حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

من يتابع وسائل الإعلام الرسمي البحريني يتيقن إن البحرين أصبحت دولة كبرى في منطقة الخليج العربي. ويتيقن إنها استكملت – أو هي على وشك استكمال – الإستعدادات التي تتطلبها الحرب مع إيران. وفيها يخرج كبار قادة القوات العسكرية والأجهزة الأمنية لطمأنة المواطنين والمقيمين على نجاحها في “تحقيق أعلى مستويات الجاهزية الدائمة للقوات وقدرتها على سرعة الانتشار لتنفيذ مهامها..” (أخبار الخليج 29/5/2019).

وتحت عنوان تأكيد الجاهزية، يندرج إهتمام وسائل الإعلام الرسمية بابراز خبر زيارات واستقبالات يقوم بها المشير الشيخ خليفة آلخليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين. ففي أحد الأيام الماضية قام المشير بزيارة تفقدية لمواقع عسكري لمتابعة الاستعدادات والتجهيزات وللوقوف على الجاهزية القتالية والإدارية (الأيام 24/5/2019). وفي اليوم نفسه إستقبل المشير البحريني وفداً عسكرياً أمريكياً برئاسة الجنرال جوزيف غواستيلا، قائد القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية، التي تُستخدم البحرين مركزاً لقيادة عملياتها، لمناقشة التنسيق العسكري والتعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة الأمريكية والبحرين.

توخي الحيطة والحذر

بهدف إستكمال تلك الإستعدادات للحرب قامت السلطات البحرينية بعددٍ من الإجراءات التي تؤكد من جهة على خطورة الأوضاع في المنطقة وتؤكد من جهة أخرى إهتمامها بسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها. ففي 18/5/2019 وجهت وزارة الخارجية في البحرين تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى إيران والعراق “نظراً للأوضاع غير المستقرة التي تشهدها المنطقة، والتطورات الخطيرة، والتهديدات القائمة وما تحمله من مخاطر كبيرة على الأمن والاستقرار” مشددة على ضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر”. ودعت الوزارة جميع المواطنين المتواجدين في البلدين “إلى المغادرة فوراً وذلك ضماناً لأمنهم وحفاظاً على سلامتهم”. وكان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تحذُ حذو البحرين ولم تطالب مواطنيها بمغادرة العراق أو إيران أو عدم السفر إليهما.

وفي 21/5/2019 أعلنت قيادة الأمن العام في البحرين إنها ستقوم في اليوم التالي وضمن “الإجراءات المعمول بها دوريا، بمراجعة الخطط الوطنية للطوارئ ومن بينها التأكد من جاهزية صفارات الإنذار”. وطلبت قيادة الأمن العام “من كافة المواطنين والمقيمين الاطمئنان وعدم الانزعاج” خلال فترة تجربة الصفارات. وبالفعل انطلقت في اليوم التالي صفارات الإنذار لتنطلق معها وبعدها ردود الفعل الشاكية والساخرة. فحسب تقارير صحافية، لم يسمع الناس في بعض مناطق البحرين أصوات الصفارات. أما من سمعوها فلم يعرفوا ما المطلوب منهم القيام به بعد سماع صفارة الإنذار، إذ لم تتوافر لهم الإرشادات اللازمة حول إجراءات السلامة والوقاية من شظايا القنابل أو المواد الكيميائية التي قد تحملها الصواريخ. ففيما عدا عددٍ محدود من مواقف السيارات المغطاة في المراكز التجارية، فلا يوجد في البحرين ملاجئ محصنة يلجأ إليها الناس. بل إن صغر مساحة البحرين، كما أشار أحد المغردين ساخراً “يجعلها هدفاً عسكرياً واحداً”. وهنا أيضاً، كان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تعلن عن قيامها بتجربة صفارات الإنذار فيها.

تتصرف السلطات البحرينية كما تتصرف دولة كبرى. إلا إنها وبسبب إمكانياتها المتواضعة لم تقم بتوفير وسائل النقل اللازمة لنقل مواطنيها من البلدين اللذين دعتهم الى مغادرتها. وليس سهلاً معرفة عدد البحرينيين الذين غادروا إيران أو العراق إستجابة لتحذير وزارة خارجية بلادهم. من جهة أخرى لم تتسرب أية معلومات عن الدروس المستقاة من تمرين صفارات الإنذار ولا عن مدى إستفادة أجهزة الدفاع المدني في البحرين والأجهزة الأخرى المعنية بالخطط الوطنية للطوارئ، بدءاً من ملاحظات الناس وشكاواهم من إنعدام الملاجئ وغيرها من وسائل الوقاية والحماية في حال إندلاع المواجهة العسكرية مع إيران. وهذا يعزز الظن إن تحذير المواطنين البحرينيين من زيارة إيران والعراق وتمرين صفارات الإنذار يندرجان ضمن الحرب الإعلامية المستعرة في المنطقة.

البحرين تبحث عن دور في الميزان العسكري للمنطقة

بعد توليه مهامه الرئاسية، رفع الرئيس الأمريكي الحظر المفروض على بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لعدد من البلدان بسبب إنتهاكات أنظمتها لحقوق الإنسان. ومن بين هذه البلدان البحرين التي تعاقدت خلال السنتين الأول من عهد ترامب على شراء ما تزيد قيمته على ستة مليار دولار من الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. وفي بداية أيار/مايو الماضي أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن الموافقة على بيع البحرين مجموعة من نظم صواريخ “باتريوت” والمعدات الرديفة تقارب قيمتها المليارين ونصف المليار دولار. تبع ذلك إعلانٌ آخرعن صفقة عسكرية بقيمة 750 مليون دولار لشراء معدات عسكرية رديفة لطائرات ف – 16 التي سبق أن تعاقدت البحرين على شرائها في صيف 2018 بقيمة ثلاثة مليار وثمانمائة مليون دولار. لا تبدو قيمة المشتريات العسكرية البحرينية كبيرةً عند مقارنتها بمئات المليارات التي تبلغها قيمة العقود العسكرية الأمريكية مع الدول الخليجية الأخرى. إلا إن البحرين ليست كشقيقاتها الخليجيات. فهي أصغر منهن جميعاً من حيث المساحة والتركيبة السكانية والبنى التحتية والقدرات المالية

يبدو جنونياً هدر السلطات البحرينية لموارد البلاد بالإضافة إلى الأموال التي تستدينها في محاولة محكوم عليها بالفشل لإنتزاع دور لها في الميزان العسكري الخليجي. فعدد أفراد القوات العسكرية في البحرين يقل عن العشرين ألف عنصر أغلبهم من المجندين من مواطني دول أخرى عربية وغير عربية. وهي تعاني مثل غيرها من القوات العسكرية الخليجية من معيقات استيعاب التقنية المتقدمة في أغلب منظومات الأسلحة التي تشتريها. وهو أمرٌ شاهدنا أمثلةً كثيرة على عواقبه المدمرة في حرب اليمن.

 ويتأكد جنون الهدر بالتذكير بأن البحرين تعاني من أزمة مالية تفاقمت أعراضها في السنوات الأخيرة ووضعتها على شفا الإفلاس. فبسبب الخشية من تداعيات إعلان إفلاس البحرين، تدخلت كلٌ من الكويت والسعودية والإمارات لتقديم حزمة دعم مالي بقيمة عشرة مليار دولار. وفرضت الدول الثلاث لتقديم دعمها المالي أن تُشرف على إنفاقه وأن تلتزم البحرين بتنفيذ إجراءات مالية تحد من الإنفاق الحكومي، وتلغي الدعم الحكومي على كثير من المواد والخدمات، بهدف إعادة التوازن في ميزانية الدولة. لسوء حظ البحرين أضاع النظام السياسي فيها الفرص التي كان يمكن لحزمة الدعم الخليجي توفيرها. فبدلاً من ترميم الوضع الاقتصادي وتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية، اتجهت السلطات في البحرين إلى هدر مواردها على تكديس الأسلحة إرضاء لغرورملكٍ يأمل في أن ينتزع لنظامه دوراً سياسياً وعسكرياً يفوق إمكانياته وقدراته

———-.

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ   8/6/2019

 

/

 

 

.

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

تتصرف البحرين كما لو كانت دولة كبرى في منطقة الخليج العربي، وهي استكملت – أوهي على وشك استكمال – الإستعدادات التي تتطلبها الحرب مع إيران

 

 

المقاال  منشور في السفير العربي بتاريخ 8/6/2019

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

 

الحيرة بين نزع الجنسية وتثبيتها في البحرين

.

في 16 نيسان/ أبريل 2019، أصدرت المحكمة الكبرى الجنائية في البحرين أحكاما قاسية تضمنت الحكم بتجريد 138 متهماً من جنسيتهم البحرينية. وبتلك الأحكام وصل عدد من جردتهم السلطات البحرينية من الجنسية إلى أكثر من 950 شخصاً. ويستن معظم هذه الأحكام إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

في 21 نيسان/ أبريل، أي بعد أقل من أسبوع من صدور ذلك الحكم، قرر ملك البحرين إلغاءه وإلغاء عدد آخر من أحكام مماثلة أصدرتها المحاكم في السنوات الست الأخيرة. يومها فوجئ الناس بما نقلته وكالة أنباء البحرين عن إن الملك أصدر أمراً بـ”تثبيت جنسية 551 محكوماً ممن صدرت بحقهم أحكاما بإسقاط الجنسية”. وفي هذا القرار أيضاً إستند الملك إلى قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته.

خمسة أيام حافلة

حفلت الأيام الخمسة الفاصلة بين الحكم بتجريد مواطنين من جنسيتهم البحرينية ويوم الإعلان عن إعادة الجنسية لهم بالبيانات والتصريحات والأنشطة. فمن جهة تتالت بيانات الإستنكار التي أصدرتها المنظمات الإقليمية والدولية المعنية بحقوق الإنسان، وكان في المقدمة منها المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة التي أشارت إلى أن المحاكمات في البحرين “لم تحقق المعايير الدولية للمحاكمة العادلة”. بينما شددت منظمة “العفو الدولية” على أن تلك المحاكمات “تستهزئ بالعدالة، وتؤكد وجود نمط يثير القلق من أحكام الإدانة إثر محاكمات جماعية جائرة في البحرين”. ومن جهة أخرى تداول الناس في البلاد وخارجها تفاصيل المهازل القضائية التي تتكرر في المحاكمات الجماعية في البحرين، حيث يمكن للقاضي أن يصدر في جلسة واحدة أحكاماً قاسية، بما فيها الحكم بالإعدام أو بالسجن المؤبد، إستناداً إلى أدلة مشكوك فيها أو إلى إعترافات تمّ إنتزاعها تحت التعذيب، وفي الغالب بعد فترات طويلة من الإعتقال والتعريض للمعاملة الحاطّة بالكرامة.

عددٌ قليل في قائمة المجردين من جنسيتهم تم تجريدهم بقرارات إدارية صدرت في 2012، في مخالفة صريحة لقانون الجنسية في البحرين. أما غالبية تلك القرارات فاستندت الى قانون 2006 ذاك. وهو تبنى تعريفاً فضفاضاً للإرهاب، مما يسهل تطبيقه على كل نشاط معارض حتى في حال لم يتجاوز ذلك النشاط حدود إنتقاد قرار سياسي أو المطالبة بوقف أنشطة أو تغييرها، تقوم بها جهات حكومية أو أحد أفراد العائلة الحاكمة. فما يدخل عادة في الدول الديمقراطية ضمن أطر ممارسة الحريات والحقوق العامة، بما فيها حرية التعبير عن الرأي والحق في التجمع السلمي، إعتبره القانون البحريني إرهاباً. وبمتابعة أحكام التجريد من الجنسية الصادرة منذ 2013 وحتى الآن، يمكن ملاحظة إن من يتم تجريدهم من جنسيتهم هم من مواليد البحرين لوالدَين بحرينيين. بل إن فيهم، كما تبيَّن من المحاكمة الجماعية الأخيرة وما سبقها، عددٌ من صغار السن ممن أدينوا بالمشاركة في تجمهر إحتجاجي.

لماذا ألغى الملك أحكام قُضاته؟

سرت شائعات متناقضة في أجواء الإبتهاج التي عمت البحرين حين صدر الإعلان عن الإلغاء الجزئي لأحكام التجريد من الجنسية. بعض الشائعات بالغ في إعتبار قرار الملك رضوخاً لضغط خارجي وبعضها بالغ في التفاؤل بالتلميح إلى إنفراجة أمنية قريبة.

على الرغم من أهمية بيانات الإستنكار التي صدرت عن مؤسسات دولية معتبَرة، وعلى الرغم من أهمية الأنشطة المحلية والخارجية التي عبرت عن إستهجان واسع لأحكام التجريد من الجنسية، فلا يمكن المبالغة في تقدير تأثيرهما على قرار ملك البحرين بالتراجع الجزئي عن تلك الأحكام. فملك البحرين يستند على دعمٍ سياسي وأمني ومالي غير مسبوق من السعودية ومن الإمارات، بما يضمن له إستمرار دعم الولايات المتحدة الأمريكية لنظامه. وبسبب ذلك فهو لا يرى نفسه في حاجة لإرضاء أي طرفٍ خارجي، سوى هذه الدول الثلاث التي ليس من أولوياتها حماية حقوق الإنسان

ومن جهة أخرى لا يرى الملك نفسه مضطراً لإسترضاء أي طرف داخلي والمبادرة بإنفراجة أمنية. فلقد أدت مختلف إجراءات القمع المتواصلة منذ قمع إنتفاضة دوار اللؤلؤة، في ربيع 2011، إلى إستنزاف قوى المعارضة التي يقبع أغلب قادتها في السجن أو في المنفى. كما سهّل القمع عودة الروح للعلاقات التقليدية بين العائلة الحاكمة ووجهاء البلاد بمن فيهم رجال الدين. بل أخذت تلك العلاقات تستعيد شيئاً فشيئاً أبرز مظاهرها التقليدية. فهي تضمن للملك وعائلته إستمرار إستحواذهم على موارد البلاد وأدوات إدارة الدولة، كما تضمن للوجهاء مصالحهم وتعطيهم دوراً سياسياً وهيبة إجتماعية ضمن الحدود المعترف بها لوجهاء كل تعاضدية طائفية أو مناطقية. وعلى الرغم من عدم التكافؤ بين العائلة الحاكمة والوجهاء، إلا إن علاقتهما ضمنت في السابق مصالح الطرفين وفي مواجهة التحدي الذي تمثله قوى المعارضة الوطنية.

ملك البحرين: أنا الدولة

يتساءل كثيرون عن هدف الملك من قراره بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدورها. لقد كان بإمكانه، مثلاً، أن يفسح المجال لمجلس النواب مباشرة أو عبر المحكمة الدستورية، إلغاء القوانين القمعية بما فيها قانون “حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية” لعام 2006 وتعديلاته. إلا إن الملك إختار طريق “المكرمة الملكية” كي يستعيد مواطنون جردتهم سلطته من جنسيتهم بقانونٍ مجحف يخالف أحد أبسط الحقوق التي تنص عليها وثيقة حقوق الإنسان، أي الحق في الجنسية. قرار الملك بإلغاء أحكام قضائية بعد خمسة أيام فقط من صدور تلك الأحكام هو تأكيد على إن الإرادة الملكية فوق كل قانون. فالملك هو الدولة وإرادته هي قوانينها.

 

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 5/5/2019

 

الحيرة بين نزع الجنسية وتثبيتها في البحرين

 

 

زوجة ملك البحرين وتمكين نساء العالم

قبل أيام، وفي سياق اجتماع “لجنة أوضاع المرأة” في مقر الأمم المتحدة في نيويورك، عُقد احتفال لتوزيع “جائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة لتمكين المرأة” التي تبلغ قيمتها 400 ألف دولار أميركي وتنقسم إلى أربع فئات. أعلنت لجنة التحكيم عن الفائزين الأربعة وهم: شرطة أبو ظبي (عن فئة القطاع الحكومي)، وشركة نيبالية (عن فئة القطاع الخاص)، وجمعية تنموية كينية (عن فئة المجتمع المدني) وإحدى الناشطات في الهند (عن فئة الأفراد).

جهود “مملكة البحرين في نشر ثقافة تمكين المرأة على المستوى العالمي”

في رسالتها إلى حفل التوزيع ذكرت الأميرة سبيكة إن رسالة الجائزة “هي خلاصة فكرية ومعرفية لخبرتنا الوطنية في مجال تمكين المرأة ومتابعة تقدمها في مملكة البحرين ]تضعها[ تحت تصرف المجتمع الدولي من خلال هيئة الأمم المتحدة للمرأة”.

لم تنقطع طيلة الأيام الماضية إشادات الإعلام الرسمي بجائزة الأميرة. في تلك الإشادات الكثير من المبالغة. إلا إن المبالغة أمر لا مفر منه حين يتناول الإعلام الرسمي أخبار ما يفعله المسئولون في البحرين وخاصة في حال كان المسئول أحد أبناء أو بنات العائلة الحاكمة. فلا يقرأ الناس خبراً عن تخريج أحدهم/إحداهن من مدرسة أو جامعة إلا وأن يكون في الخبر إشارة إلى “درجة امتياز أو “مرتبة الشرف”. ولا يدخل أحدهم/إحداهن سباقاً إلا وكان الأول على الجميع أو على الأقل “الأول في فئته”. ولم يشذ الاحتفاء بجائزة الأميرة عن السلوك المعتاد للإعلام الرسمي. فهو يكرر في مختلف قنواته إن “جائزة الأميرة سبيكة هي إسهام منها ومن البحرين بتمكين نساء العالم”ا

لم تُشر التقارير الإعلامية إلى مدى تجاوب الحاضرين والحاضرات في حفل التوزيع مع مبادرة الأميرة بوضع خلاصة خبرات مملكة البحرين في مجال تمكين المرأة تحت تصرف المجتمع الدولي. إلا إن بعضهم على الأقل يعرف إن ذلك لن يكون سهلاً، فمعيقات تمكين المرأة في البحرين ما تزال كبيرة وعصيِّة. فحسب “المؤشر العالمي للفجوة الجندرية” لعام 2018 تحتل البحرين مرتبة متدنية (المرتبة 132 من بين 149 دولة) وهي مرتبة أدنى مما كانت عليه البحرين في 2006 (المرتبة 102). أما فيما يتعلق بالتمكين السياسي فإن المؤشر يضع البحرين في المرتبة 143 وهي أدنى أيضاً مما كانت عليه في 2006 (المرتبة 110).

ما زال الطريق طويلاً أمام البحرين كي تصبح منارة لتمكين المرأة في مختلف أرجاء العالم. بل ما زال الطريق طويلاً أمام تمكين المرأة في البحرين. فالبطالة أكثر انتشاراً بين النساء. ومعيقات مشاركتهن في سوق العمل تحصر نسبتهن في حدود 39 في المئة من إجمالي المواطنين العاملين. وفوق ذلك فإن المرأة البحرينية رغم حصولها على حق الانتخاب والتصويت، ما تزال تعاني من تأثير عوامل سياسية وثقافية وبنيوية تنتقص حقوقها كمواطنة. فهي، على سبيل المثال، لا تستطيع أن تعطي جنسيتها لأطفالها. من جهة أخرى، يشير تقرير منشور في موقع “المجلس الأعلى للمرأة” (استناداً إلى بيانات “الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي” لعام 2016) إلى ثبات الفجوة في الأجور بين الجنسين وتصاعدها. إذ يقل متوسط الأجر الشهري للمواطنة العاملة في القطاع الخاص عن أجر المواطن في جميع الفئات العمرية. ففي الفئة العمرية ما بين 20-39 سنة تحصل المرأة على 83 في المئة من أجر الرجل. وفي الفئة العمرية 40-59 سنة ينخفض الأجر الذي تحصل عليه المرأة إلى 44 في المئة من أجر الرجل.

الدور التزييني للسيدة الأولى في أنظمة القمع

تندرج هذه الجائزة تحت مسمى “الدور التزييني (أو “الدور الرمزي” كما تسميه الباحثة جين كينينمونت) الذي يتمثل في قيام زوجات الملوك والرؤساء والشيوخ بما يمكنهن من أنشطة من أجل أنْسَنَة أزواجهن الطغاة وتلميع أنظمة حكمهم. وللقيام بهذا الدور التزييني قد تحتاج زوجة الطاغية إلى مشروعٍ خيري أو مؤسسة وطنية أو نشاط فني أو رياضي يجتذب الاهتمام الإعلامي الإيجابي.

لتسهيل قيام زوجته بدورها التزييني، قرر الملك أن يؤسس “المجلس الأعلى للمرأة” وأن يوليها رئاسته. إلا إن تشكيل المجلس الأعلى لم يكن عبثاً. فلقد جاء ضمن سلسلة من جهود بذلتها السلطة لاحتواء مكونات المجتمع المدني بما فيها الجمعيات النسائية وجمعيات حقوق الإنسان.

رغم صلاحيات المجلس الأعلى الواسعة وتخويله “إبداء الرأي والبت في الأمور المرتبطة بمركز المرأة بصفة مباشرة أو غير مباشرة” إلا إن تأثيره السياسي محدود. فهو لم يستطع أن يتخلص من تبعات إنه مؤسسة تابعة للديوان الملكي تتعاطى مع الناس بفوقية وبريبة أمنية. وهو يركز، كغيره من المؤسسات الرسمية، على أنشطة التباهي التي يحيطها – مهما صغرت – ببهرجة إعلامية

يشكل تكليف الأميرة سبيكة بهذا الدور خطوة غير مسبوقة حتمتها الظروف المعقدة التي رافقت تولي حمد مقاليد الحكم. فتقليداً لا تلعب نساء العائلة الحاكمة دوراً سياسياً معلناً ومعترفاً به. فهن غير ممثلات في مجلس العائلة الخليفية الذي ينظم شئونها ويفصل في نزاعاتها بعيداً عن أجهزة الدولة، وفي الغالب بدون ضجيج. لا يعني حرمان نساء العائلة الحاكمة من عضوية مجلس العائلة إنهن لا يمارسن بطرق غير مباشرة أدواراً سياسية فيه، وخارجه، عبر أزواجهن أو أولادهن أو عبر آخرين. ففي القصص المتداولة والتي لا يمكن التحقق منها نجد أخباراً عمّا قامت به هذه أو تلك من نساء العائلة لدعم فريق ضد آخر

الأميرة في مواجهة المعارضة

كانت المهمة التزينية الأولى التي اضطلعت بها الأميرة سبيكة هي المشاركة في مواجهة جهود المعارضة التي دعت لرفض دستور 2002 ومقاطعة الانتخابات التي دعا الملك لها. جنّد الملك لتلك المواجهة جميع أجهزة السلطة ورموزها وأدواتها. وكانت زوجته إحدى تلك الأدوات الي استخدمها للتواصل مع النساء اللواتي منحهن الدستور الملكي الجديد حق الانتخاب والترشيح.

بصفاتها المتعددة (زوجة الأمير وأم ولي العهد ورئيسة للمجلس الأعلى) قامت الأميرة سبيكة بصحبة حاشية معتبرة بزيارات للنساء في منازلهن. وبتلك الصفات المتعددة أيضاً فُتحت للأميرة أبواب حسينيات ومساجد في الأحياء الشعبية لتلتقي بحشود من النساء اللواتي لم يلتقِ بعضهن قبلها بفرد من العائلة الحاكمة

كانت تلك أول مرة يتجه مسئولٌ بحريني لمخاطبة النساء باعتبارهن مواطنات لهن حيثياتهن وليس باعتبارهن توابع لأقربائهن من الذكور. وها هي زوجة الأمير وأم ولي العهد تتحدث معهم بل تناشدهم أن يمنحن زوجها ثقتهن وأن يشاركن في الانتخابات لإنجاح مشروعه السياسي. وحسبما تمّ تناقله فيما بعد، شاركت الحاضرات في “حوار مفتوح من القلب إلى القلب”، فناقشن التمييز بين المرأة والرجل والتمييز الطائفي. (الوسط 15/10/2002).

لم تفلح جهود الأميرة سبيكة في رفع نسبة المشاركة في انتخابات 2002. إلا إنها نجحت في أن تترك إنطباعاً بأنها ليست كغيرها من أفراد عائلتها. فلقد استمعت النساء اللواتي حضرن لقاءاتها في البيوت والحسينيات إلى كلامٍ لم يعهدنه. فعامة الناس، بغض النظر عن خلفياتهم الطائفية والطبقية، لم يتعودوا على سماع أحدٍ من العائلة الحاكمة يخاطبهم إلا آمراً أو ناهراً أو زاجراً.

التزيين في الخارج لإبهار الداخل

لم تكرر الأميرة سبيكة زيارة الأحياء الشعبية واكتفت كغيرها من أفراد العائلة بحاشيتها من نساء النخبة متعددة الطوائف. ثم جاءت انتفاضة دوار اللؤلؤة وسقط فيها شهداء وضحايا ولم تتحرك الأميرة ولا مجلسها. بل صمتت هي ومجلسها حتى بعد أن دخلت القوات السعودية والإماراتية إلى البحرين في 15 آذار/ مارس 2011 وبعد أن فرض زوجها حالة الطوارئ وحاصرت قواته الأحياء والقرى نفسها التي تأثرت نساؤها بأحاديث الأميرة عن المواطنة المتساوية وعن نبذ الطائفية. بل هي لم تتحرك حتى لمواساة من فقد منهن زوجاً أو ابناً أو ابنةً. بدلاً من ذلك قررت أن تستمع لنصيحة صديقتها سوزان مبارك، زوجة الرئيس المصري الأسبق، “التي شجعتني”، كما ذكرت في مقابلة صحافية (الحياة 11/12/2004)، “على الخروج من البحرين وأقنعتني بأهمية ذلك للمرأة البحرينية”ا

 

مقالة منشورة في السفير العربي بتاريخ 2019-03-18

 

http://assafirarabi.com/ar/24887/2019/03/18/%d8%b2%d9%88%d8%ac%d8%a9-%d9%85%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%aa%d9%85%d9%83%d9%8a%d9%86-%d9%86%d8%b3%d8%a7%d8%a1-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85/.

.

 

شيئٌ من تاريخنا: قبل أربع وأربعين سنة في بيروت

في مثل هذه الأيام  قبل أربع وأربعين سنة إجتمع في بيروت ممثلو الأحزاب الشيوعية والعمالية العربية. وكان من بين المشاركين لأول مرة ممثلُ جبهة التحرير الوطني البحرانية. في ختام ذلك الإجتماع نُشِربيان الأحزاب الشيوعية والعمالية العربية حول الأوضاع الراهنة” (الاخبار، العدد ١٠٧٩/١١٣ بتاريخ 5/4/1975) ا

كان ذلك الإجتماع حدثاً مهماً في تاريخ جبهة التحريرالوطني البحرانية. فرغم مرور ما يقرب من عشرين سنة على تأسيسها، ورغم إن علاقات رفاقية، بهذا القدرأو ذاك، تربطها بأحزاب شيوعية عربية أخرى  وخاصة الحزبيْن العراقي واللبناني إلا إنها بقيت غير منتظمة ويغلب عليها الطابع الشخصي وخارج الأطر الجماعية للأحزاب الشيوعية العربية

دشَّنت مشاركة الجبهة  في  إجتماع بيروت مشاركاتها التلية في جميع اللقاءات الدورية التي عقدتها فيما بعد الأحزاب الشيوعية العربية.  فلقد كانت تلك المشاركة مثابة إعتراف جماعي بدور الجبهة ونضالها كفصيل شيوعي عربي.  ففي ربيع 1975 كان يحق لجبهة التحرير الوطني البحرانية أن تفاخر بأنها الفصيل الشيوعي الوحيد في المنطقة العربية الذي لديه منذ السابع من ديسمبر/كانون أول 1973 أعضاء منتخبون ضمن كتلة نيابية ذات تأثير في برلمان بلادها وبأنها، أي الجبهة، تقود آنذاك حركة نقابية نشطة وواعدة

من جانب آخر، كانت لذلك الإجتماع في بيروت أهمية إضافية في تاريخ الجبهة. فلقد فتحإعترافالأحزاب الشيوعية العربية بالجبهة الطريق أمامها للتواصل مع  عدد كبير من الأحزاب المنضوية في الحركة الشيوعية والعمالية العالمية، وفي مقدمة هذه الحركة الأحزاب الحاكمة في الإتحاد السوفياتي وبقية البلدان الإشتراكية.  

.سعت جهود التواصل في السنوات التالية إلى نقل علاقتها تلك الأحزاب والدول بالجبهة  من مستوى العلاقة بفصيلٍ من فصائل حركة التحرر الوطني إلى علاقة بحزب شيوعي شقيق. والفرق بين الإثنين شاسعٌ معنوياً ومادياً.  فعلاقات الأحزاب الحاكمة في الإتحاد السوفياتي وبلدان المنظومة الإشتراكية مع حركات التحرر الوطني تتولاها أساساً لجان التضامن الآسيوي الأفريقي ولجان الصداقة مع الشعوب.  بينما تتولى أجهزة الحزب الشيوعي نفسه إدارة العلاقة مع الأحزاب الشيوعية المعترف بها.  والفرق هائل بين صلاحيات لجان التضامن ولجان الصداقة وبين صلاحيات أجهزة الحزب الحاكم.

بعد إجتماع بيروت في أبريل/نيسان ١٩٧٥ بعشر سنوات وبفضل جهود الكثيرين من الرفاق والرفيقات وبدعم الأحزاب العربية الشقيقة  طيلة تلك السنوات  أصبحت جبهة التحريررسميافي منتصف الثمانينيات جزءً من الحركة الشيوعية العالمية. أي بعد أن إستوفت الإشتراطات المقررة.  وكان من بين تلك الإشتراطات أن يكون للتنظيم برنامج بمواصفات معينة ويتم إقراره في مؤتمر حزبي. ومن بينها أيضاً أن يعقد التنظيم مؤتمرات دورية تتولى إنتخاب الهيئات الحزبية بما فيها الأمين العام و واللجنة المركزية والمكتب السياسي . وهذه كلها وغيرها من الإشتراطات لم تستطع الجبهة إستكمالها حتى منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.  لم يكن ممكناً ولا مطروحاً إختراع  أمين عام أو كتابة برنامج سياسي بالمستوى المطلوب وغير ذلك بيين ليلة وضحاها.  بل كان  ذلك كله يتطلب عملاً دؤوباً وصبورا ونقاشاً يربط المنفى بالوطن من جهة ويلتزم بالأعراف المعتمدة في الحركة الشيوعية العالمية  

وكانت من نتائج الإعتراف الرسمي بالجبهة كفصيل في الحركة الشيوعية العالمية هو بدء العلاقة المباشرة مغ جميع الأحزاب الشيوعية الحاكمة وغير الحاكمة وكذلك العلاقة غير المباشرة بها عن طريق إعتماد مندوب للجبهة في هيئة تحرير مجلة قضايا السلم والإشتراكيةالتي مقرها في براغ (تشيكوسلوفاكيا آنذاك) ا“. 

و في ذات الفترة الزمنية وعلى المستوى الداخلي، وهو الأهم لأي تنظيم سياسي، فلقد أدت الضربات الأمنية  القاسية والمتتالية التي تعرضت لها خلايا الجبهة في البحرين إلى جمود العمل التنظيمي بل وإلى تخلي قياديين وكوادر أساسية في الجبهة عن مواقعهم ومسئولياتهم.  ساهم ذلك في الكارثة التنظيمية التي حلَّت بالجبهة في صيف 1986 وكان أحد أكثر علاماتها إيلاماً هو إستشهاد الرفيق الدكتور هاشم إسماعيل العلوي (وهذا موضوع له تشعبات لا بدّ من مناقشتها بروية في مناسبة أخرى). أما فيما يتعلق بعضوية مندوب الجبهة في هيئة تحرير مجلةقضايا السلم والإشتراكيةفي براغ فهي لم تدم طويلاً بل جرفها التسونامي التاريخي الذي سبّبه إنهيار الإتحاد السوفياتي

بيروت 5/4/2019

 

حصيلة عشرين سنة من خديعة الإصلاح في البحرين: سنوات التكاذب 2 – 2

في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2002 وفي ظل الدسـتور الملكي الجديد جرت أولى الانتخابات البرلمانية في البلاد منذ حلّ برلمان 1973. وفي مخالفة صريحة لرأي أعيان البلاد بمن فيهم رجال دين من ذوي النفوذ الشعبي دعت تنظيمات معارضة، وفي مقدمتها جمعية “الوفاق” الوطني الإسلامية الشيعية وجمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد” اليسارية، إلى مقاطعة تلك الانتخابات. في مقابل ذلك بذلت السلطة جهوداً كبيرة لإفشال حملة المقاطعة. شملت تلك الجهود تهديد المقاطعين بحرمانهم من خدمات الدولة كما شملت قيام الديوان الملكي بتمويل الحملات الانتخابية لعدد من المرشحين بمن فيهم بعض المحسوبين على أحد التنظيمات اليسارية. رغم تلك الجهود فقد أدت حملة المقاطعة إلى تدني نسـبة التصويت في الانتخابات البرلمانية إلى 4 ,53 %. وهي نسبة باهتةٌ جداً إذا ما قورنت بنسـبة المشـاركة التي فاقت التسعين في المائة أثناء الاسـتفتاء على ميثاق العمل الوطني قبل ثمانية عشر شــهراً. لقد عَكَس تدني نسبة المشاركة في انتخابات 2002 أيضاً خيبة الأمل في نفوس المواطنين من تراجع حمد عن وعوده الإصلاحية كما عكس قوة وحدة موقف تنظيمات المعارضة الرافض للدستور الملكي. ونتيجة لرفض تلك التنظيمات تقديم مرشحين لتلك الانتخابات جاءت تركيبة المجلس النيابي دون المستوى المطلوب. فلم ينجح برلمان 2002، رغم الترويج الإعلامي له محلياً وخارجياً، في إعطاء “مملكة حمد الدستورية” واجهة برلمانية ذات مصداقية. من جهتها أدت القيود الدستورية والقانونية المفروضة على البرلمان إلى الحد من سلطاته وحصر مداولاته في الشكليات. وقد أدى هذا إلى تعزيز الخطاب المعارض الذي يلخصه ما قاله القائد الوطني المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري، أبرز قادة انتفاضة التسعينات، قبل إعلانه اعتزال العمل السياسي: “ليس هذا هو البرلمان الذي ناضلنا من أجله”. رغم القوانين المقيّدة لأنشطتها، استمرت تنظيمات المعارضة في تنظيم مختلف الأنشطة الموازية في الداخل والخارج للتعبير عن رفضها للدستور الجديد وما يتولد عنه. وقتها تزايدت المؤشرات على قوة تماسك تحالف المعارضة واتفاقها على أهمية الحفاظ على ذلك التماسك وتأكيد إجماعها على رفض الدستور الملكي وما يتولد عنه. وبذلك الإصرار على رفض الدستور الملكي كانت تنظيمات المعارضة تحرم الملك من المباهاة الإعلامية بمملكته الدستورية. وفي نفس الوقت كان تماسك موقف المعارضة يدفع القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إلى تفعيل دوريهما الضاغط بهدف التوصل إلى تفاهمات مرضية لكل الطراف في البحرين.

في تلك الفترة كثفت المعارضة أنشطتها التي شملت تنظيم المسيرات والاجتماعات الجماهيرية والندوات وإرسال الوفود إلى الخارج. وفي المقابل استمرت جهود الملك، وحلفاؤه في الداخل والخارج، لمحاصرة تنظيمات المعارضة ولإقناعها، وبخاصة جمعية “الوفاق”، وهي أكبر تلك التنظيمات، بإعادة النظر في موقفها الرافض لدستور 2002 والتخلي عن مقاطعتها للمشاركة في اللعبة البرلمانية. شملت تلك الجهود عدداً كبيراً من الإجراءات الحكومية التي تزامنت مع تشديد قبضة الأجهزة الأمنية. من بين أهم تلك الإجراءات كان إصدار عدد من المراسيم والقوانين بما فيها قانون الجمعيات السياسية ومشروع قانون أحكام الأسرة (الأحوال الشخصية). أسهمت تلك الإجراءات، بالإضافة إلى تقديم الملك شخصياً عدداً من الوعود التطمينية، في خلخلة موقف تنظيمات المعارضة الرافض لدستور 2002.

وشيئاً فشيئاً تمكن الملك، ومصادر الضغط الأخرى، من إحداث انشقاقات جدية وعميقة داخل تلك التنظيمات المعارضة وفيما بينها. فلكي تتحاشى منعها من ممارسة نشاطها السياسي علناً ولمنع تصفيتها بقوة القانون الجديد قبلت قيادات أغلب تنظيمات المعارضة بشروط القانون الجديد وقامت بتقديم طلبات تسجيلها إلى وزارة العدل. وكان أول تلك الشروط هو القبول بدستور 2002. من جهة ثانية أسهمت التفاهمات غير المعلنة بين الملك وكبار رجال الدين الشيعة إلى حل أرضى الطرفيْن وأنهى الأزمة المحتدّة بينهما عبر إعفاء الشيعة في البحرين من تطبيق قانون الأحكام الأسرية.

أعطت تلك التفاهمات زخماً إضافياً لرافعي شعار “السياسة فن الممكن” للتشديد على أهمية التواصل الإيجابي مع الملك والعائلة الحاكمة بحيث “يؤكلُ العنبُ دون أن يُقتل الناطور”. وقتها راج الحديث عن الغطاء الشرعي لقرار تنظيمات المعارضة حول المشاركة في البرلمان التي ستمهد الطريق إلى مرحلة المشاركة في إدارة الدولة. في ظل أجواء التفاؤل السائدة آنذاك لم يكن مجدياً التذكير بتفاهمات شبيهة مهدت في 1974 إلى إعلان مرسوم أمن الدولة الذي وضع البحرين تحت طغيانه لأكثر من ثمانية وعشرين سنة. بل ازداد تأثير الخطاب المتفائل عشية انتخابات 2006 بحيث راج الحديث في أوساط التنظيمات المرَّخصة وعلى ألسنة عناصر قيادية فيها عن قرب إزاحة هذا المسئول أو ذاك من كبار العائلة الخليفية الحاكمة من مناصبهم.

بذلك الطموح المشروع أصبح كثيرون من قادة المعارضة المعروفين بتواضعهم وبتضحياتهم وبتاريخهـم الوطني، غير قادريـن على رؤية ما يحـدث بالفعل على أرض الواقـع. وهو أن “المشروع الإصلاحي” ـــ حسبما يراه الملك ـــ لم يكن هدفه تحويل البحرين إلى مملكة دستورية ديمقراطية كما يروِّج الإعلام الرسمي. بل كان هدفه إعادة صياغة علاقة العائلة الحاكمة بالتعاضديات الطائفية والقبلية والمناطقية التي ضمنت استقرار الحكم منذ أن صادق البريطانيون على القواعد العامة لتنظيم تلك العلاقة. ولم يبق خارج التفاهمات القائمة سوى عدد قليل من الشخصيات القيادية في المعارضة وشبكات النشطاء غير المعلنة. أصرّ هؤلاء على رفض دستور 2002 وما يتولد عنه بما في ذلك قانون الجمعيات السياسية. وبهذا “الانشقاق” ظهر خطٌ فاصل بين “المعارضة المرّخصة” و”المعارضة غير المرّخصة”. ـــ لم يكن هدف المشروع الإصلاحي تحويل البحرين إلى مملكة دستورية بل إعادة صياغة علاقة العائلة الحاكمة بالتعاضديات الطائفية والقبلية (ع.خ) في البداية تمثلت المعارضة غير المرّخصة بـ “تيار الوفاء الإسلامي” بقيادة الأستاذ عبدالوهاب حسين و”حركة الحريات و الديمقراطية – حق” بقيادة الأستاذ حسن مشيمع. (يقضي الرجلان الآن أحكاماً بالسجن المؤبد. وللرجليْن وكثير من رفاقهما تاريخ نضالي تعرضوا فيه للسجن لفترات طويلة ومتكررة. علاوة على ذلك فللأستاذيْن مكانة دينية وشعبية معتبرة بين مختلف الفئات بمن فيهم مناصرو “جمعية الوفاق” وغيرها من الجمعيات المعارضة المرّخصة).

في خضم السجالات السياسية اللاحقة سيتحول الخط الفاصل بين الجمعيات المرّخصة وغير المرّخصة إلى خطٍ يفصل بين “تيار المسايرة” و”تيار الممانعة”. أسهمت تلك السجالات، رغم احتدادها في أحيان كثيرة، في تنويع الخطاب السياسي وفي توسيع المجال العام. كما طرحت بدون مواربة تساؤلات حول دور الأغطية الشرعية التي يمكن لكل طرفٍ سياسي الاحتماء بها. في البداية وبسبب صغرهما لم يتوقع أحدٌ أن يؤثر بروز حركة “حق” وتيار “الوفاء” على ميزان القوى في البلاد. فعدا قادة هذيْن وجمهورهما، بدت جميع الأطراف الفاعلة راضية بما تحقق من تفاهمات وما أدت إليه من نتائج. فلقد حقق كلٌ من الملك ورجال الدين وتنظيمات المعارضة المرّخصة مكاسباً تعطي لكلٍ طرفٍ منهم ما يكفي لتطمين جمهوره وإقناعه بأهمية استمرار التعاون القائم فيما بينهم. نعم، لم تؤد تلك التفاهمات إلى إقناع الملك ومن حوله بالالتزام بنصوص ميثاق العمل الوطني. ولكنها مهدت للتخفيف من حدة الاحتقان في البلاد. الطريق إلى دوار اللؤلؤة في أكتوبر/ تشرين الأول 2006 تم إجراء انتخابات نيابية وبلدية شاركت فيها جميع التنظيمات السياسية المرّخصة (أي التي التزمت بدستور 2002 وسُجلت طبقاً للقانون لدى وزارة العدل). حققت جمعية “الوفاق” نجاحاً ملحوظاً سواء من حيث عدد الأصوات التي حصلت عليها قائمتاها الانتخابيتان أو من حيث عدد ممثليها في البرلمان الذين شكلوا أكبر كتلة نيابية في مجلس 2006 وفي المجالس البلدية. وتكررت إنجازات “الوفاق” في انتخابات 2010 النيابية والبلدية. أما تنظيمات المعارضة المرّخصة الأخرى فلم تنجح في إيصال أيٍ من مرشحيها إلى البرلمان في أيٍ من الدورتيْن الانتخابيتيْن. ـــ عشية يوم الغضب نشأ تحالفٌ ظرفي بين مجموعات شبابية والتنظيمات السياسية غير المرخصة تمكن من فرض شعاراته (ع.خ) كانت كتلة “الوفاق” النيابية أكبر كتلة نيابية في برلمانيْ 2006 و2010، إلا إنها بقيت مكبلة بالقيود التي يفرضها دستور 2002 والمراسيم التي أصدرها الملكفي ذلك العام. إذ لا تتيح تلك المراسيم لأية كتلة نيابية مهما بلغت عدداً وجرأة أن تغيِّر حرفاً في نصٍ تشريعي مهما كان هامشياً إلا بموافقة أغلبية كلٍ من المجلس النيابي المنتخب ومجلس الشوري الذي يعينه الملك. وبعد ذلك يتطلب الأمر تصديق الملك نفسه على التغيير المقترح. ولهذا لم يستغرب كثيرون تلميحات متشائمة أطلقها الأمين العام لجمعية “الوفاق” الوطني الإسلامية ورئيس كتلتها النيابية النائب الشيخ علي سلمان (الذي يقضي الآن حكماً بالسجن المؤبد). فبعد أقل من سنة على انتخابه لعضوية البرلمان تحدث الشيخُ عن ندمه على ترشحه للمجلس النيابي وأثار احتمال انسحاب كتلته مجلس النواب. إلا إن تلك التلميحات، كما أوضح الشيخُ لاحقاً (9 أكتوبر/ تشرين الأول 2007) كان هدفها توصيل رسائل إلى أطراف عدّة هي “الحكومة لعدم تجاوبها وإلى القوى السياسية لعدم تعاونها وإلى بعض القطاعات الشعبية”. بذلت كتلة “الوفاق” النيابية جهوداً ملحوظة طيلة فترة نشاطها البرلماني. إلا إنها لم تتمكن من تجاوز حدود الدور المرسوم لها، ولا أن تتغلب على المعيقات الدستورية والقانونية التي تجعل البرلمان عاجزاً عن القيام بدوريه التشريعي والرقابي. لذلك كله ورغم حسن النوايا ورغم المحاولات الدؤوبة لم يكن بالإمكان منع أن يصبح برلمان 2006 واجهة تزيينية يباهي الملك بها كما كان يفعل سابقاً ببرلمان 2002، وكما سيفعل لاحقاً ببرلمان 2010. من جهتها لم تتوقف الأجهزة الأمنية عن وضع العراقيل أمام النشاط السياسي في المجال العام. فصدرت قرارات بمنع المواطنين، بمن فيهم النواب المنتخبين، من حضور “اجتماعات أو مؤتمرات أو ندوات في الخارج أو قيامهم ببحث الأوضاع والشؤون الداخلية المحلية مع ممثلي دول أو منظمات أو هيئات أجنبية” دون ترخيص مسبق. كما صدرت قرارات تمنع تنظيم التجمعات والمسيرات في المنامة عاصمة البلاد وأكثر مدنها كثافة سكانية. ولم تتوقف الأجهزة الأمنية عن ملاحقة النشطاء الحقوقيين والنقابيين، بمن فيهم أعضاء “الوفاق” وأنصارها. وهنا تكمن مفارقة صارخة. فمن جهة لم ينقطع التواصل بين الملك شخصياً أو ولي عهده أو عبر مسئولي الديوان وبين رجال الدين السنة والشيعة من ذوي النفوذ. بل وحافظ الملك على تعهده بإعفاء الطائفة الشيعية من تطبيق قانون الأحوال الشخصية. وفي المقابل لم يترك الملك للمشاركين في التجربة البرلمانية فرصة أن يراهم جمهورهم شركاءً في القرار السياسي. بلغ غرور القوة بالملك حداً جعله يرى أن من مصلحته إبراز أعضاء البرلمان المنتخبين، بمن فيهم المعارضين والموالين، عاجزين عن تمرير مشروع قانون أو مساءلة وزير. بل إن استخفاف الملك بممثلي المعارضة في المجلس النيابي وصل إلى درجة استخدامه بعضهم كأدوات لتمرير المكرمات الملكية إلى ناخبيهم. وبدلاً من أن يقدر الملك وأجهزته التضحية السياسية التي قدمتها تنظيمات المعارضة المرّخصة بتحولها من رفض دستور 2002 إلى الالتزام به والمشاركة في إقامة مؤسساته، عمل الملك على تهميشها ومحاصرة أنشطتها. لم تتوقف الأجهزة الأمنية عن منع التجمعات والمسيرات، وملاحقة نشطاء المعارضة، بمن فيهم نشطاء جمعية الوفاق، ولم تتوقف الجهود الحكومية لتغيير التركيبة السكانية في البحرين عن طريق التجنيس الجماعي، خاصة للأفراد المجندين من اليمن وباكستان وسوريا للخدمة في المؤسستَيْن الأمنية والعسكرية. من جهة ثانية، استمر الملك في استخدام أجهزة الدولة وأدواته البرلمانية والأمنية والقضائية لإحباط كل محاولات كتلة “الوفاق” البرلمانية تحقيق تقدم مهما كان شكلياً لإنجاز برنامجها البرلماني. في إطار تلك الأجواء تعمقت مشاعر الإحباط بين الناس، بمن فيهم أنصار وكوادر الوفاق وغيرها من تنظيمات المعارضة المرّخصة. فلم يعد ممكناً لهؤلاء المحاججة بأن المشاركة في البرلمان تحت القيود التي يفرضها الدستور الملكي ستؤدي إلى إرساء نظام برلماني سليم في البلاد. ناهيك عن الادعاء بأن إستمرار المشاركة سيضع البحرين على طريق التحول الديمقراطي وبناء الدولة الدستورية التي تحمي أبناءها وبناتها وتوفر لجميع مواطنيها أسباب الولاء لها. المفاصلة في دوار اللؤلؤة في الفترة بين 2005 و2011 شهدت البحرين تحركات متوازية وأحيانا متزامنة تنظمها المعارضة المرّخصة وغير المرّخصة. وبطبيعة الحال كانت هذه الأخيرة هي الأكثر تعرضاً لقمع أجهز الأمن بسبب الشعارات التي ترفعها والتي تعتبرها السلطة تحدياً لشرعيتها. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تحتضن التنظيمات السياسية والشبكات الحقوقية غير المعترف بها الدعوة إلى “يوم غضب وطني” في 14 فبراير/ شباط 2011. فهذه الجمعيات تكفلت وبدأبٍ منذ نشأتها بتأطير الأنشطة الاحتجاجية وتوفير الغطاء الحقوقي والسياسي لها. عشية يوم الغضب نشأ تحالفٌ ظرفي بين مجموعات شبابية وبين التنظيمات السياسية غير المرخصة، “حق” و”الوفاء”. تمكن ذلك التحالف من فرض شعاراته طيلة الفترة التي دامت فيها انتفاضة دوار اللؤلؤة. وفوق ذلك استطاع أن يجتذب إلى المشاركة فيها جمهور وقيادات الجمعيات السياسية المرخصة. وجاءت استقالة نواب “الوفاق” الثمانية عشر من المجلس النيابي إقراراً بفشل الخديعة السياسية التي دشّنها الملك في بداية عهده. في غضون الأسابيع الأربعة التي عاشتها انتفاضة دوار اللؤلؤة كسر الناس جدارَ الخوف و خيضت معركة تاريخية توحدت فيها صفوف أغلب أطياف المعارضة بمن فيها من كان سيكتفي بإصلاح النظام، ومن كان يصرّ على تغيير النظام جذرياً بتحويله إلى مملكة دستورية حديثة، ومن كان لا يرى مخرجاً إلا بالعودة إلى الحل الذي طرحته “هيئة الاتحاد الوطني” في منتصف القرن الماضي، أي إزالة نظام الحكم القبلي واستبداله بنظام جمهوري. في الطريق إلى دوار اللؤلؤة سقط الشهيدان علي مشيمع وفاضل المتروك برصاص قوات الأمن. يومها اهتزت البحرين، كل البحرين. لم يتصور الناس أن يطلق الملك أيدي أجهزة الأمن لتقتل متظاهرين عزّل اعتقدوا أنهم بهتافاتهم سيحركون ضمائر سلطة طاغية تجاهلتهم وهمشتهم وداست على كراماتهم طيلة عقود. تفاقمت الأمور بحلول الخميس الدامي 17 فبراير/ شباط الذي شهد سقوط أربعة شهداء وإصابة 250 جريح في دوار اللؤلؤة. بذلك العدد من الضحايا، شهداء وجرحى، انتشر الغضب من وحشية أجهزة الأمن ولم يجد الملكُ بداً من الخروج على أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة لتهدئة الناس. وسمّى الملك الشهداء شهداء لأول مرة في حياته. لكنه خرج مباشرة بعد ذلك إلى وزارة الداخلية وقوة الدفاع ليهنئ ضباط الوزارتيْن وجنودهم على أدائهم مهماتهم بنجاح وليؤكد لهم دعمه وامتنانه لما يقومون به لحفظ الأمن. شكل الخميس الدامي نهاية مأساوية لخديعة استمرت أكثر من اللازم. بل ما كان لها في الأصل أن تبدأ وتستمر. فلم تعد المسألة بعد الخميس الدامي مسألة يمكن تسويتها بتعديلات دستورية أو عبر مجادلات حول توسيع صلاحيات البرلمان أو جبر انتهاكات حقوق الإنسان. لقد تخطت السلطة، ملكاً وعائلة حاكمة وأجهزة، كل الحدود. ولم تعد القضية بالنسبة لكثيرين وأنا منهم، قضية إصلاحات في بنية السلطة بل تغييرها واستبدالها. ولهذا عبر كثيرون في وسط دوار اللؤلؤة عن اقتناعهم بأن ليس ثمة مخرج لخلاص البلاد وأهلها سوى إسقاط النظام. لم تصل أقسام هامة في صفوف المعارضة إلى ذلك الشعار، كما لم يتسنَ لكثيرين فرصٌ لدراسته واتخاذ موقف منه رفضاً أو تأييداً. فلقد دخلت القوات السعودية والإماراتية في منتصف مارس/ آذار 2011 بعد أن استنجد بها الملك وكبار أفراد عائلته ولم يعد للملك ولا لعائلته حاجة للاستمرار في خديعة الإصلاح. فهو يرى أنه بذلك التدخل العسكري وباستمرار الدعم السياسي والمالي من أشقائه حكام الخليج، قد استعاد البحرين غنيمة غزو كما كانت في عهد أبيه وبقية أسلافه منذ 1783.   

الجزء الثاني من مقال منشور في موقع  مرآة البحرين

http://bhmirror.ufcfan.org/news/52997.html