حصيلة عشرين سنة من خديعة الإصلاح في البحرين: سنوات التكاذب 2 – 2

في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2002 وفي ظل الدسـتور الملكي الجديد جرت أولى الانتخابات البرلمانية في البلاد منذ حلّ برلمان 1973. وفي مخالفة صريحة لرأي أعيان البلاد بمن فيهم رجال دين من ذوي النفوذ الشعبي دعت تنظيمات معارضة، وفي مقدمتها جمعية “الوفاق” الوطني الإسلامية الشيعية وجمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد” اليسارية، إلى مقاطعة تلك الانتخابات. في مقابل ذلك بذلت السلطة جهوداً كبيرة لإفشال حملة المقاطعة. شملت تلك الجهود تهديد المقاطعين بحرمانهم من خدمات الدولة كما شملت قيام الديوان الملكي بتمويل الحملات الانتخابية لعدد من المرشحين بمن فيهم بعض المحسوبين على أحد التنظيمات اليسارية. رغم تلك الجهود فقد أدت حملة المقاطعة إلى تدني نسـبة التصويت في الانتخابات البرلمانية إلى 4 ,53 %. وهي نسبة باهتةٌ جداً إذا ما قورنت بنسـبة المشـاركة التي فاقت التسعين في المائة أثناء الاسـتفتاء على ميثاق العمل الوطني قبل ثمانية عشر شــهراً. لقد عَكَس تدني نسبة المشاركة في انتخابات 2002 أيضاً خيبة الأمل في نفوس المواطنين من تراجع حمد عن وعوده الإصلاحية كما عكس قوة وحدة موقف تنظيمات المعارضة الرافض للدستور الملكي. ونتيجة لرفض تلك التنظيمات تقديم مرشحين لتلك الانتخابات جاءت تركيبة المجلس النيابي دون المستوى المطلوب. فلم ينجح برلمان 2002، رغم الترويج الإعلامي له محلياً وخارجياً، في إعطاء “مملكة حمد الدستورية” واجهة برلمانية ذات مصداقية. من جهتها أدت القيود الدستورية والقانونية المفروضة على البرلمان إلى الحد من سلطاته وحصر مداولاته في الشكليات. وقد أدى هذا إلى تعزيز الخطاب المعارض الذي يلخصه ما قاله القائد الوطني المرحوم الشيخ عبد الأمير الجمري، أبرز قادة انتفاضة التسعينات، قبل إعلانه اعتزال العمل السياسي: “ليس هذا هو البرلمان الذي ناضلنا من أجله”. رغم القوانين المقيّدة لأنشطتها، استمرت تنظيمات المعارضة في تنظيم مختلف الأنشطة الموازية في الداخل والخارج للتعبير عن رفضها للدستور الجديد وما يتولد عنه. وقتها تزايدت المؤشرات على قوة تماسك تحالف المعارضة واتفاقها على أهمية الحفاظ على ذلك التماسك وتأكيد إجماعها على رفض الدستور الملكي وما يتولد عنه. وبذلك الإصرار على رفض الدستور الملكي كانت تنظيمات المعارضة تحرم الملك من المباهاة الإعلامية بمملكته الدستورية. وفي نفس الوقت كان تماسك موقف المعارضة يدفع القوى الغربية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا إلى تفعيل دوريهما الضاغط بهدف التوصل إلى تفاهمات مرضية لكل الطراف في البحرين.

في تلك الفترة كثفت المعارضة أنشطتها التي شملت تنظيم المسيرات والاجتماعات الجماهيرية والندوات وإرسال الوفود إلى الخارج. وفي المقابل استمرت جهود الملك، وحلفاؤه في الداخل والخارج، لمحاصرة تنظيمات المعارضة ولإقناعها، وبخاصة جمعية “الوفاق”، وهي أكبر تلك التنظيمات، بإعادة النظر في موقفها الرافض لدستور 2002 والتخلي عن مقاطعتها للمشاركة في اللعبة البرلمانية. شملت تلك الجهود عدداً كبيراً من الإجراءات الحكومية التي تزامنت مع تشديد قبضة الأجهزة الأمنية. من بين أهم تلك الإجراءات كان إصدار عدد من المراسيم والقوانين بما فيها قانون الجمعيات السياسية ومشروع قانون أحكام الأسرة (الأحوال الشخصية). أسهمت تلك الإجراءات، بالإضافة إلى تقديم الملك شخصياً عدداً من الوعود التطمينية، في خلخلة موقف تنظيمات المعارضة الرافض لدستور 2002.

وشيئاً فشيئاً تمكن الملك، ومصادر الضغط الأخرى، من إحداث انشقاقات جدية وعميقة داخل تلك التنظيمات المعارضة وفيما بينها. فلكي تتحاشى منعها من ممارسة نشاطها السياسي علناً ولمنع تصفيتها بقوة القانون الجديد قبلت قيادات أغلب تنظيمات المعارضة بشروط القانون الجديد وقامت بتقديم طلبات تسجيلها إلى وزارة العدل. وكان أول تلك الشروط هو القبول بدستور 2002. من جهة ثانية أسهمت التفاهمات غير المعلنة بين الملك وكبار رجال الدين الشيعة إلى حل أرضى الطرفيْن وأنهى الأزمة المحتدّة بينهما عبر إعفاء الشيعة في البحرين من تطبيق قانون الأحكام الأسرية.

أعطت تلك التفاهمات زخماً إضافياً لرافعي شعار “السياسة فن الممكن” للتشديد على أهمية التواصل الإيجابي مع الملك والعائلة الحاكمة بحيث “يؤكلُ العنبُ دون أن يُقتل الناطور”. وقتها راج الحديث عن الغطاء الشرعي لقرار تنظيمات المعارضة حول المشاركة في البرلمان التي ستمهد الطريق إلى مرحلة المشاركة في إدارة الدولة. في ظل أجواء التفاؤل السائدة آنذاك لم يكن مجدياً التذكير بتفاهمات شبيهة مهدت في 1974 إلى إعلان مرسوم أمن الدولة الذي وضع البحرين تحت طغيانه لأكثر من ثمانية وعشرين سنة. بل ازداد تأثير الخطاب المتفائل عشية انتخابات 2006 بحيث راج الحديث في أوساط التنظيمات المرَّخصة وعلى ألسنة عناصر قيادية فيها عن قرب إزاحة هذا المسئول أو ذاك من كبار العائلة الخليفية الحاكمة من مناصبهم.

بذلك الطموح المشروع أصبح كثيرون من قادة المعارضة المعروفين بتواضعهم وبتضحياتهم وبتاريخهـم الوطني، غير قادريـن على رؤية ما يحـدث بالفعل على أرض الواقـع. وهو أن “المشروع الإصلاحي” ـــ حسبما يراه الملك ـــ لم يكن هدفه تحويل البحرين إلى مملكة دستورية ديمقراطية كما يروِّج الإعلام الرسمي. بل كان هدفه إعادة صياغة علاقة العائلة الحاكمة بالتعاضديات الطائفية والقبلية والمناطقية التي ضمنت استقرار الحكم منذ أن صادق البريطانيون على القواعد العامة لتنظيم تلك العلاقة. ولم يبق خارج التفاهمات القائمة سوى عدد قليل من الشخصيات القيادية في المعارضة وشبكات النشطاء غير المعلنة. أصرّ هؤلاء على رفض دستور 2002 وما يتولد عنه بما في ذلك قانون الجمعيات السياسية. وبهذا “الانشقاق” ظهر خطٌ فاصل بين “المعارضة المرّخصة” و”المعارضة غير المرّخصة”. ـــ لم يكن هدف المشروع الإصلاحي تحويل البحرين إلى مملكة دستورية بل إعادة صياغة علاقة العائلة الحاكمة بالتعاضديات الطائفية والقبلية (ع.خ) في البداية تمثلت المعارضة غير المرّخصة بـ “تيار الوفاء الإسلامي” بقيادة الأستاذ عبدالوهاب حسين و”حركة الحريات و الديمقراطية – حق” بقيادة الأستاذ حسن مشيمع. (يقضي الرجلان الآن أحكاماً بالسجن المؤبد. وللرجليْن وكثير من رفاقهما تاريخ نضالي تعرضوا فيه للسجن لفترات طويلة ومتكررة. علاوة على ذلك فللأستاذيْن مكانة دينية وشعبية معتبرة بين مختلف الفئات بمن فيهم مناصرو “جمعية الوفاق” وغيرها من الجمعيات المعارضة المرّخصة).

في خضم السجالات السياسية اللاحقة سيتحول الخط الفاصل بين الجمعيات المرّخصة وغير المرّخصة إلى خطٍ يفصل بين “تيار المسايرة” و”تيار الممانعة”. أسهمت تلك السجالات، رغم احتدادها في أحيان كثيرة، في تنويع الخطاب السياسي وفي توسيع المجال العام. كما طرحت بدون مواربة تساؤلات حول دور الأغطية الشرعية التي يمكن لكل طرفٍ سياسي الاحتماء بها. في البداية وبسبب صغرهما لم يتوقع أحدٌ أن يؤثر بروز حركة “حق” وتيار “الوفاء” على ميزان القوى في البلاد. فعدا قادة هذيْن وجمهورهما، بدت جميع الأطراف الفاعلة راضية بما تحقق من تفاهمات وما أدت إليه من نتائج. فلقد حقق كلٌ من الملك ورجال الدين وتنظيمات المعارضة المرّخصة مكاسباً تعطي لكلٍ طرفٍ منهم ما يكفي لتطمين جمهوره وإقناعه بأهمية استمرار التعاون القائم فيما بينهم. نعم، لم تؤد تلك التفاهمات إلى إقناع الملك ومن حوله بالالتزام بنصوص ميثاق العمل الوطني. ولكنها مهدت للتخفيف من حدة الاحتقان في البلاد. الطريق إلى دوار اللؤلؤة في أكتوبر/ تشرين الأول 2006 تم إجراء انتخابات نيابية وبلدية شاركت فيها جميع التنظيمات السياسية المرّخصة (أي التي التزمت بدستور 2002 وسُجلت طبقاً للقانون لدى وزارة العدل). حققت جمعية “الوفاق” نجاحاً ملحوظاً سواء من حيث عدد الأصوات التي حصلت عليها قائمتاها الانتخابيتان أو من حيث عدد ممثليها في البرلمان الذين شكلوا أكبر كتلة نيابية في مجلس 2006 وفي المجالس البلدية. وتكررت إنجازات “الوفاق” في انتخابات 2010 النيابية والبلدية. أما تنظيمات المعارضة المرّخصة الأخرى فلم تنجح في إيصال أيٍ من مرشحيها إلى البرلمان في أيٍ من الدورتيْن الانتخابيتيْن. ـــ عشية يوم الغضب نشأ تحالفٌ ظرفي بين مجموعات شبابية والتنظيمات السياسية غير المرخصة تمكن من فرض شعاراته (ع.خ) كانت كتلة “الوفاق” النيابية أكبر كتلة نيابية في برلمانيْ 2006 و2010، إلا إنها بقيت مكبلة بالقيود التي يفرضها دستور 2002 والمراسيم التي أصدرها الملكفي ذلك العام. إذ لا تتيح تلك المراسيم لأية كتلة نيابية مهما بلغت عدداً وجرأة أن تغيِّر حرفاً في نصٍ تشريعي مهما كان هامشياً إلا بموافقة أغلبية كلٍ من المجلس النيابي المنتخب ومجلس الشوري الذي يعينه الملك. وبعد ذلك يتطلب الأمر تصديق الملك نفسه على التغيير المقترح. ولهذا لم يستغرب كثيرون تلميحات متشائمة أطلقها الأمين العام لجمعية “الوفاق” الوطني الإسلامية ورئيس كتلتها النيابية النائب الشيخ علي سلمان (الذي يقضي الآن حكماً بالسجن المؤبد). فبعد أقل من سنة على انتخابه لعضوية البرلمان تحدث الشيخُ عن ندمه على ترشحه للمجلس النيابي وأثار احتمال انسحاب كتلته مجلس النواب. إلا إن تلك التلميحات، كما أوضح الشيخُ لاحقاً (9 أكتوبر/ تشرين الأول 2007) كان هدفها توصيل رسائل إلى أطراف عدّة هي “الحكومة لعدم تجاوبها وإلى القوى السياسية لعدم تعاونها وإلى بعض القطاعات الشعبية”. بذلت كتلة “الوفاق” النيابية جهوداً ملحوظة طيلة فترة نشاطها البرلماني. إلا إنها لم تتمكن من تجاوز حدود الدور المرسوم لها، ولا أن تتغلب على المعيقات الدستورية والقانونية التي تجعل البرلمان عاجزاً عن القيام بدوريه التشريعي والرقابي. لذلك كله ورغم حسن النوايا ورغم المحاولات الدؤوبة لم يكن بالإمكان منع أن يصبح برلمان 2006 واجهة تزيينية يباهي الملك بها كما كان يفعل سابقاً ببرلمان 2002، وكما سيفعل لاحقاً ببرلمان 2010. من جهتها لم تتوقف الأجهزة الأمنية عن وضع العراقيل أمام النشاط السياسي في المجال العام. فصدرت قرارات بمنع المواطنين، بمن فيهم النواب المنتخبين، من حضور “اجتماعات أو مؤتمرات أو ندوات في الخارج أو قيامهم ببحث الأوضاع والشؤون الداخلية المحلية مع ممثلي دول أو منظمات أو هيئات أجنبية” دون ترخيص مسبق. كما صدرت قرارات تمنع تنظيم التجمعات والمسيرات في المنامة عاصمة البلاد وأكثر مدنها كثافة سكانية. ولم تتوقف الأجهزة الأمنية عن ملاحقة النشطاء الحقوقيين والنقابيين، بمن فيهم أعضاء “الوفاق” وأنصارها. وهنا تكمن مفارقة صارخة. فمن جهة لم ينقطع التواصل بين الملك شخصياً أو ولي عهده أو عبر مسئولي الديوان وبين رجال الدين السنة والشيعة من ذوي النفوذ. بل وحافظ الملك على تعهده بإعفاء الطائفة الشيعية من تطبيق قانون الأحوال الشخصية. وفي المقابل لم يترك الملك للمشاركين في التجربة البرلمانية فرصة أن يراهم جمهورهم شركاءً في القرار السياسي. بلغ غرور القوة بالملك حداً جعله يرى أن من مصلحته إبراز أعضاء البرلمان المنتخبين، بمن فيهم المعارضين والموالين، عاجزين عن تمرير مشروع قانون أو مساءلة وزير. بل إن استخفاف الملك بممثلي المعارضة في المجلس النيابي وصل إلى درجة استخدامه بعضهم كأدوات لتمرير المكرمات الملكية إلى ناخبيهم. وبدلاً من أن يقدر الملك وأجهزته التضحية السياسية التي قدمتها تنظيمات المعارضة المرّخصة بتحولها من رفض دستور 2002 إلى الالتزام به والمشاركة في إقامة مؤسساته، عمل الملك على تهميشها ومحاصرة أنشطتها. لم تتوقف الأجهزة الأمنية عن منع التجمعات والمسيرات، وملاحقة نشطاء المعارضة، بمن فيهم نشطاء جمعية الوفاق، ولم تتوقف الجهود الحكومية لتغيير التركيبة السكانية في البحرين عن طريق التجنيس الجماعي، خاصة للأفراد المجندين من اليمن وباكستان وسوريا للخدمة في المؤسستَيْن الأمنية والعسكرية. من جهة ثانية، استمر الملك في استخدام أجهزة الدولة وأدواته البرلمانية والأمنية والقضائية لإحباط كل محاولات كتلة “الوفاق” البرلمانية تحقيق تقدم مهما كان شكلياً لإنجاز برنامجها البرلماني. في إطار تلك الأجواء تعمقت مشاعر الإحباط بين الناس، بمن فيهم أنصار وكوادر الوفاق وغيرها من تنظيمات المعارضة المرّخصة. فلم يعد ممكناً لهؤلاء المحاججة بأن المشاركة في البرلمان تحت القيود التي يفرضها الدستور الملكي ستؤدي إلى إرساء نظام برلماني سليم في البلاد. ناهيك عن الادعاء بأن إستمرار المشاركة سيضع البحرين على طريق التحول الديمقراطي وبناء الدولة الدستورية التي تحمي أبناءها وبناتها وتوفر لجميع مواطنيها أسباب الولاء لها. المفاصلة في دوار اللؤلؤة في الفترة بين 2005 و2011 شهدت البحرين تحركات متوازية وأحيانا متزامنة تنظمها المعارضة المرّخصة وغير المرّخصة. وبطبيعة الحال كانت هذه الأخيرة هي الأكثر تعرضاً لقمع أجهز الأمن بسبب الشعارات التي ترفعها والتي تعتبرها السلطة تحدياً لشرعيتها. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تحتضن التنظيمات السياسية والشبكات الحقوقية غير المعترف بها الدعوة إلى “يوم غضب وطني” في 14 فبراير/ شباط 2011. فهذه الجمعيات تكفلت وبدأبٍ منذ نشأتها بتأطير الأنشطة الاحتجاجية وتوفير الغطاء الحقوقي والسياسي لها. عشية يوم الغضب نشأ تحالفٌ ظرفي بين مجموعات شبابية وبين التنظيمات السياسية غير المرخصة، “حق” و”الوفاء”. تمكن ذلك التحالف من فرض شعاراته طيلة الفترة التي دامت فيها انتفاضة دوار اللؤلؤة. وفوق ذلك استطاع أن يجتذب إلى المشاركة فيها جمهور وقيادات الجمعيات السياسية المرخصة. وجاءت استقالة نواب “الوفاق” الثمانية عشر من المجلس النيابي إقراراً بفشل الخديعة السياسية التي دشّنها الملك في بداية عهده. في غضون الأسابيع الأربعة التي عاشتها انتفاضة دوار اللؤلؤة كسر الناس جدارَ الخوف و خيضت معركة تاريخية توحدت فيها صفوف أغلب أطياف المعارضة بمن فيها من كان سيكتفي بإصلاح النظام، ومن كان يصرّ على تغيير النظام جذرياً بتحويله إلى مملكة دستورية حديثة، ومن كان لا يرى مخرجاً إلا بالعودة إلى الحل الذي طرحته “هيئة الاتحاد الوطني” في منتصف القرن الماضي، أي إزالة نظام الحكم القبلي واستبداله بنظام جمهوري. في الطريق إلى دوار اللؤلؤة سقط الشهيدان علي مشيمع وفاضل المتروك برصاص قوات الأمن. يومها اهتزت البحرين، كل البحرين. لم يتصور الناس أن يطلق الملك أيدي أجهزة الأمن لتقتل متظاهرين عزّل اعتقدوا أنهم بهتافاتهم سيحركون ضمائر سلطة طاغية تجاهلتهم وهمشتهم وداست على كراماتهم طيلة عقود. تفاقمت الأمور بحلول الخميس الدامي 17 فبراير/ شباط الذي شهد سقوط أربعة شهداء وإصابة 250 جريح في دوار اللؤلؤة. بذلك العدد من الضحايا، شهداء وجرحى، انتشر الغضب من وحشية أجهزة الأمن ولم يجد الملكُ بداً من الخروج على أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة لتهدئة الناس. وسمّى الملك الشهداء شهداء لأول مرة في حياته. لكنه خرج مباشرة بعد ذلك إلى وزارة الداخلية وقوة الدفاع ليهنئ ضباط الوزارتيْن وجنودهم على أدائهم مهماتهم بنجاح وليؤكد لهم دعمه وامتنانه لما يقومون به لحفظ الأمن. شكل الخميس الدامي نهاية مأساوية لخديعة استمرت أكثر من اللازم. بل ما كان لها في الأصل أن تبدأ وتستمر. فلم تعد المسألة بعد الخميس الدامي مسألة يمكن تسويتها بتعديلات دستورية أو عبر مجادلات حول توسيع صلاحيات البرلمان أو جبر انتهاكات حقوق الإنسان. لقد تخطت السلطة، ملكاً وعائلة حاكمة وأجهزة، كل الحدود. ولم تعد القضية بالنسبة لكثيرين وأنا منهم، قضية إصلاحات في بنية السلطة بل تغييرها واستبدالها. ولهذا عبر كثيرون في وسط دوار اللؤلؤة عن اقتناعهم بأن ليس ثمة مخرج لخلاص البلاد وأهلها سوى إسقاط النظام. لم تصل أقسام هامة في صفوف المعارضة إلى ذلك الشعار، كما لم يتسنَ لكثيرين فرصٌ لدراسته واتخاذ موقف منه رفضاً أو تأييداً. فلقد دخلت القوات السعودية والإماراتية في منتصف مارس/ آذار 2011 بعد أن استنجد بها الملك وكبار أفراد عائلته ولم يعد للملك ولا لعائلته حاجة للاستمرار في خديعة الإصلاح. فهو يرى أنه بذلك التدخل العسكري وباستمرار الدعم السياسي والمالي من أشقائه حكام الخليج، قد استعاد البحرين غنيمة غزو كما كانت في عهد أبيه وبقية أسلافه منذ 1783.   

الجزء الثاني من مقال منشور في موقع  مرآة البحرين

http://bhmirror.ufcfan.org/news/52997.html

   

حصيلة عشرين سنة من خديعة الإصلاح في البحرين: البدايات 1- 2

في بداية فبراير/ شباط 2005 وبمناسبة ذكرى التصويت على ميثاق العمل الوطني نشر الإعلام الرسمي مقالاً حمل توقيع ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة تحت عنوان “حلمت بوطن يحتضن كل أبنائه”. وفيه أشار إلى بعض تفاصيل سيرته الذاتية وتأثيرها في صياغة وعيه الوطني ورؤيته السياسية المتمثلة في مشروعه للإصلاح والتحديث الشامل. فمنذ طفولته، يقول الملك، كان يعي “كيف عمل الوجود الأجنبي على تقليص مقومات استقلال الوطن وكيف عمل باستمرار وعناد على إبعاد كبار القادة الذين تمسكوا بالاستقلال إلى خارج البلاد”. توقف الملك ليشير إلى إن إحساسه بألم الإبعاد عن الوطن يمتدّ لسنوات طفولته حين أدرك أن أمه التي وُلدت في المنفى في قطر “بعيداً عن الأسرة وشمل الأهل”. تلك الآلام التي تحملها ذكريات طفولته غرست في نفس الملك “البذرة القوية للنفور من إجراءات الإبعاد عن الوطن… ولهذا وعندما حانت لحظة القرار بتولينا المسئولية الأولى في البلاد كان من أول ما بادرنا إليه عودة جميع المبتعدين البحرينيين سياسيا إلى بلدهم وأهلهم أياً كانت الاعتبارات والملابسات السياسية والقانونية التي أدت إلى إبعادهم”. (8 فبراير/ شباط 2005) بعد سبع سنوات من نشر ذلك المقال تخلَّص الملكُ تماماً من ذكريات طفولته ومعاناة أمِّه التي زرع إبعادها عن البحرين في نفسه بذرة قوية للنفور من إجراءات الإبعاد عن الوطن. ففي نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 أصدر الملك أوامره بتجريد 31 مواطناً ومواطنة من جنسيتهم البحرينية. لم يوفر لأيٍ منهم فرصة معرفة مسببات ذلك القرار ناهيك عن تفنيدها. بجرّة قلم وفي انتهاك صارخ لشرعة حقوق الإنسان تحوّل أغلب من تمّ تجريدهم من جنسياتهم إلى فئة “بدون جنسية” سواءً أكانوا مقيمين في البحرين أو في خارجها. ولم تتوقف تلك الإجراءات حتى الآن. فمنذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2012 وحتى الآن تم تجريد أكثر من ثمانمائة وأربعين مواطنا ومواطنة من جنسيتهم البحرينية. وثمة مؤشرات على أن التجريد من الجنسية سيصبح “عقوبة اعتيادية”. ففي العام الماضي وحده 2018 بلغ عدد الذين جُرِّدوا من جنسيتهم البحرينية 298 مواطنا. لا تنحصر انتهاكات حقوق الإنسان في التجريد التعسفي من الجنسية. فمنذ أن تولى حمد مقاليد الحكم في 6 مارس/ آذار 1999 شهدت البحرين انتهاكات لحقوق الإنسان لم تشهد مثلها طيلة تلك العقود التي سبقته. فخلال ستة عقود سبقت عهده سقط برصاص أجهزة الأمن أو تحت التعذيب عدد أقل بكثير ممن قتلتهم أجهزة الأمن بالرصاص المطاطي أو الحي أو تحت التعذيب تحت راية المملكة الدستورية. بل إن من توفوا بسبب إطلاق أجهزة الأمن لقنابل الغاز المسيل للدموع منذ قمع انتفاضة اللؤلؤة في منتصف مارس/ آذار 2011 يفوق عدد الضحايا الذين سقطوا في البحرين طيلة 35 سنة تولى فيها السفاح البريطاني إيان هندرسون قيادة جهاز الأمن في البحرين. نعم، لم تتوقف انتهاكات حقوق الإنسان في عهود الهيمنة البريطانية؛ إلا إن محاكمها لم تحكم بالإعدام على معارض. بل لم تحكم بالإعدام أو بالسجن المؤبد حتى على القيادات الوطنية الذين اتهمتهم في 1956 بالتخطيط “للقيام بتفجيرات ولاغتيال الحاكم”. أما في العهد الملكي، عهد حمد، فلقد أصدرت محاكم البحرين في عامٍ واحد (2018) أحكاماً بإعدام 26 مواطناً. سجلُّ العهد الملكي هو سجلٌ أسود نحتاج لتوثيقه وحفظه ضمن ذاكرة الوطن ولمحاسبة الملك وجلاوزته على انتهاكاتهم لحقوق الإنسان. أسوأ ما في هذا السجل الأسود هو أن تفاصيله حدثت تحت راية “المشروع الإصلاحي”. بداية خديعة الإصلاح في السادس من مارس/ آذار 2000 وبمناسبة مرور سنة على تولي الشيخ حمد آل خليفة مقاليد الحكم في البحرين كتب القائد اليساري عبدالرحمن النعيمي مقالة تحت عنوان “رسالة إلى أمير البحرين في الذكرى الأولى لتوليه الحكم”. في ذلك المقال لاحظ الرفيق النعيمي أن العام مرَّ دون تحرك جدي نحو تحقيق انفراج سياسي؛ ولكنه تميز بكثرة الوعود وكثرة الدعاية وقليل من العمل وقليل من التنفيذ. ولهذا بدا الشـيخ حمد في السنة الأولى من عهده ولفترة بعدها حريصاً أبعد الحرص على نشر الوعود التي بدت متناقضة أحياناً لإرضاء الأطراف المختلفة. كان العام الأول عام التلميح بالإصلاح السياسي دون تحديد لماهية ذلك الإصلاح. فرغم صخب الضجيج الإعلامي المصاحب لها فإن إدارة حمد للحكم لم تأتِ بجديد في السنة الأولى. فلقد كان محكوماً بسبب ضآلة خبرته السياسية بأن يراوح في مكان أبيه وألا يتحرك إلا ضمن المساحة الضيقة التي يتيحها له عمُّه رئيس الوزراء. ولم يكن خافياً بأن حمد لم يكن مؤهلاً لتحدي عمّه وأنه لم يكن قادراً على تحجيمه بدون أن يجمع حوله قاعدة شعبية تدعم تحركاته. ولذلك كله ظلت خطوات الأمير الجديد طيلة عامه الأول محصورة ضمن المسار الذي سار عليه أبوه

رغم تهليل الإعلام الرسمي ومبالغاته حول نوايا الأمير الجديد الإصلاحية، تحاشى الأميرُ أن تؤدي أجواء التفاؤل التي عمّت البلاد إلى الاعتقاد بأنه على وشك القيام بتغيير جدي في طبيعة علاقة عائلته بالناس. بل هو حافظ حتى على شكليات تلك العلاقة وطقوسها كما عرفناها في عهد جده وأبيه بما في ذلك توزيع المكرمات الأميرية واللقاءات المنفردة مع ممثلي فئات المجتمع وأعيان البلاد بمن فيهم رجال دين من الطائفتين. إلا إن الأمير الجديد زاد على تركة جده وأبيه بأن أضاف ممثلي التيارات السياسية إلى قائمة لقاءاته المنفردة. لم يكن عبثاً عزوف حمد عن اللقاءات الجماعية بممثلي فئات المجتمع وتركيزه على اللقاءات المنفردة مع ممثلي كل فئة على حدة. فهذا هو جزء من الطقوس التي تكرست في الماضي وخاصة في عهد جدِّه وتمت رعايتها وبجهود مضنية بذلها بعد ذلك أبوه وعمّه لأكثر من خمسة عقود. أسهمت تلك الطقوس في الإبقاء على التشطير العمودي للمجتمع البحريني وفي منع قيام تعاون ســياســي واجتماعي طويل المدى بين التعـاضـديات الاجتماعية. فمن خلال التشطير ومن خلال تنافـس التعاضـديات الاجتماعية ومن خلال حرمانها من فرص التعاون فيما بينها، استطاعت السلطة الخليفية أن تحافظ على دورها المهيمن على المجتمع دون الانخراط فيه. كما استطاعت أن تؤسس لشرعية من نوع خاص تقوم على كونها الطرف الوحــيد القادر على التوســط ما بين التعـاضديات المتنافســة والتحكيم بينها لضمان ألا تتعدى مصـالح تعـاضدية بذاتها على مصالح تعاضـديات أخرى. ركّز حمد جهوده في عامه الأول على محاولات توطيد علاقته بالقوى المحلية والخارجية التي استندت إليها “شرعية” النظام الذي ورثه. على الصعيد المحلي كانت أولوية حمد هي تقديم ما يستطيع لطمأنة مخاوف قوتيْن محليتين أولهما عائلته، العائلة الخليفية، وأنصارها القبليين وثانيهما المؤسسة الدينية بفرعيها الشيعي والسني. فرغم قلة خبرته السياسية إلا إنه لم يكن يجهل أن سلطته تعتمد على دعم كلٍ من هاتين القوتيْن. فعبر عقود طويلة في ظل الهيمنة البريطانية، وبعدها، أسهمت هاتان القوتان في إنجاح جهود السلطة في إدامة تشطير المجتمع إلى تعاضديات متنافسة. كما كانتا أكثر المستفيدين من إدامة ذلك التشطير في مختلف أشكاله الطائفية أو القبلية أو المناطقية. زيادة في المخصصات فيما يتعلق بالعائلة الخليفية فلقد ركّز حمد على تقوية نفوذه ضمنها بزيادة المخصصات الشهرية المقررة لجميع أفراد العائلة حسب تراتبية محددة وكذلك عن طريق إعادة تشكيل مجلس العائلة الحاكمة وتعيين المقربين منه في عضوية المجلس. ولمجلس العائلة الذي تأسس في 1932 أهمية خاصة في ضبط العلاقة الرســمية بين الحاكم وبقية أفراد عائلته، كما يتولى تسوية النزاعات المدنية بين أفراد العائلة. وطبقاً لمرسوم أميري صدر في 1973 أصبح مجلس العائلة الخليفية جهازاً رسميا في الدولة يتولى الأمير/ الملك تعيين أعضائه كممثلين معترف بهم لمختلف فروع العائلة. يرأس المجلس أحد أفراد العائلة الخليفية برتبة وزير وله جهاز تنفيذي ومكاتب إدارية وموظفين متفرغين. وفيما يتعلق بالمؤسسة الدينية بشقيها الشيعي والسني فلم يكن لديها ما يدعو لقلقها على الامتيازات التي تتمتع بها بسبب قربها من العائلة الحاكمة وبسبب تخويلها الإشراف على الشؤون الدينية للطائفتين بما فيها تنظيم الأحوال الشخصية وقضايا الإرث عبر المحاكم الشرعية السنية والجعفرية علاوة على إدارة أملاك الأوقاف والإشراف على التعليم الديني وتشغيل رجال دين وغيرهم في المؤسسات الدينية المختلفة. رغم الأهمية الكبرى لتلك الإجراءت في توطيد حكم الأمير الجديد إلا إنها لم تؤثر على منع استمرار الأزمة السياسية/ الأمنية القائمة منذ اندلاع انتفاضة التسعينيات المطالبة بإعادة العمل بدستور 1973 ووقف انتهاك الحريات وحقوق الإنسان. كان على الأمير الجديد أن يجد مخرجاً مما سمّاه “عنق الزجاجة” التي وجد سلطته فيه. أعلن حمد إنه سيدشن عهداً جديداً “يقوم على ضمان الوحدة الوطنية والأمن الداخلي من خلال التكافل بين المواطنين البحرينيين بدون تمييز بغض النظر عن أصولهم ومذاهبهم”. تلت ذلك سلسلة من الإجراءات التي اندرجت فيما بعد تحت مسمى “المشروع الإصلاحي”. أبرز عناصر ذلك المشروع كان “ميثاق العمل الوطني” الذي تم تقديمه للاستفتاء العام في فبراير/ شباط 2001.

كانت نسـبة التأييد المذهلة التي حظي بها مشروع الميثاق انعكاسـاً حقيقياً لتوقعات النخب وللآمال الشـعبية بأن الشيخ حمد سـيلتزم بما ألزم نفسـه به من وعود بالإصلاح، بما في ذلك تخفيف القيود المفروضة على حرية التعبير والتنظيم وإلغاء قرارات منع السـفر المفروضة على المعارضين، وإلغاء قانون أمن الدولة وتفرعاته، وإعطاء المرأة حقوقها كاملة كمواطنة. لوقتٍ قصير في البداية كانت الأمور تسـير سـيراً يبشـر بالخير فلقد قام حمد فعلاً بعدة مبادرات إصلاحية بما فيها منح النساء حقوقهن السياسية كما أصدر قراراً بالعفو العام أدى إلى عودة المبعدين السـياسيين إلى البلاد وإخلاء السـجون من المعتقلين السـياسيين. إلا أن التطورات اللاحقة في البحرين بعد اسـتفتاء عام 2001 سـرعان ما بدّدت أجواء التفاؤل التي عمّت عشية الاستفتاء. بعد عام واحدٍ من الاسـتفتاء بدت نُذُر تخلي الشيخ حمد عن تعهداته الإصلاحية. ففي 14 فبراير/ شباط 2002 أعلن الشيخُ نفسـه ملكاً وأصدر – بإرادة منفردة – دسـتوراً جديداً لمملكته. وحسـب الدسـتور الجديد أصبح الملك هو “رأس الدولة، والممثل الأسمى لها، وذاته مصونة لا تمس، وهو الحامي الأمين للدين والوطن ورمز الوحدة الوطنية”. وهو وحده المختص بتعيين رئيس الوزراء والوزراء والسفراء والمحافظين والقضاة وأعضاء مجلس الشـورى وأعضاء المحكمة الدستورية وقادة القوات المســلحة والأمن والحرس الوطني. وهو وحده من يملك إعفاء كل هؤلاء من مناصبهم. وللملك حق اقتراح القوانين وتعديلها، وحق إبرام المعاهدات مع الدول الأخرى دون الحاجة إلى موافقة البرلمان. وفوق ذلك كله فالملك حسب دستوره هو صاحب القول الفصل في أي خلاف تشـريعي أو بين السـلطات الأخرى في المملكة. لم يكن الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في نظر الملك والعائلة الحاكمة تدشيناً لعهد جديد قائم على المبادئ المتعارف عليها في الممالك الدستورية الحديثة. بل كان حسبما أعلن الملك نفسه وعددٌ من كبار عائلته تخويلاً مطلقاً له. وهذا ما أعاد الملك تأكيده في خطبه وتصريحاته التالية وفي المقالات التي نُشرت باسمه. ففي أحدها (2005) كتب الملكُ إن “كثافة بعد كثافة التصويت الشعبي الشامل على الميثاق” بيّنت إن الأمر “ليس صيغة تعاقدية فحسب وإنما بيعة متجددة، وتفويض وطني لنا بقيادة المسيرة إلى آفاقها الجديدة”. اعترض كثيرون وفي مقدمتهم قادة تنظيمات المعارضة على هذا التفسير. فلم يتصور أحدٌ أن التصويت بنعم في الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني تعني مبايعة الملك وتفويضه بأن يفعل ما يشاء. إلا أن تلك الاعتراضات لم تكن كافية لتغيير توجهات الملك وأنصاره. من جهة أخرى كان الرأي الغالب بين قادة تنظيمات المعارضة يميل إلى التنبيه إلى خطورة حرق المراحل وإلى الحذر من إحراج الملك وهو يواجه ما قيل إنه الحرس القديم في العائلة الخليفية. في المقابل اعتبر عددٌ قليل من نشطاء المعارضة أن إعلان الدستور الملكي كان إعلانا عملياً عن أن الملك قد بدأ في التخلي عن “مشروعه الإصلاحي”. ألحق الملك دستوره الجديد بسلسلة من المراسيم والقوانين الإضافية بهدف تحصين السلطة التنفيذية وحمايتها من احتمالات المساءلة في المستقبل. من بين تلك المراسيم الرسوم رقم 56 لسنة 2002 بالعفو عن موظفي الدولة، وبخاصة ضباط أجهزة الأمن، من المتهمين بجرائم وبانتهاكات لحقوق الإنسـان. وبذلك حرم الملك آلاف المعتقلين السـياسـيين ومئات المبعدين السـياسـين وضحايا التعذيب من حق ملاحقة المتسببين في انتهاك حقوقهم في المحاكم كما حرمهم من حق الحصول على التعويضات المادية والأدبية المناسبة. وبطبيعة الحال أدى مرسـوم العفو إلى إلغاء كل أمل في إجراء مصالحة وطنية تقوم على محاسـبة الماضي والمسئولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتكبت فيه بما في ذلك سـقوط عشـرات الشـهداء

الجزء الأول من مقال منشور في مو قع مرآة البحرين  .