الدولة الريعية باقية وتتوحش

تسود بلدان الخليج العربية منذ أكثر من سنة أجواء قلق وخوف على المستقبل جراء الانخفاض المستمر لسعر النفط. ولا يجد المواطن في ما يوفره له الإعلام المحلي، ولا في تصريحات المسؤولين الحكوميين، ما يخفف القلق والخوف. فمتابعة وسائل الإعلام الخليجية لتفاصيل تقلبات سوق النفط تترافق مع تحذيرات عن الآثار السلبية المتوقعة على ميزانية الدولة، بما فيها اضطرارها للاستدانة وتخفيض إنفاقها. تَخلُص تلك التحذيرات، سواء جاءت في سياق خبري أو تحليلي، إلى أن تدهور أسعار النفط يستلزم قيام المواطنين بدورهم في المساعدة على تجاوز الأزمة الراهنة وتداعياتها.
وتُعقد ندوات وورش عمل وجلسات مكاشفة تبثها مختلف وسائل الإعلام المحلية، ويشارك في بعضها مسؤولون كبار يتحدثون مباشرة لمواطنيهم بأن الأمور ليست على ما يرام، وأن الحكومات لم تعد قادرة على “إدامة دولة الرعاية والرفاه”، وأنها مضطرة لاتخاذ إجراءات غير عادية بهدف إنقاذ الوطن. وصار الإعلام الرسمي ينشر تحليلات عن “نهاية الدولة الريعية” في الخليج، وأن مرحلة جديدة تبدأ، هي مرحلة ما بعد الريع. وأنه يتوجب على كل دولة خليجية أن تتخذ بحزم وشجاعة ما يستلزمه هذا التحول من قرارات مؤلمة، مثلما يتوجب على المواطنين التحلي بالصبر برغم ما ستسببه لهم تلك القرارات من مصاعب.

خرافة أن دولة الريع أمٌ حنون

تترافق تلك الوجهة مع إعادة ترويج صورٍ نمطية عن شعوب المنطقة تصفهم بالكسل والاتكال على الدولة التي توفر الأموال لهم، وعلى العمال المهاجرين الذين يقومون بالعمل نيابة عنهم. يسند هذا التنميط أبحاث ودراسات غير جدية لباحثين عرب وأجانب، وتعززه قصص ينشرها الإعلام الرسمي نفسه من أجل إعفاء ولاة الأمر من مسؤوليتهم عن مظاهر البؤس التي يمكن مشاهدتها في جميع بلدان الخليج.. فترسم جريدة حكومية في بلدٍ خليجي صورة خيالية لمواطنها، وتتهمه بأنه “اعتمد على الحكومة في تمويل ولادته، ومن ثم تعليمه بمختلف مراحله، وابتعاثه بعد ذلك لدراسته العليا، ثم توظيفه في القطاع العام، ودعم تكاليف زواجه، ودعم حياته العائلية من مسكن ومعيشة وعلاج إلى وفاته وتحمل تكاليف دفنه”. بطبيعة الحال لا تنطبق هذه الصورة إلا على أبناء وبنات العوائل الحاكمة الذين تُخصص لهم منذ لحظة ولادتهم وحتى وفاتهم مخصصات شهرية علاوة على امتيازات أخرى ليست متاحة حتى لأكثر فئات المجتمع حظوة.
لا يرى من يزور بلدان الخليج صور الفقر والتهميش فيها التي تختفي في ظل مظاهر الغنى والرفاهية، أو تتكفل الطرق الدائرية بإبعادها عن مرمى الأبصار.  ولهذا ليس غريباً أن نرى مفكراً ليبرالياً بارزاً يصور الدولة الخليجية أماً حنونة أسرفت في تدليل أولادها فصاروا “مواطنين سعداء بما يحصلون عليه دون عناء ولا جهد لذلك هم لا يرغبون في الإنخراط في الحياة السياسية أو في القيام بأية واجبات تحتاج إلى جهد وتعب”… تغيب عن هذه الصورة  الإضرابات التي خاضها العمال في السعودية أو قطر أو الكويت، على سبيل المثال، للمطالبة بزيادة الأجور وتحسين ظروف العمل. وتغيب عنها تحركات النساء في مختلف بلدان الخليج دفاعاً عن كرامتهن وللمطالبة بحقوقهن كمواطنات. وبالمثل تغيب عنها الحراكات التي يقوم بها العاطلون في البحرين أو عُمان، احتجاجاً على استبعادهم من سوق العمل لمصلحة عمال مهاجرين أقل أجراً وأقل كلفة سياسية.ا

لا تبدو الدولة الخليجية أمّاً حنونة في السعودية مثلاً لأكثر من 657 ألف سعودي من العاطلين عن العمل المسجلين رسمياً (ترفع التقديرات غير الرسمية ذلك الرقم إلى الضعف). من اللافت أن نسبة حملة الشهادة الجامعية بلغت 43 في المئة من مجموع العاطلين السعوديين في نهاية 2014. يضاف إلى هؤلاء أعداد أكبر من حملة الشهادة الثانوية أو الدبلوم الذين تبلغ نسبتهم 48 في المئة من مجموع العاطلين المسجلين. وتتجه هذه الأرقام إلى التصاعد برغم تكرار الإعلانات الدورية عن مشاريع تهدف للتخلص من هذه الظاهرة في بلدٍ فيه أزْيد من تسعة ملايين من المهاجرين الأجانب.
لا تبدو الدولة الريعية أمّاً حنونة لمن يرى بؤر البؤس، ليس في المناطق النائية والمهمشة وحدها، بل في بيوت الصفيح والبيوت الآيلة للسقوط في قلب الرياض والمنامة ومسقط والإمارات الشمالية في دولة الإمارات. وهي ليست أمّاً حنونة لأعداد الفقراء، وبينهم متقاعدون وأرامل ومطلقات وكبيرات سن يقفون على أبواب الجوامع في مختلف أرجاء بلدان الخليج العربي انتظاراً لصدقات المصلين. ولحسن الحظ، تُسهم الجهود الأهلية عبر الجمعيات والصناديق الخيرية وأهل الخير عموماً في إعفاء عائلات كثيرة من الوقوف على الأبواب كي تضمن تأمين احتياجاتها المادية الأساسية. ويعكس ازدياد أعداد هذه الجمعيات والصناديق الخيرية التي تعتمد في مواردها على مساهمات الميسورين في القرية أو الحي أو المدينة ازياد أعداد الذين لم يشملهم نعيم الدولة، علاوة على الفئات الجديدة التي سيتم استبعادها وحرمانها من ذلك النعيم.

برميل النفط المظلوم

من الخطأ اعتبار انخفاض سعر النفط سبباً رئيساً في الأزمة المالية الراهنة في بلدان الخليج أو مبرراً كافياً لإجراءات التقشف التي اتخذتها حكوماتها مؤخراً. فطيلة التسعينيات من القرن الماضي كان سعر برميل النفط يباع بأقل من عشرين دولاراً بل وصل عام 1998 إلى 11 دولاراً. وقتها كانت الدولة الخليجية، على الرغم من النهب والهدر والفساد، قادرة على تمويل الدعم الحكومي للمواد والخدمات الأساسية. فما الذي تغيّر خلال الفترة الماضية؟ من دون التورط في محاولة احتساب كلفة الخسائر الناجمة عن سوء الإدارة والفساد والنهب، يمكن الإشارة إلى عددٍ آخر من أوجه الإنفاق غير العقلاني أسهمت في إيصال دول الخليج إلى أزمتها الراهنة:

أولاً، وقبل كل شيء، ازداد عدد الأميرات والأمراء من رتب صاحب السمو الملكي وما يعادلها وما دونها. وازدادت بالتالي الحصص التي تقتطعها العوائل الحاكمة من موارد البلاد لتدفعها كمخصصات شهرية لأفرادها ولتغطية امتيازاتهم الأخرى بما فيها الإعفاء من الضريبة الجمركية. وهي مخصصات وامتيازات ترتفع مع ارتفاع عائدات النفط ولكنها لا تنخفض مع انخفاض تلك العائدات.

ثانياً، ازداد الإنفاق العسكري، بما فيه استيراد السلاح والعتاد والخبرات من جميع بلدان العالم. ففي 1998، كان مجموع الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون أقل من 31 مليار دولار. إلا أن الرقم تضاعف عدة مرات ليصل في 2014 إلى ما يقارب 114 مليار دولار. ولا تدخل في هذه الأرقام مخصصات مختلف أجهزة الأمن الداخلي الرسمية أو المكلفة بتغطية كلفة العمليات الأمنية/العسكرية التي يتم تلزيمها إلى الشركات الأمنية الدولية مثل “بلاك ووتر” ومثيلاتها. كما لا تشمل أوجه الإنفاق السري لتمويل أنشطة عسكرية وأمنية في الخارج. ثمة مؤشرات على أن أرقام الإنفاق العسكري/ الأمني في تصاعد مستمر، ففي السعودية مثلاً استحوذ القطاع الأمني والعسكري على أكثر من ربع الميزانية السعودية الأخيرة.

ثالثاً، تحملت دول مجلس التعاون الخليجي أعباءً مالية كبيرة بتكفلها بتمويل عمليات “التحالف الدولي لتحرير الكويت”، ثم بتمويل جزء أساسي من كلفة ما يسمى “الحرب ضد الإرهاب” في أفغانستان، وكلفة غزو العراق والعمليات العسكرية اللاحقة لذلك الغزو. وقد لا يمكن حصر القيمة الحقيقية لتلك الأعباء المالية بدقة، إلا أنها استنزفت جزءاً كبيراً من العوائد النفطية.

رابعاً، انخرطت أغلب دول مجلس التعاون في تمويل عدد من النزاعات الداخلية في البلدان العربية، وفي استخدام المال لإفساد الحياة السياسية في مناطق أخرى من العالم. وتزداد كلفة تلك التدخلات بسبب التنافس المعلن فيما بين كل من الإمارات والسعودية وقطر في هذا المجال.

خامساً، تستنزف حرب اليمن منذ اندلاعها ما قد يزيد على مليار دولار شهرياً. ومع أن البلدان الخليجية المشاركة في الحرب تستطيع مجتمعة تحمل هذه الكلفة المالية، إلا أنّ أحداً لا يضمن أن تبقى الكلفة على حالها مع اتضاح الطبيعة الطويلة والمتقلبة لتلك الحرب، وتصاعد نشاط القاعدة في جنوب اليمن وبروز علامات الخلاف بين الإمارات والسعودية على مناطق النفوذ وشراء ولاءات قيادات القوى اليمنية المتحالفة معهما.

شد الحزام على.. بطون الفقراء

تحت الغطاء الذي يوفره انتشار القلق والخوف على المستقبل، وجدت جميع الدول الخليجية الفرصة ملائمة سياسياً للبدء بتنفيذ وصفة صندوق النقد الدولي لإعادة هيكلة اقتصادها. ولهذا الغرض أصدرت كل الدول الخليجية قرارات خطيرة، تختلف في تفاصيلها ولكنها تندرج تحت ثلاثة بنود رئيسة: 1) خفض الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية وإلغاء الدعم الحكومي عن مواد استهلاكية أساسية بما فيها المحروقات وبعض السلع الغذائية، علاوة على زيادة الرسوم على الخدمات وفرض رسوم جديدة، 2) التوسع في خصخصة قطاع الخدمات التعليمية والصحية والاجتماعية، 3) توفير الحوافز اللازمة لتشجيع الاستثمارالأجنبي وإزالة جميع معيقات حرية حركته ونشاطه.
يتم تسويق هذه القرارات بمجملها باعتبارها ضرورية لإنقاذ البلاد، وكشكل لمشاركة جميع المواطنين في تحمل أعباء انخفاض الموارد النفطية. ما لا يقال للمواطنين أن “الدولة” وجدت في انخفاض سعر برميل النفط فرصة ملائمة لكي تتخلى عملياً عن مسؤولياتها تجاههم وخاصة تجاه شرائح الفقراء ومحدودي الدخل والعمالة الوافدة. فهؤلاء هم من سيتحملون العبء الأكبر جراء رفع الدعم الحكومي وتقليص أو إلغاء الخدمات. وهي الفئات ذاتها التي ستتضرر، كما تضررت في بلدان أخرى، من خصخصة قطاعات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. وبالمقابل يفتح البندان الأخيران الأبواب واسعة أمام أصحاب الرساميل المحلية والأجنبية للاستيلاء على هذه القطاعات الحيوية الأساسية. فهذا هو الطريق الذي بشّـر به صندوق النقد الدولي ورأينا نتائجه المأساوية في مصر منذ سبعينيات القرن الماضي وفي أميركا الجنوبية في ثمانيناته وفي أوروبا الشرقية في تسعينياته. وكما حصل في تلك البلدان، ستزداد الهوة بين الفقراء والأغنياء سواء أكانوا مواطنين أو وافدين، وستسوء أحوال الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى.

نبوءة الشيخ راشد

من الأقوال المنسوبة للشيخ راشد آل مكتوم حاكم دبي الأسبق قوله “جدي ركب الجمل، وركب أبي الجمل، أما أنا فأقود سيارة مرسيدس. إبني يقود سيارة لاندروفر وسيقود إبنه لاندروفر، لكن حفيده سيركب الجمل مجدداً”. من غير المعروف مدى صحة سند هذا الحديث لشيخ دبي الأسبق. إلا أنّ التدوال المستمر لتلك الكلمات يعكس ما يحمله المخيال الشعبي من توجس من احتمال تحقق تلك النبوءة. ولا يجد حتى أكثر الباحثين تفاؤلاً ما يسند القول بأن حفيد الشيخ راشد سيُضطر لركوب الجمل في تنقلاته. فما زالت الدولة الريعية الخليجية في أوجها، بل تزداد قوة وتزداد توحشاً بعد أن باشرت في التخلص من أعباء مراعاة الفقراء والمهمشين وغيرهم.

Advertisements