التمييز كأداة للتسلط والإخضاع

في بداية هذا الشهر (آذار/مارس) أعلنت وزارة الصحة في الكويت قراراً بتعميم العزل في العيادات الصحية بين المواطنين والوافدين، بعد نجاح فترة تجريبية استمرت طيلة ستة أشهر. وحسب ذلك القرار، تُخصص العيادات الصباحية للكويتيين فقــط بينما تُخصص العيادات المسائيـــة لغير الكويتيين (الذين يشكلون أكثر من ثلثيْ سكان البلاد). ويتيح القرار لمن أراد من المواطنين “حرية الاختيار بين الفترتين الصباحية والمسائية”.
قرار العزل بين المواطنين والوافدين هو أحد النتائج السلبية لإعادة الهيكلة الاقتصادية التي فرضت تقليص عدد من الخدمات الأساسية، بما فيها الصحية، في الكويت كما في باقي بلدان الخليج العربي. لم تؤثر إجراءات التقليص على الفئات الميسورة التي تستطيع الاستفادة من التوسع الملحوظ في المستشفيات الخاصة، علاوة على قدرتها على الاستشفاء في البلدان الأوروبية وغيرها. وتُرك التزاحم على أبواب العيادات والمستشفيات لغير الميسورين من بقية المواطنين ومن الوافدين. ولكن العزل بين فترتيْ عيادة المواطنين والوافدين جاء كامتياز للمواطن وتمييزاً له عمّن هو دونه. ولن يهتم مواطن أو مواطنة في ظل تقليص الخدمات الحكومية بالانتباه إلى أن تخصيص فترة العيادات الصباحية وغيرها من “ميزات المواطنة” ليست امتيازاً فعلياً لهما بقدر ما هي أداة لإدامة سلطة العوائل الحاكمة.
اعتبر مؤيدو قرار العزل، بمن فيهم أعضاء في مجلس الأمة و أطباء وعاملون في الخدمات الصحية، ذلك القرار منذ بداية تجربته في العام الماضي “خطوة صائبة نحو مزيد من التقدم والارتقاء بمستوى الخدمات الصحية”. وبالمقابل، نبّه كثيرون، بمن فيهم أعضاء في مجلس الأمة وأطباء وعاملون في الخدمات الصحية، إلى شبهة التفرقة العنصرية التي تشوب القرار وما يمثله من إهانة مقننة ورسمية للوافدين.

“خليجنا واحد”.. مرة أخرى

قرارات العزل في الكويت ليست مقتصرة عليها ولا هي محصورة في مجال الخدمات الصحية. ينقسم سكان بلدان الخليج (أزْيد من 52 مليون انسان) إلى نصفيْن متساوييْن تقريباً يمثلان المواطنين والوافدين. وتشمل مظاهر العزل بين الفئتيْن، وإن تفاوتت في صرامتها وقسوة شروطها، جميع مجالات الحياة. ويبرز العزل في أوضح صوره في سوق العمل حيث يشكل المواطنون غالبية العاملين في القطاع الحكومي بينما يشكل الوافدون غالبية العاملين في القطاع الخاص. ويترافق هذا العزل مع فروقٍ واضحة بين الفئتيْن في الأجور والامتيازات الوظيفية بما فيها الاستقرار الوظيفي.
يشكل العزل في مناطق السكن مظهراً آخر للبؤس في جميع بلدان المنطقة. فقد أسهمت خصائص العمالة المهاجِرة والشروط المعقدة التي تفرضها السلطات لحرمان المهاجرين الفقراء من إمكانية “جمع الشمل مع عوائلهم” في انتشار ما يُعرف بمناطق “سكن العزاب”. وهذه تتفاوت بين “معسكرات العمل” الضخمة بجوار مناطق صناعية نائية أو الأحياء القديمة في المساكن الآيلة للسقوط التي هجرها المواطنون ولم تعد غالبيتها صالحة للسكن الآدمي. وفي الحالتيْن، تزداد العزلة والفروق بين فئتيْ المواطن والوافد. ففي معسكرات سكن العمّال المسوّرة، يتمكن أصحاب العمل من عزل ملايين العمال عن طريق التحكم في توفير الخدمات الضرورية بما فيها المواصلات. أما الوافدون الآخرون ممن يعيشون في الأحياء القديمة في المدن الخليجية وأطرافها، فهم معرضون للمداهمات من قبل قوى الأمن وللإذلال تحت تبرير “تورطهم في المشاكل والجرائم”. ولا تخلو الصحف الخليجية من شكاوى المواطنين مما يعتبرونه تجاوزات الوافدين، بما فيها “تجمعاتهم المريبة أمام منازلهم مساء أيام العطل وممارساتهم لعاداتهم الغريبة وانبعاث الروائح من منازلهم”!

مجاز مالكولم إكس

في ستينيات القرن الماضي، أعاد مالكولم إكس، المناضل الأميركي الراحل، التذكير بالفروق بين عبيد المنزل وعبيد الحقل. كان مالكُ العبيد يفرق بين فئتيْن، الأولى هي فئة عبيد المنزل التي ينتقيها لخدمته شخصياً ولمساعدته في إدارة ممتلكاته وشؤون مزارعه وقصوره. أما الفئة الثانية فهي فئة عبيد الحقل التي يُفرض عليها العمل في مختلف المهن والأعمال المجهدة الأخرى. يلخص المجاز الذي يستخدمه مالكولم إكس وصف حالة إنسانية تتولد عن ممارسة السلطة التي تتحكم فعلاً في حياة الخاضعين لها. وهي حالة تساهم في تفسير قدرة أصحاب السلطة، في أي مجتمع، على ضمان استمرار سلطتهم، عن طريق توليد وإدامة تراتبية هرمية تتمتع كل مرتبة أعلى فيها بميزات فعلية أو رمزية لا تُتاح للأفراد في المرتبات الأدنى. وكما يفعل مالكُ العبيد، تسعى العوائل الحاكمة في بلدان الخليج العربي إلى توسيع الإحساس بالفوارق الفاصلة بين مختلف مراتب الخاضعين لها. في مجاز مالكولم إكس، لا يختلف حال عبد المنزل وعبد الحقل. فكلاهما مملوكان للسـيّد الذي يملك الحق في تقرير مصيرهما ومقدار سعادتهما أو بؤسهما. إلا أنّ استمرار سلطة المالك المتسيّد تحتاج إلى فصل العبديْن وإبقائهما في عالميْن مختلفيْن. عالمٌ يضم عبيد المنزل الذين يروْن أنفسهم ــ باعتبارهم نخبة متميزة ــ في مرتبة أعلى بكثير من عبيد الحقل الذين ينتمون إلى جنسية أخرى أو طائفة أخرى أو مذهب آخر. ويجد المالك المتسيّد مصدريْن من مصادر قوته في القلق المستمر لدى عبد المنزل وفي الأمل المستمر لدى عبد الحقل. فقرار المالك وحده هو ما يحدد “امتيازات” عبد المنزل، وهو ما يتيح أو يعيق تحقيق آمال عبد الحقل في أن يرتقي ليصبح يوماً ما عبدُ منزل.
يعيش عبد المنزل قلقاً دائماً من خسارة أسباب حظوته لدى المالك المتسيِّد. إلا أنّ عبد المنزل رغم قلقه ومعاناته، موهومٌ بتميّزه. فهو يشاهد بالملموس أنّ مكانته أعلى من غيره، وأنّه أكثر قرباً إلى السيّد وأنّ لديه من شروط الحياة ما لا يُتاح لغيره ممن هم دونه.
تتشابه هذه العلاقة من القلق والوهم في أغلب مظاهرها مع علاقة المواطنين والعائلات الحاكمة في الخليج العربي. ففي بلداننا، يستند التمييز إلى رابطٍ معياري يُشار إليه ويمكن تحديده، مثل المواطنة أو الانتماء الطائفي أو الإثني، مما يجعل الدفاع عن التمييز، سواءً أكان مادياً أو رمزياً، مهمة مشتركة بين جميع المستفيدين منه. ولا يهم وقتها أن يقال للمواطن أو المواطنة إن ما يحصلان عليه من تمييز ليس ذا قيمة ولا ضمانة لاستمراره سوى إرادة العائلة الحاكمة. بل قد لا يصدقان أنّ الجنسية/المواطنة – التي شكلت في الماضي معيارأ تمييزياً تتأسس عليه استحقاقات مادية ومعنوية منصوصٌ عليها – أصبحت قابلة للإلغاء بقرار إداري تصدره العائلة الحاكمة

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=3976&refsite=twitter&reftype=sharebutton&refzone=tweet

.

Advertisements