حوار منشور في مجلة مواطن – الجزء الثاني

 

حوار منشور في مجلة مواطن

 

 

http://muwatinmagazine.net/archives/5153

نيوم : مدينة أحلام بن سلمان

ما هو مشروع مدينة المستقبل الجديدة (“نيوم”) التي أعلن عنها الأمير بن سلمان؟   وكيف ومن أجل ماذا سيُنفَق نصف تريليون دولار على هذا المشروع؟

 

في الأسبوع الأخير من تشرين الأول/ أكتوبر 2017، فاجأ ولي العهد السعودي المشاركين في منتدى “مبادرة مستقبل الاستثمار” المنعقد بالرياض (والذي أطلق عليه اسم “دافوس الصحراء”!) بالإعلان عن مشروع بناء “مدينة المستقبل” تحت إسم “نيوم” (NEOM اختصاراً لـM = مستقبل، وNeo = جديد)، تجسيداً لما أعلنه الأمير عن حاجة بلاده إلى “حالمين” عوضاً عن التقليديين: “الحلم” هو أن تكون المدينة مغطاة بالكامل بشبكة انترنت “واي فاي” مجانية عالية المستوى وأن تسير فيها سيارات نقل بلا سائقين وطائرات “درون” بركّاب، وقد يسكنها أناس آليون (روبوت) أكثر من البشريين الخ… تبلغ كلفة إنشاء المدينة 500 مليار دولار أميركي يقوم بتوفيرها “صندوق الاستثمارات العامة” السعودي ومستثمرين محليين وعالميين، عن طريق طرح نسبة من أسهم شركة النفط السعودية “أرامكو” في أسواق المال العالمية.

لم يتضمن إعلان محمد بن سلمان عن مشروعه العملاق تفاصيل أخرى عدا ما تحتويه عادة الإعلانات والمطويات والمواقع الترويجية (مثل موقع “إكتشف نيوم”). فعبر هذا الموقع وغيره نعرف إن الأنشطة الإقتصادية في المدينة الجديدة ستؤدي إلى الارتقاء بقطاعات الطاقة والمياه والزراعة والصناعة والتعليم والصحة والإعلام والنقل إلخ… وحسب إحدى تلك الإعلانات الترويجية، فإن “نيوم” ستكون “إحدى نتائج التطلعات الطموحة لرؤية 2030. وستكون منطقة مستقلة تحكمها قوانين وأعراف وُضعتْ خصيصاً لتسهيل النمو الإقتصادي ولرفاهية سكانها، ولتكون أكثر المدن في العالم جذباً لأفضل المواهب ومركزاً للتجارة والاختراعات والإبداع”. ولكن لا نجد أوراق عمل ولا مخططات ولا دراسات جدوى ولا محاولات جادة للإجابة على الأسئلة الأولية من قبيل: كيف؟ ومتى؟ وبمن؟ وهي أسئلة تطرح عادة قبل البدء ببناء منزل عائلي أو مشروع تجاري صغير، فكيف عن مشروع يكلف نصف تريليون دولار.

إسرائيل: الشريك الصامت

سيقام مشروع “نيوم” شمال غرب المملكة السعودية ليجمع الدول المتشاطئة على خليج العقبة أي السعودية والأردن ومصر (وإسرائيل المسكوت عن ذكرها حتى الآن). سيُقام الجزء السعودي من المشروع على مساحة تزيد على 26500 كلم مربع (أكبر من مساحة لبنان بمرتيْن ونصف، وثلاثة أضعاف مساحة جزيرة قبرص، وما يعادل 35 مرة مساحة البحرين). لم تتضح حتى الآن المساحة الجغرافية التي ستخصصها كل من إسرائيل والأردن للمشروع، بينما أعلنت مصر عن تخصيص ألف كلم مربع من أراضيها جنوب شرق سيناء لمشاريع رديفة لمشروع “نيوم”. علاوة على ذلك، فإن المشروع يتضمن تشييد جسر جديد بين مصر والسعودية يحمل اسم الملك سلمان. ولقد كرر ولي العهد السعودي مراراً تصريحات مفادها إن العمل في بناء الجسر سينطلق في 2020 ليكون جزءا من خطط التنمية الاقتصادية، ولتحويل جزء معقول من تجارة المنطقة مع أوروبا لتمر عبر السعودية ثم شمال سيناء

لا تشير أيٌ من الإعلانات الترويجية إلى حجم مساهمة إسرائيل ودورها في مشروع ولي العهد السعودي. إلا إن هذا لا يعني إن إسرائيل غائبة أو غير معنية بمشروعٍ سيؤدي، إن تحَقَق، إلى تغيير أساسي في العلاقات بين الدول المتشاطئة حول خليج العقبة. فحتى دون النظر إلى نمو العلاقات الودية، المعلنة وغير المعلنة، بين الدول الأربع، فثمة حقائق جيوسياسية لا يمكن تجاهلها قبل التخطيط لتشييد جسر يرتفع فوق معبر مياه دولي. فما بالك إذا كان ذلك المعبر الدولي ذا خلفية خاصة كما هو حال خليج العقبة، وخاصة مضائق تيران. فبسبب ذلك لا بد من الحصول ليس فقط على موافقة إسرائيل بل على تعاونها، ولهذا تروج الأخبار غير المؤكدة عن لقاءات متتالية جمعت مسؤولين إسرائيليين وسعوديين، بمن فيهم محمد بن سلمان، وخاصة بعدما “أعادت” مصر جزر صنافر وتيران إلى السعودية، تمهيداً للإعلان عن مشروع “نيوم”.

بن سلمان وهوس المشاريع الكبرى

لا يمكن الحكم على فرص نجاح أو فشل مشروع “نيوم” بسبب غياب المعلومات اللازمة. فهل سيكون مثلاً أكثر حظاً من مشروع “مدينة الملك عبد الله الاقتصادية” على ساحل البحر الأحمر بالقرب من مدينة جدة؟ لقد كلفت تلك المدينة حتى الآن أكثر من خمسين مليار دولار أميركي وكان مخططاً أن يسكن فيها 50 ألف نسمة بحلول عام 2020، وأن تقوم بالأدوار التنموية والإستثمارية والترفيهية نفسها التي ستقوم بها مدينة محمد بن سلمان تلك. إلا إن ما تحقق من تلك الخطط أقل بكثير من كل ما قيل.

لا نحتاج إلى الذهاب بعيداً عند البحث عن العوامل التي تؤدي إلى فشل المشاريع العملاقة في الدول الإستبدادية. فهذه المشاريع تولد كلما حلم حاكمٌ مستبد بأن “يصنع تاريخاً” سواء في صورة نصر عسكري أم مشروع عمراني. وحين يكون المستبد جاهلاً ومغروراً تتراكم الأخطاء وتتفاقم آثارها. ففي البدء نرى الحاكم المستبد مقتنعاً بأنه يرى ما لا يراه الناس، فيرغمهم على رؤية ما يرى. فلا يجرؤ أحدٌ – خوفاً أو طمعاً – حتى إلى لفت نظره إلى أخطاء في الرؤية أو في طريقة وضع خطط تنفيذها أو في الأشخاص الذين انتقاهم لتنفيذ رؤيته وخططها. وحين تغيب المحاسبة لا يحتاج هؤلاء سوى إلى استمرار رضاه، مهما كان فسادهم شائعاً وسوء تأهيلهم واضحاً.

يقدِّم هوس محمد بن سلمان بالمشاريع الكبرى نموذجاً لحاكمٍ مستبد استطاع في ثلاث سنوات أن يراكم أخطاء كبيرة كلّفت الكثير من يقدِّم هوس محمد بن سلمان بالمشاريع الكبرى نموذجاً لحاكمٍ مستبد استطاع في ثلاث سنوات أن يراكم أخطاء كبيرة كلّفت الكثير من الأرواح والأموال والفرص الضائعة. أول تلك المشاريع الكبرى كانت حرب اليمن (“عاصفة الحزم”) التي أعلنها بعد ثلاثة أشهر من وصوله إلى واجهة الحكم. أراد بن سلمان أن يفعل ما لم يفعله الأوائل. إلا إنه لم يكن مؤهلاً لذلك، بالإضافة إلى عدم قدرته على تحليل ميزان القوى في المنطقة ونقاط ضعف بلاده، مما أدى به إلى أن يتصرف مثل الثور الهائج. ووجد بن سلمان من يصفق له من بين “الخبراء الإستراتيجيين” في بلاده، وبين سماسرة السلاح وقادة الدول المصنِّعة للسلاح. وبعد أكثر من ثلاث سنوات، ما زالت حرب اليمن مستمرة وليس ثمة أمل في خروج بن سلمان منها منتصراً حتى ولو هُزم الحوثيون. وبعد “عاصفة الحزم”، كرّت الأخطاء الاستراتيجية الأخرى التي أدخلت السعودية وبقية دول الخليج والجزيرة العربية في دوامة جديدة من النزاعات تستنزف موارد بلدان المنطقة وتعزز هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية عليها. .

المستشار كلاوس كلاينفيلد بين مَرتَعي فساد

في الثالث من تموز/ يوليو 2018، أعلن عن ترفيع كلاوس كلاينفيلد، الرئيس التنفيذي لمشروع “نيوم”، ليصبح مستشاراً لولي العهد محمد بن سلمان. جاء هذا الترفيع مفاجئاً بسبب سرعته، إذ لم تمضِ سوى أشهر قليله منذ تسلم منصبه كرئيس تنفيذي لمشروع “نيوم”، وقبل أن يطرح للعلن أياً من الخطط التي سيتمكن بها من تحويل “الرؤية” إلى وقائع فعلية يراها الناس. وهكذا سيتفرغ كلاينفيلد في موقعه الجديد للقيام بمهام “أكبر وأوسع نطاقا لتعزيز التنمية الاقتصادية والتقنية والمالية في المملكة العربية السعودية”.

لا يبشر هذا الإعلان بخير. فمن مؤهلات كلاينفيلد إنه كان يعمل سابقاً في شركة “سيمنس” الالمانية العملاقة، وقد غادرها في 2007 بعد الكشف عن فضيحة فساد كبرى داخلها. وتشير تقارير إعلامية إن تحقيقات النيابة العامة كشفت عن نظام متشعب من الرشاوى المالية والتنسيق غير الشرعي في تحديد الأسعار في مجال إنتاج الطاقة، أدت إلى أن تفرض مفوضية الاتحاد الأوروبي على الشركة غرامة مالية بمبلغ 419 مليون يورو. فهل يستطيع مستشارٌ له هذه المؤهلات والخبرة الطويلة في مرتع فسادٍ أوروبي أن يُحوِّل – في مرتع الفساد السعودي – أحلام محمد بن سلمان وبضمنها “رؤية 2030″، إلى حقائق على الأرض؟

 

http://assafirarabi.com/ar/21894/2018/07/09/%d9%86%d9%8a%d9%88%d9%85-%d9%85%d8%af%d9%8a%d9%86%d8%a9-%d8%a3%d8%ad%d9%84%d8%a7%d9%85-%d8%a8%d9%86-%d8%b3%d9%84%d9%85%d8%a7%d9%86/

 

 

 

 

 

التطبيع البحريني مع إسرائيل يخرج إلى العلن

 

 

بعد إعلان إسرائيل عن شن هجومٍ بالصواريخ على أهداف في سوريا، سارع وزير خارجية البحرين بإعلان تأييده للهجوم بإعتباره حقاً مشروعاً. وكتب في موقعه الرسمي على تويتر “طالما أن إيران أخلّت بالوضع القائم في المنطقة واستباحت الدول بقواتها وصواريخها، فإنه يحق لأي دولة في المنطقة، ومنها إسرائيل، أن تدافع عن نفسها بتدمير مصادر الخطر.” لم يأخذ البعض تغريدة الوزير بجدية، مكتفين بإضافتها إلى سلسلة من “التخبيصات” التي إشتهر بها. فهو نشر بعد لقائه بالرئيس المصري محمد مرسي في 7/9/2012 تغريدة يقول فيها “لن أقلق على مصر وعلى سدتها رجلٌ صادقٌ أمين”. وبعد إنقلاب السيسي إنقلب الوزير البحريني فنشر تغريدة سخر فيها من محمد مرسي مستشهداً بأغنية ” السح الدح إمبو”. والوزير خالد أحمد الخليفة هو نفسه الذي صرّح عشية جلسة تعقد في الأمم المتحدة للتصويت على مشروع قرار برفض موقف ترامب بشأن القدس بأنه “ليس من المفيد افتعال معركة مع الولايات المتحدة حول قضايا جانبية”!

أكبر من إسفاف وزير

لم يتأخر الترحيب الإسرائيلي بموقف البحرين الرسمي الذي وصفه وزير الاتصالات الإسرائيلي بأنه “دعم تاريخي.. يعكس وجود تحالف جديد في الشرق الأوسط، وأن إسرائيل جزء مهم من هذ التحالف بفضل النشاط المبارك لرئيس الوزراء نتنياهو” (سي إن إن 10/5/2018). إلا إن الترحيب الإسرائيلي إعلامياً وسياسياً رافقه تصعيد إسرائيلي يطالب الدول الخليجية المتعاونة بالمزيد. وهو ما عبر عنه وزير الحربية الإسرائيلي أفغيدور ليبرمان حين طالب الدول العربية المعتدلة “التي تدعم قرار الرئيس الأمريكي بالإنسحاب من الإتفاقية النووية مع إيران بأن تخرج من مخبئِها وأن تتحدث بصراحة. فكما إن هناك محور للشر، فلقد حان الوقت لقيام محور للدول المعتدلة” (يديعوت أحرنوت 10/5/2018).ا

الملفت أن السلطات الرسمية في البحرين تلتزم الصمت تجاه هذه الأخبار، بما فيها تصريحات وزير خارجيتها، وهو من العائلة الحاكمة، أو تصريحات مماثلة من غيره من المسئولين. ولم يتجرأ الإعلاميون في البحرين على التعليق على التصريح سلباً أو إيجاباً. وهم لا يتجرأون على نشر أخبار زيارات يقوم بها أفرادٌ من العائلة الحاكمة إلى إسرائيل، وعن التبادل التجاري وعلاقات التعاون بين البلدين.

قبل أشهر، نشرت “إسرائيل تايمز” (23/9/2017) عن تسارع خطوات تطبيع علاقات اسرائيل مع البحرين بعد إزدياد التقارب بين الدولتيَن اللتين تجمعهما معاداتهما لإيران. لن يتضمن التطبيع إقامة علاقات ديبلوماسية مباشرة بل سيُكتفى بتبادل الزيارات الرسمية وزيادة التبادل التجاري والثقافي والتعاون في المجال الأمني والتدريب.
إلا إن ردود الفعل المنددة بالموقف الرسمي البحريني لم تتأخر، سواءً من داخل البحرين أو خارجها. من أهم الأصوات المعترضة إبراهيم شريف، وهو أحد قادة المعارضة الأساسيين خارج السجن في البحرين الذي سارع لتذكير وزير خارجية بلاده ببديهية إن المحتل لا حقوق له في الأرض التي يحتلها ويدّعي الدفاع عنها. بل إن القيادي المعارض خاطب الوزير مباشرة ليؤكد له أن تصريحاته تؤهله لأن يصبح “موظفاً في جهاز الدعاية الصهيوني، لكنها بالتأكيد لا تؤهلك أن تكون وزير خارجية دولة عربية قراراتها تنص على تحرير الأراضي المحتلة”. لهذا الإعتراض أهمية خاصة بالنظر إلى شدة القبضة الأمنية التي تسيطر على البلاد منذ 2011، أي منذ شاركت القوات السعودية والإماراتية في قمع الربيع العربي في البحرين، وما تلا ذلك من إجراءات ومراسيم جرّمت كل أنشطة المعارضة وفرضت قيوداً مشددة على حرية التعبير بإعتبارها “تحريضاً على كراهية النظام”.

مسيرة التطبيع

لقراءة بقية المقال  أنقر هنا

.

حرب تدمير اليمن في عامها الرابع

2018-04-19

بعد أيامٍ قليلة من إعلان الملك سلمان الحرب على اليمن في منتصف آذار/ مارس 2015، ظهر بوضوح أن “عاصفة الحزم” لن تكون مجرد نزهة عبر الحدود ولن تكون حرباً خاطفة تستمر أياماً أو – في أسوأ الأحوال – بضعة أسابيع.

العجز عن استثمار التفوق

نعم، منذ الساعات الأولى لإعلان الحرب، تمكنت قوات التحالف السعودي ــ الإماراتي مدعومة بقوات رمزيّة من دول خليجية وإسلامية أخرى، من إحكام سيطرتها الفعلية على أجواء اليمن ومياهها الإقليمية. ولكنها فشلت في أن تجني ثمار تفوقها العسكري الهائل (سواء من حيث العدد والعدة والتجهيزات) على المليشيات الحوثية وبقايا الجيش اليمني بقيادة الرئيس السابق على عبد الله صالح. وقتها اتضح إن تفوق العسكري للتحالف السعودي ــ الإماراتي هو تفوقٌ على الورق لن يمكن لأصحابه ترجمته إلى إنجازات استراتيجية على الأرض باتجاه الوصول إلى صنعاء وتحقيق الهدف المعلن للحرب، أي “إعادة تثبيت الشرعية”.

لا يعود ذلك الفشل إلى نقص في الإمكانيات أو إلى عجز في القدرات العسكرية واللوجستية. وهو بالتأكيد لا يعود إلى نقص في الأموال أو ضعف في الإرادة السياسية أو خشية من معارضة داخلية أو خارجية.. بل إلى حقيقة تتمثّل في أن العمود الفقري للقوة العسكرية للتحالف أي القوات السعودية والإماراتية ينقصها التدريب والتأهيل للدخول في حرب حقيقية. ففيما عدا المشاركات الرمزية والرديفة، لم يخُض البلدان في تاريخهما حرباً فعلية.

“اللحظة الخليجية”

من أجل تفسير أوسع لذلك الفشل العسكري، لا بد من التذكير بأن أحد أهداف حرب اليمن كان تدشين “اللحظة الخليجية”، أي تلك الفترة من التاريخ التي سيتولى فيها إما محمد بن سلمان أو محمد بن زايد، أو الاثنان معاً، قيادة الأمة العربية ومحيطها. لم يعد التداول في معنى “اللحظة الخليجية” مجرد فذلكات عابرة بعد أن تلقفها ولي العهد السعودي الذي وجد فيها أساساً لتوليه قيادة “الصحوة العربية”، وبعد أن تلقفها ولي العهد الإماراتي الذي بدوره وجد فيها طريقاً لتسويق تحويل بلاده إلى “إسبارطة” المنطقة العربية

 

سيحتاج مؤرخو الحرب اليمنية للاهتمام بدراسة إخفاقات هذيْن الإثنين، محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، ودورهما في تفاقم مأساة حرب اليمن وإطالة أمدها وفشلها في تحقيق أهدافها. فليس للإثنين اللذين توليا قيادة قوات التحالف مؤهلات يمكنهما الاعتداد بها في مجال التأهيل السياسي أو التدريب العسكري، سوى نسبهما العائلي (في 1979 حضر محمد بن زايد دورة عسكرية لبضعة أشهر في كلية ساندهيرست البريطانية. أما ابن سلمان فلم يُعرف عنه قبل توليه شؤون وزارة الدفاع في بلاده سوى ولعه بالصيد والقنص). وعلى الرغم من ذلك، لم تتوقف وسائل الإعلام في بلديهما عن نقل صور الأميرين وهما يشرفان في مقرات قيادة العمليات العسكرية على تنفيذ الخطط الحربية، أو حين كانا يتابعان مع ضباطهما سير المعارك على الجبهات. بل رأينا في الأشهر الأولى للحرب كيف أدى “انتشارهما الإعلامي” إلى عدوى الصور التذكارية التي حولت جبهات القتال في اليمن إلى مواقع لتصوير من أراد من أولاد العوائل الحاكمة في بلدان الخليج (عدا الكويت وسلطنة عُمان). هذا يطل من قمرة طائرة حربية وذاك وهو يخرج مدججاً بالسلاح من برج دبابة من آخر طراز.

حزم أم أمل؟

بعد أسابيع من إعلان الملك سلمان الحرب، أعلن في نهاية نيسان/ أبريل 2015 عن انتهاء عملية “عاصفة الحزم” واستبدالها بعملية “إعادة الأمل”. برر الإعلام السعودي ذلك القرار بأنه كان استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه هادي وبأن الحرب قد أنجزت “أهدافها وفق الخطط الموضوعة في وقت قياسي”. إلا أن الحرب لم تنته ولم تحقق أهدافها. فلم يكن ذلك الإعلان في حقيقة الأمر سوى اعتراف بوصول الحرب اليمنية إلى طريقٍ مسدود، وتأكيد لعدم قدرة التحالف السعودي الإماراتي على حسمها أو الانسحاب منها.

مقالات ذات صلة

منذ منتصف نيسان/ أبريل 2015 اقتنع المحمدان، السعودي والإماراتي، بأن النصر ضد الحوثيين أو حليفهم الإيراني لم يعد هدفاً محتمل التحقق. لذلك اتجه بن زايد إلى توطيد سيطرة قواته على مناطق واسعة في الجنوب اليمني، تمهيداً لاستثمارها عسكرياً واقتصاديا ضمن حلم تحويل بلاده إلى إسبارطة العرب. أما بن سلمان الذي لا يملك الخيارات المتاحة لشريكه الإماراتي، فأصبح هدف الحرب اليمنية الفعلي هو تدمير اليمن ذاتها وإنهاء احتمالات نهوضها من جديد لعقود كثيرة قادمة. إذ ليست المآسي التي تعانيها اليمن نتيجة للعمليات العسكرية وحدها. فبجانب ضحايا المواجهات العسكرية والقصف، ثمة حرب أخرى تدور خارج ميادين القتال على الرغم من أن أعداد ضحاياها تتصاعد وأنه من المتوقع استمرار آثارها لعقود بعد أن يهدأ صوت المدافع وتتوقف العمليات العسكرية. ويمكن ملاحظة تصاعد هذه الحرب المنسية خلال السنوات الثلاث الماضية في مسارين، أولهما يركز على تدمير البنى التحتية في اليمن ذاتها، والثاني يستهدف فقراء اليمنيين المهاجرين في السعودية والإمارات.

تدمير البنى التحتية

ذكر الأمين العام للأمم المتحدة في 3 نيسان/أبريل 2018 أمام المشاركين في مؤتمر عقدته المنظمة الأممية لتنسيق جهود الإغاثة في اليمن، عدداً من الأمثلة لتوضيح كارثية الأوضاع في ذلك البلد المنكوب، محذراً من “أن يصبح اليمن مأساة طويلة الأمد”. أعاد الأمين العام التذكير بالقصف الذي يتعرض له المدنيون براً وجواً وبحراً، وبانهيار سبل ووسائل توفير الغذاء للناس بحيث شارفت أغلب مناطق البلاد على المجاعة.

فبعد دخول الحرب عامها الرابع تتضاءل احتمالات التوصل إلى تسوية تنهيها أو تقلل، في الحد الأدنى، من آثارها المأساوية، في بلدٍ يقدر خبراء الأمم المتحدة إن ثلثي سكانه في حاجة إلى الإغاثة العاجلة والحماية، ويتعرض مئات الآلاف من أطفاله لخطر الموت بسبب المجاعة. أما من سينجو منهم فستكون أحواله الصحية سيئة طيلة بقية عمره. تتكرر التحذيرات التي أطلقها الأمين العام في أغلب التقارير التي تنشرها مختلف الهيئات التابعة لمنظمته أو التي يعدّها خبراء المنظمات الدولية غير الحكومية. ففي 12 نيسان/ إبريل 2018 نشرت صحيفة الغارديان البريطانية مقالاً كتبه كيفين واتكينز، الرئيس التنفيذي لمنظمة “أنقذوا الأطفال” في بريطانيا، عن مشاهداته في آخر زياراته إلى اليمن. شدّد واتكنز في مقاله على المخاطر المحدقة بالأطفال وصغار السن ليس من جراء القنابل والقذائف وحدها، بل جراء ما يسميه بـ”القتل المتسلل”. فالتحالف السعودي الإماراتي يشدّد الخناق الاقتصادي على اليمن، ليس بمحاصرة الموانئ ومنع وصول المساعدات ومواد الإغاثة فحسب، بل أيضاً باستهداف البنى التحتية المدنية، بما فيها الطرق التي يستخدمها المدنيون للتنقل وللوصول إلى الأسواق وأماكن العمل والمزارع والحقول ومراكز تقديم الخدمات الأساسية.

نعم، تتسبب قذائف الطائرات بأعداد لا تحصى من الضحايا. إلا إن ما لا نتخيله، يقول واتكنز، هو أن مقابل كل طفل مدفون تحت أنقاض مبنى دمرته القنابل “الذكية” هناك عشرات الأطفال الذين يتهددهم التجويع جراء فرض الحصار وتشديد الخناق الاقتصادي وتدمير البنى التحتية.

ترحيل فقراء المهاجرين

بموازاة التدمير الناجم عن استمرار المواجهات العسكرية، وعن استهداف البنى التحتية المدنية، وتشديد الخناق الاقتصادي، عملت السلطات السعودية والإماراتية على التضييق على المهاجرين اليمنيين في البلدين. وتصاعدت إجراءات التضييق في السعودية تحت غطاء “إصلاح سوق العمل وتوطين الوظائف” تمهيداً لتنفيذ “رؤية 2030” السعودية. وكما لاحظت الكاتبة اليمنية بشرى المقطري: “كان موقف السلطات السعودية من اليمنيين الهاربين من الحرب في بلادهم إلى أراضيها مخزياً”. فهي لم تتعاطَ معهم، حسب الكاتبة، بصفتهم لاجئين هاربين من الحرب مما يوجب عليها، حسبما تقرره المواثيق الدولية، الالتزام بتوفير الأمان والحماية لهم. على العكس من ذلك، استخدمت السلطات السعودية التنفيذ التعسفي للسعودة كجزء من عاصفة الحزم. فتحت شعار “إصلاح سوق العمل” تم إلغاء إقامات آلاف اليمنيين وإجبارهم على العودة إلى اليمن أو البحث عن طريق للهجرة إلى بلدان اللجوء في الساحل الأفريقي أو أوروبا. أما من لم يغادروا السعودية طوعاً فيتم احتجازهم تمهيداً لترحيلهم إلى بلادهم التي تمزقها المعارك العسكرية وتدمرها تداعيات الصراعات الإقليمية.

 

http://assafirarabi.com/ar/20963/2018/04/19/%d8%ad%d8%b1%d8%a8-%d8%aa%d8%af%d9%85%d9%8a%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d9%8a%d9%85%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%b9%d8%a7%d9%85%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d8%a7%d8%a8%d8%b9/.

.

سراب الإصلاح في بلدان الخليج العربي

في قمة الرياض التي إنعقدت في نهاية 2015، إتفقت بلدان مجلس التعاون الخليجي على إصدار “الاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة” على أن يقوم كل بلد خليحي “باتخاذ الإجراءات الداخلية لإصدار القانون المحلي والسياسات والإجراءات اللازمة لتطبيق الضريبة بهدف وضع أحكام الاتفاقية موضع التنفيذ”. وفي بداية هذه السنة بدأ ت كلٌ من السعودية والبحرين والإمارات بفرض ضريبة القيمة المضافة بينما أعلنت قطر وسلطنة عُمان والكويت عن تأجيل العمل بالإتفاقية التي ستؤدي الى فرض ضريبة بنسبة 5 في المئة على عشرات البضائع والخدمات، بما فيها الوقود والمواد الغذائية والملابس وفواتير إستهلاك المياه والكهرباء.

خروج على السيناريو المعتاد

يواجه المسئولون الخليجيون في البلدان التي طبقت الإتفاقية أو التي ستطبقها في المستقبل صعوبات ملحوظة في تسويق فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها من ضرائب مباشرة وغير مباشرة. أغلب التبريرات تشير إلى ما ستوفره الضريبة من موارد مالية إضافية للخزينة الحكومية لتغطية “العجز الناجم عن إنخفاض سعر النفط”. إلا إن أكثر التوقعات تفاؤلاً يقدم أرقاماً يمكن تعويضها بمراقبة ما يستنزفه الفساد المستشري في أجهزة الدولة، إن لم نقل بإقتطاع جزء من المخصصات الشهرية لأبناء وبنات العوائل الحاكمة لمجرد إنتمائهم لها

من جانب آخر فإن فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها هو جزءٌ مهمٌ من إلتزامات حكومات بلدان الخليج بالشروط التي يفرضها “صندوق النقد الدولي” الذي تشدّد تقاريره الدورية على ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات والسياسات الإقتصادية في هذه البلدان لمطابقتها مع تصورات الصندوق لمسار الإقتصاد العالمي.  يأمل المسئولون الخليجيون بأن تسهم الإجراءات الأخيرة في إقناع إدارة الصندوق ــ بإعتبارها واجهة مهمة للقوى المهيمنة على الإقتصاد العالمي ــ بجدية نوايا الإصلاح لدى الحكومات الخليجية، وبأن خطط الإصلاح المعلنة ليست مجرد إجراءات مؤقتة في إنتظار الفرج بعودة أسعار النفط إلى الإرتفاع.
لا يبدو واقعياً التعويل على ما ستدره حصيلة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية على خزينة الدولة. فالعوائد المالية من هذه الإجراءات تبقى محدودة وهامشية رغم إنها تقصم ظهور الفقراء. فبدون تغيير جدي في أساليب التصرف في موارد البلدان الخليجية وأساليب إتخاذ القرارات المتعلقة بالإنفاق الحكومي فيها، فلن تؤدي القرارات المعلنة إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية.  وليس ثمة أمل في إصلاح حين يكون من ضمن صلاحيات الأمير أو الملك أو السلطان أن يقرر شخصياً التصرف، ودون الرجوع إلى مؤسسات الدولة، في مليار دولار هنا أو عشرة مليارات هناك أو في مئات المليارات من الدولارات كما حدث عند زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض في أيار / مايو الماضي.

من جانب آخر فإن فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها هو جزءٌ مهمٌ من إلتزامات حكومات بلدان الخليج بالشروط التي يفرضها “صندوق النقد الدولي” الذي تشدّد تقاريره الدورية على ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات والسياسات الإقتصادية في هذه البلدان لمطابقتها مع تصورات الصندوق لمسار الإقتصاد العالمي.  يأمل المسئولون الخليجيون بأن تسهم الإجراءات الأخيرة في إقناع إدارة الصندوق ــ بإعتبارها واجهة مهمة للقوى المهيمنة على الإقتصاد العالمي ــ بجدية نوايا الإصلاح لدى الحكومات الخليجية، وبأن خطط الإصلاح المعلنة ليست مجرد إجراءات مؤقتة في إنتظار الفرج بعودة أسعار النفط إلى الإرتفاع.
لا يبدو واقعياً التعويل على ما ستدره حصيلة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية على خزينة الدولة. فالعوائد المالية من هذه الإجراءات تبقى محدودة وهامشية رغم إنها تقصم ظهور الفقراء. فبدون تغيير جدي في أساليب التصرف في موارد البلدان الخليجية وأساليب إتخاذ القرارات المتعلقة بالإنفاق الحكومي فيها، فلن تؤدي القرارات المعلنة إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية.  وليس ثمة أمل في إصلاح حين يكون من ضمن صلاحيات الأمير أو الملك أو السلطان أن يقرر شخصياً التصرف، ودون الرجوع إلى مؤسسات الدولة، في مليار دولار هنا أو عشرة مليارات هناك أو في مئات المليارات من الدولارات كما حدث عند زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض في أيار / مايو الماضي

يشكل البدء في تطبيق فرض نظام الضريبة غير المباشرة وغيرها من الإجراءات الأخيرة لتقليص الإنفاق الحكومي خروجاً عن السيناريو المعتاد في بلدان التعاون الخليجي في مواجهة الأزمات الإقتصادية الدورية.  فحسب ذلك السيناريو تقوم السلطات الحكومية بالإعلان عن خطط لمعالجة الاخطار التي تتهدد الإقتصاد ولمواجهة التحديات الجدية التي يسببها إنخفاض سعر برميل النفط وعوائده. وحسب السيناريو ذاته لا تخلو تلك الإعلانات من الإشارة إلى هدفين إستراتيجيين يتكرران في كل مرة. ا    لأول هو تنويع مصادر الدخل وتقليل الإعتماد على النفط لتحاشي تبعات تقلبات سوق النفط العالمية. والثاني هو إصلاح سوق العمل وإنهاء مشكلاته البنيوية بما فيها البطالة المزمنة بين المواطنين، والمترافقة مع إعتماد أغلب قطاعات السوق على العمالة المهاجرة. وحسب السيناريو المعتاد، تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد أن يعود سعر البرميل إلى الإرتفاع.  عندها، وحسب المعتاد، تنتقل الإعلانات عن الإصلاحات الإقتصادية والسياسية إلى الأرشيف. ولعل هذا هو ما أشارت إليه المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، في خطابها أمام “منتدى المالية العامة في الدول العربية (دبي، 10 شباط /  فبراير 2018) الذي إنتقدت فيه الإجراءات الإصلاحية “المؤقتة وغير الدائمة” التي تتخذها الحكومات

يشير الإتفاق على فرض ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية إلى إقتناع متأخر لدى المسئولين بأن الأوضاع الإقتصادية في المنطقة لن تتحسن في المستقبل المنظور. وإنهم لا  يستطيعون التعويل على إحتمال إرتفاع سعر برميل النفط للخروج من الأزمة الإقتصادية المستمرة منذ  أكثر من ثلاث سنوات ، أي منذ إنخفاض سعر البرميل إلى أقل من خمسين دولار في بداية 2015.
نعم، وصل سعر برميل النفط في سنوات سابقة إلى أقل من خمسين دولاراً بكثير. إلا إنها كانت فترات مؤقتة كان يمكن للسلطات أن تتعايش معها عن طريق الإستدانة من السوق الداخلية أو الخارجية  في إنتظار أن تؤدي تقلبات السوق النفطية إلى عودة سعر البرميل إلى الإرتفاع.  لم يعد ذلك محتملاً مع تزايد بدائل النفط الخام بما فيها الغاز الصخري. وفوق ذلك،  كانت الإلتزامات المالية للدول الخليجية داخلياً وخارجياً أقل بكثير مما هي عليه الآن.  وتكفي هنا الإشارة إلى تصاعد الإنفاق الخليجي في المجالين الأمني والعسكري وما يستنزفه الفساد، سواء ذاك الذي ترعاه السلطة الحاكمة أو ذاك الآخر الذي تتغاضى عنه.

التعايش مع عجز الميزانية

إستناداً إلى تقديرات مختلفة، من الممكن إفتراض إن سعر التعادل للموازنة العامة (2017) في بلدان الخليج يتراوح بين 64 دولار للبرمبل في الكويت و68 دولار في قطر  و77 دولار في الإمارات و 104 دولار في السعودية و 106 دولار في عُمان  و132 دولار في البحرين. أي أن جميع هذه البلد ان تحتاج من أجل تمويل إنفاقها الحالي إلى أن يرتفع سعر بيع البرميل الواحد إلى أكثر مما هو عليه الآن.
وهي لهذا تلجأ إلى مختلف الحلول المالية المتاحة لتغطية العجز في ميزانيتها. أغلب الحلول المعتادة قصيرة المدى وتتضمن الإستدانة من السوق المحلية والخارجية والسحب من الصناديق السيادية وتسييل الإستثمارات. ففي السعودية، على سبيل المثال، تضاعفت قيمة الدَين العام تسع مرات خلال السنوات بين 2014 و2017.  وتشير وثائق وزارة المالية السعودية إلى توقعَين يستحقان الاهتمام. الأول هو  إستمرار العجز السنوي في  الميزانية السعودية حتى حلول العام 2022 . أما الثاني فهو إستمرار تزايد الديَن العام ليصل إلى 227 مليار دولار في العام نفسه

لقد إتخذت السلطات السعودية عدداً من الإجراءات لتغطية عجز الميزانية ولتمويل الحرب اليمنية. ولعل أخطر ما تضمنته هذه الإجراءات هو سحب أكثر من 243  مليار دولار من الصندوق السيادي لمؤسسة النقد السعودي. حتى الآن أدت السحوبات المتتالية إلى إنخفاض قيمة ذلك الصندوق السيادي من 737 مليار دولار في منتصف 2014 إلى 494 مليار دولار في كانون الثاني / يناير 2018.
ثمة حاجة لعدم المرور سريعاً عند هذه الأرقام. فمبلغ 243 مليار دولار التي سحبته السلطات السعودية  ــ وخاصة منذ مجيء الملك سلمان إلى الحكم  ــ  يزيد على أكثر من ضعف  مجموع المبالغ المخصصة في الميزانية السعودية الأخيرة (2018) للإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والتنمية الإجتماعية والخدمات البلدية مجتمعة.  بل هو مبلغ يقف في موازاة ما يمكن واقعياً تحصيله من بيع الحصة المقررة من أسهم شركة أرامكو لتمويل “رؤية 20.

 

http://arabi.assafir.com/Article/1/10606

15-02-2018

 

 

 

خرافة “تجسير الفجوة” بين المثقف والسلطة في بلدان الخليج العربي

في مثل هذه الأيام من كانون الثاني/ يناير من السنة الماضية، نشر أستاذ جامعة متقاعد في دولة الإمارات تغريدة في تويتر، تمنّى فيها أن تتوفر في الإمارات “حرية تعبير وحرية صحافة وحرية تجّمع…”.  لم ترُق تلك التغريدة للسلطات فقام جهاز أمن الدولة باعتقاله واحتجازه لمدة عشرة أيام. خلال تلك الفترة تحركت عدة منظمات وشخصيات معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان لإدانة قمع السلطات الأماراتية لحرية الرأي والتعبير، ولتطالب بالإفراج عن الأكاديمي المعتقل. في المقابل تجاهل الإعلام الرسمي الخبر، بينما اعتبر من تناوله في مواقع التواصل الإجتماعي “إن من حق الدولة أن تحمي نفسها” . ا

لحسن حظه، خرج الإستاذ الجامعي، الذي يُشيع المقربون منه أنه “مستشار ولي عهد أبو ظبي”، من معتقله ليعلن إنه كان في “رحلة مفاجئة وممتعة ومفيدة للغاية”. بعد تلك الرحلة المفاجئة، صارت تصريحات الرجل وتعليقاته شديدة الإلتزام بالنص الرسمي، كما زاد التركيز فيها على التذكير بمآثر شيوخ البلاد وإنجازاتهم. ا

ليس غاية التذكير بمحنة الرجل الشماتة به وبأمثاله ممن ظنّوا إن موالاتهم للعائلة الحاكمة ستحميهم من عسف سلطاتها الأمنية. فلا أحد يستحق أن يُهان أو أن يُعاقب لمجرد التعبير عن رأي. إلا إن الإشارة هنا إلى تلك الحادثة وأمثالها تخدم رصد سلوكٍ صار شائعاً بين فصيل من المثقفين في منطقة الخليج العربي ومحيطها لا يجدون غضاضة في الدفاع عن سلطات بلادهم حتى ولو كانوا هم أنفسهم من بين ضحايا  عسفهاا

سطوة العوائل الحاكمة على المجال الثقافي

لا تنفرد الإمارات بالشدة في تعاطيها مع كل من يعبّر عن رأي لا يروق لولي الأمر فيها، حتى ولو كان الرأي لا يزيد عن أمنية بمناسبة حلول العام الجديد. ولا يختلف ما فعله جهاز أمن الأمارات بالأستاذ الجامعي عما تفعله الأجهزة الأمنية في بلدان الخليج الأخرى. بل هو يتكرر فيها بأشكال عديدة. خرج الأستاذ الإماراتي وهو ممتن لمحتجزيه على معاملتهم له التي ستختلف بكل تأكيد فيما لو كان ينتمي لتنظيم معارض. فلقد شهدنا في الأشهر الماضية أمثلة عديدة على مقدار الفزع الذي تشعر به العوائل الحاكمة في الخليج من كل رأي فيه شبهة الاختلاف عن الرأي الرسمي، حتى ولو كان أصحابه من عتاة الموالين وأشد المدافعين عن الأنظمة القائمة

تتعدد أشكال السطوة التي تمارسها العوائل الحاكمة في بلدان الخليج العربية على المجالات الثقافية فيها على الرغم من أن أفرادها ليسوا من الفاعلين المميّزين في أيٍ من هذه المجالات. نعم، يخرج بين حين وآخر أميرٌ أو أميرةٌ بقصيدة تذاع عشرات المرات في أجهزة إعلام بلده، وقد يغنّي تلك القصيدة مطربٌ مشهور أو مطربٌة مشهورة، فتنشرها الفضائيات ومواقع التواصل الإجتماعي. إلا إن هذه “الإسهامات الملكية” تبقى محدودة وموسمية لا يُعتد بأغلبها بل ويُنسبُ بعضها إلى أقلام مستأجرة مجهولة الإسم.

على الرغم من ذلك، فإن سطوة العوائل الحاكمة في الخليج على المجال الثقافي في بلدانها وعلى المثقفين هي سطوة شاملة لا يفلت منها كاتبٌ أو شاعر أو فنان مهما علا شأنه أو شأنها، ومهما كبر رأسمالهم الرمزي وإتسعت دائرة المعجبين بهم. أما من يحاولون الإفلات من تلك السطوة فمصيرهم السجن أو المنفى أو ما هو أسوأ.
وتزداد قتامة هذه الصورة في أوقات الأزمات التي تتطلب أن تجند كل عائلة حاكمة من يتيسر لها من الناشطين في المجال الثقافي لمواجهة معارضيها أو لتسقيط أضدادها بين العوائل الحاكمة في البلدان لأخرى. ولقد كشفت أحداث السنوات الثلاث الماضية، بما فيها حرب اليمن والأزمة الخليجية الأخيرة مع قطر، عدم قدرة أغلب العاملين في المجال العام الثقافي الإفلات من أداء الدور الذي تتوقع العائلة الحاكمة في بلادهم منهم أداءه. فالصمتُ في وقت الأزمات ليس من ذهب وليس النأي بالنفس خيار.

تجسير الفجوة

في أوج الطفرة النفطية في بلدان الخليج العربي برزت دعوات لمراجعة العلاقة بين السلطة والمثقف للوصول إلى أساليب ناجعة لما سمي بـ”تجسير الفجوة بين أصحاب الأفكار وأصحاب القرار”.  تقترح إحدى تجليات تلك الفكرة أن يمد الطرفان ــ أصحاب القرار وأصحاب الأفكار ــ ثلاثة جسور تتيح التواصل بينهما حسبما تقتضيه الظروف والإمكانيات والحاجة. أول الجسور ذهبيٌ مخصصٌ لكي يعْبره من يصطفيهم صاحب السلطان لتقديم ما يحتاجه من مشورة. وثانيها جسر فضي يتيح لمن يعبرونه هامشاً من الحرية للتعبير عن آرائهم مقابل سعيهم لإغناء الحياة الثقافية في البلاد وتحاشيهم توجيه النقد غير البناء. أما الجسر الخشبي فهو جسر لا يتيح لعابريه سوى أن تكف السلطة يدها عنهم وتضمن لهم وظائف يعتاشون منها وحدّاً أدنى من الأمان والقدرة على ممارسة العمل الثقافي حتى لو كان مقيّداً. مقابل ذلك يلتزم عابرو الجسر الخشبي بعدم المساهمة في التشكيك في شرعية السلطة أو عرقلة إنفاذ قراراته

إنتشرت هذه الفكرة بتجلياتها المختلفة في بقية البلدان العربية التي تعاطت معها حسب ظروفها وطبيعة توازن القوة بين مكوناتها. أما في بلدان الخليج العربية فلقد كان لها وضع خاص. فهذه البلدان كانت تحت الحماية البريطانية ولم تتخلص منها إلا قبل الطفرة النفطية بثلاث سنوات. ولهذا بدت فكرة تجسير الفجوة جذابة وواعدة بتحقيق طموحات عدة أطراف. فمن جهة كانت العوائل الحاكمة في حاجة لتجنيد الكوادر اللازمة لتشغيل “دولة الإستقلال” وتوسيع أجهزتها الإدارية والديبلوماسية والإعلامية والأمنية. لذا بذلت جهوداً في اجتذاب مثقفي المعارضة وتشجيعهم على الإنضواء فيها. ومن جهة ثانية، كان هناك آلاف المتعلمين من أبناء الشرائح الوسطى والفقيرة الذين تعلموا في الخارج وبقي أغلبهم قبل الطفرة النفطية عاطلين أو أشباه عاطلين عن العمل. ومن جهة ثالثة، كان هناك من بين نشطاء المعارضة وقياداتها من إقتنعوا بقدرتهم على “إختراق” السلطة وإصلاحها من الداخل

استسهل بعض هؤلاء متطلبات تجسير الفجوة بينما رآها البعض الآخر مدخلاً إلى عالمٍ جديد ترعاه العوائل الحاكمة بما يتيسر من الوسائل، بما فيه المكرمات والمسابقات الثقافية والجوائز التقديرية. أما أولئك الذين قاوموا الإغراءات بتفاصيلها فلم يكن أمامهم إلا العزلة أو اللجوء إلى خليط من التقية والترميز والتورية والعمل السري لتمرير إسهاماتهم في المجال الثقافي. ا

لم يكن سهلاً تماماً تسويق دعوة التجسير في منتصف سبعينيات القرن الماضي بين مثقفي بلدان الخليج ممن اعتبروا أن إستقلال بلدانهم لن يكتمل بدون التخلص من إستبداد العوائل الحاكمة. إلا أن التأكيد على “حرية الإختيار” بين الجسور الثلاثة أعطت لمن أراد من المثقفين والنشطاء السياسيين، بمن فيهم من حملوا السلاح وعانوا لسنوات مرارة السجون والمنافي، فرصاً لإعادة ترتيب علاقاتهم بالعوائل الحاكمة. فلم يعد مطلوباً، كما قيل، من المثقف أو المثقفة أن يتخليا عن جميع قناعاتهما وإلتزاماتهما للمشاركة في بناء دولة الإستقلال. فمن لم يكن مؤهلاً لعبور الجسر الذهبي ولم يرغب في عبور الجسر الفضي فله أن يختار الجسر الخشبي.

المثقف الريْعي

في حكاية اعتقال الأكاديمي المعتبر تكمن عبرة تتخطاه شخصياً. فلقد كان بإمكان السلطة الأمنية إستدعاء الرجل لتوبيخه مثلاً. إلا إنها رأت أن تستخدم احتجازه لمدة عشرة أيام لتعلن ما قد لا يعرفه المستجدون في خدمة السلطة. فباعتقاله كانت تضرب مثلاً للناس وتعيد تذكيرهم بأن ليس لأحد عزوة أو هيبة دون رضاها. ا

وفي تلك الحكاية وفي مثيلاتٍ لها من بقية بلدان الخليج العربي يكمن إعلانٌ بأن الفجوة بين المثقفين والعوائل الحاكمة في الخليج باقية وتزداد اتساعاً كما وترتفع كلفة تجاهلها. وفيها يكمن أيضاً إشهار العوائل الحاكمة أن المجال الثقافي الذي ترضى برعايته وتمويله لا يتسع إلا لمثقفٍ من طراز خاص هو المثقف الريْعي. أي ذلك المثقف الملتصقٌ بالسلطة التي توزِّع الريع.  المثقف الريعي بهذه الخاصية هو فصيلٌ بذاته. فلا هو مثقفٌ تقليدي يحلم بالبقاء “فوق الطبقات وخارجها ومعبراً عن ضمير الأمة وعقلها”. ولا هو مثقفٌ عضويٌ ينتمي إلى صلب طبقته (أو قبيلته أو طائفته) يعبِّر عنها ويعمل على تمتين تجانسها ويدافع عن مصالحها كما يراه

مقال منشور في السفير العربي

 

http://arabi.assafir.com/Article/1/10560