توثيق القمع والمقاومة في سجون البحرين

لا تزيد مساحة البحرين عن 800 كيلومتر مربع إلا إن بها أكثر من عشرين سجناً ومعتقلاً (عدا أماكن الاحتجاز السرية). أكبر هذه السجون هو “سجن جَوْ المركزي” الذي يبعد 25 كيلومتراً عن العاصمة، وتبلغ طاقته الاستيعابية 1200 سجين، إلا إنه يضم أكثر من ثلاثة آلاف سجين أغلبهم من نشطاء المعارضة وأنصارها.
في مثل هذه الأيام قبل سنتيْن شهد “سجن جَوْ” مواجهة بين السجناء وحرس السجن في ما صار يُعرف في إعلام المعارضة بـ”انتفاضة السجون”، وفي إعلام السلطة بـ”شغب سجن جو”. كانت شرارة تلك المواجهة تكرار تعديات الشرطة وحرس السجن على أهالي السجناء في أوقات الزيارة المقررة. تعرض المئات ممن شاركوا في “انتفاضة سجن جو” إلى المزيد من التنكيل أثناء قمع حراكهم، وبقي التنكيل مستمراً طيلة السنتين الماضيتين. وقبل أسبوعين قضت محكمة الاستئناف بتثبيت العقوبة الإضافية التي حُكم بها على 54 مشاركاً في تلك الانتفاضة إلى 10 سنوات سجن، وألزمتهم بسداد غرامة قدرها نصف مليون دينار (حوالي مليون وثلاثمائة وخمسين ألف دولار أمريكي)ا

القمع والمقاومة في السجن

لم تكن انتفاضة 10 آذار/مارس 2015 أول أو آخر الاحتجاجات الفردية أو الجماعية التي يقوم بها المعتقلون والسجناء في البحرين بسبب الاكتظاظ وسوء المعاملة واستمرار تعريض السجناء إلى التعذيب الجسدي والنفسي. إلّا أنّ ظروفاً ملائمة جعلت تلك الانتفاضة تحظى بتغطية إعلامية غير مسبوقة وساهمت في الكشف عن تفاصيل المعاناة التي يتعرض لها المعتقلون والسجناء من نشطاء المعارضة والمتعاطفين معها. من جانبٍ آخر، أكدت تلك الانتفاضة أيضاً على ما تحفظه الخبرات الثورية في مختلف أنحاء العالم عن أنّ المقاومة لا تنتهي عند بوابة السّجن، بل قد يجد السجين أو السجينة في سجنهما أشكالاً جديدة لمواجهة السلطة وتوسيع إطار معارضيها.

في بداية كانون أول / ديسمبر الماضي، صدرت رواية “جَوْ” التي كتبها “معتقل سياسي لا زال يرزح في السّجن”، لتكون “إفادة حقوقية بطابعٍ روائي” تتناول حياة المعتقلين. وفي هذا الشهر، وبمناسبة الذكرى الثانية لانتفاضة “سجن جو” يُنشر كتاب توثيقي، “زفرات”، الذي أعدّه وحرّره الباحث البحريني نادر المتروك معتمداً على شهادات 68 من السجناء.
يسهم الكتاب في توثيق التعذيب الممنهج باعتباره أحد أساليب ممارسة السلطة في البحرين، وليس مجرد إجراء عقابي استثنائي. وتتضح من هذا التوثيق المفارقة التاريخية التي يمثلها استمرار النظام الاستبدادي في البحرين. فهو من جهة نظام يسند شرعيته إلى أنّه “فتح البلاد بحدّ السيف في عام 1783″، ومن جهة أخرى هو استنسخ مفردات الحداثة وأدواتها، بما فيها بنية الدولة الحديثة ومؤسساتها وأنظمتها، لكي يديم ممارسات سلطة الفاتحين. وعلى هذه الثنائية، يصبح ممكناً لحاكمٍ أن يعلن نفسه ملكاً لمملكة دستورية ولكنه يمارس سلطاته كما يمارسها شيخ قبيلة في القرن الثامن عشر.
تشير التفاصيل التي يوثقها الكتاب في كل زفرة من زفرات ضحايا التعذيب إن السلطة الخليفية لا تعترف بآدمية معارضيها ولا بحقهم في العيش بأمان وكرامة في وطنهم. وبالمقابل نكتشف في التفاصيل التي يسردها كتاب “زفرات” والشهادات الشخصية للسجناء كيف يسعى ضحايا التعذيب في البحرين للذود عن كرامتهم والحفاظ على آدميتهم وعلى إيمانهم بأن صمودهم في السجن سيسهم في تسريع بناء بحرين المستقبل كما يريدها أهلها.

التعذيب كأداة من أدوات ممارسة السلطة

التعذيب بأشكاله المختلفة هو وسيلة أساسية من وسائل الحكم التي تستخدمها الأنظمة الاستبدادية على اختلاف درجاتها في جميع أرجاء العالم. ورغم انتشاره، فما زال التعذيب سراً من الأسرار الذي تبذل الدول الاستبدادية جهوداً كبيرة لإخفاء ممارستها له ولإنكاره إن افتضح أمرها. لقد عرف العالم قبل غوانتنامو وقبل أبوغريب وبعدهما مئات التقارير التي توَثِّق التعذيب وأشكاله. وثمة آلاف الشهادات عن معاناة من ماتوا تحت التعذيب أو أُصيبوا بعاهات جسدية ونفسية. وعلى الرغم من ذلك، فلا يمكن القول إننا نعرف كل ما يجب أن يُعرَف عن آثار التعذيب المباشرة وغير المباشرة على ضحاياه، ناهيك عن أساليبهم في مقاومة جلاديهم.ا

لا تنحصر أهمية التعذيب لدى نظامٍ استبدادي في كونه وسيلة لانتزاع اعترافات المتهمين وتعجيل محاكمتهم، بل في أنه إجراءٌ مخفي ولا حدود له. فحتى حين تصدر الأحكام القضائية في بلادٍ مثل السعودية وإيران بجلد متهمٍ، فإن القاضي يحدد عدد الجلدات المقررة التي لا يتجاوزها الجلاد عادة. أما في التعذيب، كما نعرف من شهادات السجناء والمعتقلين في “سجن جَوْ”،  فلا حدود لعدد الضربات التي يتلقاها الضحية ولا حدود لشدتها سوى إرادة الجلاد ومدى حاجته إلى إبقاء الضحية على قيد الحياة.  ولكي يكون فعالاً، فلا بد أن يكون التعذيب مفتوحاً لا حدود ولا زمن له. يأتيك الجلاد في أي وقت ليلاً نهاراً ولا تدري هل سيصب عليك ماءً مثلجاً وأنت معلق بحبل مربوط في السقف أم سيضربك بخيزران، أم سيقتلع من قدمك ظفراً. ولا تدري هل ستدوم جلسة التعذيب ساعة أم أقل أم أكثر. وهل ستتكرر الجلسة بعد ساعة، يستريح فيها جلادك، أم سيأتيك بعد يوم. ولا يعتمد سوى القليل من ممارسات التعذيب على سادية الجلاد نفسه ومشاعره الشخصية تجاه الضحية أو تجاه التهم الموجهة إليه. فغالبية التعذيب، وخاصة ذاك الذي يمارسه الجلادون بعد صدور الحكم ضد المتهم، هو نشاط يهدف إلى تأكيد قوة السلطة وقدرتها على معاقبة من يخالفها كيفما تشاء. وهو نشاطٌ يشرح بوضوح ما أشار إليه ميشيل فوكو في أنّ أنواع التعذيب ودرجاته هي تعبيرات عن علاقة “الدولة” بالخاضعين لسلطتها.ا

تؤكد الشهادات التي يسردها كتاب “زفرات” أنّ أغلب ممارسات التعذيب لا تهدف للحصول على معلومات يعتبرها الجلادون هامة. فكما تبين مما عُرفَ عن الممارسات الإجرامية في غوانتنامو وأبو غريب وغيرهما من سجون التعذيب، تسعى أغلب ممارسات التعذيب في الواقع إلى إذلال الضحية ونزع آدميته. ففي السجن لا تكتفي السلطة الاستبدادية بأساليب شيطنة معارضيها لتوفير أكبر قدر من التبريرات التي تحتاجها لقمعهم، بل هي تجهد من أجل نزع آدميتهم لتبرير تنكيلها بهم ليس لأنهم يشكلون تهديداً سياسياً أو أمنياً، بل لأنهم لا يستحقون المعاملة الآدمية. وهو ما يتضح أيضاً من قراءة شهادات كثيرة يتضمنها هذا الكتاب. فعلى سبيل المثال، حين يأمر الجلادون الضحايا بالزحف على بطونهم في ممرٍ طويلٍ بينما هم يضربونهم بالهراوات على ظهورهم وأرجلهم،  فليس الهدف انتزاع معلومات أو حتى معاقبة السجين على مخالفة، بل الإذلال ونزع الآدمية وإرغام الضحايا على قبول إن صوت الجلاد هو صوتهم وإرادته هي إرادتهم. ولهذا نجد إهتمام الجلادين بترتيب “جلسات التعذيب الدسمة” في أوقاتٍ لا تخطر على بال أو قيامهم بصب المياه الباردة في عزِّ فصل الشتاء على المعتقلين والسجناء. ولهذا أيضاً يتكرر إرغام الضحايا على إهانة أنفسهم بعبارات مثل “أنا أرنب.. أنا حمار.. أنا كلب.. أنا خنزير..”.  ولهذا أيضاً يُجبر السجناء على تقليد أصوات الحيوانات وحركاتهم. ولهذا أيضاً تتكرر الشهادات عن جلسات التعذيب التي يرغم الجلادون فيها ضحاياهم على التغني بالنشيد الملكي أو الهتاف بحياة الملك وعمه ووليّ عهده أو شتم زعماء المعارضة ورموزها.

تحطيم جدار الصمت

يساهم توثيق شهادات ضحايا التعذيب في تحطيم جدار الصمت. فصمت الضحايا هو الدرع الذي يحتمي به الجلادون في جميع البلدان الاستبدادية. نعم، لكل صمتٍ أسبابه، ولكل ضحيةِ تعذيب ظروفه وظروفها. إلا إن ثمة عوامل مشتركة تسهم في إسكات الضحايا وإخفاء معاناتهم. أبرز هذه العوامل هو الخوف من انتقام أجهزة النظام. وقد يكون صمت الضحايا بسبب اليأس من العدالة أو نتيجة قناعة بأن السلطة (وجلاديها) قادرة على الإفلات من المساءلة بما لديها من أجهزة إعلامية تتولى الإنكار، وما لديها من أجهزة أمنية وقضائية تتولى ملاحقة من يجرؤ على الشكوى. ولهذا يكتسب هذا الكتاب قيمة إضافية عبر إسهامه في إزالة جدار الصمت في البحرين. فالزفرات التي يتضمنها هي من جهة شهادات لضحايا تعذيب بعضهم خرج من السجن وبعضهم ما زال فيه، وجميعهم عرضة لانتقام سلطة العائلة الحاكمة في البحرين. وهي من الجهة الأخرى تسهم في توثيق أساليب المقاومة التي شهدتها سجون البحرين ومعتقلاتها في السنوات الخمس الأخيرة.ا

Advertisements