قانون أحكام الأسرة في البحرين – الشق الجعفري

في بداية تشرين الثاني / نوفمبر الجاري، افتتحت الأميرة سبيكة قرينة ملك البحرين بصفتها “رئيسة المجلس الأعلى للمرأة” المؤتمر الوطني الثالث للمرأة البحرينية. وطالبت الأميرة في كلمتها بالإسراع في إصدار الشق الجعفري من قانون أحكام الأسرة. من جانبه، كرر وزير العدل والشؤون الإسلامية في كلمته خلال المؤتمر مضمون تصريحات سابقة له بأن استكمال قانون أحكام الأسرة هو أحد أولويات وزارته باعتباره “استحقاقاً لا مناص من تحقيقه”.

ساحة صراع حول أمور أخرى

طرحت الحكومة مسودة قانون أحكام الأسرة في 2005 بهدف معلن هو تطبيق التزامات تنصّ عليها اتفاقية الأمم المتحدة للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة (“سيداو”). وكانت البحرين وقتها في أوج المواجهات بين المعارضة بأطرافها المتعددة والسلطة حول شرعية دستور 2002 الذي أعلنه الملك منفرداً. وهي مواجهات تمثلت في مقاطعة القوى السياسية المعارِضة المشاركة في أول انتخابات تُجرى طبقاً للدستور الجديد.
أدى طرح مسودة قانون أحكام الأسرة إلى انقسام مواقف قوى المعارضة حوله. إلّا أنّ الطرف الأقوى بينها وهي “جمعية الوفاق الإسلامية” تبنّت موقفاً متشدداً أعلنه “المجلس العلمائي” الذي كان يترأسه وقتها الشيخ عيسى قاسم. من جهتها بذلت السلطة جهوداً إعلامية كبيرة للدفاع عن القانون باعتباره عصرياً ويتماشى مع الشريعة الإسلامية ويراعي الخصوصيات المذهبية في البحرين. وبالتوازي، حاولت القوى المعارضة العلمانية والتجمعات النسائية تنظيم حراكٍ شعبي في مواجهة الحراك الذي تولى رعايته “المجلس العلمائي”. اعتبر متابعون أنّ معارضة كبار رجال الدين الشيعة للقانون تعبيراً عن “حساسية لديهم من تدخل السلطة السياسية في الشؤون الدينية” ولرغبتهم في “إبعاد تلك السلطة عن الشؤون الدينية الخاصة بطائفتهم”. ويشير أصحاب هذا الرأي إلى التشدد الذي عبرت عنه التصريحات المضادة للقانون والتي بلغت حد التهديد بإعلان العصيان المدني. وهو تهديد لم يثره أحدٌ من رجال الدين أو غيرهم في مواجهة دستور عام 2002.
شهدت البحرين في 2005 وبداية 2006 مسيرات متضادة وتجمعات خطابية نظّمتها الأطراف الثلاثة. ومع احتدام الخلاف حول قانون أحكام الأسرة انفرط عقد إجماع قوى المعارضة حول رفض دستور 2002 ومقاطعة ما يتولد عنه من مؤسسات، بل أعلنت هذه القوى تخلّيها عن المقاطعة ومشاركتها في انتخابات تشرين أول/ أكتوبر 2006 لكي “تتمكن من مواجهة السلطة تحت قبة البرلمان”.

التسوية الموقتة

بعد أكثر من أربع سنوات من جهود الوساطة والاتصالات المباشرة بين الملك ورئيس “المجلس العلمائي”، أصدر الملك في 27 أيار /مايو 2009 قانون أحكام الأسرة (الشق السنّي) بعد إقراره من قبل البرلمان. وكما يُستدل من اسمه، فلا يشمل القانون الصادر عام 2009 أحوال الأسر الشيعية التي تشكل أكثر من ثُلثيْ أسر المواطنين في البحرين. إلّا أنّ إصدار القانون رغم جزئيته حقق هدفيْن هاميْن. أولهما الاستجابة لنصائح المجتمع الدولي المطالبة بإصدار التشريعات الوطنية اللازمة لتطبيق اتفاقية “سيداو”، وثانيهما تأكيد التزام الملك بالتسوية التي توصّل إليها مع كبار رجال الدين الشيعة والتي مهدت لإنهاء مقاطعة التنظيمات السياسية المعارضة للمشاركة في البرلمان.
عززت تسوية الخلاف بين الملك والمجلس العلمائي حول قانون أحكام الأسرة وجهة النظر القائلة بأن الخلاف وما رافقه من تصعيد لا يتعلق بالقانون نفسه بل هو جزءٌ من حراكٍ يهدف لتحسين شروط العلاقة السياسية بين المؤسسة الدينية الشيعية والعائلة الحاكمة. ومهما يكن الأمر، فقد خذلت تلك التسوية قطاعاً كبيراً من نساء البحرين اللواتي ناضلت قياداتهن من أجل قانون عصري يحميهن من تغوِّل التفسيرات الاستنسابية لأحكام الشريعة. كما خذلت تلك التسوية أطرافاً مؤثرة من المعارضة الوطنية بمن فيها رجال دين رفضوا دستور 2002 الذي أصدره الملكُ منفرداً، وقاطعت كل ما ترتب عليه.

ماذا تَعلَّم الملك؟

اكتشف الملك أنّه تمكّن عبر تحريك قانون الأحوال الشخصية من الإمساك بما تبيّن أنّه عصب حسّاس في ذهن رجل الدين. وحين أصدر قانون الأحوال الشخصية بشقه السنيّ فقط لم يكن يتخلى عن حقه الدستوري وإنّما كان يؤكد امتلاكه تطبيق ذلك الحق كيفما ووقتما يشاء. فهو ترك مسألة “حل ملف الشق الشيعي” للتوازنات ضمن قوى الطائفة الشيعية، وهي توازنات يستطيع التأثير فيها معتمداً على التنازع على الرئاسة والمناصب بين أعيان الطائفة ووجهائها بمن فيهم رجال الدين. فمنذ وضعت أولى لبنات الإدارة الحكومية في عشرينيات القرن الماضي، كانت السلطة تتحكم إلى حدٍّ كبير في تغيير الأعيان وتدويرهم.
لا تستند قدرة الملك في هذا المجال إلى سيطرته على أدوات وقنوات توزيع الريْع بما فيها المكرمات فحسب، بل وأيضاً على الترتيبات التي وضعها البريطانيون لبناء الإدارة الحكومية في البحرين. ففيما يخص رجال الدين من الطائفتين، أخضع البريطانيون الأوقاف والقضاء الشرعي للسلطة الحكومية. وبحسب تلك الترتيبات أصبحت إدارتا الأوقاف السنية والجعفرية وأغلب المساجد والحسينيات تابعة منذ ذلك الحين للجهاز الحكومي. كما أصبحت وظيفة القاضي الشرعي وظيفة حكومية ضمن النظام الإداري المستحدث. وبطبيعة الحال عارض وقتها رجال الدين وبعض أطراف العائلة الحاكمة تلك الترتيبات. إلّا أنّ البريطانيين تمكّنوا من فرضها بعد سلسلة إجراءات شملت إزاحة شيخ البحرين واستبداله بابنه في 1923، كما شملت إزاحة قضاة شرع من مناصبهم واستبدالهم بآخرين.
طرأت تعديلات كثيرةٌ على تلك الترتيبات البريطانية، إلّا أنّها لا تزال تلعب دورها في إدامة الاعتماد المتبادل وغير المتساوي بين العائلة الحاكمة من جهة وأعيان البلاد بمن فيهم كبار رجال الدين من جهة أخرى. لهذا، ليس مستغرباً أن تلاحظ إحدى الدراسات “استحواذ بعض الأسر على إدارات الأوقاف والقضاء الشرعي بفرعيه السني والشيعي”. ففي الجهتين تطغى أسماء عوائل بعينها منتشرة في مختلف مدن البلاد وقراها. يضاف إلى ذلك ما توفره أواصر النسب وعلاقات المصاهرة بين هذه العوائل في تعزيز احتكارها لهذه الوظيفة. إلّا أنّ هذه العوائل تعرف أنّ الوصول إلى الوظيفة لا يتم إلا بقرارٍ يتوافق عليه الملك وعمه رئيس الوزراء. تقليدياً تمثّل هذه العوائل في الجانب الشيعي المخزون الاجتماعي ــ السياسي الذي تعتمد عليه العائلة الحاكمة لإدارة شؤون الطائفة وللتأثير في توازناتها.

إعلان “الشق الجعفري”

منذ الأوّل من هذا الشهر تكررت التصريحات الرسميّة حول قرب إقرار المجلس النيابي لما يعرف بـ “الشق الجعفري” من قانون أحكام الأسرة. وفي المقابل، تكرّرت بيانات وتصريحات لعددٍ من كبار رجال الدين الشيعة، وفي مقدمتهم الشيخ عيسى قاسم، معارضاً إصدار “الشق الجعفري” قبل عرضه على المرجعية العليا للشيعة في النجف لإقراره من طرفها. وهذا ما ترفضه السلطة رفضاً مطلقاً.
أتت التصريحات الأخيرة بقرب إقرار “الشق الجعفري” على خلفيّة أنّها تشعر بأنّها ستحظى بدعم قوى المعارضة العلمانية والتنظيمات النسوية، وأنّ لديها ما تحتاجه من غطاء شرعي سيوفره لها دعم رجال الدين الشيعة الموالين لها. علاوة على ذلك، فإن حسابات السلطة تشير إلى أنّ معارضي القانون لم يعودوا قادرين على عرقلة إقراره بعد أن قامت بحل “المجلس العلمائي” وإسقاط جنسية مؤسّسه الشيخ عيسى قاسم، وبعد أن حلّت “جمعية الوفاق” وسجنت أمينها العام.


المقال منشور في “السفير العربي” 25/11/2016

مقالات ذات صلة

قمع النساء بالنساء

مساعٍ مزدوجة لاحتواء حراك المرأة في البحرين

 
Advertisements

رسالة مفتوحة إلى الشيخ عيسى بن سلمان (أبريل 1992)ا

بعد نفيٍ دامَ منذ مايو 1976  وصلتُ إلى البحرين في 18 مارس 1992 قادماً من لندن. منعنتني سلطات المطار من الدخول كما مُنعتُ من الإتصال بعائلتي في البحرين أو في السويد.  بعد إحتجازي من قبل  جهاز أمن الدولة لمدة  18 ساعة تخللتها جولات تحقيق جاء الأمر بتسفيري على الطائرة المغادرة إلى لندن

  بتاريخ 28 أبريل 1992 نشرت جريدة “القدس العربية” الصادرة في لندن هذه الرسالة المفتوحة

  cropped-oneandhalfdinar1.jpg

LetterToShiekhIsa

من بين أوراق قديمة