سوق الجنسيات ليست حلاً لمحنة “البدون” في الخليج

فرضت تداعيات الأزمة الاقتصادية التي يمر بها النظام الرأسمالي العالمي على كثير من الدول السعي لتنويع مصادر دخلها، والبحث عن مصادر دخل جديدة وغير تقليدية. ضمن هذه المساعي نشأت منذ بداية الألفية الثالثة “سوق الجنسيات ورخص الإقامة الدائمة” حيث تُعرض السلعتان للبيع على الراغبين في مقابل استثمارات مباشرة وغير مباشرة. يبدو من متابعة نمو الشركات التي تقوم بتسويق الجنسيات ورخص الإقامة الدائمة، أن الطلب على خدماتها آخذٌ في الارتفاع، كما يتزايد عدد الدول التي تتأهل لدخول هذه السّوق. تشمل قائمة الدول التي تعرض جنسياتها للبيع دولاً غنية في الاتحاد الأوروبي، ودولاً شديدة الفقر في البحر الكاريبي والمحيط الهندي. فعن طريق إعلانات الترويج التي تنشرها مكاتب تسويق الجنسيات ورخص الإقامة الدائمة يمكن، مثلاً، مقارنة الكلفة المالية والمدّة اللازمة للحصول على جنسية إحدى دول الاتحاد الأوروبي (ومن بينها بريطانيا وكرواتيا وإسبانيا والبرتغال ومالطا وهولندا وقبرص وموناكو وإيرلندا والنمسا وبلغاريا). وبطبيعة الحال تختلف قيمة “الاستثمار” التي تشترطها هذه الدول، فهي تتراوح ما بين 2 – 3 مليون يورو (النمسا) وإلى أقل من 100 ألف يورو (مالطا) (هذا رسم ولا يمكن إدراجه ضمن الاستثمار).
على الطرف الآخر من “سوق الجنسيات ورخص الإقامة الدائمة”، هناك الدول الفقيرة التي وجدت في السوق مصدراً من مصادر الدخل الإضافي للشرائح الحاكمة فيها. ويجد رواد السوق فيما تعرضه الدول الغنية والدول الفقيرة ما يفي باحتياجاتهم وما يتناسب مع قدراتهم الاستثمارية.

جواز سفر ثانٍ “حَسَن السمعة” ا

بحكم ظروف نشأتها ومسببات نموها، تتوجه “سوق الجنسيات ورخص الإقامة الدائمة” إلى شرائح محددة من الناس. ولكل من أفراد هذه الشرائح أسبابه. فمن بينهم من يرى في الجنسية الجديدة فرصة للاستفادة من اختلاف النظم الضريبة على الثروة والدخل والميراث. ومنهم من يراها وسيلة لتحاشي الوقوع تحت طائلة عقوبات تتعرض لها بلدانهم الأصلية. ومنهم من يخاطبه إعلانٌ لأحد مكاتب خدمات الجنسية، عن “جواز سفر حَسَن السمعة لا يُلغى مطلقاً ويُسَّهل السفر الفوري إلى أكثر من 130 دولة”. ومنهم أيضاً من يرون فيها حلاً لحرمانهم من جنسية البلدان حيث ولدوا وحيث يعيشون.

برنامج “الجنسية الاقتصادية” في جزر القُمُر

 لأسباب عدة لم تجتذب “سوق الجنسيات ورخص الإقامة الدائمة” في البداية اهتماماً في بلدان الخليج العربي. فأغنياؤه لا يواجهون صعوبة في الحصول على تأشيرات سفر ولا هم يعانون من نظام ضريبي كي يحاولوا التهرب من أعبائه. أما الفقراء في الخليج فلا يمتلكون ما يمَّكنهم من دخول ذلك الجانب من السوق. إلا أن الأمور تغيرت إثر دخول عدة دول فقيرة “سوق الجنسيات ورخص الإقامة الدائمة”. فعلى سبيل المثال أعلنت حكومة جزر القُمُر في 2007 عن “برنامج الجنسية الاقتصادية” التي تعطي لحاملها جواز سفر قُمري وحق الإقامة من دون أن تمنحه بقية حقوق المواطنة. ولهذا يمكن الحصول على الجنسية القُمرية بشروط “ميسرة” مقارنة بما تشترطه الدول الغنية: على المتقدم أن يدفع ما يعادل ألفين وخمسمئة دولار وأن يتعهد بالمساهمة في تنمية الاقتصاد المحلي. بعرض جنسيات الدول الغنية والفقيرة للتداول، صارت الجنسية سلعة في سوق كونية تعرضها الدولة للبيع على الأفراد مقابل مردود مالي.

المعونة مقابل جوازات سفر

 تبين لاحقاً أن تلك المتطلبات الميسرة التي وضعتها جزر القُمُر شجعت حكومتيْ الإمارات العربية المتحدة والكويت على عقد صفقة توفر جزر القُمر بموجبها جوازات سفرها لأصحاب الطلبات من فئة البدون الذين ترشحهم السلطات المعنية في الكويت والأمارات. بموجب تلك الصفقة تعهدت الأمارات بدفع معونة مالية تعادل 200 مليون دولار لجزر القمر. بينما تعهدت الكويت بتمويل بناء تجهيز مدارس ومساكن ومعاهد في الجزر “فضلاً عن فتحها فرعاً في جزر القمر لبيت الزكاة الكويتي”. وحتى باحتساب الفساد المستشري في الطبقة الحاكمة في جزر القمر، فإن لهذه الأرقام تأثيرها المباشر في اقتصاد البلاد التي تندرج ضمن أشد البلدان فقراً في العالم. فحسب تقدير أصدره صندوق النقد الدولي (2013) أسهم برنامج الجنسية الاقتصادية بنسبة 5.6 في المئة من إجمالي الناتج المحلي وفي زيادة واردات الخزينة.

التملص من حل قضايا البدون

لا توجد إحصائية معتمدة تبيِّن أعداد البدون جنسية في الكويت، إلا أن أغلب التقديرات المتداولة تذكر أرقاماً تتراوح ما بين 100 ألف و150 ألف شخص. تتعامل السلطات الكويتية مع البدون جنسية بإعتبارهم “مقيمين بصورة غير قانونية” أو “وافدين تعمدوا إتلاف أوراقهم الثبوتية الأصلية بهدف الإقامة والاستفادة من الخدمات التي يحصل عليها المواطنون”. وطيلة أكثر من خمسة عقود مضت منذ استقلال الكويت، لم تضع الحكومات المتعاقبة الحلول السياسية والقانونية اللازمة لإنهاء هذا الملف بشكل عادل وإنساني. تقل أعداد البدون في الأمارات بكثير عن أعدادهم في الكويت، إلا أن أشكال معاناتهم متقاربة. ويعود ذلك إلى هشاشة التركيبة السكانية في الإمارات التي لا تزيد نسبة المواطنين فيها عن 15 في المئة من مجموع سكانها.
منذ انتشار الأخبار الأولى قبل ثماني سنوات عن صفقة جنسيات جزر القمر، جرى الترويج لها بأنها ستوفر حلاً قانونياً يضمن حصول “البدون” على جواز سفر وجنسية ويسهل حصولهم على إقامة قانونية دائمة في الإمارات والكويت. ويشارك في حملات الترويج أجهزة حكومية علاوة على شركات متخصصة ومكاتب خدمات، يملك أهمها أمراءٌ وشيوخ، تتولى استقبال طلبات البدون لتقديمها للسلطات الحكومية للحصول على موافقتها ثم تقديمها إلى السلطات المعنية في جزر القُمر. ا

رغم ما يمثله إغراء الحصول عل جنسية ـ أية جنسية ـ لعديمها، إلا أن الكويت والإمارات لم تنجحا حتى الآن في إقناع سوى بضعة آلاف بالتقدم للحصول على جنسية دولة لا يعرفون عنها سوى اسمها. ومما يزيد من الشكوك في نيات السلطات في البلدين هو أنهما اختارا دولة شديدة الفقر ومعزولة جغرافياً وسياسياً لابتزازها عن طريق وعود المعونة الاقتصادية كي تخدم مشاريعهما للتملص من مشكلة “البدون”. ثمة سببيان آخران لعدم استجابة “البدون” لإغراءات الجنسية القُمرية. الأول هو اشتراط الكويت والإمارات على المتقدمين للجنسية الجديدة التخلي عن المطالبة بجنسية الإمارات والكويت. أما السبب الثاني فهو يستند إلى تاريخ طويل مليء بخيبات الأمل، بسبب عدم التزام السلطات في البلدين حتى بالقوانين المرعية فيهما. فلا أحد يثق في أن تلتزم السلطات في الإمارات والكويت بتوفير إقامة قانونية دائمة لحملة الجنسية القُمرية، وهي ـ أي السلطات ـ لا تتوانى عن استخدام قرارات إدارية لسحب جنسيات مواطنيهما ولإبعاد المقيمين فيهما إقامة شرعية.

Advertisements