سلطة الأمر الواقع وقوانينها

قوانين الأمر الواقع
عبدالهادي خلف

هل يمكن أن تستطيع سلطة سياسية ما شرْعنة قانونٍ أو منظومة قوانين باستخدام سبيلٍ آخر غير السُبل المتداولة التي تستند إلى توافق الناس على قبول شرعية ربّانية متمثلة في ”حكم الله” أو توافقهم على قبول شرعية ”التخويل الإلهي” لحاكمٍ دنيوي أو توافقهم على القبول بالشرعية المدنية التي تقوم على مبدأ سيادة الأمة؟ واستطراداً هل يمكن اعتبار توافق الناس أو قادة الرأي فيهم على ”القبول بالأمر الواقع” سبيلاً رابعاً لشرعنة القوانين؟
قبل الإجابة على السؤاليْن لابد من التأكيد على أن السلطة السياسية تستطيع متى تشاء أن تصدر ما تشاء من القوانين. فهذا ما يحدث في كل زمان ومكان، وبغض النظر عن درجة تعقيد الحياة في المجتمع المعني. إلا أن السلطة، مهما كانت قوية ومهما كانت قوى المعارضة لها ضعيفة، لن تستطيع أن تضفي الشرعية على أي قانون إلا عن طريق قبول الناس طوعاً به. ولا يندرج ضمن تعريف ”القبول” اضطرار الناس إلى التسليم بتلك القوانين تحت ضغط القمع أو التهديد به. فبإمكان القمع أن يفرض التسليم ولكنه لن يعطي الشرعية لقانونٍ تعتبره شرائح كبيرة من الناس ظالماً أو فاسداً. فلا تتحقق الشرعية بالبطشِ. نعم قد يحقق البطشُ الاستقرار لفترة تطول أو تقصر إلا أن الاستقرار وحده ليس دليلاً على الشرعية. ومعلومٌ أن في الاستقرار القائم على البطش يكمنُ خطر يتمثل في انخداع أهل السلطة به فيتمادون فيما يفعلون بينما تتفاعل الاحتجاجات تحت الأرض. أقولُ، استطراداً، أنه لا يمكن شرْعَنة قانون لا تتقبله الناس طوعاً حتى ولو تمكنت السلطة السياسية من فرض تطبيقه لعشرات السنين. ولنا عبرة بما حدث للمرسوم بقانون أمن الدولة الذي صدر في أكتوبر/تشرين الثاني 1974 وألغيَ عشية التصويت على ميثاق العمل الوطني في فبراير/ شباط .2001 رغم سريانه لأكثر من ست وعشرين سنة لم تتقبله الناس واستمر توافق أغلبهم على رفضه واعتباره قانوناً ظالماً.
تتعدد الأمثلة التي توْضِح اشتراطات ”الأمر الواقع” الذي يعتبره بعضُ الباحثين سبيلاً رابعاً لشرعنة القوانين. إلا أن جُلَّها يشير إلى دور الزمن في إقناع الناس أو قادة الرأي فيهم بالتوافق على قبول قانون لم يكن مقبولاً عند إعلانه. ولا ينحصر دور الزمن في تبيين ما قد يترتب على تطبيق القانون المرفوض من آثار إيجابية على استقرار المجتمع وربما رفاهيته. بل قد يصبح ممكناً إقناع المعترضين بضرورة ذلك القانون فيصبحون سنداً للسلطة في الترويج له. وهذا هو ما رأيناه في السجال الدائر حول دستور المملكة للعام .2002 ومعلومٌ أن أربع سنوات من المقاطعة المترددة والمرتبكة أعطت السلطة فترة إضافية لإقناع جُلِّ معارضيها بخطأ موقفهم حتى كسبتهم إلى جانبها. ويوفر تاريخ السنوات الماضية عدداً آخر من الأمثلة على قوانين وإجراءات وُوجهت عند إعلانها بالرفض الشديد بما فيها، على سبيل المثال لا الحصر، قوانين الجمعيات والدوائر الانتخابية ناهيك عن المرسوم رقم 56 لسنة 2002 الذي توسع في تفسير المرسوم رقم 10 لسنة .2001 ومعلومٌ أنها جميعاً ما زالت قوانين سارية بل ازدادت قوة بعد مراجعة المعارضة لمواقفها وتسليم أقسامٍ كبيرة من الرافضين بالأمر الواقع.
وسواء طالَ الزمنُ أم قَصُر يحتاج إعلان القبول بالأمر الواقع إلى خطابٍ سياسي مسبوك ببلاغة مناسبة لتبرير موقفهم الجديد ولتسويقه بين الجمهور. ويمكن للمهتمين متابعة أربعة نماذج من الخطاب التبريري/التسويقي برزت في الساحة البحرينية في السنوات الأخيرة. يردد الخطاب الأول مقولات تشدِّد على مصلحة الأمة في ”طاعة ولي الأمر”. وهي طاعةٌ تطرَّف بعضُ السياسيين فجعلوا الخروج عليها معصية لله ورسوله. ويرفع الخطاب الثاني راية ”درء المفاسد ودفع الضرر”. وبحسب أحد تجليات هذا الخطاب فإن التسليم بقانونٍ ما حتى ولو يكن مقبولاً من الناس قد يقيهم من احتمال أن تتعسف السلطة فتفرض قانوناً أكثر ظلماً. أما النموذج الثالث فيرى دعاته أن ثمة أولويات خاصة فئوية تستدعي الدخول في صفقات مقايضة تبرر قبول شرعية قانون ما رغم إجحافه ورغم الاعتراضات عليه. قد تتسع مردودات صفقات المقايضة لتشمل طائفة أو منطقة بكاملها وقد تضيق فتنحصر في مجموعة متنفذين في تنظيمٍ سياسي أو بضعة أفرادٍ متفرقين لا يجمعهم سوى قدرتهم على التأثير في تشكيل الرأي العام. أما النموذج الرابع فيعتمد أطروحات أكثر تعقيداً. إذ يفصل هذا الخطاب في تعداد مخاطر عدم الاستقرار على مشروعات التنمية وعلى قدرات البلاد على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية أو مواجهة تحديات داخلية أو خارجية. لا يحتاج القارئ والقارئة إلى أمثلة على هذه الخطابات السياسية التبريرية/التسويقية. فهي منتشرة بين النخب السياسية بحيث لا يمكن لتيار سياسي أو نهج فكري إدعاء احتكاره لأيٍ منها. إلا أن من الممكن ملاحظة تفضيل التيارات الدينية للخطابين الأوليْن وتفضيل التيارات الوطنية الأخرى للخطابيْن التالييْن.
لستُ الآن في وارد تقييم هذه الخطابات التي لا أتفق مع مروِّجيها من دون أن أشكك في اقتناع أغلبهم بصحتها وبواقعيتها. وبطبيعة الحال لا أدعو لتجاهل الواقع ومعطياته. إلا أن القراءة غير الملتبسة لمعطيات الواقع لا تعني التسليم به أو الاستسلام له. ومعلومٌ أن الواقعية السياسية لا تعني التسليم بالأمر الواقع كما يردد القائلون بأن السياسة هي فن الممكن. ولقد رأينا كيف أدى الخلط بين الاثنيْن إلى هدر ثمار نضالٍ دؤوب خاضته حركتنا الوطنية لأكثر من خمسة عقود. ما يهمني هو التأكيد على أن ”شرعية الأمر الواقع”، سواء تمت عن طريق التسليم أو القبول، هي شرعية غير مستقرة. بل إن فرض قانونٍ ما بقوة الأمر الواقع قد يولد مخاطر كثيرة عاجلة وآجلة. ومن بين تلك المخاطر على المدى القصير أن يتعود قادة الرأي في البلاد على الاستخفاف بإرادات الناس وعقولهم. ولدينا أمثلة على ذلك فيما حدث بعد السجالات التي قامت بين دعاة المشاركة والمقاطعة أو حول الموقف من قانون الجمعيات وغيره. ولقد أسهم الاستخفاف بالناس إلى توتر سياسي وأمني ما تزال البلاد تعاني منه. وهو توترٌ يعكس خيبة أمل وغضب بين مواطنين خذلتهم نخبهم السياسية قبل السلطة. أما على المدى البعيد فمن الصعب التنبؤ في ظل ظروف مجتمعنا هذه الأيام. إلا أن من الممكن القول استناداً إلى خبرات مجتمعات أخرى إن الاعتماد على قوة الأمر الواقع لا تصلح أن تكون سبيلاً لشرعنة القوانين أو طريقاً لبناء دولة القانون.

Advertisements