لماذا زار وفد “بحريني” القدس المحتلة؟ا

بعد أيام من إعلان ترامب إعترافه بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل، أعلن عن وصول “وفدٌ من البحرين إلى إسرائيل في زيارة رسمية وعلنية، تستمر أربعة أيام، يلتقي خلالها بمسؤولين بالحكومة الإسرائيلية”.
سبّب خبر الزيارة صدمة لكثيرين وأثار غضباً شعبياً في البحرين وخارجها. إلا إن السلطات البحرينية قابلت بالصمت تلك المشاعر وإكتفت ببيان أصدرته وكالة أنباء البحرين يعلن إن الزيارة تمت “بمبادرة ذاتية”، وأنها لا تحظى برعاية رسمية.  لم يهتم من صاغ ذلك البيان بقدرته على إقناع الناس وخاصة أن جمعية “هذه هي البحرين” التي نظّمت الزيارة هي جمعية ملكية معروفة وتحظى أنشطتها برعاية الملك شخصياً كما يتولى الديوان الملكي مباشرة تمويل الأنشطة والمهرجانات التي تعقدها في البحرين وفي الخارج. ا

من القدس المحتلة إلى إستاد البحرين الرياضي

فيا عدا البيان المقتضب لوكالة أنباء البحرين، إلتزمت السلطات البحرينية الصمت حول زيارة القدس المحتلة ولم تعد الصحف المحلية إلى الإشارة إليها إلا عبر التلميح إلى إن إيران تقف وراء حملات “التشكيك في الموقف الرسمي البحريني”. لم يفلح البيان الرسمي ولا الأسطر المعدودة التي تجرأ بعض الصحافيين على نشرها في الصحف المحلية في تهدئة الغضب الشعبي. فشهدت شوارع البحرين تظاهرات متفرقة قمعتها بسرعة قوات الأمن كما إنتشرت في مواقع التواصل الإجتماعي رسائل النشطاء على إختلاف إنتماءاتهم إعتبروا “محاولات التطبيع مع العدو الغاصب، بما فيها الزيارة التي قام بها وفد جمعية “هذه هي البحرين” للقدس المحتلة خيانة للشعب الفلسطيني”.
على الرغم من الصدمة، إلا إن زيارة الجمعية الملكية إلى القدس المحتلة ليست مفاجئة بل تأتي في سياق علاقات قديمة تربط ملك البحرين الحالي قبل وصوله إلى سدة الحكم بقادة إسرائيليين. وقد إنعكست منذ الربيع العربي آثار تلك العلاقات في أساليب تعاطي الأجهزة الأمنية في البحرين، بما فيها فرض الحصار على أحياء وقرى وشق الطرق الإلتفافية  حول “مناطق الإشتباكات” لضمان عزلها.  ا

لم تؤد حملات الإستنكار ولا إنكار وكالة أنباء البحرين وجود علاقة رسمية بالجمعية المذكورة إلى محاسبة الجمعية ومساءلة أعضاء وفدها إلى القدس المحتلة.  بل هي ظلت تمارس”مهماتها” كأن شيئاً لم يكن. فبعد أقل من أسبوع من عودة وفدها من زيارة القدس المحتلة وقفت رئيستها الأسكتلندية الأصل بيتسي ماثيسون بجانب عدد من كبار المسئولين الحكوميين لتفتتح في إستاد البحرين الرياضي مهرجان “العيد الوطني” الذي قامت الجمعية بتنظيمه تحت رعاية الملك وبتمويل الديوان الملكي.
لا يهتم ملك البحرين بشعبه حين يبتعث وفداً لزيارة القدس المحتلة. وهو لا يهتم بالفلسطينيين ولا ببقية العرب.  فهو مهتم بإشعار واشنطن ــ عبر القدس المحتلة ــ إنه ملتزم بخطة طريق تقوده إلى إعلان إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل دون إنتظار التوصل إلى توافق عربي يضمن للفلسطينيين حقوقهم الوطنية ضمن تسوية إقليمية عادلة.  ثمة إحتمال إن ملك البحرين ربما ينتظر أن تمنحه زيارة الوفد “البحريني” إلى القدس المحتلة  مسافة يسبق بها أشقاءه حكام الخليج ممن يسيرون مثله، ومنذ سنوات، بخطوات مترددة على طريق التطبيع مع إسرائيل.  فلا أحد يمكنه تجاهل السباق الخفيّ بين البلدان الخليجية التي تزايدت في السنوات الأخيرة أخبار اللقاءات والزيارات المتبادلة بين مسئوليها والمسئولين الإسرائيليين. بعض تلك اللقاءات والزيارات تتم في سرية شديدة فلا تشير إليها إلا التسريبات غير المقصودة. إلا أن أغلبها صار معلناً ولا يحاول المشاركون فيه إخفائه بعدما راج بقوة ــ منذ إعتلاء سلمان وولده حكم السعودية ــ شعار “عدونا الرئيسي هو إيران وليس إسرائيل”.

البحرين غنيمة غزوة 1783

بالإضافة إلى سياقها الخليجي، لا بد من النظر إلى زيارة الوفد “البحريني” لمعرفة ما تعكسه من علامات خصوصية وضع البحرين والنظام السياسي فيها.  فالعائلة الحاكمة في البحرين هي الوحيدة بين إثنتي عشر عائلة حاكمة في بلدان الخليج التي تفاخر كل يوم بأنها غزت البحرين قبل قرنين وإنها أسست في البحرين منذ 1783 “دولة عربية مسلمة مستقلة ذات سيادة” حسبما يردد الملك في خطاباته. وهي العائلة الحاكمة الوحيدة التي تحتفل سنوياً بذكرى “الفتح” في عيدها الوطني، لتذكير الناس بأن شرعيتها لا تستند إلى إرادتهم  بل إلى إعتبار البلاد من غنائم تلك الغزوة. ا

يكره المسئولون في البحرين وحتى أصدقاؤهم في الخارج الإشارة إلى أوجه الشبه بين ممارسات الأجهزة الأمنية في البحرين تجاه مواطنيها مع ممارسات قوى الاحتلال الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. فكيف يقارن أحدٌ حاكماً عربياً بصهيوني؟ إلا إن من المهم مناقشة تشابه طبيعة وتبريرات ممارسات سلطتي الأمر الواقع في البلدين. نعم، يختلف حجم القمع وتاريخه إلا أن من يتابع التغيرات التي أدخلها ملك البحرين في السنوات الأخيرة على أساليب أجهزته الأمنية قد يجد تفسيراً لمفاخرة حمد بن عيسى بالعلاقات القائمة بين أجهزته الأمنية ونظيرتها الإسرائيلية.  ولا غرابة أن يرى ملك البحرين في إسرائيل نموذجاً يمكن أن يتعلم منه أو على الأقل أن يستفيد من خبراتها وأساليب تعاملها مع الفلسطينيين قمعاً وإستيطاناً وتغييراً ديموغرافياً.

طريق الملك المسدود

لا يمكن اعتبار إرسال وفد الجمعية الملكية إلى القدس المحتلة نزوة. كما لا يمكن تفسير الزيارة بأنها خطوة لاختبار ردّات فعل الشعوب العربية تمهيداً لخطوات تصالحية مع إسرائيل يقوم بها حكام البلدان الخليجية وفي مقدمتها السعودية. قد يكون لهذيْن السببين ما يسندهما. إلا إن الزيارة تعبر قبل كل شيء عن خصوصية علاقة العائلة الحاكمة في البحرين بشعبها
حين تولى حمد الحكم في 1999 بدا مقتنعاً بقدرته على أن يقنع المعارضة  ــ أو على الأقل قسماً كبيراً منها ــ بخطته لتحديث سلطة عائلته. وتمثلت تلك الخطة بإعلان دستور وإقامة مؤسسات دستورية حديثة ولكنها تشرعن موروثات الفتح وحق العائلة الحاكمة في غنائمه.  وكانت أمام حمد مؤشرات كثيرة تؤكد تلك القناعة. فلقد توصل إلى تسويات أرضت أقساماً رئيسية في المعارضة الإسلامية واليسارية رغم إنها لم تمس أيأ من إمتيازات العائلة الحاكمة. بل إن تلك التسويات، بما فيها تلك التي جرى التوصل إليها في ظل ثلاث دورات برلمانية بين 2002 و2010  أضافت معيقات لمساعي بناء مؤسسات الدولة وكرّست سلطة الأمر الواقع. وها مثالين على هذه المعيقات المضافة:
يتعلق الأول بالتغيير الديموغرافي الذي شهدته البلاد منذ حكم حمد بن عيسى البحرين.  كانت إحدى مميزات البحرين في محيطها الخليجي هي إن البحرينيين يشكلون أكثرية السكان. وكان هذا أحد مصادر قوة الحركة الوطنية والحركة العمالية فيها.  فعلى الرغم من التغييرات الديموغرافية التي شهدتها بلدان المنطقة، بما فيها البحرين، وخاصة بعد الطفرة النفطية في سبعينيات القرن الماضي، بقي المواطنون في البحرين يشكلون أغلبية سكانها وأغلبية قوة العمل فيها. وبعد 18 عاماً من تولي الملك الحالي الحكم، تحول المواطنون إلى أقلية بين السكان وفي سوق العمل.  يبيِّن التعداد الأخير للسكان (2001) إن عدد سكان البحرين يزيد قليلاً على 650 ألف نسمة يشكل المواطنون أكثر من 62 في المئة منهم. في العام 2016 زاد عدد السكان على ضعف ما كان عليه قبل خمسة عشر سنة، ليصل حسب التقديرات الرسمية إلى 1.424 مليون نسمة يشكل المواطنون نسبة 46.6 في المئة منهم. ا

يربط بعض الدارسين الزيادة المضطردة في إستيراد العمال الأجانب بنمو سوق العمل. كما يربطها آخرون بعوامل أخرى من قبيل أن العمال المحليين لا يقبلون العمل في المهن التي يتولاها العمال الأجانب. إلا إن هذين التفسيرين لا يستندان إلى دراسات جادة لسوق العمل ولا إلى معرفة عملية. ففي الوقت الذي ترتفع فيه نسبة العمالة الأجنبية ترتفع أيضاً نسبة العاطلين بين العمال البحرينيين، كما تنتشر نسبة العاطلين وشبه العاطلين بين العمال الأجانب أنفسهم. ولهذا يجب النظر إلى مؤشرات إن الزيادة الملحوظة في أعداد العمال الأجانب هي إحدى نتائج سياسة إغراق سوق العمل المحلي بهدف ضغط الأجور وإحتواء الدور السياسي الذي كان يلعبه العمال في الحياة السياسية في البحرين. ا

أما المثال الثاني فهو ما يُعرف في البحرين بـ “التجنيس السياسي” الذي تصاعد منذ تولي حمد الحكم قبل ثماني عشر سنة. فعلى الرغم من صرامة الشروط التي تفرضها القوانين والأنظمة المتعلقة إلا إن حمد تجاوزها لتجنيس أعدادٍ غير معلنة ممن لا تنطبق عليهم الشروط المنصوص عليها. رحبت بعض القوى السياسية بعمليات التجنيس الجماعي لإقتناعها بأنها ستؤدي إلى إيجاد توازن ديمغرافي لصالح “المكوِّن السني” في مقابل “المكوِّن الشيعي” الغالب عددياً.  تلّقف إعلام المعارضة هذه التفسير رغم تهافته.  فلم يمض وقتٌ طويل قبل أن يتبين إن أول الخاسرين من ذلك التجنيس غير القانوني هم فقراء السنة الذين أخذت أهميتهم السياسية في الإنخفاض وبدأ تقليص الخدمات الأساسية لهم. فوجد هؤلاء أنفسهم يخسرون أجزاءً من حصتهم من المكرمات بينما الحكومة تسعى لتوفير السكن والعمل والخدمات للبحرينيين “الجدد”. بل وأدى تزايد أعداد المجنسين إلى خسارة أبناء وبنات الشرائح الفقيرة السنية “الأفضلية” التي كانت تُعطى لهم للإلتحاق بعدد من المؤسسات الحكومية بما فيها قوى الأمن والقوات المسلحة.
لا تستند عمليات التجنيس الجماعي إلى الفزعة المذهبية أو حتى إلى رغبة العائلة الحاكمة في خلق توازن ديموغرافي بين السنة والشيعة.  فتبعات الاحتقان جراء التجنيس السياسي، كما يشير الباحث البحريني عمر الشهابي، “تشمل أغلب عناصر المجتمع البحريني. ففي حادثة شهيرة قبل عامَين، وقعت صدامات بين أفراد عائلة سنّية وبعض المجنّسين سياسياً، وأثارت القضية سجالاً واسعاً في أوساط الرأي العام في الجزيرة. في الواقع، غالباً ما يشتكي السنّة من أن تداعيات التجنيس تطالهم أكثر من سواهم، لأن المجنَّسين سياسياً يشغلون عادةً وظائف (في القوى الأمنية) يسيطر عليها السنّة تاريخياً، ويعيشون في مناطق ذات غالبية سنّية”.ا

شيئاً فشيئاً بدأت تتضح لهذا المكون وذاك وغيرهما إن الهدف الحقيقي من عمليات التجنيس الجماعي ليس “تسنين” البحرين بل “هو حاجة العائلة الحاكمة إلى إستيراد الولاء والموالين” حسب تعبير أحد القادة اليساريين في البحرين.  وهو إستنتاج تسنده المعلومات المتوفرة حول عمليات التجنيس الجماعي قبل الربيع العربي وبعده.
كانت الأرقام المتداولة عشية إنتفاضة اللؤلؤة في شباط/ فبراير 2011 تتراوح بين 70 ألف و90 ألف شخص تم تجنيسهم بمراسيم أميرية غير معلنة. أي بمعدل 7 الى 9 آلاف في كل سنة من العشر سنوات الأولى من العهد. أغلب المستفيدين من هذه المراسيم في تلك الفترة هم من العرب السوريين واليمنيين والأردنيين والسودانيين وخاصة العاملين منهم في أجهزة الأمن والقوات المسلحة وعوائلهم. أما ما حدث مع قمع المعارضة منذ 2011 فيحتاج إلى دراسة خاصة بالنظر إلى إن عمليات التجنيس الجماعي تتم إما بمراسيم ملكية غير معلنة أو بقرارات سرية يتخذها وزير الداخلية. إلا إنه يمكن الإشارة إلى أن صعود الهواجس الأمنية ضد المواطنين العرب القادمين من بلدان الربيع العربي مثل سوريا واليمن أدت إلى زيادة التوجه نحو تجنيس وافدين من الباكستان والهند وبلدان شرقي آسيا. وفي هذا الصدد، يمكن استعادة تصريح للسفير الباكستاني لدى البحرين في 2014 يشير إلى إن عدد من تم تجنيسهم من مواطنيه في البحرين يتراوح بين 25 ألف و30 ألف بالإضافة إلى 5 آلاف على قائمة الإنتظار.  ا

الزيارة وإصطفافات ما بعد دوار اللؤلؤة

كان حراك الربيع العربي في البحرين في شباط / فبراير 2011 إعلاناً بفشل مشروع ملك البحرين الطامح لإدامة سلطة الأمر الواقع المستندة إلى موروث الفتح عن طريق تغطيتها بأردية الدولة الدستورية. فحين تجرأ أول ناشطة أو ناشط على ترديد شعار “الشعب يريد إسقاط النظام”، كانا يعلنان نهاية حقبة مؤلمة من تاريخ البلاد. كما كان مرددو الشعار يعلنون عن بداية فصل جديد في العلاقة بين العائلة الحاكمة وبين من كانت تعتبرهم رعايا، يعيشون على أرض فتحها أجداد العائلة في 1783.

لم تعد التسويات التي عقدها الملك مع بعض النخب السياسية كافية ولم يعد يجدي تكرار الوعود بمكرمات قادمة. من جهتهم فقد الوجهاء والأعيان مصداقيتهم وسلطتهم على الناس فلم تعد جهودهم قادرة على إعادة الأمور إلى نصابها.  لذلك يسعى ملك البحرين في أن يجد في تطوير علاقاته بإسرائيل مصدر قوة يستند إليها رغم مخاطرها. فهو إختبر فوائد هذه العلاقات في تفعيل أساليب تعامل أجهزة الأمنية مع المعارضة والأنشطة الإحتجاجية. ا


 

مقال منشور في السفير العربي

23-12-2017

 

http://arabi.assafir.com/Article/25/10520


 

إزدواجية معايير الجامعات الغربية وفروعها في الخليج

توالت في الأشهر الماضية أخبارإحتجاجات قام بها أساتذة جامعة نيويورك ضد إدارة جامعتهم وفرعها في مدينة أبوظبي على خلفية عدم وقوفهما ضد إنتهاكات حكومة الإمارات للحرية الأكاديمية، وضد ممارساتها التمييزية.  ومؤخراً، أعلن الأساتذة المحتجون وقف تعاملهم مع فرع جامعتهم في أبو ظبي، وطالبوا إدارة الجامعة بإتخاذ مواقف للدفاع عن الحرية الأكاديمية والبحث العلمي. وقد ساندت تلك الإحتجاجات “رابطة دراسات الشرق الأوسط لشمال أمريكا – ميسا” التي وجهت في الثاني من تشرين الأول / أكتوبر الماضي رسالة إلى رئيس جامعة نيويورك تحتج فيها على “معاملة فرع الجامعة في أبو ظبي لمواطنين أمريكيين وباحثين جرى التمييز ضدهم بسبب الطائفة والموقف السياسي”.

ليست جامعة نيويورك وحيدة في صمتها تجاه إنتهاك حريات أساتذة وطلبة فرعها في أبوظبي. لذلك تستثير التغطية الإعلامية الأخيرة أسئلة حول ما تفعله فروع الجامعات الغربية، وخاصة إداراتها، في خدمة أنظمة الحكم القمعية في بلدان الخليج العربي، كما تشير إلى الحاجة للبحث عن العوامل التي جعلت وتجعل سلوك إدارات هذه الجامعات، وخاصة العريقة منها، ومواقفها تجاه الحريات الأكاديمية بما فيها حرية البحث العلمي والتعبير، لا يختلف عن سلوك الجامعات المحلية.  فعلى سبيل المثال، لا فرق في هذا المجال بين جامعة مثل جامعة السوربون وجامعة حكومية في أي بلد خليجي. فحين إعتقلت السلطات الأمنية في الإمارات في نيسان/ أبريل 2011 الدكتور ناصر بن غيث، المدرِّس في فرع السوربون هناك، صمتت إدارة جامعته. وكذلك صمتت إدارة جامعة البحرين حين إعتقلت السلطات الأمنية في الفترة نفسها الدكتورعبد الجليل السنكيس وفصلت أساتذة آخرين لمشاركتهم في حراك دوار اللؤلؤة في البحرين.

الجامعة الرسمية إشهارٌ لقيام الدولة

قبل ستين عاماً، إفتتح الملك السعودي سعود بن عبد العزيز أول جامعة سعودية. وظلت جامعة الملك سعود وحيدة في عموم منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى أن أنشأت الكويت في 1966 جامعتها الوطنية. في السنوات العشرين التالية نشأت جامعات رسمية في بقية إمارات المنطقة، بما فيها تلك التي لم تكن في حاجة لجامعة.  إلا إن قيام مؤسسات التعليم العالي في المنطقة ساهم في توفير فرص لم تكن متاحة للحصول على التعليم الجامعي لأبناء وبنات الشرائح الإجتماعية محدودة الدخل.  كما أسهم في تغلب كثير من الفتيات على معيقات إجتماعية حصرت حرية السفر لطلب العلم في الذكور

وعلى الرغم من عمرها القصير، إلا أنه من الممكن تقسيم تاريخ مؤسسات التعليم الجامعي في منطقة الخليج والجزيرة العربية إلى طورين. بدأ الأول في 1957 وشهد إنشاء الجامعات الرسمية في السعودية أولاً ثم الكويت وبعدهما بقية إمارات الخليج.  أما الطور الثاني فدشنه في 1993 إفتتاح أول فرعٍ لجامعة أجنبية في المنطقة. تبع تلك الجامعة عشرات الجامعات الأجنبية التي أسست لها فروعاً في مختلف بلدان الخليج.
يرتبط إنشاء الجامعات الخليجية الرسمية إرتباطاً وثيقاً بنشوء سلسلة من المؤسسات الأخرى التي أقيمت لإشهار وجود “الدولة الخليجية”. ولقد أرست الكويت بعد إستقلالها نموذجاً إستنسخته شقيقاتها مشيخات الخليج التي تخلصت في 1971 من الهيمنة البريطانية.  فكما تحتاج “الدولة” لإشهار قيامها إلى علمٍ ورايات وأوسمة وإلى نشيدٍ وطني وجيشٍ رأت كل عائلة حاكمة إنها تحتاج أيضاً إلى جامعة رسمية. فأدت الجامعات دورها التزييني كما قامت أيضاً بدورها في تخريج المتعلمين في الإختصاصات التي تحتاجها الإدارات الحكومية والمؤسسات الجديدة في دولة ما بعد الإستقلال

وفرت الظروف والعوامل السياسية المؤثرة خلال الطورين للعوائل الحاكمة القدرة والوسائل لإحتواء التاثيرات غير المرغوب فيها لمؤسسات التعليم العالي على الأوضاع السياسية السائدة في بلدان المنطقة.  علاوة على ذلك، فلقد إبتلت الجامعات الرسمية منذ نشأتها بتشوهات خلقية جعلتها عاجزة عن الصمود أمام إشتراطات العائلة الحاكمة في بلدها وضغوطها. أما الجامعات الأجنبية، بما فيها الجامعات الغربية، فقد بقيت رهائن لمختلف المغريات، وخاصة التغطية المالية والتسهيلات اللوجستية، علاوة على متطلبات التوسع والإنتشار. هذه  العوامل مجتمعة ــ دون أن نشير إلى الفساد ــ جعلت حتى “أرقى” هذه الجامعات تتخلى عن الحدود الدنيا مما يتطلبه منها تاريخها ومكانتها وصيتها.  بل على العكس.  فثمة أمثلة كثيرة توضح كيف ساهمت الجامعات الخليجية الرسمية منها والأجنبية كمؤسسات، أوعبر طواقمها الأكاديمية، في إفشال محاولات توسيع هوامش الحرية الأكاديمية وحرية التعبير.

الطلاق البائن بين الجامعة والمجتمع في الخليج

طيلة السبعة عقود الماضية، منذ قيام أول جامعة خليجية، لم تتمكن جامعات المنطقة من التخلص من تشوهات ولادتها وأن تؤثر إيجابياً في محيطها. ومن أبرز تلك التشوهات واقع إنها مؤسسة حكومية غير مستقلة لا تختلف في وضعها القانوني والإداري والوظيفي عن بقية الإدارات الحكومية التي تنفذ ما تقرره لها العائلة الحاكمة. وفي غياب أدوات الحكم الديمقراطي تبقى الجامعة الرسمية ــ مؤسسة وطواقم أكاديمية وفنية ــ رهينة بيد السلطة السياسية.  ولهذا، فليس مستغرباً ما نقله الزميل ساري حنفي عن أحمد العيسى (رئيس سابق لجامعة اليمامة في السعودية ووزير التعليم حالياً) الذي وصف العلاقة بين الجامعة والمجتمع في بلاده بأنها “علاقة طلاق بائن”. سبب هذا الطلاق البائن هو “التوجس المبالغ فيه لدى المسؤولين في الجامعات، ولدى المسؤولين في وزارة التعليم العالي، من منح الجامعات فرصة الانفتاح على قضايا المجتمع وإطلاق الحريات في مناقشة القضايا الحساسة، فحرصوا على ألّا يكون للجامعات موقف من هذه القضية أو تلك”.ا

لا تختلف العلاقة بين الجامعات والمجتمع في بقية بلدان الخليج عن توصيف أحمد العيسى لتلك العلاقة في بلاده. إلا إن العوامل التي أدت إليها لا تنحصر في “توجس المسئولين في الجامعة أو الوزارة”. فمن العوامل التي لا يمكن تجاهلها هو القمع الذي مارسته السلطات الأمنية طيلة العقود الماضية على مختلف شرائح المجتمع بمن فيها طلبة الجامعات وأساتذتها. وحتى بعض من صمد أمام القمع وجدت السلطة له أو لها منفذاً بطرق أخرى ووسائل وفرتها لها الطفرة النفطية وإحتكارها لتوزيع موارد البلاد.

مسلسل الإرتزاق الأكاديمي

دشن إفتتاح فرع لأحدى الجامعات الأسترالية في 1993 بداية لما أصبح تدافعاً ملحوظاً بين جامعات أجنبية على وضع يدها على جزء من سوق التعليم الجامعي في المنطقة. وهو سوقٌ ساهمت في توسيعه الإجراءات التي إتخذتها الولايات المتحدة الأميركية وغيرها من الدول الغربية بعد أحداث أيلول /  سبتمبر2001 في نيويورك وما تلاها.  جذبت السوق الجديدة جامعات مشكوك فيها لكنها وجدت موقعاً لها عن طريق شراكات بين أصحابها مع هذا أو ذاك من أمراء المنطقة.  أما الجامعات المعتبَرة وذات التاريخ الأكاديمي فلقد جذبها إلى الخليج التنافس الحاد بين أمراء الخليج على إغرائها بتقديم ما يلزمها من تسهيلات ودعم.
أسس حاكم قطر في 1995 “المدينة التعليمية” في الدوحة على مساحة عشرة كيلومترات مربعة لتكون مخصصة للجامعات الأجنبية. تكفلت قطر ببناء المدينة وتجهيزها، وهي تتولى عبر “مؤسسة قطر” صرف ميزانيتها التشغيلية. ولا يبدو إن هذه الجامعات في حاجة لتحمّل أعباء تذكر عدا مشقة الإنتقال. تضم المدينة التعليمية الآن، بالإضافة إلى جامعة حمد بن خليفة، فروعاً لجامعات كندية وهولندية وبريطانية بالإضافة إلى فروع لستِ جامعات أميركية.ا

 لا يُعرف المبلغ النهائي الذي صرفته قطر على “مدينتها التعليمية”، إلا أن من المتوقع أن يكون أكثر مما صرفته أمارة أبوظبي لإجتذاب واحدة من الجامعات المعتبرة.  إذ تشير التقديرات المتوفرة إلى أن كلفة بناء وتجهيز فرع جامعة نيويورك في أبوظبي بلغت مليار دولار لأمريكي تكفلت بها الإمارة. يضاف إلى هذا المبلغ ما تتحمله حكومة الإمارة من مبالغ لتغطية المصاريف التشغيلية للجامعة، علاوة على دعم رواتب الأساتذة والطواقم القادمة من نيويورك.
تتكرر هاتان الحكايتان بصور مختلفة في بلدان الخليج الأخرى التي تتنافس فيما بينها على إجتذاب ما يتيسر لها من جامعات ضمن الحدود التي تسمح بها مواردها.  لا يثير هذا التنافس إهتماماً خاصاً ولا هو بجديدٍ أو يستدعي العجب.  فمنذ الطفرة النفطية قبل أربعة عقود شهدنا نتائج تنافس حكام بلدان الخليج العربي فيما بينهم على شراء كل ما يمكن التباهي به دون بذل جهدٍ سوى دفع المال المطلوب. فلقد تنافس حكام الخليج على من منهم سيكون لديه أكثر الأبنية إرتفاعاً أو أكثر الملاعب الرياضية إتساعاً أو أكثر السباقات شهرة. وهم يتبارون على إستقطاب الرياضيين والرياضيات من أفريقيا وبلدان القوقاز وغيرها للتباهي بما يحصده هؤلاء من ميداليات وأوسمة. فلا حدود للتنافس على المكانة والمجد إلا ما توفره للشيخِ مواردُ بلاده.ا

يصرف الحاكم الخليجي الملايين وحتى المليارات لإجتذاب أدوات للمفاخرة كي يتباهى بها بين أقرانه وبين الناس. ولا تختلف أساليب تعامله مع تلك الأدوات، سواءً أكانت رياضية أو فنية أو أكاديمية. فهو حين دفع المليون أو المليار فإنه يتوقع أن تقوم كل أداة حتى ولو كانت جامعة راقية وعريقة بدورها في خدمته. العجيب إن جميع الجامعات الأجنبية، العريقة منها وغير العريقة، التي أسست فروعاً لها في بلدان الخليج خلال ربع القرن الماضي إستقرت في المنطقة ولم تجد ما لا يوافقها ويدفعها للإحتجاج عليه. فهذه الجامعات إستوعبت إن ما يريد الحاكم منها لا يتضمن الدفاع عن الحرية الأكاديمية. ا

مقال منشور في السفير العربي

30-11-2017

 

 

 

 

 

.