التطبيع البحريني مع إسرائيل يخرج إلى العلن

 

 

بعد إعلان إسرائيل عن شن هجومٍ بالصواريخ على أهداف في سوريا، سارع وزير خارجية البحرين بإعلان تأييده للهجوم بإعتباره حقاً مشروعاً. وكتب في موقعه الرسمي على تويتر “طالما أن إيران أخلّت بالوضع القائم في المنطقة واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، فإنه يحق لأي دولة في المنطقة، ومنها إسرائيل، أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر.” لم يأخذ البعض تغريدة الوزير بجدية، مكتفين بإضافتها إلى سلسلة من “التخبيصات” التي إشتهر بها. فهو نشر بعد لقائه بالرئيس المصري محمد مرسي في 7/9/2012 تغريدة يقول فيها “لن أقلق على مصر وعلى سدتها رجلٌ صادقٌ أمين”. وبعد إنقلاب السيسي إنقلب الوزير البحريني فنشر تغريدة سخر فيها من محمد مرسي مستشهداً بأغنية ” السح الدح إمبو”. والوزير خالد أحمد الخليفة هو نفسه الذي صرّح عشية جلسة تعقد في الأمم المتحدة للتصويت على مشروع قرار برفض موقف ترامب بشأن القدس بأنه “ليس من المفيد افتعال معركة مع الولايات المتحدة حول قضايا جانبية”!

أكبر من إسفاف وزير

لم يتأخر الترحيب الإسرائيلي بموقف البحرين الرسمي الذي وصفه وزير الاتصالات الإسرائيلي بأنه “دعم تاريخي.. يعكس وجود تحالف جديد في الشرق الأوسط، وأن إسرائيل جزء مهم من هذ التحالف بفضل النشاط المبارك لرئيس الوزراء نتنياهو” (سي إن إن 10/5/2018). إلا إن الترحيب الإسرائيلي إعلامياً وسياسياً رافقه تصعيد إسرائيلي يطالب الدول الخليجية المتعاونة بالمزيد. وهو ما عبر عنه وزير الحربية الإسرائيلي أفغيدور ليبرمان حين طالب الدول العربية المعتدلة “التي تدعم قرار الرئيس الأمريكي بالإنسحاب من الإتفاقية النووية مع إيران بأن تخرج من مخبئِها وأن تتحدث بصراحة. فكما إن هناك محور للشر، فلقد حان الوقت لقيام محور للدول المعتدلة” (يديعوت أحرنوت 10/5/2018).ا

الملفت أن السلطات الرسمية في البحرين تلتزم الصمت تجاه هذه الأخبار، بما فيها تصريحات وزير خارجيتها، وهو من العائلة الحاكمة، أو تصريحات مماثلة من غيره من المسئولين. ولم يتجرأ الإعلاميون في البحرين على التعليق على التصريح سلباً أو إيجاباً. وهم لا يتجرأون على نشر أخبار زيارات يقوم بها أفرادٌ من العائلة الحاكمة إلى إسرائيل، وعن التبادل التجاري وعلاقات التعاون بين البلدين.

قبل أشهر، نشرت “إسرائيل تايمز” (23/9/2017) عن تسارع خطوات تطبيع علاقات اسرائيل مع البحرين بعد إزدياد التقارب بين الدولتيَن اللتين تجمعهما معاداتهما لإيران. لن يتضمن التطبيع إقامة علاقات ديبلوماسية مباشرة بل سيُكتفى بتبادل الزيارات الرسمية وزيادة التبادل التجاري والثقافي والتعاون في المجال الأمني والتدريب.
إلا إن ردود الفعل المنددة بالموقف الرسمي البحريني لم تتأخر، سواءً من داخل البحرين أو خارجها. من أهم الأصوات المعترضة إبراهيم شريف، وهو أحد قادة المعارضة الأساسيين خارج السجن في البحرين الذي سارع لتذكير وزير خارجية بلاده ببديهية إن المحتل لا حقوق له في الأرض التي يحتلها ويدّعي الدفاع عنها. بل إن القيادي المعارض خاطب الوزير مباشرة ليؤكد له أن تصريحاته تؤهله لأن يصبح “موظفاً في جهاز الدعاية الصهيوني، لكنها بالتأكيد لا تؤهلك أن تكون وزير خارجية دولة عربية قراراتها تنص على تحرير الأراضي المحتلة”. لهذا الإعتراض أهمية خاصة بالنظر إلى شدة القبضة الأمنية التي تسيطر على البلاد منذ 2011، أي منذ شاركت القوات السعودية والإماراتية في قمع الربيع العربي في البحرين، وما تلا ذلك من إجراءات ومراسيم جرّمت كل أنشطة المعارضة وفرضت قيوداً مشددة على حرية التعبير بإعتبارها “تحريضاً على كراهية النظام”.

مسيرة التطبيع

لقراءة بقية المقال  أنقر هنا

.

Advertisements

حرب تدمير اليمن في عامها الرابع

2018-04-19

بعد أيامٍ قليلة من إعلان الملك سلمان الحرب على اليمن في منتصف آذار/ مارس 2015، ظهر بوضوح أن “عاصفة الحزم” لن تكون مجرد نزهة عبر الحدود ولن تكون حرباً خاطفة تستمر أياماً أو – في أسوأ الأحوال – بضعة أسابيع.

العجز عن استثمار التفوق

نعم، منذ الساعات الأولى لإعلان الحرب، تمكنت قوات التحالف السعودي ــ الإماراتي مدعومة بقوات رمزيّة من دول خليجية وإسلامية أخرى، من إحكام سيطرتها الفعلية على أجواء اليمن ومياهها الإقليمية. ولكنها فشلت في أن تجني ثمار تفوقها العسكري الهائل (سواء من حيث العدد والعدة والتجهيزات) على المليشيات الحوثية وبقايا الجيش اليمني بقيادة الرئيس السابق على عبد الله صالح. وقتها اتضح إن تفوق العسكري للتحالف السعودي ــ الإماراتي هو تفوقٌ على الورق لن يمكن لأصحابه ترجمته إلى إنجازات استراتيجية على الأرض باتجاه الوصول إلى صنعاء وتحقيق الهدف المعلن للحرب، أي “إعادة تثبيت الشرعية”.

لا يعود ذلك الفشل إلى نقص في الإمكانيات أو إلى عجز في القدرات العسكرية واللوجستية. وهو بالتأكيد لا يعود إلى نقص في الأموال أو ضعف في الإرادة السياسية أو خشية من معارضة داخلية أو خارجية.. بل إلى حقيقة تتمثّل في أن العمود الفقري للقوة العسكرية للتحالف أي القوات السعودية والإماراتية ينقصها التدريب والتأهيل للدخول في حرب حقيقية. ففيما عدا المشاركات الرمزية والرديفة، لم يخُض البلدان في تاريخهما حرباً فعلية.

“اللحظة الخليجية”

من أجل تفسير أوسع لذلك الفشل العسكري، لا بد من التذكير بأن أحد أهداف حرب اليمن كان تدشين “اللحظة الخليجية”، أي تلك الفترة من التاريخ التي سيتولى فيها إما محمد بن سلمان أو محمد بن زايد، أو الاثنان معاً، قيادة الأمة العربية ومحيطها. لم يعد التداول في معنى “اللحظة الخليجية” مجرد فذلكات عابرة بعد أن تلقفها ولي العهد السعودي الذي وجد فيها أساساً لتوليه قيادة “الصحوة العربية”، وبعد أن تلقفها ولي العهد الإماراتي الذي بدوره وجد فيها طريقاً لتسويق تحويل بلاده إلى “إسبارطة” المنطقة العربية

 

سيحتاج مؤرخو الحرب اليمنية للاهتمام بدراسة إخفاقات هذيْن الإثنين، محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، ودورهما في تفاقم مأساة حرب اليمن وإطالة أمدها وفشلها في تحقيق أهدافها. فليس للإثنين اللذين توليا قيادة قوات التحالف مؤهلات يمكنهما الاعتداد بها في مجال التأهيل السياسي أو التدريب العسكري، سوى نسبهما العائلي (في 1979 حضر محمد بن زايد دورة عسكرية لبضعة أشهر في كلية ساندهيرست البريطانية. أما ابن سلمان فلم يُعرف عنه قبل توليه شؤون وزارة الدفاع في بلاده سوى ولعه بالصيد والقنص). وعلى الرغم من ذلك، لم تتوقف وسائل الإعلام في بلديهما عن نقل صور الأميرين وهما يشرفان في مقرات قيادة العمليات العسكرية على تنفيذ الخطط الحربية، أو حين كانا يتابعان مع ضباطهما سير المعارك على الجبهات. بل رأينا في الأشهر الأولى للحرب كيف أدى “انتشارهما الإعلامي” إلى عدوى الصور التذكارية التي حولت جبهات القتال في اليمن إلى مواقع لتصوير من أراد من أولاد العوائل الحاكمة في بلدان الخليج (عدا الكويت وسلطنة عُمان). هذا يطل من قمرة طائرة حربية وذاك وهو يخرج مدججاً بالسلاح من برج دبابة من آخر طراز.

حزم أم أمل؟

بعد أسابيع من إعلان الملك سلمان الحرب، أعلن في نهاية نيسان/ أبريل 2015 عن انتهاء عملية “عاصفة الحزم” واستبدالها بعملية “إعادة الأمل”. برر الإعلام السعودي ذلك القرار بأنه كان استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه هادي وبأن الحرب قد أنجزت “أهدافها وفق الخطط الموضوعة في وقت قياسي”. إلا أن الحرب لم تنته ولم تحقق أهدافها. فلم يكن ذلك الإعلان في حقيقة الأمر سوى اعتراف بوصول الحرب اليمنية إلى طريقٍ مسدود، وتأكيد لعدم قدرة التحالف السعودي الإماراتي على حسمها أو الانسحاب منها.

مقالات ذات صلة

منذ منتصف نيسان/ أبريل 2015 اقتنع المحمدان، السعودي والإماراتي، بأن النصر ضد الحوثيين أو حليفهم الإيراني لم يعد هدفاً محتمل التحقق. لذلك اتجه بن زايد إلى توطيد سيطرة قواته على مناطق واسعة في الجنوب اليمني، تمهيداً لاستثمارها عسكرياً واقتصاديا ضمن حلم تحويل بلاده إلى إسبارطة العرب. أما بن سلمان الذي لا يملك الخيارات المتاحة لشريكه الإماراتي، فأصبح هدف الحرب اليمنية الفعلي هو تدمير اليمن ذاتها وإنهاء احتمالات نهوضها من جديد لعقود كثيرة قادمة. إذ ليست المآسي التي تعانيها اليمن نتيجة للعمليات العسكرية وحدها. فبجانب ضحايا المواجهات العسكرية والقصف، ثمة حرب أخرى تدور خارج ميادين القتال على الرغم من أن أعداد ضحاياها تتصاعد وأنه من المتوقع استمرار آثارها لعقود بعد أن يهدأ صوت المدافع وتتوقف العمليات العسكرية. ويمكن ملاحظة تصاعد هذه الحرب المنسية خلال السنوات الثلاث الماضية في مسارين، أولهما يركز على تدمير البنى التحتية في اليمن ذاتها، والثاني يستهدف فقراء اليمنيين المهاجرين في السعودية والإمارات.

تدمير البنى التحتية

ذكر الأمين العام للأمم المتحدة في 3 نيسان/أبريل 2018 أمام المشاركين في مؤتمر عقدته المنظمة الأممية لتنسيق جهود الإغاثة في اليمن، عدداً من الأمثلة لتوضيح كارثية الأوضاع في ذلك البلد المنكوب، محذراً من “أن يصبح اليمن مأساة طويلة الأمد”. أعاد الأمين العام التذكير بالقصف الذي يتعرض له المدنيون براً وجواً وبحراً، وبانهيار سبل ووسائل توفير الغذاء للناس بحيث شارفت أغلب مناطق البلاد على المجاعة.

فبعد دخول الحرب عامها الرابع تتضاءل احتمالات التوصل إلى تسوية تنهيها أو تقلل، في الحد الأدنى، من آثارها المأساوية، في بلدٍ يقدر خبراء الأمم المتحدة إن ثلثي سكانه في حاجة إلى الإغاثة العاجلة والحماية، ويتعرض مئات الآلاف من أطفاله لخطر الموت بسبب المجاعة. أما من سينجو منهم فستكون أحواله الصحية سيئة طيلة بقية عمره. تتكرر التحذيرات التي أطلقها الأمين العام في أغلب التقارير التي تنشرها مختلف الهيئات التابعة لمنظمته أو التي يعدّها خبراء المنظمات الدولية غير الحكومية. ففي 12 نيسان/ إبريل 2018 نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً كتبه كيفين واتكينز، الرئيس التنفيذي لمنظمة “أنقذوا الأطفال” في بريطانيا، عن مشاهداته في آخر زياراته إلى اليمن. شدّد واتكنز في مقاله على المخاطر المحدقة بالأطفال وصغار السن ليس من جراء القنابل والقذائف وحدها، بل جراء ما يسميه بـ”القتل المتسلل”. فالتحالف السعودي الإماراتي يشدّد الخناق الاقتصادي على اليمن، ليس بمحاصرة الموانئ ومنع وصول المساعدات ومواد الإغاثة فحسب، بل أيضاً باستهداف البنى التحتية المدنية، بما فيها الطرق التي يستخدمها المدنيون للتنقل وللوصول إلى الأسواق وأماكن العمل والمزارع والحقول ومراكز تقديم الخدمات الأساسية.

نعم، تتسبب قذائف الطائرات بأعداد لا تحصى من الضحايا. إلا إن ما لا نتخيله، يقول واتكنز، هو أن مقابل كل طفل مدفون تحت أنقاض مبنى دمرته القنابل “الذكية” هناك عشرات الأطفال الذين يتهددهم التجويع جراء فرض الحصار وتشديد الخناق الاقتصادي وتدمير البنى التحتية.

ترحيل فقراء المهاجرين

بموازاة التدمير الناجم عن استمرار المواجهات العسكرية، وعن استهداف البنى التحتية المدنية، وتشديد الخناق الاقتصادي، عملت السلطات السعودية والإماراتية على التضييق على المهاجرين اليمنيين في البلدين. وتصاعدت إجراءات التضييق في السعودية تحت غطاء “إصلاح سوق العمل وتوطين الوظائف” تمهيداً لتنفيذ “رؤية 2030” السعودية. وكما لاحظت الكاتبة اليمنية بشرى المقطري: “كان موقف السلطات السعودية من اليمنيين الهاربين من الحرب في بلادهم إلى أراضيها مخزياً”. فهي لم تتعاطَ معهم، حسب الكاتبة، بصفتهم لاجئين هاربين من الحرب مما يوجب عليها، حسبما تقرره المواثيق الدولية، الالتزام بتوفير الأمان والحماية لهم. على العكس من ذلك، استخدمت السلطات السعودية التنفيذ التعسفي للسعودة كجزء من عاصفة الحزم. فتحت شعار “إصلاح سوق العمل” تم إلغاء إقامات آلاف اليمنيين وإجبارهم على العودة إلى اليمن أو البحث عن طريق للهجرة إلى بلدان اللجوء في الساحل الأفريقي أو أوروبا. أما من لم يغادروا السعودية طوعاً فيتم احتجازهم تمهيداً لترحيلهم إلى بلادهم التي تمزقها المعارك العسكرية وتدمرها تداعيات الصراعات الإقليمية.

 

http://assafirarabi.com/ar/20963/2018/04/19/%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%aa%d8%af%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9/.

.

سراب الإصلاح في بلدان الخليج العربي

في قمة الرياض التي إنعقدت في نهاية 2015، إتفقت بلدان مجلس التعاون الخليجي على إصدار “الاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة” على أن يقوم كل بلد خليحي “باتخاذ الإجراءات الداخلية لإصدار القانون المحلي والسياسات والإجراءات اللازمة لتطبيق الضريبة بهدف وضع أحكام الاتفاقية موضع التنفيذ”. وفي بداية هذه السنة بدأ ت كلٌ من السعودية والبحرين والإمارات بفرض ضريبة القيمة المضافة بينما أعلنت قطر وسلطنة عُمان والكويت عن تأجيل العمل بالإتفاقية التي ستؤدي الى فرض ضريبة بنسبة 5 في المئة على عشرات البضائع والخدمات، بما فيها الوقود والمواد الغذائية والملابس وفواتير إستهلاك المياه والكهرباء.

خروج على السيناريو المعتاد

يواجه المسئولون الخليجيون في البلدان التي طبقت الإتفاقية أو التي ستطبقها في المستقبل صعوبات ملحوظة في تسويق فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها من ضرائب مباشرة وغير مباشرة. أغلب التبريرات تشير إلى ما ستوفره الضريبة من موارد مالية إضافية للخزينة الحكومية لتغطية “العجز الناجم عن إنخفاض سعر النفط”. إلا إن أكثر التوقعات تفاؤلاً يقدم أرقاماً يمكن تعويضها بمراقبة ما يستنزفه الفساد المستشري في أجهزة الدولة، إن لم نقل بإقتطاع جزء من المخصصات الشهرية لأبناء وبنات العوائل الحاكمة لمجرد إنتمائهم لها

من جانب آخر فإن فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها هو جزءٌ مهمٌ من إلتزامات حكومات بلدان الخليج بالشروط التي يفرضها “صندوق النقد الدولي” الذي تشدّد تقاريره الدورية على ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات والسياسات الإقتصادية في هذه البلدان لمطابقتها مع تصورات الصندوق لمسار الإقتصاد العالمي.  يأمل المسئولون الخليجيون بأن تسهم الإجراءات الأخيرة في إقناع إدارة الصندوق ــ بإعتبارها واجهة مهمة للقوى المهيمنة على الإقتصاد العالمي ــ بجدية نوايا الإصلاح لدى الحكومات الخليجية، وبأن خطط الإصلاح المعلنة ليست مجرد إجراءات مؤقتة في إنتظار الفرج بعودة أسعار النفط إلى الإرتفاع.
لا يبدو واقعياً التعويل على ما ستدره حصيلة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية على خزينة الدولة. فالعوائد المالية من هذه الإجراءات تبقى محدودة وهامشية رغم إنها تقصم ظهور الفقراء. فبدون تغيير جدي في أساليب التصرف في موارد البلدان الخليجية وأساليب إتخاذ القرارات المتعلقة بالإنفاق الحكومي فيها، فلن تؤدي القرارات المعلنة إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية.  وليس ثمة أمل في إصلاح حين يكون من ضمن صلاحيات الأمير أو الملك أو السلطان أن يقرر شخصياً التصرف، ودون الرجوع إلى مؤسسات الدولة، في مليار دولار هنا أو عشرة مليارات هناك أو في مئات المليارات من الدولارات كما حدث عند زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض في أيار / مايو الماضي.

من جانب آخر فإن فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها هو جزءٌ مهمٌ من إلتزامات حكومات بلدان الخليج بالشروط التي يفرضها “صندوق النقد الدولي” الذي تشدّد تقاريره الدورية على ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات والسياسات الإقتصادية في هذه البلدان لمطابقتها مع تصورات الصندوق لمسار الإقتصاد العالمي.  يأمل المسئولون الخليجيون بأن تسهم الإجراءات الأخيرة في إقناع إدارة الصندوق ــ بإعتبارها واجهة مهمة للقوى المهيمنة على الإقتصاد العالمي ــ بجدية نوايا الإصلاح لدى الحكومات الخليجية، وبأن خطط الإصلاح المعلنة ليست مجرد إجراءات مؤقتة في إنتظار الفرج بعودة أسعار النفط إلى الإرتفاع.
لا يبدو واقعياً التعويل على ما ستدره حصيلة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية على خزينة الدولة. فالعوائد المالية من هذه الإجراءات تبقى محدودة وهامشية رغم إنها تقصم ظهور الفقراء. فبدون تغيير جدي في أساليب التصرف في موارد البلدان الخليجية وأساليب إتخاذ القرارات المتعلقة بالإنفاق الحكومي فيها، فلن تؤدي القرارات المعلنة إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية.  وليس ثمة أمل في إصلاح حين يكون من ضمن صلاحيات الأمير أو الملك أو السلطان أن يقرر شخصياً التصرف، ودون الرجوع إلى مؤسسات الدولة، في مليار دولار هنا أو عشرة مليارات هناك أو في مئات المليارات من الدولارات كما حدث عند زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض في أيار / مايو الماضي

يشكل البدء في تطبيق فرض نظام الضريبة غير المباشرة وغيرها من الإجراءات الأخيرة لتقليص الإنفاق الحكومي خروجاً عن السيناريو المعتاد في بلدان التعاون الخليجي في مواجهة الأزمات الإقتصادية الدورية.  فحسب ذلك السيناريو تقوم السلطات الحكومية بالإعلان عن خطط لمعالجة الاخطار التي تتهدد الإقتصاد ولمواجهة التحديات الجدية التي يسببها إنخفاض سعر برميل النفط وعوائده. وحسب السيناريو ذاته لا تخلو تلك الإعلانات من الإشارة إلى هدفين إستراتيجيين يتكرران في كل مرة. ا    لأول هو تنويع مصادر الدخل وتقليل الإعتماد على النفط لتحاشي تبعات تقلبات سوق النفط العالمية. والثاني هو إصلاح سوق العمل وإنهاء مشكلاته البنيوية بما فيها البطالة المزمنة بين المواطنين، والمترافقة مع إعتماد أغلب قطاعات السوق على العمالة المهاجرة. وحسب السيناريو المعتاد، تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد أن يعود سعر البرميل إلى الإرتفاع.  عندها، وحسب المعتاد، تنتقل الإعلانات عن الإصلاحات الإقتصادية والسياسية إلى الأرشيف. ولعل هذا هو ما أشارت إليه المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، في خطابها أمام “منتدى المالية العامة في الدول العربية (دبي، 10 شباط /  فبراير 2018) الذي إنتقدت فيه الإجراءات الإصلاحية “المؤقتة وغير الدائمة” التي تتخذها الحكومات

يشير الإتفاق على فرض ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية إلى إقتناع متأخر لدى المسئولين بأن الأوضاع الإقتصادية في المنطقة لن تتحسن في المستقبل المنظور. وإنهم لا  يستطيعون التعويل على إحتمال إرتفاع سعر برميل النفط للخروج من الأزمة الإقتصادية المستمرة منذ  أكثر من ثلاث سنوات ، أي منذ إنخفاض سعر البرميل إلى أقل من خمسين دولار في بداية 2015.
نعم، وصل سعر برميل النفط في سنوات سابقة إلى أقل من خمسين دولاراً بكثير. إلا إنها كانت فترات مؤقتة كان يمكن للسلطات أن تتعايش معها عن طريق الإستدانة من السوق الداخلية أو الخارجية  في إنتظار أن تؤدي تقلبات السوق النفطية إلى عودة سعر البرميل إلى الإرتفاع.  لم يعد ذلك محتملاً مع تزايد بدائل النفط الخام بما فيها الغاز الصخري. وفوق ذلك،  كانت الإلتزامات المالية للدول الخليجية داخلياً وخارجياً أقل بكثير مما هي عليه الآن.  وتكفي هنا الإشارة إلى تصاعد الإنفاق الخليجي في المجالين الأمني والعسكري وما يستنزفه الفساد، سواء ذاك الذي ترعاه السلطة الحاكمة أو ذاك الآخر الذي تتغاضى عنه.

التعايش مع عجز الميزانية

إستناداً إلى تقديرات مختلفة، من الممكن إفتراض إن سعر التعادل للموازنة العامة (2017) في بلدان الخليج يتراوح بين 64 دولار للبرمبل في الكويت و68 دولار في قطر  و77 دولار في الإمارات و 104 دولار في السعودية و 106 دولار في عُمان  و132 دولار في البحرين. أي أن جميع هذه البلد ان تحتاج من أجل تمويل إنفاقها الحالي إلى أن يرتفع سعر بيع البرميل الواحد إلى أكثر مما هو عليه الآن.
وهي لهذا تلجأ إلى مختلف الحلول المالية المتاحة لتغطية العجز في ميزانيتها. أغلب الحلول المعتادة قصيرة المدى وتتضمن الإستدانة من السوق المحلية والخارجية والسحب من الصناديق السيادية وتسييل الإستثمارات. ففي السعودية، على سبيل المثال، تضاعفت قيمة الدَين العام تسع مرات خلال السنوات بين 2014 و2017.  وتشير وثائق وزارة المالية السعودية إلى توقعَين يستحقان الاهتمام. الأول هو  إستمرار العجز السنوي في  الميزانية السعودية حتى حلول العام 2022 . أما الثاني فهو إستمرار تزايد الديَن العام ليصل إلى 227 مليار دولار في العام نفسه

لقد إتخذت السلطات السعودية عدداً من الإجراءات لتغطية عجز الميزانية ولتمويل الحرب اليمنية. ولعل أخطر ما تضمنته هذه الإجراءات هو سحب أكثر من 243  مليار دولار من الصندوق السيادي لمؤسسة النقد السعودي. حتى الآن أدت السحوبات المتتالية إلى إنخفاض قيمة ذلك الصندوق السيادي من 737 مليار دولار في منتصف 2014 إلى 494 مليار دولار في كانون الثاني / يناير 2018.
ثمة حاجة لعدم المرور سريعاً عند هذه الأرقام. فمبلغ 243 مليار دولار التي سحبته السلطات السعودية  ــ وخاصة منذ مجيء الملك سلمان إلى الحكم  ــ  يزيد على أكثر من ضعف  مجموع المبالغ المخصصة في الميزانية السعودية الأخيرة (2018) للإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والتنمية الإجتماعية والخدمات البلدية مجتمعة.  بل هو مبلغ يقف في موازاة ما يمكن واقعياً تحصيله من بيع الحصة المقررة من أسهم شركة أرامكو لتمويل “رؤية 20.

 

http://arabi.assafir.com/Article/1/10606

15-02-2018

 

 

 

خرافة “تجسير الفجوة” بين المثقف والسلطة في بلدان الخليج العربي

في مثل هذه الأيام من كانون الثاني/ يناير من السنة الماضية، نشر أستاذ جامعة متقاعد في دولة الإمارات تغريدة في تويتر، تمنّى فيها أن تتوفر في الإمارات “حرية تعبير وحرية صحافة وحرية تجّمع…”.  لم ترُق تلك التغريدة للسلطات فقام جهاز أمن الدولة باعتقاله واحتجازه لمدة عشرة أيام. خلال تلك الفترة تحركت عدة منظمات وشخصيات معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان لإدانة قمع السلطات الأماراتية لحرية الرأي والتعبير، ولتطالب بالإفراج عن الأكاديمي المعتقل. في المقابل تجاهل الإعلام الرسمي الخبر، بينما اعتبر من تناوله في مواقع التواصل الإجتماعي “إن من حق الدولة أن تحمي نفسها” . ا

لحسن حظه، خرج الإستاذ الجامعي، الذي يُشيع المقربون منه أنه “مستشار ولي عهد أبو ظبي”، من معتقله ليعلن إنه كان في “رحلة مفاجئة وممتعة ومفيدة للغاية”. بعد تلك الرحلة المفاجئة، صارت تصريحات الرجل وتعليقاته شديدة الإلتزام بالنص الرسمي، كما زاد التركيز فيها على التذكير بمآثر شيوخ البلاد وإنجازاتهم. ا

ليس غاية التذكير بمحنة الرجل الشماتة به وبأمثاله ممن ظنّوا إن موالاتهم للعائلة الحاكمة ستحميهم من عسف سلطاتها الأمنية. فلا أحد يستحق أن يُهان أو أن يُعاقب لمجرد التعبير عن رأي. إلا إن الإشارة هنا إلى تلك الحادثة وأمثالها تخدم رصد سلوكٍ صار شائعاً بين فصيل من المثقفين في منطقة الخليج العربي ومحيطها لا يجدون غضاضة في الدفاع عن سلطات بلادهم حتى ولو كانوا هم أنفسهم من بين ضحايا  عسفهاا

سطوة العوائل الحاكمة على المجال الثقافي

لا تنفرد الإمارات بالشدة في تعاطيها مع كل من يعبّر عن رأي لا يروق لولي الأمر فيها، حتى ولو كان الرأي لا يزيد عن أمنية بمناسبة حلول العام الجديد. ولا يختلف ما فعله جهاز أمن الأمارات بالأستاذ الجامعي عما تفعله الأجهزة الأمنية في بلدان الخليج الأخرى. بل هو يتكرر فيها بأشكال عديدة. خرج الأستاذ الإماراتي وهو ممتن لمحتجزيه على معاملتهم له التي ستختلف بكل تأكيد فيما لو كان ينتمي لتنظيم معارض. فلقد شهدنا في الأشهر الماضية أمثلة عديدة على مقدار الفزع الذي تشعر به العوائل الحاكمة في الخليج من كل رأي فيه شبهة الاختلاف عن الرأي الرسمي، حتى ولو كان أصحابه من عتاة الموالين وأشد المدافعين عن الأنظمة القائمة

تتعدد أشكال السطوة التي تمارسها العوائل الحاكمة في بلدان الخليج العربية على المجالات الثقافية فيها على الرغم من أن أفرادها ليسوا من الفاعلين المميّزين في أيٍ من هذه المجالات. نعم، يخرج بين حين وآخر أميرٌ أو أميرةٌ بقصيدة تذاع عشرات المرات في أجهزة إعلام بلده، وقد يغنّي تلك القصيدة مطربٌ مشهور أو مطربٌة مشهورة، فتنشرها الفضائيات ومواقع التواصل الإجتماعي. إلا إن هذه “الإسهامات الملكية” تبقى محدودة وموسمية لا يُعتد بأغلبها بل ويُنسبُ بعضها إلى أقلام مستأجرة مجهولة الإسم.

على الرغم من ذلك، فإن سطوة العوائل الحاكمة في الخليج على المجال الثقافي في بلدانها وعلى المثقفين هي سطوة شاملة لا يفلت منها كاتبٌ أو شاعر أو فنان مهما علا شأنه أو شأنها، ومهما كبر رأسمالهم الرمزي وإتسعت دائرة المعجبين بهم. أما من يحاولون الإفلات من تلك السطوة فمصيرهم السجن أو المنفى أو ما هو أسوأ.
وتزداد قتامة هذه الصورة في أوقات الأزمات التي تتطلب أن تجند كل عائلة حاكمة من يتيسر لها من الناشطين في المجال الثقافي لمواجهة معارضيها أو لتسقيط أضدادها بين العوائل الحاكمة في البلدان لأخرى. ولقد كشفت أحداث السنوات الثلاث الماضية، بما فيها حرب اليمن والأزمة الخليجية الأخيرة مع قطر، عدم قدرة أغلب العاملين في المجال العام الثقافي الإفلات من أداء الدور الذي تتوقع العائلة الحاكمة في بلادهم منهم أداءه. فالصمتُ في وقت الأزمات ليس من ذهب وليس النأي بالنفس خيار.

تجسير الفجوة

في أوج الطفرة النفطية في بلدان الخليج العربي برزت دعوات لمراجعة العلاقة بين السلطة والمثقف للوصول إلى أساليب ناجعة لما سمي بـ”تجسير الفجوة بين أصحاب الأفكار وأصحاب القرار”.  تقترح إحدى تجليات تلك الفكرة أن يمد الطرفان ــ أصحاب القرار وأصحاب الأفكار ــ ثلاثة جسور تتيح التواصل بينهما حسبما تقتضيه الظروف والإمكانيات والحاجة. أول الجسور ذهبيٌ مخصصٌ لكي يعْبره من يصطفيهم صاحب السلطان لتقديم ما يحتاجه من مشورة. وثانيها جسر فضي يتيح لمن يعبرونه هامشاً من الحرية للتعبير عن آرائهم مقابل سعيهم لإغناء الحياة الثقافية في البلاد وتحاشيهم توجيه النقد غير البناء. أما الجسر الخشبي فهو جسر لا يتيح لعابريه سوى أن تكف السلطة يدها عنهم وتضمن لهم وظائف يعتاشون منها وحدّاً أدنى من الأمان والقدرة على ممارسة العمل الثقافي حتى لو كان مقيّداً. مقابل ذلك يلتزم عابرو الجسر الخشبي بعدم المساهمة في التشكيك في شرعية السلطة أو عرقلة إنفاذ قراراته

إنتشرت هذه الفكرة بتجلياتها المختلفة في بقية البلدان العربية التي تعاطت معها حسب ظروفها وطبيعة توازن القوة بين مكوناتها. أما في بلدان الخليج العربية فلقد كان لها وضع خاص. فهذه البلدان كانت تحت الحماية البريطانية ولم تتخلص منها إلا قبل الطفرة النفطية بثلاث سنوات. ولهذا بدت فكرة تجسير الفجوة جذابة وواعدة بتحقيق طموحات عدة أطراف. فمن جهة كانت العوائل الحاكمة في حاجة لتجنيد الكوادر اللازمة لتشغيل “دولة الإستقلال” وتوسيع أجهزتها الإدارية والديبلوماسية والإعلامية والأمنية. لذا بذلت جهوداً في اجتذاب مثقفي المعارضة وتشجيعهم على الإنضواء فيها. ومن جهة ثانية، كان هناك آلاف المتعلمين من أبناء الشرائح الوسطى والفقيرة الذين تعلموا في الخارج وبقي أغلبهم قبل الطفرة النفطية عاطلين أو أشباه عاطلين عن العمل. ومن جهة ثالثة، كان هناك من بين نشطاء المعارضة وقياداتها من إقتنعوا بقدرتهم على “إختراق” السلطة وإصلاحها من الداخل

استسهل بعض هؤلاء متطلبات تجسير الفجوة بينما رآها البعض الآخر مدخلاً إلى عالمٍ جديد ترعاه العوائل الحاكمة بما يتيسر من الوسائل، بما فيه المكرمات والمسابقات الثقافية والجوائز التقديرية. أما أولئك الذين قاوموا الإغراءات بتفاصيلها فلم يكن أمامهم إلا العزلة أو اللجوء إلى خليط من التقية والترميز والتورية والعمل السري لتمرير إسهاماتهم في المجال الثقافي. ا

لم يكن سهلاً تماماً تسويق دعوة التجسير في منتصف سبعينيات القرن الماضي بين مثقفي بلدان الخليج ممن اعتبروا أن إستقلال بلدانهم لن يكتمل بدون التخلص من إستبداد العوائل الحاكمة. إلا أن التأكيد على “حرية الإختيار” بين الجسور الثلاثة أعطت لمن أراد من المثقفين والنشطاء السياسيين، بمن فيهم من حملوا السلاح وعانوا لسنوات مرارة السجون والمنافي، فرصاً لإعادة ترتيب علاقاتهم بالعوائل الحاكمة. فلم يعد مطلوباً، كما قيل، من المثقف أو المثقفة أن يتخليا عن جميع قناعاتهما وإلتزاماتهما للمشاركة في بناء دولة الإستقلال. فمن لم يكن مؤهلاً لعبور الجسر الذهبي ولم يرغب في عبور الجسر الفضي فله أن يختار الجسر الخشبي.

المثقف الريْعي

في حكاية اعتقال الأكاديمي المعتبر تكمن عبرة تتخطاه شخصياً. فلقد كان بإمكان السلطة الأمنية إستدعاء الرجل لتوبيخه مثلاً. إلا إنها رأت أن تستخدم احتجازه لمدة عشرة أيام لتعلن ما قد لا يعرفه المستجدون في خدمة السلطة. فباعتقاله كانت تضرب مثلاً للناس وتعيد تذكيرهم بأن ليس لأحد عزوة أو هيبة دون رضاها. ا

وفي تلك الحكاية وفي مثيلاتٍ لها من بقية بلدان الخليج العربي يكمن إعلانٌ بأن الفجوة بين المثقفين والعوائل الحاكمة في الخليج باقية وتزداد اتساعاً كما وترتفع كلفة تجاهلها. وفيها يكمن أيضاً إشهار العوائل الحاكمة أن المجال الثقافي الذي ترضى برعايته وتمويله لا يتسع إلا لمثقفٍ من طراز خاص هو المثقف الريْعي. أي ذلك المثقف الملتصقٌ بالسلطة التي توزِّع الريع.  المثقف الريعي بهذه الخاصية هو فصيلٌ بذاته. فلا هو مثقفٌ تقليدي يحلم بالبقاء “فوق الطبقات وخارجها ومعبراً عن ضمير الأمة وعقلها”. ولا هو مثقفٌ عضويٌ ينتمي إلى صلب طبقته (أو قبيلته أو طائفته) يعبِّر عنها ويعمل على تمتين تجانسها ويدافع عن مصالحها كما يراه

مقال منشور في السفير العربي

 

http://arabi.assafir.com/Article/1/10560

 

WOCMES 2018: “Deliberating Academic Freedom in the GCC Countries”

Panel on “Deliberating Academic Freedom in the GCC Countries”

Seville 2018

Language: English
Name of chair: Marc Valeri

University of Exeter

Name of discussant: Abdulhadi Khalaf

Lund University

Open  
Theme: Scientific Culture
IDCOM: PA-1373
Group Code 02700

The panel focuses on academic freedom in the countries of the Gulf Cooperation Council (GCC). It invites papers dealing with various factors influencing academic freedom, including regulations as well as formal and informal practices.

In the GCC countries, universities and institutions of higher learning were state-run institutions without possibilities to establish their institutional autonomy.  University administrators and faculty remained state-employees and were required to offer only curricula approved by higher state authorities. Since the early 1990s, several foreign universities began operating branches in the region.

Most these branches have been attracted by the expected financial returns on investment and/or by the host governments’ offers to subsidize portions of their planning and construction costs. In a few cases, those subsidies cover also operational costs.

Throughout the past decades, the Gulf ruling families have managed to deal with growth of all types of higher academic learning without expanding the restricted perimeters they impose on academic freedom. To achieve this, Gulf States have effectively combined their coercive powers with an elaborate system of patronage through financial subsidies.

Papers presented to this panel may focus, among other topics, on a) the similarities and dissimilarities in the ways state-run universities and branches of foreign universities deal with constraints on academic freedom in the countries of the region; b) the impact of the newly opened branches of foreign universities on the evolution of academic freedom and production of knowledge in the region.

Papers based on research from diverse disciplines are welcomed. If required, the panel could run in two sessions. Proposals should be in English.

Please consult the WOCMES websites http://www.tresculturas.org/wocmes18/ and http://wocmes2018seville.org

Please send of your proposals simultaneously via email to:

Abdulhadi Khalaf,     Abdulhadi.Khalaf@soc.lu.se

and

Marc Valeri,      m.valeri@exeter.ac.uk

 

لماذا زار وفد “بحريني” القدس المحتلة؟ا

بعد أيام من إعلان ترامب إعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، أعلن عن وصول “وفدٌ من البحرين إلى إسرائيل في زيارة رسمية وعلنية، تستمر أربعة أيام، يلتقي خلالها بمسؤولين بالحكومة الإسرائيلية”.
سبّب خبر الزيارة صدمة لكثيرين وأثار غضباً شعبياً في البحرين وخارجها. إلا إن السلطات البحرينية قابلت بالصمت تلك المشاعر وإكتفت ببيان أصدرته وكالة أنباء البحرين يعلن إن الزيارة تمت “بمبادرة ذاتية”، وأنها لا تحظى برعاية رسمية.  لم يهتم من صاغ ذلك البيان بقدرته على إقناع الناس وخاصة أن جمعية “هذه هي البحرين” التي نظّمت الزيارة هي جمعية ملكية معروفة وتحظى أنشطتها برعاية الملك شخصياً كما يتولى الديوان الملكي مباشرة تمويل الأنشطة والمهرجانات التي تعقدها في البحرين وفي الخارج. ا

من القدس المحتلة إلى إستاد البحرين الرياضي

فيا عدا البيان المقتضب لوكالة أنباء البحرين، إلتزمت السلطات البحرينية الصمت حول زيارة القدس المحتلة ولم تعد الصحف المحلية إلى الإشارة إليها إلا عبر التلميح إلى إن إيران تقف وراء حملات “التشكيك في الموقف الرسمي البحريني”. لم يفلح البيان الرسمي ولا الأسطر المعدودة التي تجرأ بعض الصحافيين على نشرها في الصحف المحلية في تهدئة الغضب الشعبي. فشهدت شوارع البحرين تظاهرات متفرقة قمعتها بسرعة قوات الأمن كما إنتشرت في مواقع التواصل الإجتماعي رسائل النشطاء على إختلاف إنتماءاتهم إعتبروا “محاولات التطبيع مع العدو الغاصب، بما فيها الزيارة التي قام بها وفد جمعية “هذه هي البحرين” للقدس المحتلة خيانة للشعب الفلسطيني”.
على الرغم من الصدمة، إلا إن زيارة الجمعية الملكية إلى القدس المحتلة ليست مفاجئة بل تأتي في سياق علاقات قديمة تربط ملك البحرين الحالي قبل وصوله إلى سدة الحكم بقادة إسرائيليين. وقد إنعكست منذ الربيع العربي آثار تلك العلاقات في أساليب تعاطي الأجهزة الأمنية في البحرين، بما فيها فرض الحصار على أحياء وقرى وشق الطرق الإلتفافية  حول “مناطق الإشتباكات” لضمان عزلها.  ا

لم تؤد حملات الإستنكار ولا إنكار وكالة أنباء البحرين وجود علاقة رسمية بالجمعية المذكورة إلى محاسبة الجمعية ومساءلة أعضاء وفدها إلى القدس المحتلة.  بل هي ظلت تمارس”مهماتها” كأن شيئاً لم يكن. فبعد أقل من أسبوع من عودة وفدها من زيارة القدس المحتلة وقفت رئيستها الأسكتلندية الأصل بيتسي ماثيسون بجانب عدد من كبار المسئولين الحكوميين لتفتتح في إستاد البحرين الرياضي مهرجان “العيد الوطني” الذي قامت الجمعية بتنظيمه تحت رعاية الملك وبتمويل الديوان الملكي.
لا يهتم ملك البحرين بشعبه حين يبتعث وفداً لزيارة القدس المحتلة. وهو لا يهتم بالفلسطينيين ولا ببقية العرب.  فهو مهتم بإشعار واشنطن ــ عبر القدس المحتلة ــ إنه ملتزم بخطة طريق تقوده إلى إعلان إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل دون إنتظار التوصل إلى توافق عربي يضمن للفلسطينيين حقوقهم الوطنية ضمن تسوية إقليمية عادلة.  ثمة إحتمال إن ملك البحرين ربما ينتظر أن تمنحه زيارة الوفد “البحريني” إلى القدس المحتلة  مسافة يسبق بها أشقاءه حكام الخليج ممن يسيرون مثله، ومنذ سنوات، بخطوات مترددة على طريق التطبيع مع إسرائيل.  فلا أحد يمكنه تجاهل السباق الخفيّ بين البلدان الخليجية التي تزايدت في السنوات الأخيرة أخبار اللقاءات والزيارات المتبادلة بين مسئوليها والمسئولين الإسرائيليين. بعض تلك اللقاءات والزيارات تتم في سرية شديدة فلا تشير إليها إلا التسريبات غير المقصودة. إلا أن أغلبها صار معلناً ولا يحاول المشاركون فيه إخفائه بعدما راج بقوة ــ منذ إعتلاء سلمان وولده حكم السعودية ــ شعار “عدونا الرئيسي هو إيران وليس إسرائيل”.

البحرين غنيمة غزوة 1783

بالإضافة إلى سياقها الخليجي، لا بد من النظر إلى زيارة الوفد “البحريني” لمعرفة ما تعكسه من علامات خصوصية وضع البحرين والنظام السياسي فيها.  فالعائلة الحاكمة في البحرين هي الوحيدة بين إثنتي عشر عائلة حاكمة في بلدان الخليج التي تفاخر كل يوم بأنها غزت البحرين قبل قرنين وإنها أسست في البحرين منذ 1783 “دولة عربية مسلمة مستقلة ذات سيادة” حسبما يردد الملك في خطاباته. وهي العائلة الحاكمة الوحيدة التي تحتفل سنوياً بذكرى “الفتح” في عيدها الوطني، لتذكير الناس بأن شرعيتها لا تستند إلى إرادتهم  بل إلى إعتبار البلاد من غنائم تلك الغزوة. ا

يكره المسئولون في البحرين وحتى أصدقاؤهم في الخارج الإشارة إلى أوجه الشبه بين ممارسات الأجهزة الأمنية في البحرين تجاه مواطنيها مع ممارسات قوى الاحتلال الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. فكيف يقارن أحدٌ حاكماً عربياً بصهيوني؟ إلا إن من المهم مناقشة تشابه طبيعة وتبريرات ممارسات سلطتي الأمر الواقع في البلدين. نعم، يختلف حجم القمع وتاريخه إلا أن من يتابع التغيرات التي أدخلها ملك البحرين في السنوات الأخيرة على أساليب أجهزته الأمنية قد يجد تفسيراً لمفاخرة حمد بن عيسى بالعلاقات القائمة بين أجهزته الأمنية ونظيرتها الإسرائيلية.  ولا غرابة أن يرى ملك البحرين في إسرائيل نموذجاً يمكن أن يتعلم منه أو على الأقل أن يستفيد من خبراتها وأساليب تعاملها مع الفلسطينيين قمعاً وإستيطاناً وتغييراً ديموغرافياً.

طريق الملك المسدود

لا يمكن اعتبار إرسال وفد الجمعية الملكية إلى القدس المحتلة نزوة. كما لا يمكن تفسير الزيارة بأنها خطوة لاختبار ردّات فعل الشعوب العربية تمهيداً لخطوات تصالحية مع إسرائيل يقوم بها حكام البلدان الخليجية وفي مقدمتها السعودية. قد يكون لهذيْن السببين ما يسندهما. إلا إن الزيارة تعبر قبل كل شيء عن خصوصية علاقة العائلة الحاكمة في البحرين بشعبها
حين تولى حمد الحكم في 1999 بدا مقتنعاً بقدرته على أن يقنع المعارضة  ــ أو على الأقل قسماً كبيراً منها ــ بخطته لتحديث سلطة عائلته. وتمثلت تلك الخطة بإعلان دستور وإقامة مؤسسات دستورية حديثة ولكنها تشرعن موروثات الفتح وحق العائلة الحاكمة في غنائمه.  وكانت أمام حمد مؤشرات كثيرة تؤكد تلك القناعة. فلقد توصل إلى تسويات أرضت أقساماً رئيسية في المعارضة الإسلامية واليسارية رغم إنها لم تمس أيأ من إمتيازات العائلة الحاكمة. بل إن تلك التسويات، بما فيها تلك التي جرى التوصل إليها في ظل ثلاث دورات برلمانية بين 2002 و2010  أضافت معيقات لمساعي بناء مؤسسات الدولة وكرّست سلطة الأمر الواقع. وها مثالين على هذه المعيقات المضافة:
يتعلق الأول بالتغيير الديموغرافي الذي شهدته البلاد منذ حكم حمد بن عيسى البحرين.  كانت إحدى مميزات البحرين في محيطها الخليجي هي إن البحرينيين يشكلون أكثرية السكان. وكان هذا أحد مصادر قوة الحركة الوطنية والحركة العمالية فيها.  فعلى الرغم من التغييرات الديموغرافية التي شهدتها بلدان المنطقة، بما فيها البحرين، وخاصة بعد الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، بقي المواطنون في البحرين يشكلون أغلبية سكانها وأغلبية قوة العمل فيها. وبعد 18 عاماً من تولي الملك الحالي الحكم، تحول المواطنون إلى أقلية بين السكان وفي سوق العمل.  يبيِّن التعداد الأخير للسكان (2001) إن عدد سكان البحرين يزيد قليلاً على 650 ألف نسمة يشكل المواطنون أكثر من 62 في المئة منهم. في العام 2016 زاد عدد السكان على ضعف ما كان عليه قبل خمسة عشر سنة، ليصل حسب التقديرات الرسمية إلى 1.424 مليون نسمة يشكل المواطنون نسبة 46.6 في المئة منهم. ا

يربط بعض الدارسين الزيادة المضطردة في إستيراد العمال الأجانب بنمو سوق العمل. كما يربطها آخرون بعوامل أخرى من قبيل أن العمال المحليين لا يقبلون العمل في المهن التي يتولاها العمال الأجانب. إلا إن هذين التفسيرين لا يستندان إلى دراسات جادة لسوق العمل ولا إلى معرفة عملية. ففي الوقت الذي ترتفع فيه نسبة العمالة الأجنبية ترتفع أيضاً نسبة العاطلين بين العمال البحرينيين، كما تنتشر نسبة العاطلين وشبه العاطلين بين العمال الأجانب أنفسهم. ولهذا يجب النظر إلى مؤشرات إن الزيادة الملحوظة في أعداد العمال الأجانب هي إحدى نتائج سياسة إغراق سوق العمل المحلي بهدف ضغط الأجور وإحتواء الدور السياسي الذي كان يلعبه العمال في الحياة السياسية في البحرين. ا

أما المثال الثاني فهو ما يُعرف في البحرين بـ “التجنيس السياسي” الذي تصاعد منذ تولي حمد الحكم قبل ثماني عشر سنة. فعلى الرغم من صرامة الشروط التي تفرضها القوانين والأنظمة المتعلقة إلا إن حمد تجاوزها لتجنيس أعدادٍ غير معلنة ممن لا تنطبق عليهم الشروط المنصوص عليها. رحبت بعض القوى السياسية بعمليات التجنيس الجماعي لإقتناعها بأنها ستؤدي إلى إيجاد توازن ديمغرافي لصالح “المكوِّن السني” في مقابل “المكوِّن الشيعي” الغالب عددياً.  تلّقف إعلام المعارضة هذه التفسير رغم تهافته.  فلم يمض وقتٌ طويل قبل أن يتبين إن أول الخاسرين من ذلك التجنيس غير القانوني هم فقراء السنة الذين أخذت أهميتهم السياسية في الإنخفاض وبدأ تقليص الخدمات الأساسية لهم. فوجد هؤلاء أنفسهم يخسرون أجزاءً من حصتهم من المكرمات بينما الحكومة تسعى لتوفير السكن والعمل والخدمات للبحرينيين “الجدد”. بل وأدى تزايد أعداد المجنسين إلى خسارة أبناء وبنات الشرائح الفقيرة السنية “الأفضلية” التي كانت تُعطى لهم للإلتحاق بعدد من المؤسسات الحكومية بما فيها قوى الأمن والقوات المسلحة.
لا تستند عمليات التجنيس الجماعي إلى الفزعة المذهبية أو حتى إلى رغبة العائلة الحاكمة في خلق توازن ديموغرافي بين السنة والشيعة.  فتبعات الاحتقان جراء التجنيس السياسي، كما يشير الباحث البحريني عمر الشهابي، “تشمل أغلب عناصر المجتمع البحريني. ففي حادثة شهيرة قبل عامَين، وقعت صدامات بين أفراد عائلة سنّية وبعض المجنّسين سياسياً، وأثارت القضية سجالاً واسعاً في أوساط الرأي العام في الجزيرة. في الواقع، غالباً ما يشتكي السنّة من أن تداعيات التجنيس تطالهم أكثر من سواهم، لأن المجنَّسين سياسياً يشغلون عادةً وظائف (في القوى الأمنية) يسيطر عليها السنّة تاريخياً، ويعيشون في مناطق ذات غالبية سنّية”.ا

شيئاً فشيئاً بدأت تتضح لهذا المكون وذاك وغيرهما إن الهدف الحقيقي من عمليات التجنيس الجماعي ليس “تسنين” البحرين بل “هو حاجة العائلة الحاكمة إلى إستيراد الولاء والموالين” حسب تعبير أحد القادة اليساريين في البحرين.  وهو إستنتاج تسنده المعلومات المتوفرة حول عمليات التجنيس الجماعي قبل الربيع العربي وبعده.
كانت الأرقام المتداولة عشية إنتفاضة اللؤلؤة في شباط/ فبراير 2011 تتراوح بين 70 ألف و90 ألف شخص تم تجنيسهم بمراسيم أميرية غير معلنة. أي بمعدل 7 الى 9 آلاف في كل سنة من العشر سنوات الأولى من العهد. أغلب المستفيدين من هذه المراسيم في تلك الفترة هم من العرب السوريين واليمنيين والأردنيين والسودانيين وخاصة العاملين منهم في أجهزة الأمن والقوات المسلحة وعوائلهم. أما ما حدث مع قمع المعارضة منذ 2011 فيحتاج إلى دراسة خاصة بالنظر إلى إن عمليات التجنيس الجماعي تتم إما بمراسيم ملكية غير معلنة أو بقرارات سرية يتخذها وزير الداخلية. إلا إنه يمكن الإشارة إلى أن صعود الهواجس الأمنية ضد المواطنين العرب القادمين من بلدان الربيع العربي مثل سوريا واليمن أدت إلى زيادة التوجه نحو تجنيس وافدين من الباكستان والهند وبلدان شرقي آسيا. وفي هذا الصدد، يمكن استعادة تصريح للسفير الباكستاني لدى البحرين في 2014 يشير إلى إن عدد من تم تجنيسهم من مواطنيه في البحرين يتراوح بين 25 ألف و30 ألف بالإضافة إلى 5 آلاف على قائمة الإنتظار.  ا

الزيارة وإصطفافات ما بعد دوار اللؤلؤة

كان حراك الربيع العربي في البحرين في شباط / فبراير 2011 إعلاناً بفشل مشروع ملك البحرين الطامح لإدامة سلطة الأمر الواقع المستندة إلى موروث الفتح عن طريق تغطيتها بأردية الدولة الدستورية. فحين تجرأ أول ناشطة أو ناشط على ترديد شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، كانا يعلنان نهاية حقبة مؤلمة من تاريخ البلاد. كما كان مرددو الشعار يعلنون عن بداية فصل جديد في العلاقة بين العائلة الحاكمة وبين من كانت تعتبرهم رعايا، يعيشون على أرض فتحها أجداد العائلة في 1783.

لم تعد التسويات التي عقدها الملك مع بعض النخب السياسية كافية ولم يعد يجدي تكرار الوعود بمكرمات قادمة. من جهتهم فقد الوجهاء والأعيان مصداقيتهم وسلطتهم على الناس فلم تعد جهودهم قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها.  لذلك يسعى ملك البحرين في أن يجد في تطوير علاقاته بإسرائيل مصدر قوة يستند إليها رغم مخاطرها. فهو إختبر فوائد هذه العلاقات في تفعيل أساليب تعامل أجهزة الأمنية مع المعارضة والأنشطة الإحتجاجية. ا


 

مقال منشور في السفير العربي

23-12-2017

 

http://arabi.assafir.com/Article/25/10520


 

إزدواجية معايير الجامعات الغربية وفروعها في الخليج

توالت في الأشهر الماضية أخبارإحتجاجات قام بها أساتذة جامعة نيويورك ضد إدارة جامعتهم وفرعها في مدينة أبوظبي على خلفية عدم وقوفهما ضد إنتهاكات حكومة الإمارات للحرية الأكاديمية، وضد ممارساتها التمييزية.  ومؤخراً، أعلن الأساتذة المحتجون وقف تعاملهم مع فرع جامعتهم في أبو ظبي، وطالبوا إدارة الجامعة بإتخاذ مواقف للدفاع عن الحرية الأكاديمية والبحث العلمي. وقد ساندت تلك الإحتجاجات “رابطة دراسات الشرق الأوسط لشمال أمريكا – ميسا” التي وجهت في الثاني من تشرين الأول / أكتوبر الماضي رسالة إلى رئيس جامعة نيويورك تحتج فيها على “معاملة فرع الجامعة في أبو ظبي لمواطنين أمريكيين وباحثين جرى التمييز ضدهم بسبب الطائفة والموقف السياسي”.

ليست جامعة نيويورك وحيدة في صمتها تجاه إنتهاك حريات أساتذة وطلبة فرعها في أبوظبي. لذلك تستثير التغطية الإعلامية الأخيرة أسئلة حول ما تفعله فروع الجامعات الغربية، وخاصة إداراتها، في خدمة أنظمة الحكم القمعية في بلدان الخليج العربي، كما تشير إلى الحاجة للبحث عن العوامل التي جعلت وتجعل سلوك إدارات هذه الجامعات، وخاصة العريقة منها، ومواقفها تجاه الحريات الأكاديمية بما فيها حرية البحث العلمي والتعبير، لا يختلف عن سلوك الجامعات المحلية.  فعلى سبيل المثال، لا فرق في هذا المجال بين جامعة مثل جامعة السوربون وجامعة حكومية في أي بلد خليجي. فحين إعتقلت السلطات الأمنية في الإمارات في نيسان/ أبريل 2011 الدكتور ناصر بن غيث، المدرِّس في فرع السوربون هناك، صمتت إدارة جامعته. وكذلك صمتت إدارة جامعة البحرين حين إعتقلت السلطات الأمنية في الفترة نفسها الدكتورعبد الجليل السنكيس وفصلت أساتذة آخرين لمشاركتهم في حراك دوار اللؤلؤة في البحرين.

الجامعة الرسمية إشهارٌ لقيام الدولة

قبل ستين عاماً، إفتتح الملك السعودي سعود بن عبد العزيز أول جامعة سعودية. وظلت جامعة الملك سعود وحيدة في عموم منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى أن أنشأت الكويت في 1966 جامعتها الوطنية. في السنوات العشرين التالية نشأت جامعات رسمية في بقية إمارات المنطقة، بما فيها تلك التي لم تكن في حاجة لجامعة.  إلا إن قيام مؤسسات التعليم العالي في المنطقة ساهم في توفير فرص لم تكن متاحة للحصول على التعليم الجامعي لأبناء وبنات الشرائح الإجتماعية محدودة الدخل.  كما أسهم في تغلب كثير من الفتيات على معيقات إجتماعية حصرت حرية السفر لطلب العلم في الذكور

وعلى الرغم من عمرها القصير، إلا أنه من الممكن تقسيم تاريخ مؤسسات التعليم الجامعي في منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى طورين. بدأ الأول في 1957 وشهد إنشاء الجامعات الرسمية في السعودية أولاً ثم الكويت وبعدهما بقية إمارات الخليج.  أما الطور الثاني فدشنه في 1993 إفتتاح أول فرعٍ لجامعة أجنبية في المنطقة. تبع تلك الجامعة عشرات الجامعات الأجنبية التي أسست لها فروعاً في مختلف بلدان الخليج.
يرتبط إنشاء الجامعات الخليجية الرسمية إرتباطاً وثيقاً بنشوء سلسلة من المؤسسات الأخرى التي أقيمت لإشهار وجود “الدولة الخليجية”. ولقد أرست الكويت بعد إستقلالها نموذجاً إستنسخته شقيقاتها مشيخات الخليج التي تخلصت في 1971 من الهيمنة البريطانية.  فكما تحتاج “الدولة” لإشهار قيامها إلى علمٍ ورايات وأوسمة وإلى نشيدٍ وطني وجيشٍ رأت كل عائلة حاكمة إنها تحتاج أيضاً إلى جامعة رسمية. فأدت الجامعات دورها التزييني كما قامت أيضاً بدورها في تخريج المتعلمين في الإختصاصات التي تحتاجها الإدارات الحكومية والمؤسسات الجديدة في دولة ما بعد الإستقلال

وفرت الظروف والعوامل السياسية المؤثرة خلال الطورين للعوائل الحاكمة القدرة والوسائل لإحتواء التاثيرات غير المرغوب فيها لمؤسسات التعليم العالي على الأوضاع السياسية السائدة في بلدان المنطقة.  علاوة على ذلك، فلقد إبتلت الجامعات الرسمية منذ نشأتها بتشوهات خلقية جعلتها عاجزة عن الصمود أمام إشتراطات العائلة الحاكمة في بلدها وضغوطها. أما الجامعات الأجنبية، بما فيها الجامعات الغربية، فقد بقيت رهائن لمختلف المغريات، وخاصة التغطية المالية والتسهيلات اللوجستية، علاوة على متطلبات التوسع والإنتشار. هذه  العوامل مجتمعة ــ دون أن نشير إلى الفساد ــ جعلت حتى “أرقى” هذه الجامعات تتخلى عن الحدود الدنيا مما يتطلبه منها تاريخها ومكانتها وصيتها.  بل على العكس.  فثمة أمثلة كثيرة توضح كيف ساهمت الجامعات الخليجية الرسمية منها والأجنبية كمؤسسات، أوعبر طواقمها الأكاديمية، في إفشال محاولات توسيع هوامش الحرية الأكاديمية وحرية التعبير.

الطلاق البائن بين الجامعة والمجتمع في الخليج

طيلة السبعة عقود الماضية، منذ قيام أول جامعة خليجية، لم تتمكن جامعات المنطقة من التخلص من تشوهات ولادتها وأن تؤثر إيجابياً في محيطها. ومن أبرز تلك التشوهات واقع إنها مؤسسة حكومية غير مستقلة لا تختلف في وضعها القانوني والإداري والوظيفي عن بقية الإدارات الحكومية التي تنفذ ما تقرره لها العائلة الحاكمة. وفي غياب أدوات الحكم الديمقراطي تبقى الجامعة الرسمية ــ مؤسسة وطواقم أكاديمية وفنية ــ رهينة بيد السلطة السياسية.  ولهذا، فليس مستغرباً ما نقله الزميل ساري حنفي عن أحمد العيسى (رئيس سابق لجامعة اليمامة في السعودية ووزير التعليم حالياً) الذي وصف العلاقة بين الجامعة والمجتمع في بلاده بأنها “علاقة طلاق بائن”. سبب هذا الطلاق البائن هو “التوجس المبالغ فيه لدى المسؤولين في الجامعات، ولدى المسؤولين في وزارة التعليم العالي، من منح الجامعات فرصة الانفتاح على قضايا المجتمع وإطلاق الحريات في مناقشة القضايا الحساسة، فحرصوا على ألّا يكون للجامعات موقف من هذه القضية أو تلك”.ا

لا تختلف العلاقة بين الجامعات والمجتمع في بقية بلدان الخليج عن توصيف أحمد العيسى لتلك العلاقة في بلاده. إلا إن العوامل التي أدت إليها لا تنحصر في “توجس المسئولين في الجامعة أو الوزارة”. فمن العوامل التي لا يمكن تجاهلها هو القمع الذي مارسته السلطات الأمنية طيلة العقود الماضية على مختلف شرائح المجتمع بمن فيها طلبة الجامعات وأساتذتها. وحتى بعض من صمد أمام القمع وجدت السلطة له أو لها منفذاً بطرق أخرى ووسائل وفرتها لها الطفرة النفطية وإحتكارها لتوزيع موارد البلاد.

مسلسل الإرتزاق الأكاديمي

دشن إفتتاح فرع لأحدى الجامعات الأسترالية في 1993 بداية لما أصبح تدافعاً ملحوظاً بين جامعات أجنبية على وضع يدها على جزء من سوق التعليم الجامعي في المنطقة. وهو سوقٌ ساهمت في توسيعه الإجراءات التي إتخذتها الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الغربية بعد أحداث أيلول /  سبتمبر2001 في نيويورك وما تلاها.  جذبت السوق الجديدة جامعات مشكوك فيها لكنها وجدت موقعاً لها عن طريق شراكات بين أصحابها مع هذا أو ذاك من أمراء المنطقة.  أما الجامعات المعتبَرة وذات التاريخ الأكاديمي فلقد جذبها إلى الخليج التنافس الحاد بين أمراء الخليج على إغرائها بتقديم ما يلزمها من تسهيلات ودعم.
أسس حاكم قطر في 1995 “المدينة التعليمية” في الدوحة على مساحة عشرة كيلومترات مربعة لتكون مخصصة للجامعات الأجنبية. تكفلت قطر ببناء المدينة وتجهيزها، وهي تتولى عبر “مؤسسة قطر” صرف ميزانيتها التشغيلية. ولا يبدو إن هذه الجامعات في حاجة لتحمّل أعباء تذكر عدا مشقة الإنتقال. تضم المدينة التعليمية الآن، بالإضافة إلى جامعة حمد بن خليفة، فروعاً لجامعات كندية وهولندية وبريطانية بالإضافة إلى فروع لستِ جامعات أميركية.ا

 لا يُعرف المبلغ النهائي الذي صرفته قطر على “مدينتها التعليمية”، إلا أن من المتوقع أن يكون أكثر مما صرفته أمارة أبوظبي لإجتذاب واحدة من الجامعات المعتبرة.  إذ تشير التقديرات المتوفرة إلى أن كلفة بناء وتجهيز فرع جامعة نيويورك في أبوظبي بلغت مليار دولار لأمريكي تكفلت بها الإمارة. يضاف إلى هذا المبلغ ما تتحمله حكومة الإمارة من مبالغ لتغطية المصاريف التشغيلية للجامعة، علاوة على دعم رواتب الأساتذة والطواقم القادمة من نيويورك.
تتكرر هاتان الحكايتان بصور مختلفة في بلدان الخليج الأخرى التي تتنافس فيما بينها على إجتذاب ما يتيسر لها من جامعات ضمن الحدود التي تسمح بها مواردها.  لا يثير هذا التنافس إهتماماً خاصاً ولا هو بجديدٍ أو يستدعي العجب.  فمنذ الطفرة النفطية قبل أربعة عقود شهدنا نتائج تنافس حكام بلدان الخليج العربي فيما بينهم على شراء كل ما يمكن التباهي به دون بذل جهدٍ سوى دفع المال المطلوب. فلقد تنافس حكام الخليج على من منهم سيكون لديه أكثر الأبنية إرتفاعاً أو أكثر الملاعب الرياضية إتساعاً أو أكثر السباقات شهرة. وهم يتبارون على إستقطاب الرياضيين والرياضيات من أفريقيا وبلدان القوقاز وغيرها للتباهي بما يحصده هؤلاء من ميداليات وأوسمة. فلا حدود للتنافس على المكانة والمجد إلا ما توفره للشيخِ مواردُ بلاده.ا

يصرف الحاكم الخليجي الملايين وحتى المليارات لإجتذاب أدوات للمفاخرة كي يتباهى بها بين أقرانه وبين الناس. ولا تختلف أساليب تعامله مع تلك الأدوات، سواءً أكانت رياضية أو فنية أو أكاديمية. فهو حين دفع المليون أو المليار فإنه يتوقع أن تقوم كل أداة حتى ولو كانت جامعة راقية وعريقة بدورها في خدمته. العجيب إن جميع الجامعات الأجنبية، العريقة منها وغير العريقة، التي أسست فروعاً لها في بلدان الخليج خلال ربع القرن الماضي إستقرت في المنطقة ولم تجد ما لا يوافقها ويدفعها للإحتجاج عليه. فهذه الجامعات إستوعبت إن ما يريد الحاكم منها لا يتضمن الدفاع عن الحرية الأكاديمية. ا

مقال منشور في السفير العربي

30-11-2017

 

 

 

 

 

.