقشن التمييز بين المرأة والرجل والتمييز الطائفي. (الوسط 15/10/2002).

لم تفلح جهود الأميرة سبيكة في رفع نسبة المشاركة في انتخابات 2002. إلا إنها نجحت في أن تترك إنطباعاً بأنها ليست كغيرها من أفراد عائلتها. فلقد استمعت النساء اللواتي حضرن لقاءاتها في البيوت والحسينيات إلى كلامٍ لم يعهدنه. فعامة الناس، بغض النظر عن خلفياتهم الطائفية والطبقية، لم يتعودوا على سماع أحدٍ من العائلة الحاكمة يخاطبهم إلا آمراً أو ناهراً أو زاجراً.

التزيين في الخارج لإبهار الداخل

لم تكرر الأميرة سبيكة زيارة الأحياء الشعبية واكتفت كغيرها من أفراد العائلة بحاشيتها من نساء النخبة متعددة الطوائف. ثم جاءت انتفاضة دوار اللؤلؤة وسقط فيها شهداء وضحايا ولم تتحرك الأميرة ولا مجلسها. بل صمتت هي ومجلسها حتى بعد أن دخلت القوات السعودية والإماراتية إلى البحرين في 15 آذار/ مارس 2011 وبعد أن فرض زوجها حالة الطوارئ وحاصرت قواته الأحياء والقرى نفسها التي تأثرت نساؤها بأحاديث الأميرة عن المواطنة المتساوية وعن نبذ الطائفية. بل هي لم تتحرك حتى لمواساة من فقد منهن زوجاً أو ابناً أو ابنةً. بدلاً من ذلك قررت أن تستمع لنصيحة صديقتها سوزان مبارك، زوجة الرئيس المصري الأسبق، “التي شجعتني”، كما ذكرت في مقابلة صحافية (الحياة 11/12/2004)، “على الخروج من البحرين وأقنعتني بأهمية ذلك للمرأة البحرينية”ا

 

مقالة منشورة في السفير العربي بتاريخ 2019-03-18

 

http://assafirarabi.com/ar/24887/2019/03/18/%d8%b2%d9%88%d8%ac%d8%a9-%d9%85%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%aa%d9%85%d9%83%d9%8a%d9%86-%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85/.

.

 

شيئٌ من تاريخنا: قبل أربع وأربعين سنة في بيروت

في مثل هذه الأيام  قبل أربع وأربعين سنة إجتمع في بيروت ممثلو الأحزاب الشيوعية والعمالية العربية. وكان من بين المشاركين لأول مرة ممثلُ جبهة التحرير الوطني البحرانية. في ختام ذلك الإجتماع نُشِربيان الأحزاب الشيوعية والعمالية العربية حول الأوضاع الراهنة” (الاخبار، العدد ١٠٧٩/١١٣ بتاريخ 5/4/1975) ا

كان ذلك الإجتماع حدثاً مهماً في تاريخ جبهة التحريرالوطني البحرانية. فرغم مرور ما يقرب من عشرين سنة على تأسيسها، ورغم إن علاقات رفاقية، بهذا القدرأو ذاك، تربطها بأحزاب شيوعية عربية أخرى  وخاصة الحزبيْن العراقي واللبناني إلا إنها بقيت غير منتظمة ويغلب عليها الطابع الشخصي وخارج الأطر الجماعية للأحزاب الشيوعية العربية

دشَّنت مشاركة الجبهة  في  إجتماع بيروت مشاركاتها التلية في جميع اللقاءات الدورية التي عقدتها فيما بعد الأحزاب الشيوعية العربية.  فلقد كانت تلك المشاركة مثابة إعتراف جماعي بدور الجبهة ونضالها كفصيل شيوعي عربي.  ففي ربيع 1975 كان يحق لجبهة التحرير الوطني البحرانية أن تفاخر بأنها الفصيل الشيوعي الوحيد في المنطقة العربية الذي لديه منذ السابع من ديسمبر/كانون أول 1973 أعضاء منتخبون ضمن كتلة نيابية ذات تأثير في برلمان بلادها وبأنها، أي الجبهة، تقود آنذاك حركة نقابية نشطة وواعدة

من جانب آخر، كانت لذلك الإجتماع في بيروت أهمية إضافية في تاريخ الجبهة. فلقد فتحإعترافالأحزاب الشيوعية العربية بالجبهة الطريق أمامها للتواصل مع  عدد كبير من الأحزاب المنضوية في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية، وفي مقدمة هذه الحركة الأحزاب الحاكمة في الإتحاد السوفياتي وبقية البلدان الإشتراكية.  

.سعت جهود التواصل في السنوات التالية إلى نقل علاقتها تلك الأحزاب والدول بالجبهة  من مستوى العلاقة بفصيلٍ من فصائل حركة التحرر الوطني إلى علاقة بحزب شيوعي شقيق. والفرق بين الإثنين شاسعٌ معنوياً ومادياً.  فعلاقات الأحزاب الحاكمة في الإتحاد السوفياتي وبلدان المنظومة الإشتراكية مع حركات التحرر الوطني تتولاها أساساً لجان التضامن الآسيوي الأفريقي ولجان الصداقة مع الشعوب.  بينما تتولى أجهزة الحزب الشيوعي نفسه إدارة العلاقة مع الأحزاب الشيوعية المعترف بها.  والفرق هائل بين صلاحيات لجان التضامن ولجان الصداقة وبين صلاحيات أجهزة الحزب الحاكم.

بعد إجتماع بيروت في أبريل/نيسان ١٩٧٥ بعشر سنوات وبفضل جهود الكثيرين من الرفاق والرفيقات وبدعم الأحزاب العربية الشقيقة  طيلة تلك السنوات  أصبحت جبهة التحريررسميافي منتصف الثمانينيات جزءً من الحركة الشيوعية العالمية. أي بعد أن إستوفت الإشتراطات المقررة.  وكان من بين تلك الإشتراطات أن يكون للتنظيم برنامج بمواصفات معينة ويتم إقراره في مؤتمر حزبي. ومن بينها أيضاً أن يعقد التنظيم مؤتمرات دورية تتولى إنتخاب الهيئات الحزبية بما فيها الأمين العام و واللجنة المركزية والمكتب السياسي . وهذه كلها وغيرها من الإشتراطات لم تستطع الجبهة إستكمالها حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.  لم يكن ممكناً ولا مطروحاً إختراع  أمين عام أو كتابة برنامج سياسي بالمستوى المطلوب وغير ذلك بيين ليلة وضحاها.  بل كان  ذلك كله يتطلب عملاً دؤوباً وصبورا ونقاشاً يربط المنفى بالوطن من جهة ويلتزم بالأعراف المعتمدة في الحركة الشيوعية العالمية  

وكانت من نتائج الإعتراف الرسمي بالجبهة كفصيل في الحركة الشيوعية العالمية هو بدء العلاقة المباشرة مغ جميع الأحزاب الشيوعية الحاكمة وغير الحاكمة وكذلك العلاقة غير المباشرة بها عن طريق إعتماد مندوب للجبهة في هيئة تحرير مجلة قضايا السلم والإشتراكيةالتي مقرها في براغ (تشيكوسلوفاكيا آنذاك) ا“. 

و في ذات الفترة الزمنية وعلى المستوى الداخلي، وهو الأهم لأي تنظيم سياسي، فلقد أدت الضربات الأمنية  القاسية والمتتالية التي تعرضت لها خلايا الجبهة في البحرين إلى جمود العمل التنظيمي بل وإلى تخلي قياديين وكوادر أساسية في الجبهة عن مواقعهم ومسئولياتهم.  ساهم ذلك في الكارثة التنظيمية التي حلَّت بالجبهة في صيف 1986 وكان أحد أكثر علاماتها إيلاماً هو إستشهاد الرفيق الدكتور هاشم إسماعيل العلوي (وهذا موضوع له تشعبات لا بدّ من مناقشتها بروية في مناسبة أخرى). أما فيما يتعلق بعضوية مندوب الجبهة في هيئة تحرير مجلةقضايا السلم والإشتراكيةفي براغ فهي لم تدم طويلاً بل جرفها التسونامي التاريخي الذي سبّبه إنهيار الإتحاد السوفياتي

بيروت 5/4/2019

 

حصيلة عشرين سنة من خديعة الإصلاح في البحرين: سنوات التكاذب 2 – 2

في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2002 وفي ظل الدسـتور الملكي الجديد جرت أولى الانتخابات البرلمانية في البلاد منذ حلّ برلمان 1973. وفي مخالفة صريحة لرأي أعيان البلاد بمن فيهم رجال دين من ذوي النفوذ الشعبي دعت تنظيمات معارضة، وفي مقدمتها جمعية “الوفاق” الوطني الإسلامية الشيعية وجمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد” اليسارية، إلى مقاطعة تلك الانتخابات. في مقابل ذلك بذلت السلطة جهوداً كبيرة لإفشال حملة المقاطعة. شملت تلك الجهود تهديد المقاطعين بحرمانهم من خدمات الدولة كما شملت قيام الديوان الملكي بتمويل الحملات الانتخابية لعدد من المرشحين بمن فيهم بعض المحسوبين على أحد التنظيمات اليسارية. رغم تلك الجهود فقد أدت حملة المقاطعة إلى تدني نسـبة التصويت في الانتخابات البرلمانية إلى 4 ,53 %. وهي نسبة باهتةٌ جداً إذا ما قورنت بنسـبة المشـاركة التي فاقت التسعين في المائة أثناء الاسـتفتاء على ميثاق العمل الوطني قبل ثمانية عشر شــهراً. لقد عَكَس تدني نسبة المشاركة في انتخابات 2002 أيضاً خيبة الأمل في نفوس المواطنين من تراجع حمد عن وعوده الإصلاحية كما عكس قوة وحدة موقف تنظيمات المعارضة الرافض للدستور الملكي. ونتيجة لرفض تلك التنظيمات تقديم مرشحين لتلك الانتخابات جاءت تركيبة المجلس النيابي دون المستوى المطلوب. فلم ينجح برلمان 2002، رغم الترويج الإعلامي له محلياً وخارجياً، في إعطاء “مملكة حمد الدستورية” واجهة برلمانية ذات مصداقية. من جهتها أدت القيود الدستورية والقانونية المفروضة على البرلمان إلى الحد من سلطاته وحصر مداولاته في الشكليات. وقد أدى هذا إلى تعزيز الخطاب المعارض الذي يلخصه ما قاله القائد الوطني المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري، أبرز قادة انتفاضة التسعينات، قبل إعلانه اعتزال العمل السياسي: “ليس هذا هو البرلمان الذي ناضلنا من أجله”. رغم القوانين المقيّدة لأنشطتها، استمرت تنظيمات المعارضة في تنظيم مختلف الأنشطة الموازية في الداخل والخارج للتعبير عن رفضها للدستور الجديد وما يتولد عنه. وقتها تزايدت المؤشرات على قوة تماسك تحالف المعارضة واتفاقها على أهمية الحفاظ على ذلك التماسك وتأكيد إجماعها على رفض الدستور الملكي وما يتولد عنه. وبذلك الإصرار على رفض الدستور الملكي كانت تنظيمات المعارضة تحرم الملك من المباهاة الإعلامية بمملكته الدستورية. وفي نفس الوقت كان تماسك موقف المعارضة يدفع القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إلى تفعيل دوريهما الضاغط بهدف التوصل إلى تفاهمات مرضية لكل الطراف في البحرين.

في تلك الفترة كثفت المعارضة أنشطتها التي شملت تنظيم المسيرات والاجتماعات الجماهيرية والندوات وإرسال الوفود إلى الخارج. وفي المقابل استمرت جهود الملك، وحلفاؤه في الداخل والخارج، لمحاصرة تنظيمات المعارضة ولإقناعها، وبخاصة جمعية “الوفاق”، وهي أكبر تلك التنظيمات، بإعادة النظر في موقفها الرافض لدستور 2002 والتخلي عن مقاطعتها للمشاركة في اللعبة البرلمانية. شملت تلك الجهود عدداً كبيراً من الإجراءات الحكومية التي تزامنت مع تشديد قبضة الأجهزة الأمنية. من بين أهم تلك الإجراءات كان إصدار عدد من المراسيم والقوانين بما فيها قانون الجمعيات السياسية ومشروع قانون أحكام الأسرة (الأحوال الشخصية). أسهمت تلك الإجراءات، بالإضافة إلى تقديم الملك شخصياً عدداً من الوعود التطمينية، في خلخلة موقف تنظيمات المعارضة الرافض لدستور 2002.

وشيئاً فشيئاً تمكن الملك، ومصادر الضغط الأخرى، من إحداث انشقاقات جدية وعميقة داخل تلك التنظيمات المعارضة وفيما بينها. فلكي تتحاشى منعها من ممارسة نشاطها السياسي علناً ولمنع تصفيتها بقوة القانون الجديد قبلت قيادات أغلب تنظيمات المعارضة بشروط القانون الجديد وقامت بتقديم طلبات تسجيلها إلى وزارة العدل. وكان أول تلك الشروط هو القبول بدستور 2002. من جهة ثانية أسهمت التفاهمات غير المعلنة بين الملك وكبار رجال الدين الشيعة إلى حل أرضى الطرفيْن وأنهى الأزمة المحتدّة بينهما عبر إعفاء الشيعة في البحرين من تطبيق قانون الأحكام الأسرية.

أعطت تلك التفاهمات زخماً إضافياً لرافعي شعار “السياسة فن الممكن” للتشديد على أهمية التواصل الإيجابي مع الملك والعائلة الحاكمة بحيث “يؤكلُ العنبُ دون أن يُقتل الناطور”. وقتها راج الحديث عن الغطاء الشرعي لقرار تنظيمات المعارضة حول المشاركة في البرلمان التي ستمهد الطريق إلى مرحلة المشاركة في إدارة الدولة. في ظل أجواء التفاؤل السائدة آنذاك لم يكن مجدياً التذكير بتفاهمات شبيهة مهدت في 1974 إلى إعلان مرسوم أمن الدولة الذي وضع البحرين تحت طغيانه لأكثر من ثمانية وعشرين سنة. بل ازداد تأثير الخطاب المتفائل عشية انتخابات 2006 بحيث راج الحديث في أوساط التنظيمات المرَّخصة وعلى ألسنة عناصر قيادية فيها عن قرب إزاحة هذا المسئول أو ذاك من كبار العائلة الخليفية الحاكمة من مناصبهم.

بذلك الطموح المشروع أصبح كثيرون من قادة المعارضة المعروفين بتواضعهم وبتضحياتهم وبتاريخهـم الوطني، غير قادريـن على رؤية ما يحـدث بالفعل على أرض الواقـع. وهو أن “المشروع الإصلاحي” ـــ حسبما يراه الملك ـــ لم يكن هدفه تحويل البحرين إلى مملكة دستورية ديمقراطية كما يروِّج الإعلام الرسمي. بل كان هدفه إعادة صياغة علاقة العائلة الحاكمة بالتعاضديات الطائفية والقبلية والمناطقية التي ضمنت استقرار الحكم منذ أن صادق البريطانيون على القواعد العامة لتنظيم تلك العلاقة. ولم يبق خارج التفاهمات القائمة سوى عدد قليل من الشخصيات القيادية في المعارضة وشبكات النشطاء غير المعلنة. أصرّ هؤلاء على رفض دستور 2002 وما يتولد عنه بما في ذلك قانون الجمعيات السياسية. وبهذا “الانشقاق” ظهر خطٌ فاصل بين “المعارضة المرّخصة” و”المعارضة غير المرّخصة”. ـــ لم يكن هدف المشروع الإصلاحي تحويل البحرين إلى مملكة دستورية بل إعادة صياغة علاقة العائلة الحاكمة بالتعاضديات الطائفية والقبلية (ع.خ) في البداية تمثلت المعارضة غير المرّخصة بـ “تيار الوفاء الإسلامي” بقيادة الأستاذ عبدالوهاب حسين و”حركة الحريات و الديمقراطية – حق” بقيادة الأستاذ حسن مشيمع. (يقضي الرجلان الآن أحكاماً بالسجن المؤبد. وللرجليْن وكثير من رفاقهما تاريخ نضالي تعرضوا فيه للسجن لفترات طويلة ومتكررة. علاوة على ذلك فللأستاذيْن مكانة دينية وشعبية معتبرة بين مختلف الفئات بمن فيهم مناصرو “جمعية الوفاق” وغيرها من الجمعيات المعارضة المرّخصة).

في خضم السجالات السياسية اللاحقة سيتحول الخط الفاصل بين الجمعيات المرّخصة وغير المرّخصة إلى خطٍ يفصل بين “تيار المسايرة” و”تيار الممانعة”. أسهمت تلك السجالات، رغم احتدادها في أحيان كثيرة، في تنويع الخطاب السياسي وفي توسيع المجال العام. كما طرحت بدون مواربة تساؤلات حول دور الأغطية الشرعية التي يمكن لكل طرفٍ سياسي الاحتماء بها. في البداية وبسبب صغرهما لم يتوقع أحدٌ أن يؤثر بروز حركة “حق” وتيار “الوفاء” على ميزان القوى في البلاد. فعدا قادة هذيْن وجمهورهما، بدت جميع الأطراف الفاعلة راضية بما تحقق من تفاهمات وما أدت إليه من نتائج. فلقد حقق كلٌ من الملك ورجال الدين وتنظيمات المعارضة المرّخصة مكاسباً تعطي لكلٍ طرفٍ منهم ما يكفي لتطمين جمهوره وإقناعه بأهمية استمرار التعاون القائم فيما بينهم. نعم، لم تؤد تلك التفاهمات إلى إقناع الملك ومن حوله بالالتزام بنصوص ميثاق العمل الوطني. ولكنها مهدت للتخفيف من حدة الاحتقان في البلاد. الطريق إلى دوار اللؤلؤة في أكتوبر/ تشرين الأول 2006 تم إجراء انتخابات نيابية وبلدية شاركت فيها جميع التنظيمات السياسية المرّخصة (أي التي التزمت بدستور 2002 وسُجلت طبقاً للقانون لدى وزارة العدل). حققت جمعية “الوفاق” نجاحاً ملحوظاً سواء من حيث عدد الأصوات التي حصلت عليها قائمتاها الانتخابيتان أو من حيث عدد ممثليها في البرلمان الذين شكلوا أكبر كتلة نيابية في مجلس 2006 وفي المجالس البلدية. وتكررت إنجازات “الوفاق” في انتخابات 2010 النيابية والبلدية. أما تنظيمات المعارضة المرّخصة الأخرى فلم تنجح في إيصال أيٍ من مرشحيها إلى البرلمان في أيٍ من الدورتيْن الانتخابيتيْن. ـــ عشية يوم الغضب نشأ تحالفٌ ظرفي بين مجموعات شبابية والتنظيمات السياسية غير المرخصة تمكن من فرض شعاراته (ع.خ) كانت كتلة “الوفاق” النيابية أكبر كتلة نيابية في برلمانيْ 2006 و2010، إلا إنها بقيت مكبلة بالقيود التي يفرضها دستور 2002 والمراسيم التي أصدرها الملكفي ذلك العام. إذ لا تتيح تلك المراسيم لأية كتلة نيابية مهما بلغت عدداً وجرأة أن تغيِّر حرفاً في نصٍ تشريعي مهما كان هامشياً إلا بموافقة أغلبية كلٍ من المجلس النيابي المنتخب ومجلس الشوري الذي يعينه الملك. وبعد ذلك يتطلب الأمر تصديق الملك نفسه على التغيير المقترح. ولهذا لم يستغرب كثيرون تلميحات متشائمة أطلقها الأمين العام لجمعية “الوفاق” الوطني الإسلامية ورئيس كتلتها النيابية النائب الشيخ علي سلمان (الذي يقضي الآن حكماً بالسجن المؤبد). فبعد أقل من سنة على انتخابه لعضوية البرلمان تحدث الشيخُ عن ندمه على ترشحه للمجلس النيابي وأثار احتمال انسحاب كتلته مجلس النواب. إلا إن تلك التلميحات، كما أوضح الشيخُ لاحقاً (9 أكتوبر/ تشرين الأول 2007) كان هدفها توصيل رسائل إلى أطراف عدّة هي “الحكومة لعدم تجاوبها وإلى القوى السياسية لعدم تعاونها وإلى بعض القطاعات الشعبية”. بذلت كتلة “الوفاق” النيابية جهوداً ملحوظة طيلة فترة نشاطها البرلماني. إلا إنها لم تتمكن من تجاوز حدود الدور المرسوم لها، ولا أن تتغلب على المعيقات الدستورية والقانونية التي تجعل البرلمان عاجزاً عن القيام بدوريه التشريعي والرقابي. لذلك كله ورغم حسن النوايا ورغم المحاولات الدؤوبة لم يكن بالإمكان منع أن يصبح برلمان 2006 واجهة تزيينية يباهي الملك بها كما كان يفعل سابقاً ببرلمان 2002، وكما سيفعل لاحقاً ببرلمان 2010. من جهتها لم تتوقف الأجهزة الأمنية عن وضع العراقيل أمام النشاط السياسي في المجال العام. فصدرت قرارات بمنع المواطنين، بمن فيهم النواب المنتخبين، من حضور “اجتماعات أو مؤتمرات أو ندوات في الخارج أو قيامهم ببحث الأوضاع والشؤون الداخلية المحلية مع ممثلي دول أو منظمات أو هيئات أجنبية” دون ترخيص مسبق. كما صدرت قرارات تمنع تنظيم التجمعات والمسيرات في المنامة عاصمة البلاد وأكثر مدنها كثافة سكانية. ولم تتوقف الأجهزة الأمنية عن ملاحقة النشطاء الحقوقيين والنقابيين، بمن فيهم أعضاء “الوفاق” وأنصارها. وهنا تكمن مفارقة صارخة. فمن جهة لم ينقطع التواصل بين الملك شخصياً أو ولي عهده أو عبر مسئولي الديوان وبين رجال الدين السنة والشيعة من ذوي النفوذ. بل وحافظ الملك على تعهده بإعفاء الطائفة الشيعية من تطبيق قانون الأحوال الشخصية. وفي المقابل لم يترك الملك للمشاركين في التجربة البرلمانية فرصة أن يراهم جمهورهم شركاءً في القرار السياسي. بلغ غرور القوة بالملك حداً جعله يرى أن من مصلحته إبراز أعضاء البرلمان المنتخبين، بمن فيهم المعارضين والموالين، عاجزين عن تمرير مشروع قانون أو مساءلة وزير. بل إن استخفاف الملك بممثلي المعارضة في المجلس النيابي وصل إلى درجة استخدامه بعضهم كأدوات لتمرير المكرمات الملكية إلى ناخبيهم. وبدلاً من أن يقدر الملك وأجهزته التضحية السياسية التي قدمتها تنظيمات المعارضة المرّخصة بتحولها من رفض دستور 2002 إلى الالتزام به والمشاركة في إقامة مؤسساته، عمل الملك على تهميشها ومحاصرة أنشطتها. لم تتوقف الأجهزة الأمنية عن منع التجمعات والمسيرات، وملاحقة نشطاء المعارضة، بمن فيهم نشطاء جمعية الوفاق، ولم تتوقف الجهود الحكومية لتغيير التركيبة السكانية في البحرين عن طريق التجنيس الجماعي، خاصة للأفراد المجندين من اليمن وباكستان وسوريا للخدمة في المؤسستَيْن الأمنية والعسكرية. من جهة ثانية، استمر الملك في استخدام أجهزة الدولة وأدواته البرلمانية والأمنية والقضائية لإحباط كل محاولات كتلة “الوفاق” البرلمانية تحقيق تقدم مهما كان شكلياً لإنجاز برنامجها البرلماني. في إطار تلك الأجواء تعمقت مشاعر الإحباط بين الناس، بمن فيهم أنصار وكوادر الوفاق وغيرها من تنظيمات المعارضة المرّخصة. فلم يعد ممكناً لهؤلاء المحاججة بأن المشاركة في البرلمان تحت القيود التي يفرضها الدستور الملكي ستؤدي إلى إرساء نظام برلماني سليم في البلاد. ناهيك عن الادعاء بأن إستمرار المشاركة سيضع البحرين على طريق التحول الديمقراطي وبناء الدولة الدستورية التي تحمي أبناءها وبناتها وتوفر لجميع مواطنيها أسباب الولاء لها. المفاصلة في دوار اللؤلؤة في الفترة بين 2005 و2011 شهدت البحرين تحركات متوازية وأحيانا متزامنة تنظمها المعارضة المرّخصة وغير المرّخصة. وبطبيعة الحال كانت هذه الأخيرة هي الأكثر تعرضاً لقمع أجهز الأمن بسبب الشعارات التي ترفعها والتي تعتبرها السلطة تحدياً لشرعيتها. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تحتضن التنظيمات السياسية والشبكات الحقوقية غير المعترف بها الدعوة إلى “يوم غضب وطني” في 14 فبراير/ شباط 2011. فهذه الجمعيات تكفلت وبدأبٍ منذ نشأتها بتأطير الأنشطة الاحتجاجية وتوفير الغطاء الحقوقي والسياسي لها. عشية يوم الغضب نشأ تحالفٌ ظرفي بين مجموعات شبابية وبين التنظيمات السياسية غير المرخصة، “حق” و”الوفاء”. تمكن ذلك التحالف من فرض شعاراته طيلة الفترة التي دامت فيها انتفاضة دوار اللؤلؤة. وفوق ذلك استطاع أن يجتذب إلى المشاركة فيها جمهور وقيادات الجمعيات السياسية المرخصة. وجاءت استقالة نواب “الوفاق” الثمانية عشر من المجلس النيابي إقراراً بفشل الخديعة السياسية التي دشّنها الملك في بداية عهده. في غضون الأسابيع الأربعة التي عاشتها انتفاضة دوار اللؤلؤة كسر الناس جدارَ الخوف و خيضت معركة تاريخية توحدت فيها صفوف أغلب أطياف المعارضة بمن فيها من كان سيكتفي بإصلاح النظام، ومن كان يصرّ على تغيير النظام جذرياً بتحويله إلى مملكة دستورية حديثة، ومن كان لا يرى مخرجاً إلا بالعودة إلى الحل الذي طرحته “هيئة الاتحاد الوطني” في منتصف القرن الماضي، أي إزالة نظام الحكم القبلي واستبداله بنظام جمهوري. في الطريق إلى دوار اللؤلؤة سقط الشهيدان علي مشيمع وفاضل المتروك برصاص قوات الأمن. يومها اهتزت البحرين، كل البحرين. لم يتصور الناس أن يطلق الملك أيدي أجهزة الأمن لتقتل متظاهرين عزّل اعتقدوا أنهم بهتافاتهم سيحركون ضمائر سلطة طاغية تجاهلتهم وهمشتهم وداست على كراماتهم طيلة عقود. تفاقمت الأمور بحلول الخميس الدامي 17 فبراير/ شباط الذي شهد سقوط أربعة شهداء وإصابة 250 جريح في دوار اللؤلؤة. بذلك العدد من الضحايا، شهداء وجرحى، انتشر الغضب من وحشية أجهزة الأمن ولم يجد الملكُ بداً من الخروج على أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة لتهدئة الناس. وسمّى الملك الشهداء شهداء لأول مرة في حياته. لكنه خرج مباشرة بعد ذلك إلى وزارة الداخلية وقوة الدفاع ليهنئ ضباط الوزارتيْن وجنودهم على أدائهم مهماتهم بنجاح وليؤكد لهم دعمه وامتنانه لما يقومون به لحفظ الأمن. شكل الخميس الدامي نهاية مأساوية لخديعة استمرت أكثر من اللازم. بل ما كان لها في الأصل أن تبدأ وتستمر. فلم تعد المسألة بعد الخميس الدامي مسألة يمكن تسويتها بتعديلات دستورية أو عبر مجادلات حول توسيع صلاحيات البرلمان أو جبر انتهاكات حقوق الإنسان. لقد تخطت السلطة، ملكاً وعائلة حاكمة وأجهزة، كل الحدود. ولم تعد القضية بالنسبة لكثيرين وأنا منهم، قضية إصلاحات في بنية السلطة بل تغييرها واستبدالها. ولهذا عبر كثيرون في وسط دوار اللؤلؤة عن اقتناعهم بأن ليس ثمة مخرج لخلاص البلاد وأهلها سوى إسقاط النظام. لم تصل أقسام هامة في صفوف المعارضة إلى ذلك الشعار، كما لم يتسنَ لكثيرين فرصٌ لدراسته واتخاذ موقف منه رفضاً أو تأييداً. فلقد دخلت القوات السعودية والإماراتية في منتصف مارس/ آذار 2011 بعد أن استنجد بها الملك وكبار أفراد عائلته ولم يعد للملك ولا لعائلته حاجة للاستمرار في خديعة الإصلاح. فهو يرى أنه بذلك التدخل العسكري وباستمرار الدعم السياسي والمالي من أشقائه حكام الخليج، قد استعاد البحرين غنيمة غزو كما كانت في عهد أبيه وبقية أسلافه منذ 1783.   

الجزء الثاني من مقال منشور في موقع  مرآة البحرين

http://bhmirror.ufcfan.org/news/52997.html

   

حصيلة عشرين سنة من خديعة الإصلاح في البحرين: البدايات 1- 2

في بداية فبراير/ شباط 2005 وبمناسبة ذكرى التصويت على ميثاق العمل الوطني نشر الإعلام الرسمي مقالاً حمل توقيع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة تحت عنوان “حلمت بوطن يحتضن كل أبنائه”. وفيه أشار إلى بعض تفاصيل سيرته الذاتية وتأثيرها في صياغة وعيه الوطني ورؤيته السياسية المتمثلة في مشروعه للإصلاح والتحديث الشامل. فمنذ طفولته، يقول الملك، كان يعي “كيف عمل الوجود الأجنبي على تقليص مقومات استقلال الوطن وكيف عمل باستمرار وعناد على إبعاد كبار القادة الذين تمسكوا بالاستقلال إلى خارج البلاد”. توقف الملك ليشير إلى إن إحساسه بألم الإبعاد عن الوطن يمتدّ لسنوات طفولته حين أدرك أن أمه التي وُلدت في المنفى في قطر “بعيداً عن الأسرة وشمل الأهل”. تلك الآلام التي تحملها ذكريات طفولته غرست في نفس الملك “البذرة القوية للنفور من إجراءات الإبعاد عن الوطن… ولهذا وعندما حانت لحظة القرار بتولينا المسئولية الأولى في البلاد كان من أول ما بادرنا إليه عودة جميع المبتعدين البحرينيين سياسيا إلى بلدهم وأهلهم أياً كانت الاعتبارات والملابسات السياسية والقانونية التي أدت إلى إبعادهم”. (8 فبراير/ شباط 2005) بعد سبع سنوات من نشر ذلك المقال تخلَّص الملكُ تماماً من ذكريات طفولته ومعاناة أمِّه التي زرع إبعادها عن البحرين في نفسه بذرة قوية للنفور من إجراءات الإبعاد عن الوطن. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 أصدر الملك أوامره بتجريد 31 مواطناً ومواطنة من جنسيتهم البحرينية. لم يوفر لأيٍ منهم فرصة معرفة مسببات ذلك القرار ناهيك عن تفنيدها. بجرّة قلم وفي انتهاك صارخ لشرعة حقوق الإنسان تحوّل أغلب من تمّ تجريدهم من جنسياتهم إلى فئة “بدون جنسية” سواءً أكانوا مقيمين في البحرين أو في خارجها. ولم تتوقف تلك الإجراءات حتى الآن. فمنذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 وحتى الآن تم تجريد أكثر من ثمانمائة وأربعين مواطنا ومواطنة من جنسيتهم البحرينية. وثمة مؤشرات على أن التجريد من الجنسية سيصبح “عقوبة اعتيادية”. ففي العام الماضي وحده 2018 بلغ عدد الذين جُرِّدوا من جنسيتهم البحرينية 298 مواطنا. لا تنحصر انتهاكات حقوق الإنسان في التجريد التعسفي من الجنسية. فمنذ أن تولى حمد مقاليد الحكم في 6 مارس/ آذار 1999 شهدت البحرين انتهاكات لحقوق الإنسان لم تشهد مثلها طيلة تلك العقود التي سبقته. فخلال ستة عقود سبقت عهده سقط برصاص أجهزة الأمن أو تحت التعذيب عدد أقل بكثير ممن قتلتهم أجهزة الأمن بالرصاص المطاطي أو الحي أو تحت التعذيب تحت راية المملكة الدستورية. بل إن من توفوا بسبب إطلاق أجهزة الأمن لقنابل الغاز المسيل للدموع منذ قمع انتفاضة اللؤلؤة في منتصف مارس/ آذار 2011 يفوق عدد الضحايا الذين سقطوا في البحرين طيلة 35 سنة تولى فيها السفاح البريطاني إيان هندرسون قيادة جهاز الأمن في البحرين. نعم، لم تتوقف انتهاكات حقوق الإنسان في عهود الهيمنة البريطانية؛ إلا إن محاكمها لم تحكم بالإعدام على معارض. بل لم تحكم بالإعدام أو بالسجن المؤبد حتى على القيادات الوطنية الذين اتهمتهم في 1956 بالتخطيط “للقيام بتفجيرات ولاغتيال الحاكم”. أما في العهد الملكي، عهد حمد، فلقد أصدرت محاكم البحرين في عامٍ واحد (2018) أحكاماً بإعدام 26 مواطناً. سجلُّ العهد الملكي هو سجلٌ أسود نحتاج لتوثيقه وحفظه ضمن ذاكرة الوطن ولمحاسبة الملك وجلاوزته على انتهاكاتهم لحقوق الإنسان. أسوأ ما في هذا السجل الأسود هو أن تفاصيله حدثت تحت راية “المشروع الإصلاحي”. بداية خديعة الإصلاح في السادس من مارس/ آذار 2000 وبمناسبة مرور سنة على تولي الشيخ حمد آل خليفة مقاليد الحكم في البحرين كتب القائد اليساري عبدالرحمن النعيمي مقالة تحت عنوان “رسالة إلى أمير البحرين في الذكرى الأولى لتوليه الحكم”. في ذلك المقال لاحظ الرفيق النعيمي أن العام مرَّ دون تحرك جدي نحو تحقيق انفراج سياسي؛ ولكنه تميز بكثرة الوعود وكثرة الدعاية وقليل من العمل وقليل من التنفيذ. ولهذا بدا الشـيخ حمد في السنة الأولى من عهده ولفترة بعدها حريصاً أبعد الحرص على نشر الوعود التي بدت متناقضة أحياناً لإرضاء الأطراف المختلفة. كان العام الأول عام التلميح بالإصلاح السياسي دون تحديد لماهية ذلك الإصلاح. فرغم صخب الضجيج الإعلامي المصاحب لها فإن إدارة حمد للحكم لم تأتِ بجديد في السنة الأولى. فلقد كان محكوماً بسبب ضآلة خبرته السياسية بأن يراوح في مكان أبيه وألا يتحرك إلا ضمن المساحة الضيقة التي يتيحها له عمُّه رئيس الوزراء. ولم يكن خافياً بأن حمد لم يكن مؤهلاً لتحدي عمّه وأنه لم يكن قادراً على تحجيمه بدون أن يجمع حوله قاعدة شعبية تدعم تحركاته. ولذلك كله ظلت خطوات الأمير الجديد طيلة عامه الأول محصورة ضمن المسار الذي سار عليه أبوه

رغم تهليل الإعلام الرسمي ومبالغاته حول نوايا الأمير الجديد الإصلاحية، تحاشى الأميرُ أن تؤدي أجواء التفاؤل التي عمّت البلاد إلى الاعتقاد بأنه على وشك القيام بتغيير جدي في طبيعة علاقة عائلته بالناس. بل هو حافظ حتى على شكليات تلك العلاقة وطقوسها كما عرفناها في عهد جده وأبيه بما في ذلك توزيع المكرمات الأميرية واللقاءات المنفردة مع ممثلي فئات المجتمع وأعيان البلاد بمن فيهم رجال دين من الطائفتين. إلا إن الأمير الجديد زاد على تركة جده وأبيه بأن أضاف ممثلي التيارات السياسية إلى قائمة لقاءاته المنفردة. لم يكن عبثاً عزوف حمد عن اللقاءات الجماعية بممثلي فئات المجتمع وتركيزه على اللقاءات المنفردة مع ممثلي كل فئة على حدة. فهذا هو جزء من الطقوس التي تكرست في الماضي وخاصة في عهد جدِّه وتمت رعايتها وبجهود مضنية بذلها بعد ذلك أبوه وعمّه لأكثر من خمسة عقود. أسهمت تلك الطقوس في الإبقاء على التشطير العمودي للمجتمع البحريني وفي منع قيام تعاون ســياســي واجتماعي طويل المدى بين التعـاضـديات الاجتماعية. فمن خلال التشطير ومن خلال تنافـس التعاضـديات الاجتماعية ومن خلال حرمانها من فرص التعاون فيما بينها، استطاعت السلطة الخليفية أن تحافظ على دورها المهيمن على المجتمع دون الانخراط فيه. كما استطاعت أن تؤسس لشرعية من نوع خاص تقوم على كونها الطرف الوحــيد القادر على التوســط ما بين التعـاضديات المتنافســة والتحكيم بينها لضمان ألا تتعدى مصـالح تعـاضدية بذاتها على مصالح تعاضـديات أخرى. ركّز حمد جهوده في عامه الأول على محاولات توطيد علاقته بالقوى المحلية والخارجية التي استندت إليها “شرعية” النظام الذي ورثه. على الصعيد المحلي كانت أولوية حمد هي تقديم ما يستطيع لطمأنة مخاوف قوتيْن محليتين أولهما عائلته، العائلة الخليفية، وأنصارها القبليين وثانيهما المؤسسة الدينية بفرعيها الشيعي والسني. فرغم قلة خبرته السياسية إلا إنه لم يكن يجهل أن سلطته تعتمد على دعم كلٍ من هاتين القوتيْن. فعبر عقود طويلة في ظل الهيمنة البريطانية، وبعدها، أسهمت هاتان القوتان في إنجاح جهود السلطة في إدامة تشطير المجتمع إلى تعاضديات متنافسة. كما كانتا أكثر المستفيدين من إدامة ذلك التشطير في مختلف أشكاله الطائفية أو القبلية أو المناطقية. زيادة في المخصصات فيما يتعلق بالعائلة الخليفية فلقد ركّز حمد على تقوية نفوذه ضمنها بزيادة المخصصات الشهرية المقررة لجميع أفراد العائلة حسب تراتبية محددة وكذلك عن طريق إعادة تشكيل مجلس العائلة الحاكمة وتعيين المقربين منه في عضوية المجلس. ولمجلس العائلة الذي تأسس في 1932 أهمية خاصة في ضبط العلاقة الرســمية بين الحاكم وبقية أفراد عائلته، كما يتولى تسوية النزاعات المدنية بين أفراد العائلة. وطبقاً لمرسوم أميري صدر في 1973 أصبح مجلس العائلة الخليفية جهازاً رسميا في الدولة يتولى الأمير/ الملك تعيين أعضائه كممثلين معترف بهم لمختلف فروع العائلة. يرأس المجلس أحد أفراد العائلة الخليفية برتبة وزير وله جهاز تنفيذي ومكاتب إدارية وموظفين متفرغين. وفيما يتعلق بالمؤسسة الدينية بشقيها الشيعي والسني فلم يكن لديها ما يدعو لقلقها على الامتيازات التي تتمتع بها بسبب قربها من العائلة الحاكمة وبسبب تخويلها الإشراف على الشؤون الدينية للطائفتين بما فيها تنظيم الأحوال الشخصية وقضايا الإرث عبر المحاكم الشرعية السنية والجعفرية علاوة على إدارة أملاك الأوقاف والإشراف على التعليم الديني وتشغيل رجال دين وغيرهم في المؤسسات الدينية المختلفة. رغم الأهمية الكبرى لتلك الإجراءت في توطيد حكم الأمير الجديد إلا إنها لم تؤثر على منع استمرار الأزمة السياسية/ الأمنية القائمة منذ اندلاع انتفاضة التسعينيات المطالبة بإعادة العمل بدستور 1973 ووقف انتهاك الحريات وحقوق الإنسان. كان على الأمير الجديد أن يجد مخرجاً مما سمّاه “عنق الزجاجة” التي وجد سلطته فيه. أعلن حمد إنه سيدشن عهداً جديداً “يقوم على ضمان الوحدة الوطنية والأمن الداخلي من خلال التكافل بين المواطنين البحرينيين بدون تمييز بغض النظر عن أصولهم ومذاهبهم”. تلت ذلك سلسلة من الإجراءات التي اندرجت فيما بعد تحت مسمى “المشروع الإصلاحي”. أبرز عناصر ذلك المشروع كان “ميثاق العمل الوطني” الذي تم تقديمه للاستفتاء العام في فبراير/ شباط 2001.

كانت نسـبة التأييد المذهلة التي حظي بها مشروع الميثاق انعكاسـاً حقيقياً لتوقعات النخب وللآمال الشـعبية بأن الشيخ حمد سـيلتزم بما ألزم نفسـه به من وعود بالإصلاح، بما في ذلك تخفيف القيود المفروضة على حرية التعبير والتنظيم وإلغاء قرارات منع السـفر المفروضة على المعارضين، وإلغاء قانون أمن الدولة وتفرعاته، وإعطاء المرأة حقوقها كاملة كمواطنة. لوقتٍ قصير في البداية كانت الأمور تسـير سـيراً يبشـر بالخير فلقد قام حمد فعلاً بعدة مبادرات إصلاحية بما فيها منح النساء حقوقهن السياسية كما أصدر قراراً بالعفو العام أدى إلى عودة المبعدين السـياسيين إلى البلاد وإخلاء السـجون من المعتقلين السـياسيين. إلا أن التطورات اللاحقة في البحرين بعد اسـتفتاء عام 2001 سـرعان ما بدّدت أجواء التفاؤل التي عمّت عشية الاستفتاء. بعد عام واحدٍ من الاسـتفتاء بدت نُذُر تخلي الشيخ حمد عن تعهداته الإصلاحية. ففي 14 فبراير/ شباط 2002 أعلن الشيخُ نفسـه ملكاً وأصدر – بإرادة منفردة – دسـتوراً جديداً لمملكته. وحسـب الدسـتور الجديد أصبح الملك هو “رأس الدولة، والممثل الأسمى لها، وذاته مصونة لا تمس، وهو الحامي الأمين للدين والوطن ورمز الوحدة الوطنية”. وهو وحده المختص بتعيين رئيس الوزراء والوزراء والسفراء والمحافظين والقضاة وأعضاء مجلس الشـورى وأعضاء المحكمة الدستورية وقادة القوات المســلحة والأمن والحرس الوطني. وهو وحده من يملك إعفاء كل هؤلاء من مناصبهم. وللملك حق اقتراح القوانين وتعديلها، وحق إبرام المعاهدات مع الدول الأخرى دون الحاجة إلى موافقة البرلمان. وفوق ذلك كله فالملك حسب دستوره هو صاحب القول الفصل في أي خلاف تشـريعي أو بين السـلطات الأخرى في المملكة. لم يكن الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في نظر الملك والعائلة الحاكمة تدشيناً لعهد جديد قائم على المبادئ المتعارف عليها في الممالك الدستورية الحديثة. بل كان حسبما أعلن الملك نفسه وعددٌ من كبار عائلته تخويلاً مطلقاً له. وهذا ما أعاد الملك تأكيده في خطبه وتصريحاته التالية وفي المقالات التي نُشرت باسمه. ففي أحدها (2005) كتب الملكُ إن “كثافة بعد كثافة التصويت الشعبي الشامل على الميثاق” بيّنت إن الأمر “ليس صيغة تعاقدية فحسب وإنما بيعة متجددة، وتفويض وطني لنا بقيادة المسيرة إلى آفاقها الجديدة”. اعترض كثيرون وفي مقدمتهم قادة تنظيمات المعارضة على هذا التفسير. فلم يتصور أحدٌ أن التصويت بنعم في الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني تعني مبايعة الملك وتفويضه بأن يفعل ما يشاء. إلا أن تلك الاعتراضات لم تكن كافية لتغيير توجهات الملك وأنصاره. من جهة أخرى كان الرأي الغالب بين قادة تنظيمات المعارضة يميل إلى التنبيه إلى خطورة حرق المراحل وإلى الحذر من إحراج الملك وهو يواجه ما قيل إنه الحرس القديم في العائلة الخليفية. في المقابل اعتبر عددٌ قليل من نشطاء المعارضة أن إعلان الدستور الملكي كان إعلانا عملياً عن أن الملك قد بدأ في التخلي عن “مشروعه الإصلاحي”. ألحق الملك دستوره الجديد بسلسلة من المراسيم والقوانين الإضافية بهدف تحصين السلطة التنفيذية وحمايتها من احتمالات المساءلة في المستقبل. من بين تلك المراسيم الرسوم رقم 56 لسنة 2002 بالعفو عن موظفي الدولة، وبخاصة ضباط أجهزة الأمن، من المتهمين بجرائم وبانتهاكات لحقوق الإنسـان. وبذلك حرم الملك آلاف المعتقلين السـياسـيين ومئات المبعدين السـياسـين وضحايا التعذيب من حق ملاحقة المتسببين في انتهاك حقوقهم في المحاكم كما حرمهم من حق الحصول على التعويضات المادية والأدبية المناسبة. وبطبيعة الحال أدى مرسـوم العفو إلى إلغاء كل أمل في إجراء مصالحة وطنية تقوم على محاسـبة الماضي والمسئولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت فيه بما في ذلك سـقوط عشـرات الشـهداء

الجزء الأول من مقال منشور في مو قع مرآة البحرين  .

كأس آسيا وتداعيات نهج الحكم في بلدان الخليج العربي

مقال منشور في السفير العربي

http://assafirarabi.com/ar/24277/2019/02/05/كأس-آسيا-وتداعيات-نهج-الحكم-في-بلدان-ال/