من تغريدات سابقة: لمن لا يعرف تاريخنا ولعلم المتابعين الجُدد

‏لعلم المتابعين الجُدد: تأجيج السلطة الخليفية للخلافات بين مكونات مجتمعنا ليس جديداً. في ١٩٥٣ قاد دعيج بن حمد(أخ الحاكم آنذاك) هجوماً لعصابة‏من التفلنزية  على مواكب العزاء. سقطت ضحايا وكادت الأمور ان تفلت لولا الجهود الجبارة التي بذلها روّاد حركتنا الوطنية وفي مقدمهم الباكر‏والشملان والعليوات وغيرهم رحمهم الله والتي تمخض عنها قيام ما عُرف بعد ذلك بإسم هيئة الإتحاد الوطني والتي عقدت أول إجتماعاتها في مأتم‏ بن خميس في السنابس.ا

   حاولت السلطة الخليفية ومعها سلطات الحماية البريطانية تشتيت جهود الهيئة أوإضعافها عن طريق تقديم الوعود لهذا الطرف أو‏ذاك. إلا غالبية القيادات ظلت متماسكة. وأمام تطور الحركة الوطنية ونمو أنشطتها لجأت السلطتان الخليفية والبريطانية من جديد إلى القمع. فتمّ‏إعتقال قادة الهيئة وجرت محاكمتهم في محكمة صورية برئاسة المذكور أعلاه دعيج بن حمد (وهو نفس الشخص الذي قاد هجوم عصابة التفلنزية على مواكب العزاء في ١٩٥٣ والذي  أصبح فيما بعد “رئيس االمحاكم في البحرين”)ا

وكانت إحدى التهم التي لفقتها السلطة لقادة الهيئة هي “التخطيط لإغتيال الحاكم”. فحكمت‏‏على ثلاثة من القادة(الباكر والشملان والعليوات) بالنفي خارج البحرين وسجنهم في جزيرة سانت هيلانة لمدة ١٤ سنة. كما حكمت على  إثنين آخريْن (فخرو وبن موسى) بالسجن في جزيرة جدا. من جهة أخرى أمرت السلطة‏الكثيرين من القيادات الوسطى بمغادرة البلاد . ومن لم يقبل منهم نفته قسراً. وبهذا نشأت أولى موجات النفي القسري واللجوء في تاريخ البحرين الحديث.

‏لم تميّز السلطة في قمعها بين الشيعة والسنة سواءً في النفي أو السجن أو التعذيب أو الموت تحت التعذيب أو الإرغام على مغادرة البلاد أو قطع الأرزاق. ما يهمها وقتها وحتى الآن‏‏هو بقاء سلطتها على البحرين التي تعتبرها غنيمة غزو وأهلها جزءً من تلك الغنيمة. تعطي من يرتضي ذلك ما تراه ليخدمها ومن لا يرتضي ذلك فله القمع

Advertisements

الكويت: العودة إلى حكم المشيخة

يفاخر الكويتيون، وهم على حق، بأن نضالهم جعل بلادهم منذ إعلان استقلالها في 1961 أول أمارة خليجية تتوافق نخبها السياسية مع العائلة الحاكمة فيها على إقامة نظام دستوري برلماني ينظِّم العلاقة فيما بينهما.  ساهم ذلك التوافق في تمتين الوحدة الوطنية لمواجهة مطالبة الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم وقتها بضم الكويت، مما استدعى عودة القوات البريطانية إليها. من جهة أخرى، ساهم ذلك التوافق الوطني في سرعة إصدار دستور الكويت (1962) الذي أرسى أساساً عقلانياً لتحويل المشيخة إلى دولة.
كانت الآمال في الكويت كما في محيطها الخليجي تتطلع إلى أن تضمن مؤسسات تلك الدولة المساواة لجميع مواطنيها ومواطناتها، وتمدُّهم في الوقت نفسه بمبررات الانتماء إليها.  إلا إن مسار تاريخ البلاد منذ الاستقلال كان يمضي في اتجاه معاكس. ولعل في هذا التصور بعض ما دفع سياسياً مخضرماً مثل الدكتور أحمد الخطيب، الذي ساهم في وضع دستور 1962، إلى التنبيه إلى عودة نظام المشيخة فيها. وهي عودة تدريجية كانت أولى خطواتها العلنية هي تزوير إنتخابات 1967.

اللعبة البرلمانية في الكويت

لم يقم التوافق بين النخب السياسية وعائلة الصباح على أساس التكافؤ بين الطرفين. فعلى الرغم من نصوص الدستور، بقيت العائلة الحاكمة تحتكر التحكم بموارد البلاد، بما فيها عائدات النفط، والإمساك بقدرات الدولة الأمنية والعسكرية، علاوة على الإنفراد بالقرار السياسي. وقد انعكس ذلك بوضوح في سيرة مجلس الأمة بإعتباره أحد أهم مجالات تطبيق ذلك التوافق التاريخي. فطيلة أكثر من نصف قرن، منذ انتخاب أول برلمان في الكويت في 1963 وحتى الآن، لم تتحول اللعبة البرلمانية إلى لعبة بين طرفين متساويين: الشعب والعائلة الحاكمة. العائلة تتحكم في تشكيل البرلمان عبر طرق متعددة، بما فيها مختلف أساليب تزوير نتائج الانتخابات والتلاعب بترسيم الدوائر الانتخابية ودعم حملات من يُسَّمون بـ”نواب الخدمات” في مواجهة المترشحين عن أحزاب سياسية. علاوة على ذلك، تعسفت العائلة الحاكمة في تفسير نصوص الدستور لتتعامل مع مجلس الأمة وكأنه مجرد مؤسـسـة ملحقة بالديوان الأميري.

يعطي الدستور الكويتي للأمير الحق في أن يحل مجلس الأمة المنتخب في حال ثبت لديه إن المجلس لم يتمكن من التعاون مع رئيس الوزراء. ونَجَم عن التعسف في إستخدام هذا الحق تعريض مجلس الأمة للحلّ إحدى عشر مرة ما بين 1976 و2016. وأتى الحلّ في أغلب تلك المرات إثر مطالبات يقدمها أعضاء مجلس الأمة للتحقيق في إتهامات بالفساد ضد وزراء وأفراد من العائلة الحاكمة. ويكرر الإعلام الرسمي الإشارة إلى أن حل مجلس الأمة يستند إلى الدستور لمنع “مساس بعض أعضاء مجلس الأمة بوحدة الوطن واستقراره والتهجم والتجني على المسؤولين وإساءة استخدام الأدوات الدستورية في الرقابة والاستجوابات”.
ويبدو قرار الحل “مفاجئاً” في كل مرة، على الرغم من تكراره طيلة العقود الخمسة الماضية. إلا أن ما لا يفاجئ متابعي الوضع السياسي في الكويت هو إن العائلة الحاكمة تستخدم الحلَّ المبكر لمواجهة أمرين. أولهما إستباق إحتمال قيام قوى المعارضة بتشكيل تحالفات تتجاوز حدود قواعدها القبلية أو المذهبية أوالمناطقية. أما الثاني، فهو إحباط محاولة إتفاق قوى المعارضة المختلفة فيما بينها على مساءلة إجراءات وقرارات اتخذتها الحكومة أو لم تتخذها

بعد كل حل، تجري انتخابات جديدة لتعود اللعبة البرلمانية إلى سياقها، فيفلت المتهمون بالفساد من المساءلة السياسية في مجلس الأمة ومن الملاحقة القانونية في المحاكم. بل قد تأتي نتائج الانتخابات التالية بما يناسب بقاءهم في مواقع المسئولية عبر تغيير الحقائب الوزارية التي تناط بهم.
وحين أعلن أمير الكويت في 16 تشرين الأول الماضي/ أكتوبر عن حل مجلس الأمة، لم تشّذ التبريرات الإعلامية عن مثيلاتها طيلة العقود الماضية. فحسب تصريح لرئيس الوزراء، عانت البلاد من “خللٍ في العمل البرلماني أدى إلى أن يصبح مجلس الأمة ساحة للجدل العقيم وإفتعال الأزمات”. ولعله يشير بذلك إلى جهود عدد من النواب في التفاعل مع الغضب الشعبي جراء إجراءات التقشف التي بدأت السلطات الكويتية بتطبيقها، أو إلى محاولة عددٍ منهم طرح استجواب لوزيري المالية والعدل حول قضايا من بينها إهدار المال العام وسوء استخدام السلطة.

مجلس 2017

عملت السلطات الكويتية على الإستفادة من فترة الحل لتمرير عددٍ من القرارات بهدف تطويق حركة المعارضة، تضمنت حرمان من تتهمه السلطة بالتعرض للذات الأميرية وللعقيدة الدينية ولحكام دول شقيقة من حق الترشح. وأدى التطبيق التعسفي لتلك القرارات إلى رفض ترشيح العشرات من شخصيات المعارضة ومن بينهم أعضاء في دورات سابقة لمجلس الأمة كالنائبة صفاء الهاشم، أحد أكثر أعضاء المجلس السابق جرأة وتماسكاً. إلا إن ارتباك القرارات الحكومية والتعسف البيِّن في تطبيقها سهّلا استصدار حكم محكمة الاستئناف بإلغاء عدد من قرارات منع الترشح. ولعل في هذا بعض ما يفسر إن الانتخابات الأخيرة التي جرت في 26 تشرين الثاني / نوفمبر فاجأت كثيرين، بمن فيهم الحكومة الكويتية التي كانت تأمل بتركيبة برلمانية أكثر طواعية من التركيبة السابقة. ربما بالغ بعض المعلقين في التفاؤل بالحديث عن إنجازات إنتخابية حققتها المعارضة بفوزها بأربع وعشرين مقعداً من أصل خمسين مقعداً، وبأن الناخبين الكويتيين فرضوا تغييراً في المجلس حين إنتخبوا وجوهاً جديدة تشكل أكثر من نصف الأعضاء المنتخبين. (لم تنجح سوى صفاء الهاشم من بين 15 امرأة ترشحن هذه المرة).
سيكون على المجلس الجديد مواجهة الملفات التي لم يكن المجلس السابق قادراً على مواجهتها. أغلب هذه الملفات يندرج تحت عنوان تحول الدولة إلى مشيخة، وفي مقدمها ملف انتهاكات حقوق الإنسان في مختلف المجالات وتصاعد حدة الإجراءات القمعية والعقابية ضد معارضي السلطة ومنتقدي قراراتها.
ومن بين هذه الملفات أيضاً ملف الإجراءات التقشفية التي تضمنتها وثيقة “الإجراءات الداعمة لمسار الإصلاح المالي والاقتصادي – المدى المتوسط” التي أقرتها الحكومة الكويتية في منتصف آذار / مارس الماضي. لم تتمكن الحكومة من تمرير تلك الوثيقة عبر مجلس الأمة السابق بعد أن إرتفعت أصوات عدة أطراف في المعارضة الكويتية تدعو لمواجهة المشاريع المالية / الاقتصادية التي تسعى العائلة الحكمة لتمريرها عبر “وثيقة الإصلاح”. فالتيار التقدمي مثلاً  اعتبر الوثيقة انحيازا “لصالح قلة من كبار الرأسماليين ضد مصالح الغالبية الساحقة من الجماهير الشعبية”.
لا تختلف وثيقة الإصلاح الكويتية عن مثيلاتها في بلدان مجلس التعاون الخليجي (السعودية: رؤية 2030، والبحرين: الخطة الإستراتجية الاقتصادية 2030، وقطر: رؤية 2022). فجميع تلك الخطط والرؤى تعلن إنها تسعى  إلى “الانتقال من اقتصاد نفطي إلى اقتصاد منتج عبر إستراتجيات اقتصادية تؤدي إلى تنويع مصادر الدخل وزيادة معدلات الإنتاجية وتوطين سوق العمل”.ا

وكمثيلاتها في منطقة الخليج وخارجها، تنطلق وثيقة الإصلاح الكويتية من تشخيص خاطئ لتطرح علاجات قاصرة ومحددة مسبقاً، للوصول إلى هدف لا يمكن صياغته إلا بعبارات مطاطة تقبل التفسير حسبما يُراد لها.  فجميع تلك الخطط والرؤى، وإن اختلفت بيوت الاستشارات العالمية التي أعدتها، تستند في الواقع على التوصيات ذاتها التي تسوِّقها تقارير صندوق النقد الدولي في مختلف البلدان. وهذه التوصيات تتلخص ــ وبصياغات مختلفة ــ في: 1) تخفيض الإنفاق الحكومي على الخدمات العامة وإلغاء الدعم الحكومي للمواد الاستهلاكية الأساسية، بما فيها المحروقات ومياه الشرب والكهرباء، 2) تجميد التعيينات في أجهزة الدولة ومؤسسات القطاع العام تمهيداً لتقليص دورها في سوق العمل، 3) زيادة واردات الخزينة العامة عن طريق رفع التعرفة الجمركية وفرض ضريبة القيمة المضافة وتحميل المواطنين الجزء الأكبر من كلفة توفير الخدمات الصحية والتعليمية التي سيتم بيعها للقطاع الخاص، 4) خصخصة أجزاء رئيسية من أنشطة القطاع العام وتقليص دوره الاقتصادي بالاعتماد على القطاع الخاص.

المواجهة القادمة

طيلة العقود السابقة نجحت العائلة الحاكمة الكويتية في تمرير ما تريد فرضه من قوانين وقرارات عبر مجالس الأمة المتعاقبة. ولأنها كانت، حين تعجز في وقتٍ من الأوقات عن ذلك، تلجأ إلى حل المجلس وإجراء انتخابات جديدة تأتي بمجلس أكثر تفهماً.. لهذا لم تواجه الحكومات المتعاقبة صعوبات جدية داخل مجلس الأمة لتمرير قوانين جديدة أو تعديلات على قوانين سارية، تنتهك حقوق الإنسان بما فيها حريات التعبير والتجمع. بل إن المجلس الأخير سكت عن إجراءات نزع الجنسية والترحيل القسري ومرّر قوانين تنتهك حقوق الإنسان مثل قانونيْ “البصمة الوراثية” و”الجرائم الإلكترونية” وغيرهما.
في ضوء التركيبة الجديدة لمجلس الأمة يصعب الآن التكهن حول طول الفترة الزمنية التي سيمارس عمله فيها قبل أن “يُضطر” الأمير إلى إصدار مرسومٍ بحله ودعوة الناخبين الكويتيين لممارسة حقهم في إنتخاب مجلس آخر. إلا إن القرار هذه المرة لن يكون بيد العائلة الحاكمة وحدها. فإجراءات التقشف المتوقعة ستكون قاسية وستتضرر منها شرائح واسعة من مواطني الكويت والمقيمين فيها. وهذه قد لا ترتضي البقاء صامتة إنتظاراً لدورة برلمانية أخرى

——————

مقالٌ منشور في السفير العربي

http://arabi.assafir.com/article/5738

..