حول انتخابات البحرين الأخيرة.. وما سبقها

أُجريت الجولتان الأولى والثانية من الانتخابات النيابية والبلدية في البحرين في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر والأول من الشهر الجاري، وهي انتخابات دعت فصائل المعارضة اليسارية والشيعية إلى مقاطعتها. إلا أن التقارير التي نشرها الإعلام الرسمي تؤكد إن إقبال المواطنين على المشاركة في الجولتيْن كان نشطاً وكثيفاً. وحسب تلك التقارير لم يختلف المشهد في الجولتين “من حيث تهافت المواطنين بكافة الأعمار والفئات على التصويت وممارستهم حقهم في هذا الاستحقاق الوطني”. بالمقابل أكدت بيانات التنظيمات المعارضة عن تحقيق “أكبر إجماع وطني في البحرين على المقاطعة” بمشاركة “جميع جمعيات المعارضة وجميع القوى والتجمعات المهنية”.

الانتخاب في ظل قمعٍ متصاعد

بعد أشهر من تداول إشاعات عن “قرب الإعلان عن انفراجات سياسية”، فاجأت محكمة الاستئناف العليا المتفائلين. ففي الرابع من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي قررت هذه المحكمة إلغاء حكم سابق ببراءة الشيخ علي سلمان، النائب السابق وأمين عام جمعية الوفاق، من تهمة “التخابر مع قطر”. وقررت المحكمة الحكم على الشيخ بالسجن المؤبد.

بذلك الحكم انضم الشيخ علي إلى العشرات من قادة المعارضة ونشطائها الذين قضت المحاكم العسكرية أو الجنائية عليهم بالسجن المؤبد. ولتأكيد إنهاء سراب “الانفراجات السياسة القادمة” استمرت محاكم البحرين العسكرية والجنائية في إصدار الأحكام القاسية على نشطاء المعارضة بما فيها أحكام الإعدام والمؤبد والتجريد من الجنسية. فعشية الجولة الثانية للانتخابات صدر الحكم (29/11/2018) بإعدام إثنين من نشطاء المعارضة. وبهما يصل عدد نشطاء المعارضة المتواجدين في زنازين انتظار تنفيذ حكم الإعدام إلى العشرين. وفي الفترة نفسها أعلنت النيابة العامة عن إحالة عددٍ من الموقوفين إلى المحاكمة بتهم “الإخلال بحرية الاستفتاء والانتخاب والتأثير على سلامة العملية الانتخابية والتشويش عليها، وتمزيق إعلانات انتخابية مرخص بها وسب أحد المرشحين علانية”.

وفي 13 تشرين الثاني/نوفمبر، أي قبل أسبوع من الجولة الانتخابية الأولى، اعتقلت سلطات الأمن النائب السابق عن كتلة الوفاق علي العشيري بعد أن نشر في حسابه على تويتر تغريدة يعلن فيها إنه وعائلته لن يشاركوا في التصويت في الانتخابات المقبلة. وأضاف “أنا مواطن بحريني محروم من حقوقي السياسية والمدنية لذلك أنا وعائلتي سوف نقاطع الانتخابات النيابية والبلدية (لنقول) لا لقانون العزل السياسي”. بعد قضاء خمسة عشر يوم رهن الاحتجاز أخلت النيابة سبيل العشيري بكفالة مالية انتظاراً لموعد محاكمته في العاشر من هذا الشهر.. بجانب تهديد الداعين لمقاطعة الانتخابات بتقديمهم للمحاكم الجنائية بتهمة “الإخلال بحرية الانتخاب والاستفتاء”، أتى اعتقال النائب العشيري ليكون تحذيراً إضافياً. فلم يعد مسموحاً للمعارضين التعبير عن مواقفهم الشخصية ولا القيام بحملة لتحريض الآخرين على مقاطعة الانتخابات

تزامن مع تلك الإجراءات نشر كثيف لتهديدات مبطنة ومعلنة كان أكثرها وضوحاً تصريح رئيس مجلس النواب أحمد الملّا قبل ثلاثة أيام من يوم الانتخاب بأن “التردد أو التخاذل في المشاركة يجب أن يقابله مسائلة ومحاسبة صارمة”. وأشاد الملّا بتوجه الأجهزة المعنية إلى تأكيد “أهمية اقتران الخدمات المقدمة من الدولة للمواطنين، والموظفين الحكوميين خاصة، مع المشاركة الانتخابية والتصويت” وأشار إلى أهمية “محاسبة المواطنين المقاطعين للانتخابات ومعاقبتهم بعدة طرق بما فيها تأخير طلباتهم الإسكانية وتأجيل البت في قبول طلبات تقاعدهم”. بطبيعة الحال لم تعتبر النيابة العامة تصريحات الملّا فعلاً يندرج تحت بند جرائم “الإخلال بحرية الانتخاب والاستفتاء”. بل سانده في الترويج لها عددٌ من الأجهزة الرسمية بما فيها الإعلام الرسمي والمؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان (الحكومية) علاوة على أعضاء في مجلسي النواب والشورى.

العزل السياسي

في بداية هذه السنة أدخلت تعديلات على قانون “مباشرة الحقوق السياسية في البلاد” هدفها تشريع إجراءات “العزل السياسي”. تستثني تلك التعديلات من ممارسة الحقوق السياسية كل من كان “محكوماً بعقوبة جنائية أو بعقوبة الحبس لمدة تزيد على ستة أشهر حتى وإن صدر بشأنه عفو خاص عن العقوبة”. كما لا يُسمح بالترشيح لأيٍ من “قيادات وأعضاء الجمعيات السياسية الفعليين المنحلة بحكم نهائي”. كما يشمل المنع من الترشح كل “من تعمَد الإضرار أو تعطيل سير الحياة الدستورية أو النيابية وذلك بإنهاء أو ترك العمل النيابي بالمجلس أو تم إسقاط عضويته لذات الأسباب”.

في وقت إعلان تلك التعديلات توقع كثيرون أن ينحصر تطبيقها على بضعة عشرات من قادة وكوادر تنظيمين معارضين تمّ حظرهما وهما وعد (اليسارية) والوفاق (الشيعية). إلا إن السلطة توسعت في تفسير نصوص تلك التعديلات فرفضت قبول ترشيحات آخرين ليس لهم علاقة بالتنظيمين المحظورين.

“25 سبباً للامتناع عن المشاركة”

ذكر النائب السابق علي الأسود في مؤتمرٍ صحافي أن لدى المعارضة 25 سبباً تدفعها إلى الامتناع عن المشاركة. أبرز تلك الأسباب “غياب دستور تعاقدي، ووجود نظام انتخابي غير عادل لا يحقق المساواة بين المواطنين، واعتماد منهج التمييز في الدوائر، وكون السلطة التشريعية منقوصة الصلاحيات، وتفعيل المحاكم العسكرية في محاكمة المدنيين، وانحياز السلطة القضائية، وغياب الإرادة الشعبية في تشكيل الحكومة”.ا

أغلب هذه الأسباب ليست جديدة. بل إنها كانت بارزة وبوضوح منذ منتصف شباط/ فبراير 2002 أي منذ أن أعلن الملك (الأمير وقتها) بشكل منفرد دستور المملكة الذي رفضته تنظيمات المعارضة. في حينها قام إجماعٌ عابرٌ للطوائف شمل جمعيات المعارضة وشخصيات عامة على رفض ذلك الدستور لأنه لا يرقى لمستوى دستور البلاد لعام 1973، ولأنه لا يفي بتوافقات فصّلها ميثاق العمل الوطني الذي عُرض للاستفتاء الشعبي في 2001. بل هو دستورٌ وصفه عضو مجلس الشورى البحريني عبد العزيز أبل بأنه “أكثر تخلفاً من دستور مصر الملكية لعام 1923 ودستور العراق الملكي لعام 1925 ناهيك عن الدستور الحالي في مملكتي المغرب والأردن”.

فيما بعد، أخلَّت الصفقات والتسويات السياسية اللاحقة بذلك الإجماع الوطني ولكنها أدت إلى أن تتمثل الوفاق، أكبر تنظيمات المعارضة، بثمانية عشر نائباً في دورتين برلمانيتين (2006 و2010). وعلى الرغم من ذلك، بقيت البلاد طيلة تلك الفترة كما قبلها وبعدها تعاني من أزمة مركبة سياسية وأمنية تؤججها الأسباب الخمسة وعشرين التي أشار إليها تصريح النائب السابق علي الأسود.

غواية الأرقام

تتقاذف السلطة والمعارضة أرقاماً متباينة لا سبيل للتحقق من صحتها، في ظل إصرار السلطة في البحرين على منع حضور جهات محايدة، دولية أو إقليمية، لمراقبة عملية الانتخابات وتفاصيلها. ولهذا يستمر التجاذب بين السلطة وقوى معارضة حول تقديراتهما المتباينة عن نسبة المشاركة/المقاطعة. وهو ما حدث في أربع دورات انتخابية متتالية. ففي انتخابات برلمان 2002 التي قاطعتها جميع تنظيمات المعارضة (فيما عدا الشيوعيين السابقين في جمعية المنبر التقدمي)، بلغت نسبة المشاركة 53.4 في المئة. وفي انتخابات 2006 التي شاركت فيها جميع التنظيمات المعارضة ارتفعت نسبة المشاركة إلى 73.6 في المئة. وفي انتخابات 2010 (التي جرت قبل أسابيع من اندلاع انتفاضات الربيع العربي) انخفضت نسبة المشاركة إلى 67.7 في المئة، ثم انخفضت مرة أخرى إلى 52.8 في المئة في انتخابات 2014 التي امتنعت جميع التنظيمات المعارضة عن المشاركة فيها.ا

لا تختلف الأرقام في 2018 عن بعض سابقاتها. فبعد إعلان نتائج المرحلتين الأولى والثانية بذل بعض المتحدثين باسم المعارضة جهداً ملحوظاً في تأكيد نجاح المقاطعة. وبالمقابل بذل ممثلو السلطة وبحماسٍ أكبر وبقدرات إعلامية أكبر بكثير جهوداً لتأكيد فشلها. ففيما يكرر معارضون إن نسبة المشاركة تتراوح بين 30 و40 بالمئة يصِّر الجانب الحكومي على إن تلك النسبة تجاوزت 67 في المئة.

من السهل معرفة الأسباب التي تدفع السلطة في البحرين، كغيرها من السلطات الاستبدادية، إلى اللجوء إلى مختلف الأساليب بما فيها التزوير لكي ترفع أرقام نسبة المشاركة في الانتخابات. فأحد الأهداف التي تتوخاها السلطة بأرقامها المرتفعة هو تأكيد شرعيتها وإقناع الداخل والخارج استناد تلك الشرعية إلى الاختبار الدوري المتمثل في انتخابات منتظمة. ولذلك تقوم السلطة بكل ما يمكنها القيام به لضمان نجاحها في تلك الاختبارات الدورية. ولا تختلف السلطات في البحرين عن غيرها من السلطات الاستبدادية حين تعيد ترسيم الدوائر الانتخابية أو حين تعيد تشكيل الكتل الانتخابية. بل هي ترى أن من حقها فرض المواصفات التي تناسبها على من يحق لهم الترشح في تلك الانتخابات، وأنه من حقها أن تفرض مواصفات من يتم إدراجهم في الجداول الانتخابية. السلطة لم تكتشف هذه الأساليب في 2018 بل كانت تمارسها منذ 2002 وحتى الآن. نعم، تطورت خلال تلك الفترة أساليبها في التحكم بالعملية الانتخابية وفي ضمان ملائمة مخرجاتها. ولهذا ترى السلطة الآن إنها تستطيع أن تكتفي بنسبة أقل بكثير من نسبة 73.6 في المئة التي تحققت في انتخابات 2006 التي شاركت فيها جميع قوى المعارضة.ا

مقال منشور في السفير العربي 6/12/2018

 

http://assafirarabi.com/ar/23528/2018/12/06/%d8%ad%d9%88%d9%84-%d8%a7%d9%86%d8%aa%d8%ae%d8%a7%d8%a8%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%ae%d9%8a%d8%b1%d8%a9-%d9%88%d9%85%d8%a7-%d8%b3%d8%a8%d9%82%d9%87/

 

 

 

 

إنقاذ البحرين من الإفلاس

في الرابع من تشرين الأول/ أكتوبر الحالي، تمّ التوقيع على اتفاقية تُقدِّم بموجبها كل من السعودية والإمارات والكويت إلى البحرين دعماً مالياً بقيمة 10 مليارات دولار لتمويل برنامج يهدف إلى “تحقيق التوازن بين المصروفات والإيرادات الحكومية بحلول عام 2022”. وحسبما يتبين من التصريحات الرسمية، فإن الدعم الخليجي إلى البحرين يختلف هذه المرة في طبيعته وحجمه عن الهبات المالية التي اعتادت البلاد على استلامها من شقيقاتها في دول مجلس التعاون الخليجي. فهو يأتي في شكل قروض ميسّرة ولكنها مشروطة بتنفيذ سلسلة من الإجراءات التي يتعين على السلطات البحرينية اتخاذها لتجاوز أزمتها الاقتصادية ولمعالجة العجز المزمن في ميزانيتها.

البحرين بمواجهة الإفلاس

أحد أوجه الأزمة الاقتصادية المركبة التي تسعى اتفاقية الدعم الخليجي لمعالجتها هو أزمة الديون التي تعاني البحرين منها. في نهاية 2016 كان حجم الدَين العام 23 مليار دولار أميركي، أو ما يعادل 72 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في تلك السنة. وبلغ في نهاية 2017 أكثر من 26.5 مليار دولار أميركي أو ما يعادل 80 في المئة من إجمالي الناتج المحلّي. وفي 2018، وافق مجلس النواب على طلب الحكومة برفع السقف المسموح به للاقتراض إلى 34 مليار دولار أي ما يتجاوز 100 في المئة من إجمالي الناتج المحلي.

استمر ارتفاع حجم الدين العام خلال العشرين سنة الأخيرة على الرغم من تحذيرات قوى المعارضة والخبراء الاقتصاديين، علاوة على مؤسسات دولية، ومنها صندوق النقد الدولي. فحسب آخر تقرير لخبراء المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي (9/7/2018) يساهم الانخفاض في أسعار النفط ونقص الاحتياطيات الوقائية في البحرين بـ”زيادة الانكشاف للمخاطر المالية وارتفاع نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي”. وتوقع التقرير أن تتباطأ وتيرة النمو على الرغم من تدابير الضبط المالي المزمع القيام به، وأن تؤدي فاتورة الفوائد الكبيرة والمتزايدة إلى استمرار عجز المالية العامة

وكما هو متوقع، فإن ارتفاع حجم الدَين العام يعني ارتفاع كلفة خدمة ذلك الدَين، وبالتالي توجيه موارد الدولة إلى تسديد متطلبات خدمته بدلاً من توجيهها إلى إقامة مشاريع تنموية إنتاجية وخدمية. فعلى سبيل المثال، تشكل فوائد الدين العام المستحقة في عام 2018 وحده أكثر من مليارين وسبعمئة مليون دولار (أو ما يشكل 16 في المئة من بند المصروفات المتكررة في الميزانية).

ومما فاقم من سوء وضع البحرين المالي هو قيام عدد من وكالات التصنيف الائتماني بخفض تصنيف البلاد، ما أدى من جهة إلى تصعيب حصولها على قروض واعتمادات خارجية، وإلى رفع معدلات الفائدة على القروض التي قد تحصل عليها من جهة أخرى، علاوة على رفع كلفة تأمين تلك القروض. وشهدت الأشهر الماضية جهوداً حثيثة بذلها مسؤولو مصرف البحرين المركزي لإقناع تلك الوكالات برفع تصنيف البحرين الائتماني بغاية الحصول على وضع أفضل في السوق المالية الدولية. إلا إن تلك الجهود لم تُجدِ نفعاً.

كذبة “أكبر اكتشاف نفطي”

لم تتعامل السلطات مع العوامل البنيوية المسببة للأزمة المالية والتي جعلت البحرين تواجه خطر الإفلاس وأن تصبح “يونان الخليج”. عوضاً عن ذلك لجأت الحكومة إلى عددٍ من الخطوات “غير الاعتيادية” بما فيها الإعلان المفاجئ في بداية نيسان/ أبريل الماضي عن “أكبر اكتشاف نفطي في البحرين”. فحسبما ذكر كلٌ من ولي العهد ووزير النفط وغيرهما من كبار المسئولين في مؤتمرات ولقاءات صحافية، فإن الاكتشاف الجديد سيمكِّن البحرين من إنتاج 80 مليار برميل من النفط الخفيف علاوة على إنتاج “كميات كبيرة من الغاز الطبيعي تقدر بما بين 10 إلى 20 تريليون قدم مكعب.

لم يصدق كثيرون تلك “البشرى السارة” التي لو تحققت لأصبحت البحرين في مصاف السعودية ثراءً. نعم، ارتفعت آمال الناس في أن يمكّنهم “حقل النفط الجديد” من تحسين أحوالهم وهم يتابعون وسائل الإعلام المحلية تُسهب في عرض برقيات التهاني المتبادلة بين كبار العائلة الحاكمة. إلا إن لتلك الكذبة آثارٌ لم تكن محسوبة. فلقد تبين للمحللين الإقتصاديين والأطراف المعنية في السوق المالية إن لجوء السلطات البحرينية إلى الكذب المكشوف يؤكد إنها فقدت السيطرة على الوضع الاقتصادي، وإن مصرف البحرين المركزي لم يعد يملك خيارات جدية لمنع انهيار الدينار البحريني وإعلان إفلاس البحرين

وهذا الإفلاس كان متوقعاً منذ انخفاض أسعار النفط في منتصف عام 2014 وما تلاه من تآكل أرصدة المصرف المركزي بحيث لم يكن لديه في بداية هذا الصيف سوى أقل من ملياري دولار. وهو مبلغ لا يكفي، حسب التقديرات، لتغطية أكثر من 40 يوماً من واردات البحرين من السلع والخدمات، وجزء صغير من ديونها الخارجية قصيرة الأجل. وبالفعل، استمرت قيمة الدينار البحريني في الإنخفاض لتصل في بداية حزيران/ يونيو الماضي إلى أدنى مستوياتها منذ 17عاماً مقابل الدولار الأميركي. من جهة أخرى، أدت المخاوف لدى المتعاملين في السوق المالية إلى موجة بيع في السوق الآجلة وهبوط في أسعار سندات البحرين الدولية.

البحرين تحت الوصاية الخليجية

تشترط اتفاقية الدعم الثلاثي أن تعمل البحرين على “تقليص المصروفات التشغيلية للحكومة، وتعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي، وطرح برنامج التقاعد الاختياري لمن يرغب فيه من موظفي الحكومة، وزيادة كفاءة هيئة الكهرباء والماء لتحقيق التوازن بين إيراداتها ومصروفاتها، وتعزيز كفاءة وعدالة الدعم الحكومي المباشر لمستحقيه من المواطنين، إلى جانب تسهيل الإجراءات الحكومية وزيادة الإيرادات غير النفطية” (وكالة أنباء البحرين 4/10/2018).

تضع اتفاقية الدعم الثلاثي البحرين، وبتشجيع من صندوق النقد الدولي، تحت وصاية الدول المانحة الثلاث. فالشروط التي وضعتها هذه الدول مستقاة مباشرة من التوصيات التي تكررها منذ أكثر من عشر سنوات على مسامع المسؤولين في البحرين تقارير خبراء صندوق النقد الدولي المتتالية. وهي تتشابه معها أيضاً في أنها تتجاهل ثلاثة من أهم عوامل عدم التوازن بين موارد الدولة ومصروفاتها.

أول تلك العوامل يتمثل في تداعيات إرث استعماري أسسه البريطانيون قبل ستة عقود حين وضعوا أول ميزانية لمحميتهم في البحرين فخصصوا ثلث عوائد البلاد للعائلة الحاكمة. استمرت تداعيات هذا الإرث الاستعماري بعد الاستقلال وتكرّست في قائمة طويلة من الامتيازات التي يتمتع بها كل فرد من العائلة الحاكمة منذ الولادة وحتى الوفاة.

ويكمن العامل الثاني في السلطة المطلقة لدى العائلة الحاكمة في البحرين للتصرف في موارد البلاد وتوزيعها. ولم تتأثر هذه السلطة المطلقة – بل ربما ازدادت – بوجود برلمان منتخب نجحت العائلة الحاكمة في تقليص سلطاته وحولته إلى ذراع من أذرعتها.

على أية حال، فليس متوقعاً أن تؤدي اتفاقية الدعم الخليجي حتى في حال تطبيق شروطها بحزمٍ وصرامة، الى تحسين وضع البحرين الاقتصادي. فأغلب التمويل الخليجي البالغ قيمته 10 مليار دولار لن يستخدم لتمويل مشاريع إنتاجية أو خدماتية بل سيكون لخدمة الدَين الخارجي للحكومة في فترة الأربع سنوات القادمة، بما فيها كلفة تأمين القروض وتسديد الفوائد المترتبة عليها.

 


مقال منشزر في السفير العربي

http://assafirarabi.com/ar/22935/2018/10/25/%D8%A5%D9%86%D9%82%D8%A7%D8%B0-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%81%D9%84%D8%A7%D8%B3/

 

 

 

.

شكر على التعازي والمواساة ‬

 

يتقدم كل من د.عبدالهادي وليلي وعزام وسلمان وحسنين أبناء عبدالرسول محمد خلف وعموم عائلتيْ خلف والسلمان  بالشكر الجزيل ووافر الإمتنان والتقدير إلى كل من واسانا في مصابنا الجَلل بفقد والدتنا الغالية المرحومة الحاجة

خاتون محمد علي السلمان (أم عبدالهادي)ا

سواء بالحضور أو بالاتصال هاتفياً أو برقياً أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سائلين الباري عزّ وجل أن يحفظكم جميعاً ويطيل في أعماركم وأن لا يريكم مكروهاً في عزيزٍ لديكم

إنا لله وإنا إليه راجعون

ألف لا شلة

 

عرفتُ عبر أربع نساء توليْن تباعاً ”تعليمي” القرآن كيف يصبح ”الألِفُ الذي لا شيء له” والباء التي ”من تحتها نقطة” مفاتيح عالمٍ يزداد اتساعاً. ما عليكَ إلا معرفة أشكال ربط الحروف بالحروف. وكلما ازدادت معرفتك بالأشكال المختلفة للحروف وأشكال ربطها ببعضها البعض ازداد العالم اتساعاً حتى ولو ضاقت بك الدنيا.

لا أتذكر أسماءهن ولا أظنني سأتعرف الآن على مواقع بيوتهن بسبب ما أصاب قصبة المنامة من تغيرات. ولكنني أتذكرهن جميعاً بامتنان. نقلتني أمي بينهن لأسباب لا أعرفها فتعددت أسباب امتناني لهن ولها. فلقد نجحن في تعليمي أن أندهش بالخطوط وهي تتداخل لتخلق سحراً يبهر. ما  أبدع القول أن من البيان لسحراً.ا

أتذكرهن الآن، بعقلٍ رجل مضى زمنٌ على تقاعده، فأبتسمُ شاكراً لهن حناناً توزع بيننا أولاداً وبناتاً. فلا أتذكر أنهن استخدمن خيزرانة أو فلقة لتأديبنا كما كان يفعل غيرهن بغيرنا. وأبتسم أيضاً شاكراً لهن أنهن زرعن في طفل عمره أربع سنوات بذرة الانبهار بالحرف. وعلّمنه كيف يَربط حرفاً بحرف ليرى الحروف كلمات مقدسة كما في آيات حفظها عن ظهر قلب أو في كلماتٍ فاحشة تعلّم استخدامها في الطرقات بين بيت الأم وبيت المعلمة.

رحم الله أمي ورحم معلماتي. فلقد علمنني كيف يصبح الحرف مفتاحاً لعالمٍ لا يحدّه إلا التعب. والتعبُ اختيار

 


 

أُعيد نشر هذه الفقرة من مقال قديم نشرته جريدة الوقت  في البحرين 2009 في ضمن سلسلة  “سوق الجنة”ا

 

https://abdulhadikhalaf.wordpress.com/2012/01/14/%D8%B3%D9%88%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D8%A9-%D9%85%D9%82%D8%A7%D9%84%D9%8C-%D9%82%D8%AF%D9%8A%D9%85-14-%D9%85%D8%A7%D8%B1%D8%B3-2009%D9%85/

 

القمة الأميركية الخليجية القادمة والحلف الجديد

في 27 تموز/ يوليو الماضي، نشرت وسائل الإعلام أخباراً عن نية الرئيس الأميركي ترامب دعوة حكام بلدان الخليج العربية لحضور اجتماع قمة في العاصمة الأمريكية في منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر. تهدف القمة – حسبما نُشر – إلى “رفع مستويات التعاون بين قادة الخليج والولايات المتحدة في مختلف الأصعدة الأمنية والعسكرية والسياسية، وفي مواجهة إيران”. وأشارت الأخبار إلى أن الإدارة الأميركية تسعى أن تقرر القمة الخليجية/ الأميركية القادمة إعلان تشكيل إطار مؤسسي تحت إسم “التحالف الإستراتيجي شرق الأوسطي” – “ميسا” ( The Middle East Strategic Alliance).

الإعلان المنتظر كان متوقعاً أن يتم قبل أكثر من سنة، أي في ختام “الزيارة التاريخية” التي قام بها ترامب إلى الرياض في 22 أيار/ مايو 2017. لم تدم تلك الزيارة أكثر من يومين، إلا إنها شهدت إنعقاد ثلاثة إجتماعات قمة: واحدة ثنائية جمعت الرئيس الأميركي بالملك السعودي، وثانية جمعته مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وثالثة جمعته مع ممثلي نحو 55 دولة عربية وإسلامية إحتشدوا للقائه في الرياض.

ترامب وتأجيل إعلان الحلف الجديد

لم تتوصل القمم الثلاث إلى إتفاق حول إعلان الحلف الجديد. إلا أنه من المرجح أن تأجيل الإعلان في قمم الرياض عن الحلف الجديد كان قراراً أميركياً. على الرغم من ذلك، لا تتوفر معلومات حول أسباب التأجيل، سوى تكهنات يتعلق بعضها بشكليات من قبيل اسم الحلف المقترح، والدول التي ستشارك في تأسيسه، علاوة على تحديد الدول التي لن يسمح لها بالمشاركة فيه.

في معرض تفسير قرار التأجيل يبرز ما يتعلق بعدم قدرة الإدارة الأميركية برئاسة ترامب حتى الآن على صياغة إستراتيجية متماسكة لمنطقة الشرق الأوسط برمتها، بما فيها الخليج العربي. كما لا يمكن التقليل من أثر ما دار في كواليس القمة الخليجية بالذات من مناكفات بين الأمارات والسعودية من جهة وقطر من جهة أخرى، وتنافس الطرفين على تقديم التسهيلات السياسية والإقتصادية والعسكرية بهدف كسب ود الرئيس الأميركي. وقد تكون هذه العوامل ترافقت معاً لتجعل ترامب، حين كان في الرياض، في غير عجلة من أمره. وعلى الرغم من “تردده” – بل ربما بسبب هذا التردد – منحته السعودية وحدها عقوداً تجارية تفوق قيمتها 380 مليار دولار بما فيها عقود عسكرية بأكثر من 100 مليار دولار. ولذلك إكتفى المشاركون في القمم الثلاث بالصياغات العامة التي تضمنها ما سمي بـ”إعلان الرياض” الذي أكد على “الشراكة الوثيقة بين المشاركين لمواجهة التطرف والإرهاب بجميع أشكاله، والتصدي لجذوره الفكرية، وتجفيف مصادر تمويله”، و”تعزيز التعايش والتسامح البنّاء بين مختلف الدول والأديان والثقافات”، و”العزم على التصدي للأجندات المذهبية والطائفية والتدخل في شؤون الدول”.

الحلف الجديد متعدد الأسماء

عادت أغلب وسائل الإعلام إلى تداول اسم “الناتو العربي” الذي كان يتردد في وسائل الإعلام في السنتين الأخيريتين في موازاة “الناتو الإسلامي” و”الناتو الشرق أوسطي”. يعكس تعدد الأسماء إختلافاً في تصورات المعنيين بتأسيس الحلف لجهة تركيبته وشروط العضوية فيه ولدوره الإقليمي ولدور دولهم فيه وفي مؤسساته. من منظور المصالح الأميركية، فإن الصورة المثالية لهذا الحلف تتمثل في أن تتولى الولايات المتحدة قيادته، وتقوم السعودية والإمارات بتمويله، بينما تتعهد مصر والأردن بتوفير القوى البشرية التي ستتطلبها المهمات التي ستُوكل إليه. وفي مرحلة لاحقة، أي بعد تمرير صفقة القرن وتصفية القضية الفلسطينية، ستكون عضوية إسرائيل في الحلف تحصيل حاصل. لا يوجد ما يشير إلى إن هذه الرؤية الأميركية تتطابق مع رؤى الحكام العرب في بلدان الخليج ومصر والأردن، المعنيين مباشرة بمشاركة الرئيس الأمريكي في تأسيس الحلف الجديد. وفي الوقت نفسه، فليس ثمة ما يشير إلى إعتراضات هؤلاء الحكام العرب على تلك الرؤية، ناهيك عن قدرة أيٍ منهم على رفضها أو مقاومتها.

وتشير الإجراءات التي إتخذها بن سلمان الى إقتناعه بأن الدور المركزي العسكري في الحلف الإسلامي هو للباكستان النووية، وليس لمصر أو غيرها. وفي هذا بعض ما يفسر إن أولى القرارات التي إتخذها ولي العهد السعودي لتنفيذ مشروعه الإسلامي هو تجنيد عدد من كبار الضباط الباكستانيين، بمن فيهم رئيس جهاز الإستخبارات العسكرية الجنرال أحمد شجاع باشا والقائد السابق للجيش الباكستاني الجنرال رحيل شريف الذي أُسند إليه منصب القائد العسكري للتحالف الإسلامي. وكان لهذا الأخير دور بارز في إجتماع “مجلس وزراء دفاع التحالف الإسلامي” الذي إستضافه ولي العهد السعودي في الرياض في نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وأبدى إرتياحه الى أن دول التحالف “سوف تعمل معاً وسوف تنسق بشكل قوي جداً لدعم جهود بعضها البعض، سواء الجهود العسكرية أو الجانب المالي أو الجانب الاستخباراتي أو الجانب السياسي، (على أساس أن تقدم كل دولة ما تستطيع) في كل مجال حسب قدراتها وإمكانياتها”. قريباً، سيجد ولي العهد السعودي وغيره من حكام المنطقة الحالمين بدور قيادي أنفسهم مرغمين على التنازل عن تلك الطموحات كافة إرضاءً للرئيس الأمريكي وأملاً في إستمرار الحماية الأمريكية لأنظمتهم.

حلف بغداد بدون أعمدته

في تشرين أول/ أكتوبر القادم سيجد كثيرون أسباباً لإستعادة أجزاء من تاريخ الهيمنة الغربية على منطقتنا ومقارنتها بأحوالها الراهنة. فقبل أكثر من ستة عقود، توافقت بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية على إقامة حلف أمني/ عسكري تحت إسم “منظمة إتفاقية الشرق الأوسط” (“ميتو” بالحروف الأولى من إسمه باللغة الإنجليزية). كان من المقرر أن تشارك في ذلك الحلف دول عربية وشرق أوسطية لمواجهة الاتحاد السوفياتي و”حماية شعوب المنطقة من الخطر الشيوعي”. إلا إن الضغوط الغربية، وخاصة الأمريكية، فشلت في إقناع قادة الدول العربية الأخرى، وخاصة مصر، بأن مصدر “الخطر الرئيس على الأمن والسلام في المنطقة هو الإتحاد السوفياتي وليس إسرائيل”. ولهذا إقتصرت عضوية ذلك الحلف، الذي عُرف فيما بعد بـ”حلف بغداد”، على تركيا والباكستان والعراق وإيران وبريطانيا. لم تصبح الولايات المتحدة الأمريكية نفسها عضو في ذلك الحلف، ولكنها شاركت في أنشطته العسكرية. لم تكتف مصر بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر برفض الإنضمام إلى “حلف بغداد”، بل قادت حركة شعبية واسعة شملت الوطن العربي برمته في مواجهته، بإعتباره حلفاً يخدم مصالح القوى الإمبريالية. وسقط ذلك الحلف بعد الثورة ضد النظام الملكي في العراق.

ستنعقد القمة الأميركية/ الخليجية القادمة في واشنطن قبل ثلاثة أسابيع من إعلان الرئيس الأميركي عن الدفعة التالية من العقوبات على إيران والتي ستشمل حظر تداول النفط الإيراني. ولهذا لا يتوقع أحدٌ أن يسمع الرئيس الأميركي إعتراض أيٍ من ضيوفه الخليجيين والعرب على رؤيته للحلف الجديد في الشرق الأوسط… أي حتى لو تضمنت وثيقة إعلان ولادة “التحالف الإستراتيجي شرق الأوسطي – ميسا” ما يشير صراحة أو ضمناً إلى عضوية إسرائيل فيه. فلقد وافق أغلب هؤلاء على الشعار الأمريكي القائل بأن “الخطر الرئيس على الأمن والسلام في المنطقة هو إيران وليس إسرائيل

 

http://assafirarabi.com/ar/22207/2018/08/10/%d8%a7%d9%84%d9%82%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%85%d9%8a%d8%b1%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d9%84%d9%8a%d8%ac%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%af%d9%85%d8%a9-%d9%88%d8%a7%d9%84/”.

حين أصبحت البحرين أفضل من سنغافورة

كشف موقع “بلومبيرغ” الاقتصادي الشهير، عن صدارة البحرين للبلدان الأفضل لمعيشة للأجانب على مستوى العالم، للعام الثاني على التوالي، لافتة إلى أن صدارتها “تفوقت على مستوى المعيشة للأجانب المقيمين في الولايات المتحدة”. وعلى الرغم مما فيه من مبالغة واضحة، اهتمت بنشر الخبر في 6/9/2018 مختلف وسائل الإعلام في البحرين. وبقيَ لعدة أيام سبباً لتبادل التهاني: ليس للتفوق على سنغافورة وغيرها من دول العالم الثالث فحسب، بل لأن البحرين “تفوقت” أيضأ على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها!

“كشف موقع “بلومبيرغ” الاقتصادي الشهير، عن صدارة البحرين للبلدان الأفضل لمعيشة للأجانب على مستوى العالم، للعام الثاني على التوالي، لافتة إلى أن صدارتها “تفوقت على مستوى المعيشة للأجانب المقيمين في الولايات المتحدة”. وعلى الرغم مما فيه من مبالغة واضحة، اهتمت بنشر الخبر في 6/9/2018 مختلف وسائل الإعلام في البحرين. وبقيَ لعدة أيام سبباً لتبادل التهاني: ليس للتفوق على سنغافورة وغيرها من دول العالم الثالث فحسب، بل لأن البحرين “تفوقت” أيضأ على الولايات المتحدة الأمريكية نفسها!

جنة المهاجرين وجحيمهم

لم ينظر المسئولون في الإعلام البحريني من خلف زجاج شبابيك مكاتبهم إلى العمال المهاجرين في مختلف مواقع العمل بدون وسائل حماية من لهيب شمس يرفع الحرارة إلى ما فوق الخمسين درجة مئوية. فهؤلاء، وهم أكثر من نصف مليون عامل، لم يهتم أحدٌ بسؤالهم عما إذا كانوا حقاً يفضلون المعيشة في البحرين على المعيشة في سنغافورة أو أمريكا. على أية حال، كان الذين يشير إليهم الخبر المنقول عن موقع “بلومبيرغ” هم المشاركين في إستفتاء نظمته إحدى الهيئات الترويجية. إقتصر الإشتراك على فئة محدودة من المشتركين في تلك الهيئة التي تتوجه لذوي الوظائف العليا في الشركات متعددة الجنسيات وإدارات الشركات المالية والمصارف والفنادق وغيرها. وأغلب هؤلاء، الذين يُطلق اسم “Expat” أي موفدون للعمل، يعرفون بحريناً أخرى لا يعرفها أغلب سكان الجزيرة وبخاصة المهاجرون الفقراء.

في البحرين كغيرها من بلدان الخليج العربي، ثمة تراتبية هرمية للمهاجرين تتداخل فيها عوامل كثيرة، على رأسها الوضع الطبقي، لكنها تشمل أيضاً الخلفية إلإثنية والعرقية. في قمة تلك التراتبية يقف القادمون من الغرب ــ وخاصة البريطانيون والأمريكيون ــ للعمل في إدارات الشركات المالية والمصارف، وفي الأجهزة الأمنية. وفي قاع تلك التراتبية، وأحيانا خارجها، نجد فقراء المهاجرين، وخاصة الإناث القادمات من البلدان الفقيرة مثل إثيوبيا وبنغلاديش.

لا تنحصر الإمتيازات التي تمتع بها فئة “الإكسبات” في الرواتب المرتفعة والميزات الوظيفية الأخرى، ولا فيما توفره لهم وظائفهم من مركزٍ إجتماعي و”حصانة” من عسف أجهزة الأمن، بل وأيضاً في حركيتهم الجغرافية. فهم بحكم المهن التي يمارسونها، وضمن تسهيلات العولمة، يستطيعون الإنتقال بسهولة من بلدٍ إلى آخر دون تغيير سلبي على مداخيلهم أو أساليب معيشتهم ومستوياتها. أما فقراء المهاجرين فخياراتهم معدومة.

تنعكس آثار التراتبية الهرمية بوضوح في الأجورالمتدنية التي يتقاضاها العمال وفي إجحاف ظروف عملهم. وإلى بعض هذا، تشير الكاتبة البحرينية هنا بوحجي إلى إن ما تتعرض له العاملة المنزلية يقترب من ممارسات الاستعباد من قبيل “العمل لساعات عمل طويلة، والحرمان من الإجازة الأسبوعية والسنوية، بالإضافة إلى ممارسات العنف اللفظي والجسدي الذي يصل في بعض الاحيان إلى مراحل الاغتصاب والتحكم التام في مصائر هذه العمالة، باحتجاز الوثائق الشخصية وجواز السفر”. وتسهم الأعراف السائدة، وهشاشة وضعها الاجتماعي، بالإضافة إلى تخلف الأطر القانونية وكثرة الثغرات فيها في إبقاء العاملة المنزلية عرضة لمختلف أشكال إنتهاك إنسانيتها. ونظراً لتخلف الأطر القانونية وضعف مؤسسات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان، لا تجد بعض ضحايا الإستعباد في المنازل مخرجاً سوى الهروب من المنازل التي يعملن فيها. وحينها يلتحقن بعشرات الألاف من المهاجرين “غير الشرعيين” (أو من يسموْن محلياً بالعمالة السائبة أو “فري فيزا”) الذين يتعرضون لإبتزاز عناصر الأمن ولملاحقتهم وفي الوقت نفسه لإستغلال عصابات الإتجار بالبشر.

سوق الظل

طبقاً لتقديرات تضمنها “تقرير لجنة التحقيق البرلمانية حول العمالة السائبة” (2017) بلغت أعداد هذه الاخيرة حوالي 60 ألف شخص (وهو تقدير متحفظ). وحسب دراسة نشرتها غرفة تجارة البحرين (2015) تتشكل العمالة السائبة من مصادر عدة، بما فيها أن يهرب العامل من كفيله بسبب عدم حصوله على الأجر المتفق عليه أو بسبب ما يتعرض له من إساءات. وقد تأتي نتيجة لدخول العامل بتأشيرة سياحية ولكنه يبدأ في العمل دون الحصول على ترخيص بذلك. إلا إن السبب الأكثر شيوعاً لوجود “العمالة السائبة” حسب تلك الدراسة هو جرائم الإحتيال التي تقوم بها عصابات تحت غطاء مكاتب توريد العمال وبالتعاون مع مؤسسات ذات سجلات وهمية لتوفير التأشيرات اللازمة. وعند وصول العامل أو العاملة إلى البلاد، يتمّ استبدال تأشيرة العمل مع شركة أخرى تقوم بتوظيفه بشكل غير قانوني، أو يتمّ إطلاق سراح العامل ليقوم بكسب رزقه في “سوق الظل”.

يتخلص العامل في السوق الموازية من إستغلال كفيله له ولكنه في أغلب الحالات يصبح تحت رحمة العصابة التي تسيطر على منطقة السوق التي يعمل فيها. كما يبقى مهدداً بخطر القبض عليه وتسفيره ما لم يدفع ما يكفي لحمايته. لا تشير دراسة غرفة التجارة إلى ما يتردد، دون توثيق، عن قيام وزارة العمل سابقاً وهيئة تنظيم العمل حالياً بتسهيل حصول أفراد من العائلة الحاكمة مباشرة أو عبر شركاء على تصاريح جلب آلاف من العمال الأجانب ثم “بيعهم” بعد وصولهم إلى البلاد

تُسبب “العمالة السائبة” وإتساع سوق الظل مصاعب لعددٍ من أصحاب الأعمال الملتزمين بالقوانين السارية التي تفرض عليهم إشتراطات محددة وخاصة فيما يتعلق بظروف العمل وشروط السلامة. ولكن المستفيدين يرون أن إستمرار سوق الظل وإتساعها مفيدان للاقتصاد البحريني. فوجود عشرات الألوف من “العمالة السائبة” يُسهم في لجم ارتفاع الأجور وربما يؤدي إلى تخفيضها، كما يعطي سوق العمل مرونة عبر توفير جيش إحتياطي من اليد العاملة لمواجهة أي طلب طارئ أو مؤقت.

لوجود “العمالة السائبة”، بمختلف تسمياتها، تداعيات أخرى إجتماعية وثقافية وأمنية وسياسية في بلدٍ ينعدم فيه التخطيط وتتضارب فيه الإجراءات. فمن جهة تعتبرها السلطة فئة خارجة عن القانون، كما لا تعترف رسمياً بوجود سوق الظل. ومع ذلك لا تقوم السلطة تلك بمسئولياتها خشية إغضاب المستفيدين من هذا السوق. ومن بين أولئك المستفيدين أركان السلطة نفسها. ولهذا تتفاقم المشاكل الناجمة عن مفارقة إن بلداً صغيراً كالبحرين فيه أكثر من 60 ألفاً من المهاجرين الفقراء المحرومين من الحقوق يعيشون خارج القانون ولكن في كنف السلطة وفي خدمتها.

 

http://assafirarabi.com/ar/22515/2018/09/11/%d8%ad%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d8%b5%d8%a8%d8%ad%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d8%a3%d9%81%d8%b6%d9%84-%d9%85%d9%86-%d8%b3%d9%86%d8%ba%d8%a7%d9%81%d9%88%d8%b1%d8%a9/

.

حوار منشور في مجلة مواطن – الجزء الثاني