رؤية “السعودية 2030

غطّت الحملة التسويقية التي رافقت الإعلان الرسمي عن “رؤية السعودية 2030” في 26 نيسان / أبريل الماضي على ما عداها. ازداد حماس المشاركين في تلك الحملة بعد أن ظهر صاحب الرؤية نفسه، محمد بن سلمان، في مقابلات صحافية أكد فيها إن خطته تتضمن “أهداف المملكة في التنمية والاقتصاد لـ 15 سنة قادمة”. ولكن تصريحات الأمير، سواء للإعلام الغربي أو العربي، لم تتجاوز الحديث عن العموميات من قبيل تخليص بلاده من “حالة الإدمان على النفط”. بل ربما بالغ كثيراً. فحين شرح دور الصناديق الاستثمارية السعودية (في مداخلة على قناة “العربية”) ادّعى أن تلك الصناديق السيادية ستكون “محركاً رئيسياً للكرة الأرضية وليس فقط للمنطقة. لن يكون هناك أي استثمار أو حراك أو تنمية في أية منطقة من العالم إلا بصوت الصندوق السيادي السعودي”. في غياب التفاصيل، استمر الإعلام السعودي والقريب منه في ترديد عبارات حماسية عند الحديث عن “الرؤية” باعتبارها “شُجاعة وجريئة”، وتشكل “بداية تغيير جذري يتضمن تحويل المملكة إلى اقتصاد ما بعد النفط”.

ماذا بعد الدعاية و.. الدعاء

مباشرة بعد إقرار مجلس الوزراء للخطة، كان لافتاً – وإن لم يكن مستغرَباً ـ أن يعقد وليّ وليّ العهد جلسة خاصة مع عددٍ مختار من رجال الدين والإعلاميين لشرحها. وحسبما نشر المشاركون في تلك الجلسة على مختلف المواقع والقنوات الإعلامية، فقد رحبوا بالخطة من جهة ودعوا للأمير بالتوفيق، كما دعوا له من الجهة الأخرى بالثبات على مذهب التوحيد والسنة. قد يعتبر الأمير تلك اللقاءات بداية حسنة، إلا أنه سيكتشف قريباً أنه في حاجة إلى أكثر من تلك الأدعية وإلى أكثر من ترويج رجال الدين والإعلام لمشروعه. فهو يواجه احتمالاً واقعياً أن تندرج رؤيته ضمن سلسلة من مشاريع التنمية الفاشلة التي أهدرت ثروات وطاقات مجتمعات كثيرة، بما فيها مجتمعاتنا العربية، خلال العقود الأخيرة الماضية. وأغلب هذه المشاريع الفوقية، هي في أحسن نماذجها نتاج أحلام حاكم مستبدٍ سخّر موارد البلاد لتمويل تحقيق تلك الأحلام، وجنّد بيوت الاستشارات لتخطيطها ومكاتب العلاقات العامة لتسويقها. ففي الأنظمة الاستبدادية بأنواعها يتخيّل الحاكم أنه قادر على التحكم في جميع الأمور. وهذا الطراز من خداع النفس يتغذى على التكاذب والنفاق والخوف.
العامل المشترك في أغلب حالات فشل خطط التنمية الفوقية هو استفراد السلطة الحاكمة بالقرار. ولهذا الاستفراد في كثير من الأحيان تداعيات مركّبة تتضمن حماية الفساد والهدر وسوء الإدارة، علاوة على قمع المنتقدين والمتضررين.
وفيما يتعلق بالسعودية بالذات، فثمة حاجة للتذكير بأن التمهيد لتنمية حقيقية يتطلب إزالة معيقاتها، بما فيها الفساد.. وبأن الفساد أداةٌ أساسية من أدوات إدامة حكم العائلة المالكة في البلاد، فهو وسيلة من وسائل توزيع الريْع داخل العائلة نفسها، بمقادير يحددها ميزان القوى بين أجنحتها، وهو أيضاً وسيلة ناجعة لضمان ولاء زعماء القبائل والنخب الاجتماعية والسياسية.

عناصر الرؤية

ما عُرف حتى الآن عن “رؤية السعودية 2030 ” يكرر ما تضمنته خطة نشرتها مؤسسة “ماكنزي” الأميركية في نهاية العام الماضي. الخطة تقضي بما يسميه صندوق النقد الدولي تقليص الدور الخدماتي والرعائي للدولة، والتركيز على دورها كمحفّزة للسوق وأصحاب الرساميل المحليين والخارجيين، وذلك عن طريقيْن أولهما خصخصة أقسام رئيسة من الخدمات الأساسية والرعائية، أما ثانيهما فهو استخدام موارد الدولة واحتياطياتها لإطلاق مشاريع ضخمة داخل البلاد وخارجها. وفي مرحلة لاحقة يأمل واضعو الرؤية في إغراء المستثمرين المحليين والدوليين بدخول السوق السعودية بقوة. وفي هذا الإطار، يأتي الإعلان عن نية السعودية تسييل جزء من قيمة شركة النفط السعودية، أرامكو، عبر طرح نسبة لم تُحدّد بعد من أسهمها للاكتتاب في السعودية وخارجها، وكذلك يجري الحديث عن مداخيل جديدة لاستثمارات في أراضٍ وعقارات تملكها الدولة. ويضاف إلى ذلك المداخيل التي يتوقع الأمير تحصيلها من رفع عدد حجاج العمرة من ثمانية ملايين إلى خمسة عشر مليوناً في خلال أربع سنوات، ليصل العدد إلى ثلاثين مليوناً في 2030. كما يُضاف المداخيل التي يُتوقع أن تدّرها مناجم اليورانيوم والذهب والفضة والنحاس والفوسفات وغيره من المعادن.. حسبما ذكر محمد بن سلمان. بهذه الطريقة في الحساب، فلا غرابة أن يتحدث الأمير ومروجو خطته عن تريليونات الدولارات التي ستسهل تنفيذ رؤية 2030.

أحمد ماطر - السعودية

أحمد ماطر – السعودية

في أحسن الأحوال يمكن إدراج أرقام التقديرات التي تتضمنها “الرؤية” تحت عنوان ” تفاءلوا بالخير تجدوه” استناداً إلى “براهين” تؤكد على أهمية التفكير الإيجابي. إلا أن الإفراط في التفاؤل قد يصبح خداعاً للنفس، وقد يقود إلى المهالك في حال استند إلى رؤية غير واقعية، أي إن لم يرتكز العمل إلى دراسة جدية لإمكانيات التنفيذ وامتلاك القدرة على معالجة المعيقات البنيوية. على أية حال، لا يمكن في غياب التفاصيل وانعدام الشفافية التدقيق في تلك التقديرات. وحتى بافتراض صحتها اليوم، فلا يمكن ضمان أن تتم المحافظة على الاتجاهات الراهنة في البورصات العالمية، أو ألا يستمر سعر برميل النفط في الانخفاض وكذلك غيره من المعادن.

… تعيد “رؤية 2030” إلى أذهان المهتمين بدراسات التنمية أطروحة “الدفعة القوية” التي قدمها بول روزينشتايْن – رودان في بداية أربعينيات القرن الماضي. جوهر تلك الأطروحة هو أن تحقيق النمو يتطلب القدرة على توفير رأسمال كافٍ تديره وقفيات استثمارية أو صناديق سيادية، للقيام باستثمارات ضخمة وشاملة ومتزامنة في جميع القطاعات الاقتصادية والبنى التحتية. لم تلق تلك الأطروحة رواجاً بسبب أنها تتجاهل الأكلاف الاجتماعية والسياسية لتلك الاستثمارات، علاوة على أن ضخامتها، التي يتطلبها تنفيذ “الدفعة القوية”، تفوق قدرات القطاع الخاص والحكومات في أغلب الدول. لم يتطرق محمد بن سلمان ولا الذين صاغوا رؤيته إلى المعطيات التي يستندون إليها لتقرير أن “الرؤية” قابلة للتنفيذ في ظل المعطيات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في السعودية.

عشر خطط تنمية متتالية!

برغم الضجة المثارة حول هذه الرؤية، فلا يمكن أن نتوقع أن تحقق ما عجزت عنه الخطط العشر المتتالية التي أعلنتها العائلة المالكة السعودية طيلة الخمس وأربعين سنة الماضية. فالخطة الخمسية الأولى (1970) التي صيغت في عهد الملك فيصل، حددت ثلاثة أهداف لها هي: “1) زيادة معدلات نمو الإنتاج. 2) تطوير الموارد البشرية لتتمكن عناصر المجتمع المختلفة من زيادة مساهمتها الإنتاجية وتمكينها من المشاركة الكاملة في عملية التنمية. 3) تنويع مصادر الدخل الوطني وتخفيف الاعتماد على البترول عن طريق زيادة مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى”. تكررت أهداف الخطة الأولى في تسع خطط خمسية لحقتها، كما يكررها الآن ولي ولي العهد. وهي اعتبرت فاشلة، وكان لافتاً أن تنفيذ الخطة التاسعة 2010-2014 أدى مثلا إلى ارتفاع معدل البطالة بدلاً من خفضه كما كان مقرراً.

لقد أنفق ملوك السعودية منذ 1970 وحتى الآن مبالغ تزيد قيمتها الحقيقية عما يعتزم محمد بن سلمان إنفاقه على رؤيته. ولكن لو توقف لينظر لماذا فشل أسلافه في تنفيذ خططهم، فلربما عرف العوامل التي ستعيق تحقيق الأهداف المعلنة لـ “رؤية السعودية2030”

http://arabi.assafir.com/content/editionpdf/225_Arabi_20160505_191.pdf

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=4100&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

.

بين طاعة القوانين وعصيانها

أتابع اليوم ما عرضته في مقالات سابقة انتقدتُ فيها تصريحات رسمية لا تَكِّل عن رفع راية «القانون» لإسكات احتجاجات الناس في الشوارع أو اعتراضات نُخَب في المجالس. وعبتُ على تلك التصريحات صياغاتها الجاهزة التي تكاد لا تتغير حتى صرتُ مقتنعاً بأن مسؤولينا يظنون أنهم حين يرفعون راية القانون فهم لا يتوقعون أن يرادِدَهم أحد.
فمن يتجرأ على محاججة من يرفع راية القانون؟ وحين يسأل أحدٌ أَوَلا تَرَى السلطة عسفاً في أن تكون هي الخَصيم المُبين وهي الحَكَم في الوقت نفسه؟ يأتي الجواب برفع رايتيْ المؤسسات الدستورية ونزاهة القضاء. ومنطق السلطة يتلخص في أن من يعارض قانوناً سارياً وهو في تمام عقله لابد أن يكون ممن يشككون – والعياذ بالله – في شرعية المؤسسات الدستورية ونزاهة القضاء. ولا يفعل هذا أو ذاك، بحسب المنطق نفسه، إلا حاقدٌ أو مخربٌ أو من ينوي أن يكون.
الفكرة التي أكررها بصياغات مختلفة تستند إلى فرضيات مؤسِّسَة في علم اجتماع القانون. إحداها تقول إن السلطة تخطئ حين تتوقع أن يطيع الناس قانوناً لم تتوافق معهم عليه. والثانية تقول إن طاعة الناس لقانون ما لا تعني قبولهم به ولا تعني قبولهم بشرعية السلطة التي أصدرته. أما الثالثة فتقول إن اعتراف الناس بشرعية السلطة هي أنجع وسيلة لضمان طاعتهم لقوانينها. أي أن السلطة تستطيع أن تضمن طاعة الناس لقوانينها حين تكون سلطة شرعية في أعين الناس. ولا يختلف الحال إذا كان مصدر تلك الشرعية هو «إقامة حكم الله» أو «التخويل الإلهي» أو «التخويل المدني». أما خارج هذه المصادر الثلاثة فلا تملك سلطةٌ أن تضمن طاعة الناس لقوانينها. وضربتُ مثلاً على هذا بما واجهته سلطات الأمر الواقع في مختلف أرجاء العالم في عهد الاستعمار أو ما تواجهه سلطة الاحتلال في فلسطين. ومعلومٌ أن أمثلة سلطات الأمر الواقع تتنوع لتشمل السلطة التي تتولاها طغمة عسكرية أو مدنية استولت على الحكم في بلدٍ ما بعد انقلاب عسكري أو إثر غزوٍ خارجي. وفي كل هذه الأحوال تبقى «شرعية» سلطة الأمر الواقع موضع مساءلة من قبل الناس. كما تبقى طاعتهم لقوانينها مشروطة بعجزهم عن عصيانها.
لا تختلف مصادر الشرعية المستندة على «حكم الله» أو «التخويل الإلهي» أو «التخويل المدني» في أنها جميعاً تؤسس لسلطة تقوم على قبول الناس بها وتوافقهم على طاعتها وطاعة قوانينها. وينبني على هذا القول أنْ لا شرعية ولا طاعة لقانونٍ لم يتأسس على توافق اجتماعي بشكلٍ من الأشكال. ولكن هل يعني هذا أن على كل فردٍ طاعة كل قانون تأسس على التوافق حتى ولو كان ذلك القانونُ ظالماً؟ لا صعوبة في الإجابة على هذا السؤال في دولة تحكمها سلطة تسندُ شرعيتها إلى حكم الله أو على التخويل الإلهي. إذ لا يوجد قانون ظالم في دولة تحكمها سلطة يقبل الناس إسناد شرعيتها إلى الله في الحالتيْن. فكل قانون فيها هو أمرٌ إلهي أو امتداد له. وليس للأفراد غير الطاعة استناداً إلى يقين بحكمة ربانية تفوق فهم البشر.
أما في الدول الحديثة التي تستند السلطة فيها إلى شكل من أشكال التخويل المدني، ففي إجابة السؤال تعقيدٌ لا يخفى. بل يمكن القول إن هناك ثلاث إجابات. أولاها وهي الغالبة بين القانونيين وحشدٍ من علماء اجتماع القانون تشير إلى أن كلَ القوانين واجبة الطاعة في حال توافرت شروط إصدارها من قبل سلطة شرعية. وحسب هذا الرأي فكلُ قانون ملزمٌ حتى ولو كان ظالماً. أما الإجابة الثانية فيلخصها القول إنه إذا ما حصل تعارض ما بين متطلبات العدالة وبين قانون من القوانين، وإذا ما وصل ذلك التعارض إلى درجة غير مقبولة فيتوجب ترجيح كفة العدالة واعتبار ذلك القانون قانوناً فاسداً لا تجب طاعته. ولقد مهّد لانتشار هذه الإجابة الثانية ما شهدته أوروبا من فظائع في أثناء الحرب العالمية الثانية وما تلاها من محاكمات أدانت بعض قادة ألمانيا النازية بجرائم ضد الإنسانية[1]. ومعلومٌ أن تلك المحاكمات رفضت دفوع المتهمين بقانونية ممارساتهم واستنادها إلى حزمة القوانين المرعية. ومعلومٌ أن تلك القوانين صدرت وصدّقت عليها السلطات المختصة الألمانية حسب الأصول الدستورية المرعية في السنوات ما بين 1933 و.1945 رغم ذلك أصبحت أحكام الإدانة الصادرة بحق القادة النازيين وبعد ذلك بحق أمثالهم اليابانيين سوابق مهمة لتكريس مبدأ المسؤولية الشخصية. فلم يعد مقبولاً التهرب من المسؤولية الشخصية التي يتحملها كل فرد في هرم السلطة من قمته إلى أسفله عن انتهاكات تلك السلطة لحقوق الإنسان ومبادئ العدالة. وتتضمن المسؤولية الشخصية واجب رفض تطبيق القوانين غير العادلة ورفض تنفيذ الأوامر حين تكون مستندة إلى قوانين غير عادلة. ومعلومٌ أن هذا المبدأ قد تطور كثيراً في السنوات الأخيرة كما شهدنا في تشيلي والأرجنتين والبيرو وغيرها. ولقد أنعك هذا التطور في اتساع توجه الرأي العام بين المهتمين نحو عدم السماح للمسؤولين في نظمٍ تنتهك حقوق الإنسان أو تمارس جرائم ضد البشرية بالإفلات من العقاب أو إسقاط التهم عنهم بحجة شمولهم بقوانين العفو العام أو بحجة تقادم المدة.
أما الإجابة الثالثة على السؤال فتمزج بين الإجابتين السابقتيْن كما تتوسع في تعريف المسؤولية الشخصية لتشمل الناس كافة، مسؤولين وغير مسؤولين. وحسب دعاة هذه الإجابة يجب على كل فرد طاعة القانون كما يجب عليه عصيان كل قانونٍ فاسد. فالحقُ فوق القانون. ومعلومٌ أن القائلين بهذا الرأي، ومن أشهرهم المهاتما غاندي في جنوب إفريقيا والهند ومن بعده القس مارتِن لوثر كينغ في الولايات المتحدة الأميركية، يقسِّمون القوانين إلى «قوانين عادلة» تجب طاعتها و«قوانين ظالمة» يجب عصيانها. وهم في ذلك يستندون إلى أطروحة قديمة تعلن أن «القانون الظالم ليس قانوناً على الإطلاق». بطبيعة الحال لم يكن المهاتما ولا القس كينغ أول القائلين إن الحق فوق القانون. ولا هما أول من طرح أن عصيان القوانين الظالمة هو مسؤولية كلِّ فرد. فالقصة قديمة قِدَم محاولات الفكر الإنساني لفهم الألغاز التي توَّلدها ثنائيات السلطة/المقاومة والطاعة/العصيان والشرعية/واللاشرعية. وهذا ما سأتناوله في مقال الثلثاء المقبل.
[1] Paulson, Stanley L., Radbruch on Unjust Laws: Competing Earlier and Later Views?, Oxford Journal of Legal Studies, 1995, 15: 3, pages 489-500

 

سلطة الأمر الواقع وقوانينها

قوانين الأمر الواقع
عبدالهادي خلف

هل يمكن أن تستطيع سلطة سياسية ما شرْعنة قانونٍ أو منظومة قوانين باستخدام سبيلٍ آخر غير السُبل المتداولة التي تستند إلى توافق الناس على قبول شرعية ربّانية متمثلة في ”حكم الله” أو توافقهم على قبول شرعية ”التخويل الإلهي” لحاكمٍ دنيوي أو توافقهم على القبول بالشرعية المدنية التي تقوم على مبدأ سيادة الأمة؟ واستطراداً هل يمكن اعتبار توافق الناس أو قادة الرأي فيهم على ”القبول بالأمر الواقع” سبيلاً رابعاً لشرعنة القوانين؟
قبل الإجابة على السؤاليْن لابد من التأكيد على أن السلطة السياسية تستطيع متى تشاء أن تصدر ما تشاء من القوانين. فهذا ما يحدث في كل زمان ومكان، وبغض النظر عن درجة تعقيد الحياة في المجتمع المعني. إلا أن السلطة، مهما كانت قوية ومهما كانت قوى المعارضة لها ضعيفة، لن تستطيع أن تضفي الشرعية على أي قانون إلا عن طريق قبول الناس طوعاً به. ولا يندرج ضمن تعريف ”القبول” اضطرار الناس إلى التسليم بتلك القوانين تحت ضغط القمع أو التهديد به. فبإمكان القمع أن يفرض التسليم ولكنه لن يعطي الشرعية لقانونٍ تعتبره شرائح كبيرة من الناس ظالماً أو فاسداً. فلا تتحقق الشرعية بالبطشِ. نعم قد يحقق البطشُ الاستقرار لفترة تطول أو تقصر إلا أن الاستقرار وحده ليس دليلاً على الشرعية. ومعلومٌ أن في الاستقرار القائم على البطش يكمنُ خطر يتمثل في انخداع أهل السلطة به فيتمادون فيما يفعلون بينما تتفاعل الاحتجاجات تحت الأرض. أقولُ، استطراداً، أنه لا يمكن شرْعَنة قانون لا تتقبله الناس طوعاً حتى ولو تمكنت السلطة السياسية من فرض تطبيقه لعشرات السنين. ولنا عبرة بما حدث للمرسوم بقانون أمن الدولة الذي صدر في أكتوبر/تشرين الثاني 1974 وألغيَ عشية التصويت على ميثاق العمل الوطني في فبراير/ شباط .2001 رغم سريانه لأكثر من ست وعشرين سنة لم تتقبله الناس واستمر توافق أغلبهم على رفضه واعتباره قانوناً ظالماً.
تتعدد الأمثلة التي توْضِح اشتراطات ”الأمر الواقع” الذي يعتبره بعضُ الباحثين سبيلاً رابعاً لشرعنة القوانين. إلا أن جُلَّها يشير إلى دور الزمن في إقناع الناس أو قادة الرأي فيهم بالتوافق على قبول قانون لم يكن مقبولاً عند إعلانه. ولا ينحصر دور الزمن في تبيين ما قد يترتب على تطبيق القانون المرفوض من آثار إيجابية على استقرار المجتمع وربما رفاهيته. بل قد يصبح ممكناً إقناع المعترضين بضرورة ذلك القانون فيصبحون سنداً للسلطة في الترويج له. وهذا هو ما رأيناه في السجال الدائر حول دستور المملكة للعام .2002 ومعلومٌ أن أربع سنوات من المقاطعة المترددة والمرتبكة أعطت السلطة فترة إضافية لإقناع جُلِّ معارضيها بخطأ موقفهم حتى كسبتهم إلى جانبها. ويوفر تاريخ السنوات الماضية عدداً آخر من الأمثلة على قوانين وإجراءات وُوجهت عند إعلانها بالرفض الشديد بما فيها، على سبيل المثال لا الحصر، قوانين الجمعيات والدوائر الانتخابية ناهيك عن المرسوم رقم 56 لسنة 2002 الذي توسع في تفسير المرسوم رقم 10 لسنة .2001 ومعلومٌ أنها جميعاً ما زالت قوانين سارية بل ازدادت قوة بعد مراجعة المعارضة لمواقفها وتسليم أقسامٍ كبيرة من الرافضين بالأمر الواقع.
وسواء طالَ الزمنُ أم قَصُر يحتاج إعلان القبول بالأمر الواقع إلى خطابٍ سياسي مسبوك ببلاغة مناسبة لتبرير موقفهم الجديد ولتسويقه بين الجمهور. ويمكن للمهتمين متابعة أربعة نماذج من الخطاب التبريري/التسويقي برزت في الساحة البحرينية في السنوات الأخيرة. يردد الخطاب الأول مقولات تشدِّد على مصلحة الأمة في ”طاعة ولي الأمر”. وهي طاعةٌ تطرَّف بعضُ السياسيين فجعلوا الخروج عليها معصية لله ورسوله. ويرفع الخطاب الثاني راية ”درء المفاسد ودفع الضرر”. وبحسب أحد تجليات هذا الخطاب فإن التسليم بقانونٍ ما حتى ولو يكن مقبولاً من الناس قد يقيهم من احتمال أن تتعسف السلطة فتفرض قانوناً أكثر ظلماً. أما النموذج الثالث فيرى دعاته أن ثمة أولويات خاصة فئوية تستدعي الدخول في صفقات مقايضة تبرر قبول شرعية قانون ما رغم إجحافه ورغم الاعتراضات عليه. قد تتسع مردودات صفقات المقايضة لتشمل طائفة أو منطقة بكاملها وقد تضيق فتنحصر في مجموعة متنفذين في تنظيمٍ سياسي أو بضعة أفرادٍ متفرقين لا يجمعهم سوى قدرتهم على التأثير في تشكيل الرأي العام. أما النموذج الرابع فيعتمد أطروحات أكثر تعقيداً. إذ يفصل هذا الخطاب في تعداد مخاطر عدم الاستقرار على مشروعات التنمية وعلى قدرات البلاد على اجتذاب الاستثمارات الأجنبية أو مواجهة تحديات داخلية أو خارجية. لا يحتاج القارئ والقارئة إلى أمثلة على هذه الخطابات السياسية التبريرية/التسويقية. فهي منتشرة بين النخب السياسية بحيث لا يمكن لتيار سياسي أو نهج فكري إدعاء احتكاره لأيٍ منها. إلا أن من الممكن ملاحظة تفضيل التيارات الدينية للخطابين الأوليْن وتفضيل التيارات الوطنية الأخرى للخطابيْن التالييْن.
لستُ الآن في وارد تقييم هذه الخطابات التي لا أتفق مع مروِّجيها من دون أن أشكك في اقتناع أغلبهم بصحتها وبواقعيتها. وبطبيعة الحال لا أدعو لتجاهل الواقع ومعطياته. إلا أن القراءة غير الملتبسة لمعطيات الواقع لا تعني التسليم به أو الاستسلام له. ومعلومٌ أن الواقعية السياسية لا تعني التسليم بالأمر الواقع كما يردد القائلون بأن السياسة هي فن الممكن. ولقد رأينا كيف أدى الخلط بين الاثنيْن إلى هدر ثمار نضالٍ دؤوب خاضته حركتنا الوطنية لأكثر من خمسة عقود. ما يهمني هو التأكيد على أن ”شرعية الأمر الواقع”، سواء تمت عن طريق التسليم أو القبول، هي شرعية غير مستقرة. بل إن فرض قانونٍ ما بقوة الأمر الواقع قد يولد مخاطر كثيرة عاجلة وآجلة. ومن بين تلك المخاطر على المدى القصير أن يتعود قادة الرأي في البلاد على الاستخفاف بإرادات الناس وعقولهم. ولدينا أمثلة على ذلك فيما حدث بعد السجالات التي قامت بين دعاة المشاركة والمقاطعة أو حول الموقف من قانون الجمعيات وغيره. ولقد أسهم الاستخفاف بالناس إلى توتر سياسي وأمني ما تزال البلاد تعاني منه. وهو توترٌ يعكس خيبة أمل وغضب بين مواطنين خذلتهم نخبهم السياسية قبل السلطة. أما على المدى البعيد فمن الصعب التنبؤ في ظل ظروف مجتمعنا هذه الأيام. إلا أن من الممكن القول استناداً إلى خبرات مجتمعات أخرى إن الاعتماد على قوة الأمر الواقع لا تصلح أن تكون سبيلاً لشرعنة القوانين أو طريقاً لبناء دولة القانون.