حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

 في 12 شباط / فبراير 2014 أصدر ملك البحرين مرسوماً بإنشاء الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء، وتبع ذلك مراسيم أخرى بتشكيل هيئاتها وتحديد المهمات المنوطة بها. من بين أولى تلك المهمات التي حددها المرسوم ” النهوض بعلوم الفضاء في البحرين وإنشاء بنية تحتية سليمة لمراقبة الفضاء والأرض من أجل تحقيق التنمية الشاملة والمستدامة وتحقيق الريادة للمملكة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها”.

علوم الفضاء لزخرفة السلطة

على الرغم من الضجة الإعلامية (المحلية) التي رافقت إعلان مرسوم تشكيل “الهيئة الفضائية” لم يأخذ كثيرون دخول البحرين مجال علوم الفضاء بجدية. وإعتبر منتقدو سلطة العائلة الحاكمة في البحرين إن الهيئة الجديدة لا تعدو أن تكون مجرد زخرف إعلامي لتجميل صورة السلطة. فالبحرين لا تملك البنى التحتية (العلمية والتقنية والتنظيمية والمؤسساتية) اللازمة لتحقيق أحلام الملك الفضائية.

وبسبب حداثة التعليم الجامعي في البحرين وعدم الإهتمام بالبحث العلمي في مختلف المجالات، بما فيها العلوم الهندسية والفيزيائية، فلم تتشكل في البلاد الكتلة العلمية الحرجة التي تسهِّل دخولها إلى مجال البحث الفضائي ناهيك عن تحقيق الريادة فيه. وفوق ذلك، فالبحرين بلدٌ صغيرة وقليلة السكان وليس لديها ما لدى غيرها من شقيقاتها في الخليج العربي من الموارد المالية التي يتطلبها شراء تلك البنى التحتية أو إستئجارها. البحرين ليست الإمارات أو السعودية، فهاتان تستطيعان شراء أو إستئجار أكثر أشكال التقنية ومنتجاتها حداثة حتى ولو لم تكونا قادرتين على إستيعاب تلك التقنيات المستوردة

لحسن الحظ، وحتى الآن، لم يتهور مسئولو الهيئة الفضائية البحرينية ولم يندفعوا في الطريق الذي إفتتحه الملك بشطحته الفضائية. بل هم إكتفوا بإفتتاح صفحات الكترونية لها في مختلف مواقع التواصل الإجتماعي وبالإدلاء ببيانات تنشرها الصحف المحلية. وفي أحد تلك البيانات تشير الهيئة إلى أن من أهم إنجازاتها خلال الأربع سنوات الماضية كان إنها “صاغت واعتمدت الاستراتيجية الخاصة بالهيئة، واختارت الشعار والهوية، وأعدّت الميزانية التشغيلية وميزانية المشروعات للفترة من 2015 إلى 2018 بما يتوافق ومتطلبات تحقيق الاستراتيجية المعتمدة ورفعتها للجهات المعنية لاعتمادها” (صحيفة “البلاد” 5 /9/2017).

أول قمر صناعي بحريني في 2020

في 7 تموز/ يوليو 2018 أعلنت الهيئة الفضائية في البحرين عن طرح أول مشاريعها بتشكيل “فريق البحرين للفضاء”. وفُتح باب الإنضمام للفريق الذي سيتكون من عشرة أفراد أمام “ذوي الكفاءة من الجنسين”. ويتبين من التصريحات الرسمية إن أفراد العشرة الذين سيتم إختيارهم سيتلقون التدريب اللازم للإسهام في إطلاق أول قمر صناعي في العام 2020 ولتمكين البحرين بحلول العام 2023 من “تحقيق خطوات ملموسة نحو توظيف علوم الفضاء لخدمة التنمية ومواكبة الركب العالمي في هذا القطاع المهم” (صحيفة “الأيام” 15/7/2018).

أثار الإعلانان عن تشكيل الهيئة الفضائية وعن تشكيل “فريق البحرين للفضاء” حملات ساخرة على مواقع التواصل الإجتماعي. كما إستثارت مناشدات وجدت طريقها إلى الصحف المحلية، دعت إلى الإلتفات إلى قضايا أكثر أولوية وأقل صعوبة من غزو الفضاء كمكافحة الفساد الإداري ونتائجه بما فيها إنخفاض مستوى التعليم وسوء الخدامات الصحية. ففي مواقع التواصل الإجتماعي، كما في الصحف المحلية، تتكرر نداءات الإستغاثة التي يطلقها مواطنون بسبب المعاناة من نقص الأدوية في المستشفيات الحكومية أو بسبب رداءة نوعية المتوفر منها أو إنتهاء فترة صلاحيته (“الأيام” 15 /7/2018). إلا إن الوزير المشرف على الهيئة رفض تلك الإنتقادات وكرر التأكيد على إن “دخول مملكة البحرين بمجال علوم الفضاء جاء عبر رؤية ثاقبة تستشرف المستقبل من قبل ملك البحرين الذي يولي الهيئة اهتمامه ومتابعته الخاصة منذ تأسيسها” (وكالة أنباء البحرين 7/7/2018).

الكثير من اللغط حول لا شيء

شددت التصريحات الرسمية على إن برنامج البحرين الفضائي يهدف لاجتذاب النخبة من بين الكفاءات الوطنية من مختلف التخصصات العلمية، وأن من سيتم إختيارهم سيحصلون على فرصٍ وظيفية مستقرة في بيئة عمل ممتازة ومتميزة. وستقدم الهيئة لهم التأهيل اللازم في البحرين وخارجها لتمكينهم من تنفيذ المشاريع المتعلقة بالفضاء، بالإضافة إلى إلتزام الهيئة بتطوير مهاراتهم عبر فرص التدريب النوعية.

أسهمت التصريحات الرسمية في اجتذاب الآلاف من الراغبين في الإنضمام إلى الفريق الفضائي. ففي الإسبوع الأول بعد فتح باب قبول طلبات التوظيف تقدم 400 بحريني وبحرينية بطلباتهم إلى الهيئة وإستمرت الطلبات تتوالى حتى بلغت 2173 طلباً عند إنتهاء موعد إستلام الطلبات في نهاية الشهر نفسه.

رغم مرور سنة على إقفال باب الترشيح فلم يتم الإعلان عن أسماء من تمّ إختيارهم لعضوية “فريق البحرين للفضاء”. ولا يبدو في الأفق أن انتظار المتقدمين بطلباتهم سينتهي قريباً حسبما يتضح من مناقشات دارت في المجلس النيابي حول ميزانية الدولة للعامين القادمين. فالميزانية المرصودة للهيئة الفضائية لا تغطي سوى مصروفاتها التشغيلية، إذ يقل المبلغ المرصود لها في العام الحالي (2019) عن مليوني دولار أميركي (732 ألف دينار بحريني). وسيرتفع المبلغ المرصود في العام التالي (2020) – وهو عام إطلاق أول قمر صناعي بحريني – ليصل إلى مليونين وسبعمئة ألف دولار أمريكي (مليون وثلاثين ألف دينار بحريني). وهذا المبلغ لا يكفي لتشكيل فريق بحثي متواضع الطموح، ناهيك عن إطلاق مشروع يتضمن بناء قمر صناعي وإطلاقه وإدارته في خلال فترة قصيرة لا تتجاوز السنتين. جدير بالإشارة إن مجموع المخصصات المالية للهيئة الفضائية للسنتين القادمتين يقل عن ما تدفعه البحرين سنوياً لجامعة سابينزا في العاصمة الإيطالية مقابل تدشين كرسي أكاديمي تحت إسم “كرسي الملك حمد للحوار بين الأديان والتعايش السلمي”.

حتى بملاحظة تدَّني تحصيله التعليمي وعدم جَلَدِه على متابعة التفاصيل، فلا يُعقل أن يتخيل ملك البحرين أو أحدٌ من حاشيته أنْ تُحقق الهيئة الوطنية لعلوم الفضاء المعجزة التي ستذهل العالم. أي أن تستطيع خلال الوقت القصير المحدد لها وضمن الميزانية المتواضعة المخصصة لها أن تجعل ملك البحرين يدخل عصر الفضاء ويحقق لمملكته “الريادة في مجالات علوم الفضاء والمفاهيم التقنية المتعلقة بها”.

ولكن من يعرف ما الذي يدور في ذهن حاكمٍ لا يستطيع أن يتفاهم حتى مع الموالين له. حاكم فرض الضرائب على شعبه واستدان الأموال لشراء طائرات ف.16، ثمن الواحدة منها أكثر من سبعين مليون دولار أمريكي (الوطن 23/6/2018). هل هو الهوس بالتنافس مع حكام الخليج الآخرين على الرغم من أنهم يحكمون بلدانأ أغنى وأكثر سكاناً؟ هل هو الهوس بزخرفة “دولة” حوَّلها من إمارة إلى مملكة؟ أم هو ضربٌ من جنون العَظَمة الذي تتزايد أعراضه ويدفع العباد والبلاد ثمنه؟

——–

 مقال منشور في السفير العربي 14/7/2019

حُلم ملك البحرين بغزو الفضاء

البحرين “تستعد” للحرب ضد إيران

من يتابع وسائل الإعلام الرسمي البحريني يتيقن إن البحرين أصبحت دولة كبرى في منطقة الخليج العربي. ويتيقن إنها استكملت – أو هي على وشك استكمال – الإستعدادات التي تتطلبها الحرب مع إيران. وفيها يخرج كبار قادة القوات العسكرية والأجهزة الأمنية لطمأنة المواطنين والمقيمين على نجاحها في “تحقيق أعلى مستويات الجاهزية الدائمة للقوات وقدرتها على سرعة الانتشار لتنفيذ مهامها..” (أخبار الخليج 29/5/2019).

وتحت عنوان تأكيد الجاهزية، يندرج إهتمام وسائل الإعلام الرسمية بابراز خبر زيارات واستقبالات يقوم بها المشير الشيخ خليفة آلخليفة، القائد العام لقوة دفاع البحرين. ففي أحد الأيام الماضية قام المشير بزيارة تفقدية لمواقع عسكري لمتابعة الاستعدادات والتجهيزات وللوقوف على الجاهزية القتالية والإدارية (الأيام 24/5/2019). وفي اليوم نفسه إستقبل المشير البحريني وفداً عسكرياً أمريكياً برئاسة الجنرال جوزيف غواستيلا، قائد القيادة المركزية للقوات الجوية الأمريكية، التي تُستخدم البحرين مركزاً لقيادة عملياتها، لمناقشة التنسيق العسكري والتعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة الأمريكية والبحرين.

توخي الحيطة والحذر

بهدف إستكمال تلك الإستعدادات للحرب قامت السلطات البحرينية بعددٍ من الإجراءات التي تؤكد من جهة على خطورة الأوضاع في المنطقة وتؤكد من جهة أخرى إهتمامها بسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها. ففي 18/5/2019 وجهت وزارة الخارجية في البحرين تحذيراً لمواطنيها من السفر إلى إيران والعراق “نظراً للأوضاع غير المستقرة التي تشهدها المنطقة، والتطورات الخطيرة، والتهديدات القائمة وما تحمله من مخاطر كبيرة على الأمن والاستقرار” مشددة على ضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر”. ودعت الوزارة جميع المواطنين المتواجدين في البلدين “إلى المغادرة فوراً وذلك ضماناً لأمنهم وحفاظاً على سلامتهم”. وكان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تحذُ حذو البحرين ولم تطالب مواطنيها بمغادرة العراق أو إيران أو عدم السفر إليهما.

وفي 21/5/2019 أعلنت قيادة الأمن العام في البحرين إنها ستقوم في اليوم التالي وضمن “الإجراءات المعمول بها دوريا، بمراجعة الخطط الوطنية للطوارئ ومن بينها التأكد من جاهزية صفارات الإنذار”. وطلبت قيادة الأمن العام “من كافة المواطنين والمقيمين الاطمئنان وعدم الانزعاج” خلال فترة تجربة الصفارات. وبالفعل انطلقت في اليوم التالي صفارات الإنذار لتنطلق معها وبعدها ردود الفعل الشاكية والساخرة. فحسب تقارير صحافية، لم يسمع الناس في بعض مناطق البحرين أصوات الصفارات. أما من سمعوها فلم يعرفوا ما المطلوب منهم القيام به بعد سماع صفارة الإنذار، إذ لم تتوافر لهم الإرشادات اللازمة حول إجراءات السلامة والوقاية من شظايا القنابل أو المواد الكيميائية التي قد تحملها الصواريخ. ففيما عدا عددٍ محدود من مواقف السيارات المغطاة في المراكز التجارية، فلا يوجد في البحرين ملاجئ محصنة يلجأ إليها الناس. بل إن صغر مساحة البحرين، كما أشار أحد المغردين ساخراً “يجعلها هدفاً عسكرياً واحداً”. وهنا أيضاً، كان لافتاً إن بقية دول الخليج العربية لم تعلن عن قيامها بتجربة صفارات الإنذار فيها.

تتصرف السلطات البحرينية كما تتصرف دولة كبرى. إلا إنها وبسبب إمكانياتها المتواضعة لم تقم بتوفير وسائل النقل اللازمة لنقل مواطنيها من البلدين اللذين دعتهم الى مغادرتها. وليس سهلاً معرفة عدد البحرينيين الذين غادروا إيران أو العراق إستجابة لتحذير وزارة خارجية بلادهم. من جهة أخرى لم تتسرب أية معلومات عن الدروس المستقاة من تمرين صفارات الإنذار ولا عن مدى إستفادة أجهزة الدفاع المدني في البحرين والأجهزة الأخرى المعنية بالخطط الوطنية للطوارئ، بدءاً من ملاحظات الناس وشكاواهم من إنعدام الملاجئ وغيرها من وسائل الوقاية والحماية في حال إندلاع المواجهة العسكرية مع إيران. وهذا يعزز الظن إن تحذير المواطنين البحرينيين من زيارة إيران والعراق وتمرين صفارات الإنذار يندرجان ضمن الحرب الإعلامية المستعرة في المنطقة.

البحرين تبحث عن دور في الميزان العسكري للمنطقة

بعد توليه مهامه الرئاسية، رفع الرئيس الأمريكي الحظر المفروض على بيع الأسلحة والمعدات العسكرية لعدد من البلدان بسبب إنتهاكات أنظمتها لحقوق الإنسان. ومن بين هذه البلدان البحرين التي تعاقدت خلال السنتين الأول من عهد ترامب على شراء ما تزيد قيمته على ستة مليار دولار من الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. وفي بداية أيار/مايو الماضي أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية عن الموافقة على بيع البحرين مجموعة من نظم صواريخ “باتريوت” والمعدات الرديفة تقارب قيمتها المليارين ونصف المليار دولار. تبع ذلك إعلانٌ آخرعن صفقة عسكرية بقيمة 750 مليون دولار لشراء معدات عسكرية رديفة لطائرات ف – 16 التي سبق أن تعاقدت البحرين على شرائها في صيف 2018 بقيمة ثلاثة مليار وثمانمائة مليون دولار. لا تبدو قيمة المشتريات العسكرية البحرينية كبيرةً عند مقارنتها بمئات المليارات التي تبلغها قيمة العقود العسكرية الأمريكية مع الدول الخليجية الأخرى. إلا إن البحرين ليست كشقيقاتها الخليجيات. فهي أصغر منهن جميعاً من حيث المساحة والتركيبة السكانية والبنى التحتية والقدرات المالية

يبدو جنونياً هدر السلطات البحرينية لموارد البلاد بالإضافة إلى الأموال التي تستدينها في محاولة محكوم عليها بالفشل لإنتزاع دور لها في الميزان العسكري الخليجي. فعدد أفراد القوات العسكرية في البحرين يقل عن العشرين ألف عنصر أغلبهم من المجندين من مواطني دول أخرى عربية وغير عربية. وهي تعاني مثل غيرها من القوات العسكرية الخليجية من معيقات استيعاب التقنية المتقدمة في أغلب منظومات الأسلحة التي تشتريها. وهو أمرٌ شاهدنا أمثلةً كثيرة على عواقبه المدمرة في حرب اليمن.

 ويتأكد جنون الهدر بالتذكير بأن البحرين تعاني من أزمة مالية تفاقمت أعراضها في السنوات الأخيرة ووضعتها على شفا الإفلاس. فبسبب الخشية من تداعيات إعلان إفلاس البحرين، تدخلت كلٌ من الكويت والسعودية والإمارات لتقديم حزمة دعم مالي بقيمة عشرة مليار دولار. وفرضت الدول الثلاث لتقديم دعمها المالي أن تُشرف على إنفاقه وأن تلتزم البحرين بتنفيذ إجراءات مالية تحد من الإنفاق الحكومي، وتلغي الدعم الحكومي على كثير من المواد والخدمات، بهدف إعادة التوازن في ميزانية الدولة. لسوء حظ البحرين أضاع النظام السياسي فيها الفرص التي كان يمكن لحزمة الدعم الخليجي توفيرها. فبدلاً من ترميم الوضع الاقتصادي وتخفيف أعباء الأزمة الاقتصادية، اتجهت السلطات في البحرين إلى هدر مواردها على تكديس الأسلحة إرضاء لغرورملكٍ يأمل في أن ينتزع لنظامه دوراً سياسياً وعسكرياً يفوق إمكانياته وقدراته

———-.

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ   8/6/2019

 

/

 

 

.