سراب الإصلاح في بلدان الخليج العربي

في قمة الرياض التي إنعقدت في نهاية 2015، إتفقت بلدان مجلس التعاون الخليجي على إصدار “الاتفاقية الموحدة لضريبة القيمة المضافة” على أن يقوم كل بلد خليحي “باتخاذ الإجراءات الداخلية لإصدار القانون المحلي والسياسات والإجراءات اللازمة لتطبيق الضريبة بهدف وضع أحكام الاتفاقية موضع التنفيذ”. وفي بداية هذه السنة بدأ ت كلٌ من السعودية والبحرين والإمارات بفرض ضريبة القيمة المضافة بينما أعلنت قطر وسلطنة عُمان والكويت عن تأجيل العمل بالإتفاقية التي ستؤدي الى فرض ضريبة بنسبة 5 في المئة على عشرات البضائع والخدمات، بما فيها الوقود والمواد الغذائية والملابس وفواتير إستهلاك المياه والكهرباء.

خروج على السيناريو المعتاد

يواجه المسئولون الخليجيون في البلدان التي طبقت الإتفاقية أو التي ستطبقها في المستقبل صعوبات ملحوظة في تسويق فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها من ضرائب مباشرة وغير مباشرة. أغلب التبريرات تشير إلى ما ستوفره الضريبة من موارد مالية إضافية للخزينة الحكومية لتغطية “العجز الناجم عن إنخفاض سعر النفط”. إلا إن أكثر التوقعات تفاؤلاً يقدم أرقاماً يمكن تعويضها بمراقبة ما يستنزفه الفساد المستشري في أجهزة الدولة، إن لم نقل بإقتطاع جزء من المخصصات الشهرية لأبناء وبنات العوائل الحاكمة لمجرد إنتمائهم لها

من جانب آخر فإن فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها هو جزءٌ مهمٌ من إلتزامات حكومات بلدان الخليج بالشروط التي يفرضها “صندوق النقد الدولي” الذي تشدّد تقاريره الدورية على ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات والسياسات الإقتصادية في هذه البلدان لمطابقتها مع تصورات الصندوق لمسار الإقتصاد العالمي.  يأمل المسئولون الخليجيون بأن تسهم الإجراءات الأخيرة في إقناع إدارة الصندوق ــ بإعتبارها واجهة مهمة للقوى المهيمنة على الإقتصاد العالمي ــ بجدية نوايا الإصلاح لدى الحكومات الخليجية، وبأن خطط الإصلاح المعلنة ليست مجرد إجراءات مؤقتة في إنتظار الفرج بعودة أسعار النفط إلى الإرتفاع.
لا يبدو واقعياً التعويل على ما ستدره حصيلة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية على خزينة الدولة. فالعوائد المالية من هذه الإجراءات تبقى محدودة وهامشية رغم إنها تقصم ظهور الفقراء. فبدون تغيير جدي في أساليب التصرف في موارد البلدان الخليجية وأساليب إتخاذ القرارات المتعلقة بالإنفاق الحكومي فيها، فلن تؤدي القرارات المعلنة إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية.  وليس ثمة أمل في إصلاح حين يكون من ضمن صلاحيات الأمير أو الملك أو السلطان أن يقرر شخصياً التصرف، ودون الرجوع إلى مؤسسات الدولة، في مليار دولار هنا أو عشرة مليارات هناك أو في مئات المليارات من الدولارات كما حدث عند زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض في أيار / مايو الماضي.

من جانب آخر فإن فرض ضريبة القيمة المضافة وما سيليها هو جزءٌ مهمٌ من إلتزامات حكومات بلدان الخليج بالشروط التي يفرضها “صندوق النقد الدولي” الذي تشدّد تقاريره الدورية على ضرورة إعادة هيكلة المؤسسات والسياسات الإقتصادية في هذه البلدان لمطابقتها مع تصورات الصندوق لمسار الإقتصاد العالمي.  يأمل المسئولون الخليجيون بأن تسهم الإجراءات الأخيرة في إقناع إدارة الصندوق ــ بإعتبارها واجهة مهمة للقوى المهيمنة على الإقتصاد العالمي ــ بجدية نوايا الإصلاح لدى الحكومات الخليجية، وبأن خطط الإصلاح المعلنة ليست مجرد إجراءات مؤقتة في إنتظار الفرج بعودة أسعار النفط إلى الإرتفاع.
لا يبدو واقعياً التعويل على ما ستدره حصيلة ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية على خزينة الدولة. فالعوائد المالية من هذه الإجراءات تبقى محدودة وهامشية رغم إنها تقصم ظهور الفقراء. فبدون تغيير جدي في أساليب التصرف في موارد البلدان الخليجية وأساليب إتخاذ القرارات المتعلقة بالإنفاق الحكومي فيها، فلن تؤدي القرارات المعلنة إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية.  وليس ثمة أمل في إصلاح حين يكون من ضمن صلاحيات الأمير أو الملك أو السلطان أن يقرر شخصياً التصرف، ودون الرجوع إلى مؤسسات الدولة، في مليار دولار هنا أو عشرة مليارات هناك أو في مئات المليارات من الدولارات كما حدث عند زيارة الرئيس الأمريكي ترامب إلى الرياض في أيار / مايو الماضي

يشكل البدء في تطبيق فرض نظام الضريبة غير المباشرة وغيرها من الإجراءات الأخيرة لتقليص الإنفاق الحكومي خروجاً عن السيناريو المعتاد في بلدان التعاون الخليجي في مواجهة الأزمات الإقتصادية الدورية.  فحسب ذلك السيناريو تقوم السلطات الحكومية بالإعلان عن خطط لمعالجة الاخطار التي تتهدد الإقتصاد ولمواجهة التحديات الجدية التي يسببها إنخفاض سعر برميل النفط وعوائده. وحسب السيناريو ذاته لا تخلو تلك الإعلانات من الإشارة إلى هدفين إستراتيجيين يتكرران في كل مرة. ا    لأول هو تنويع مصادر الدخل وتقليل الإعتماد على النفط لتحاشي تبعات تقلبات سوق النفط العالمية. والثاني هو إصلاح سوق العمل وإنهاء مشكلاته البنيوية بما فيها البطالة المزمنة بين المواطنين، والمترافقة مع إعتماد أغلب قطاعات السوق على العمالة المهاجرة. وحسب السيناريو المعتاد، تعود الأمور إلى ما كانت عليه بعد أن يعود سعر البرميل إلى الإرتفاع.  عندها، وحسب المعتاد، تنتقل الإعلانات عن الإصلاحات الإقتصادية والسياسية إلى الأرشيف. ولعل هذا هو ما أشارت إليه المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد، في خطابها أمام “منتدى المالية العامة في الدول العربية (دبي، 10 شباط /  فبراير 2018) الذي إنتقدت فيه الإجراءات الإصلاحية “المؤقتة وغير الدائمة” التي تتخذها الحكومات

يشير الإتفاق على فرض ضريبة القيمة المضافة وغيرها من الإجراءات الإقتصادية إلى إقتناع متأخر لدى المسئولين بأن الأوضاع الإقتصادية في المنطقة لن تتحسن في المستقبل المنظور. وإنهم لا  يستطيعون التعويل على إحتمال إرتفاع سعر برميل النفط للخروج من الأزمة الإقتصادية المستمرة منذ  أكثر من ثلاث سنوات ، أي منذ إنخفاض سعر البرميل إلى أقل من خمسين دولار في بداية 2015.
نعم، وصل سعر برميل النفط في سنوات سابقة إلى أقل من خمسين دولاراً بكثير. إلا إنها كانت فترات مؤقتة كان يمكن للسلطات أن تتعايش معها عن طريق الإستدانة من السوق الداخلية أو الخارجية  في إنتظار أن تؤدي تقلبات السوق النفطية إلى عودة سعر البرميل إلى الإرتفاع.  لم يعد ذلك محتملاً مع تزايد بدائل النفط الخام بما فيها الغاز الصخري. وفوق ذلك،  كانت الإلتزامات المالية للدول الخليجية داخلياً وخارجياً أقل بكثير مما هي عليه الآن.  وتكفي هنا الإشارة إلى تصاعد الإنفاق الخليجي في المجالين الأمني والعسكري وما يستنزفه الفساد، سواء ذاك الذي ترعاه السلطة الحاكمة أو ذاك الآخر الذي تتغاضى عنه.

التعايش مع عجز الميزانية

إستناداً إلى تقديرات مختلفة، من الممكن إفتراض إن سعر التعادل للموازنة العامة (2017) في بلدان الخليج يتراوح بين 64 دولار للبرمبل في الكويت و68 دولار في قطر  و77 دولار في الإمارات و 104 دولار في السعودية و 106 دولار في عُمان  و132 دولار في البحرين. أي أن جميع هذه البلد ان تحتاج من أجل تمويل إنفاقها الحالي إلى أن يرتفع سعر بيع البرميل الواحد إلى أكثر مما هو عليه الآن.
وهي لهذا تلجأ إلى مختلف الحلول المالية المتاحة لتغطية العجز في ميزانيتها. أغلب الحلول المعتادة قصيرة المدى وتتضمن الإستدانة من السوق المحلية والخارجية والسحب من الصناديق السيادية وتسييل الإستثمارات. ففي السعودية، على سبيل المثال، تضاعفت قيمة الدَين العام تسع مرات خلال السنوات بين 2014 و2017.  وتشير وثائق وزارة المالية السعودية إلى توقعَين يستحقان الاهتمام. الأول هو  إستمرار العجز السنوي في  الميزانية السعودية حتى حلول العام 2022 . أما الثاني فهو إستمرار تزايد الديَن العام ليصل إلى 227 مليار دولار في العام نفسه

لقد إتخذت السلطات السعودية عدداً من الإجراءات لتغطية عجز الميزانية ولتمويل الحرب اليمنية. ولعل أخطر ما تضمنته هذه الإجراءات هو سحب أكثر من 243  مليار دولار من الصندوق السيادي لمؤسسة النقد السعودي. حتى الآن أدت السحوبات المتتالية إلى إنخفاض قيمة ذلك الصندوق السيادي من 737 مليار دولار في منتصف 2014 إلى 494 مليار دولار في كانون الثاني / يناير 2018.
ثمة حاجة لعدم المرور سريعاً عند هذه الأرقام. فمبلغ 243 مليار دولار التي سحبته السلطات السعودية  ــ وخاصة منذ مجيء الملك سلمان إلى الحكم  ــ  يزيد على أكثر من ضعف  مجموع المبالغ المخصصة في الميزانية السعودية الأخيرة (2018) للإنفاق على قطاعات التعليم والصحة والتنمية الإجتماعية والخدمات البلدية مجتمعة.  بل هو مبلغ يقف في موازاة ما يمكن واقعياً تحصيله من بيع الحصة المقررة من أسهم شركة أرامكو لتمويل “رؤية 20.

 

http://arabi.assafir.com/Article/1/10606

15-02-2018

 

 

 

Advertisements