ما قبل انتفاضة دوار اللؤلؤة في البحرين

في أوج التفاؤل الذي اجتاح المنطقة العربية بعد هروب بن علي واستقالة مبارك، برزت في البحرين دعوة لتنظيم “يوم غضب وطني” في 14 شباط /فبراير 2011. لاختياراليوم علاقة بالاحتفالات الرسمية بتحول البحرين من إمارة إلى مملكة، وإعلان دستورها الملكي في ذلك اليوم نفسه قبل تسع سنوات، أي في العام 2002. لم تكن الجهة الداعية، “حركة شباب 14 فبراير”، أو قياداتها معروفة سابقاً. إلا أن الدعوة أثارت نقاشاً واسعاً وحاداً، برز بعضه في مواقع التواصل الاجتماعي طيلة أكثر من أربعة أسابيع سبقت اليوم المحدد. فعلى تلك المواقع المفتوحة ناقش مشاركون بأسماء مستعارة، مثلما فعل أقرانهم في مصر قبل أسابيع، مستلزمات نجاح الحراك وشعاراته وأماكنه. في تلك النقاشات جاء ذكر دوار اللؤلؤة من ضمن أماكن أخرى محتملة لانطلاق المسيرات أو ختامها.
لم تثر المناقشات والتحضيرات لتنظيم “يوم غضب وطني” في ذلك اليوم قلقاً لدى الجهات الحكومية أو بين تنظيمات المعارضة المعترف بها (أي المسجلة حسب القانون لدى وزارة الشؤون الاجتماعية). كان لكلٍ من الطرفَيْن، الحكومي والمعارض المعترف به، أسبابه لتوقع فشل تلك الدعوة، أو وفي أحسن الأحوال، أن تنحصر نتائجها في فعاليات احتجاجية صغيرة ومتفرقة تنتهي بانتهاء يومها. فما أكثر الفعاليات غير المرخص لها التي يقوم بها هذا الطرف أو ذاك لتحريك الشارع طيلة السنوات التسع الماضية، وما أسهل قمعها أو احتوائها. اتضح في ما بعد خطأ تللك الحسابات لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار مدى تأثير الأمثلة التي ضربها الشباب التونسي والمصري في إلهام نظرائهم في البحرين.. علاوة على استخفاف الطرفَيْن بقدرات المعارضة غير المعترف بها على إدامة حراك احتجاجي.

“البحرين ليست تونس أو مصر

لخصت هذه العبارة الموقف الرسمي من الاستعدادات ليوم الغضب الوطني. إلا إنها لم تكن هروباً بلاغياً من مواجهة الواقع، بل كانت تعبر عن قناعة راسخة لدى العائلة الحاكمة في البحرين بأنها تمتلك أدوات لم يكن يمتلكها أي من علي او مبارك للسيطرة على الوضع وحماية استقراره. فلا يتوقع أحدٌ أن تنقسم العائلة الحاكمة على نفسها رغم ما تنشره بين الفينة والأخرى مقالات “متابعين” عن تنافس بين أجنحتها. كما لا يمكن التشكيك في ثبات ولاء المؤسستيْن العسكرية والأمنية التي تتشكل قياداتها ومراتبها العليا من أبناء العائلة الحاكمة نفسها ومن أبناء عدد محدود من “القبائل العربية الأصيلة”. بينما يتم التجنيد للمراتب الدنيا من أبناء العوائل السنية الفقيرة بشكل أساسي أو من مجندين من باكستان واليمن وسوريا والأردن، الذين لا يربطهم بالبحرين إلا الولاء لصاحب عملهم. ولقد أثبتت المؤسستان عبر العقود الأربعة التالية لاستقلال البحرين قدرتهما على استخدام العنف إلى أبعد الحدود لقمع تحركات المعارضة.
كانت عبارة “البحرين ليست تونس أو مصر” تشير أيضاً إلى عامل آخر. فالبلاد خرجت قبل أقل من أربعة أشهر (تشرين الأول/أكتوبر 2010) من وطيس انتخابات برلمانية وبلدية شاركت فيها جميع تنظيمات المعارضة المعترف بها. وأسفرت تلك الانتخابات عن فوز 18 من مرشحي جمعية الوفاق مما كرّس قوتها السياسية كمحاور للسلطة باعتبارها أكبر كتلة نيابية، علاوة على كونها أقوى تنظيمات المعارضة في الشارع. وعبرت عن ذلك البرقيات المتبادلة بين رئيس جمعية الوفاق ورئيس الوزراء للتهنئة بنجاح تلك الانتخابات وبـ “المشاركة الشعبية الواسعة التي جسدت روح الديموقراطية والشفافية. وأكدت اللحمة الوطنية في ظل المشروع الاصلاحي الذي ارسى قواعده جلالة الملك المفدى بحكمة واقتدار”، بحسب ما أوردت الصحف آنذاك.
أسهمت أجواء الابتهاج والتفاؤل التي سادت أوساط قيادات المعارضة (المعترف بها) بإلإنجاز الانتخابي في إقناع صانعي القرار بأنها لن تقبل الانجرار وراء الدعوة لتنظيم يوم غضب في يومٍ تحتفل البلاد رسميا فيه بذكرى إعلانها “مملكة دستورية”. لهذا أيضاً كانت منصّات النظام الإعلامية طيلة تلك الفترة تكرر تأكيد قدراته السياسية والأمنية لمواجهة محاولات زعزعة الاستقرار والتفاهمات السياسية القائمة، وإحباطها. ومع ذلك، اتخذ الملك عدداً من الإجراءات الاستباقية. فمن جهة أعلن الديوان الملكي عن عدد من “المكرمات” بما فيها منحة مالية قدرها ألف دينار لكل عائلة بحرينية (بكلفة إجمالية تصل إلى ما يعادل 385 مليون دولار). وتضمنت المكرمات الإعلان عن وضع خطط لبناء مدينتين جديدتَيْن لمواجهة الأزمة السكنية وخاصة بين الشباب. ومن جهة أخرى، تم الإعلان عن عدد من الفعاليات الاحتفالية بمناسبة 14 فبراير، يوم إعلان الدستور وإعلان تحول البحرين من إمارة إلى مملكة”. ومن بين تلك الفعاليات مهرجانات رياضية ومسيرات وحفلات غنائية.

معارضة أخرى تحت الرماد 

في عام 2005، برز إلى العلن انقسام المعارضة حول الموقف من الدستور الذي صدر في 2002 بمرسوم ملكي، وحول الموقف من سلسلة المراسيم والقوانين التالية المقيدة للحريات، بما فيها “قانون الجمعيات لعام 2005” الذي وضع النشاط السياسي بمختلف أشكاله تحت إشراف كل من وزارتَيْ العدل والشؤون الاجتماعية. ونشأ جراء تباين المواقف من الدستور والقوانين التالية له ما يندرج ضمن “جمعيات معترف بها” و “جمعيات غير معترف بها”، وهذه الأخيرة هي التي رفضت تسجيلها رسميا حسب اشتراطات القانون الجديد. من أبرز التنظيمات غير المعترف بها “تيار الوفاء الإسلامي” بقيادة عبد الوهاب حسين و “حركة الحريات والديمقراطية ـــ حق” بقيادة حسن مشيمع. ودون الدخول في التفاصيل، فللرجلَيْن تاريخ نضالي، تعرضا فيه للسجن لفترات طويلة ومتكررة، كما ان لهما مكانة دينية وشعبية معتبرة بين مختلف الفئات، بمن فيها مناصرو “جمعية الوفاق” وغيرها من الجمعيات المعارِضة المعترف بها.
اتضح في ما بعد أن الشبكات الشبابية التي بادرت بالدعوة لتنظيم “يوم الغضب الوطني” كانت تخاطب شارعاً على استعداد لمحاولة فعل ما فعله أمثالهم في تونس ومصر. فرغم ما رافق الحملات الانتخابية (تشرين الأول/ أكتوبر2010) من مساجلات، وما طرحه الفائزون فيها من وعود وتعهدات، فلقد خيّمت مشاعر الإحباط والخشية من أن يكرر برلمان 2010 عجز برلمانَيْ 2002 و2006 عن تحقيق أي تغيير في برامج العائلة الحاكمة وقراراتها، أو تحقيق إصلاحات جدية على النظام السياسي في البلاد. لم تخفف الأجهزة الأمنية قبضتها رغم وجود كتلة الوفاق البرلمانية المكونة من 18 نائباً في مجلس 2006 ـــ 2010. ولم تتوقف عن منع التجمعات والمسيرات، وملاحقة نشطاء المعارضة، بمن فيهم أنصار الوفاق أنفسهم، ولم تتوقف الإجراءات الحكومية لتغيير التركيبة السكانية في البحرين عن طريق التجنيس الجماعي، خاصة للأفراد المجندين من اليمن وباكستان وسوريا للخدمة في المؤسستَيْن الأمنية والعسكرية.

تحالفٌ ظرفي لم يكن في الحسبان 

لم يكن مستغرباً أن تحتضن التنظيمات السياسية والحقوقية غير المعترف بها الدعوة إلى “يوم غضب وطني”. فهذه الجمعيات تكفلت وبدأبٍ منذ 2005 بتأطير الأنشطة الاحتجاجية وتوفير الغطاء الحقوقي والسياسي لها، على الرغم من أنها لم تنجح في عرقلة العملية السياسية القائمة المستندة إلى دستور 2002. لهذا رأينا عبدالوهاب حسين، الذي دعا قبلا إلى مقاطعة انتخابات 2010، يعلن في 11/2/2011 أن “تيار الوفاء الإسلامي وحلفاءه قد عقدوا العزم على أن يكونوا جزءا من حركة هذا الشعب. فهم لا يرون طريقا للاصلاح والتغيير الا عبر التحرك الشعبي السلمي الضاغط”. أعطى ذلك البيان وأمثاله، في البحرين ومن المنفيين خارجها، زخماً إضافياً ومشروعية للدعوة إلى “يوم غضب وطني”. هذه الدعوة لم تعد صادرة عن شباب مجهولي الهوية والهدف، ولا هي دعوة إلى القيام بمغامرة غير محسوبة النتائج قد تطيح إنجازات حققتها المعارضة في الانتخابات الأخيرة.

عشية يوم الغضب، نشأ تحالفٌ ظرفي بين المجموعات الشبابية المندرجة في “حركة شباب 14 فبراير” وبين تنظيمات سياسية يقودها مناضلون مخضرمون، تمارس دورها خارج الحيز الرسمي المتاح لجمعيات المعارضة. لم يكن ذلك التحالف ممكناً في ظروفٍ اعتيادية. ولكن البحرَيْن كغيرها في سائر أرجاء الوطن العربي لم تعد كما كانت قبل مجيء الربيع إلى تونس ومصر. ولهذا كان ممكنا لذلك التحالف الظرفي أن يفرض نفسه وشعاراته طيلة الفترة التي دامت فيها انتفاضة دوار اللؤلؤة. وفوق ذلك استطاع أن يجتذب إلى المشاركة فيها جمهور وقيادات الجمعيات السياسية المعترف بها إلى درجة أن يستقيل نواب الوفاق الثمانية عشر من البرلمان، إقراراً بفشل العملية السياسية وفق ما كانت العائلة الحاكمة تريدها أن تكون. لا توفر المقابلات التي أجريتها ولا الشهادات المنشورة مادة كافية لتحديد تأثير التآزر بين طاقات “حركة شباب 14 فبراير” وقدراتهم النضالية وبين خبرة المناضلين المخضرمين في الجمعيات السياسية والحقوقية غير المعترف بها. إلا أنه من الثابت أن الطرفين وصلا عبر تحالفهما الظرفي إلى ما هو أوسع من جمهورهما المحتمل، وحققا تأثيراً في مجالات تتعدى مجالاتهما الاعتيادية.

لا مركزية القيادة

لهذا الشعار بالإضافة إلى شعارات أخرى، من قبيل “المبادرات الميدانية” و “تجاوز حاجز الخوف” أهميتها لفهم قيام التحالف الظرفي بين شباب “حركة شباب 14 فبراير” وبين مخضرمي التنظيمات السياسية غير المعترف بها. رُفع شعار “لا مركزية القيادة” من قَبْل، ولكنه جوبه دائماً بمداخلات عن الوحدة الوطنية وعدم تشتيت الجهود، ناهيك عن شبهة غياب الغطاء الشرعي التي تخيف النشطاء المتدينين. اهتم الطرفان في ذلك التحالف الظرفي بترويج شعارَيْ “لامركزية القيادة” و “المبادرات الميدانية” بحجج كثيرة منها ضمان استمرار الحراك حتى بعد حملة اعتقالات كاسحة متوقعة. ومع ذلك لم يغب عن أحد أن رواج الشعارَيْن سهَّل على الطرفيْن الالتفاف على التفاهمات السياسية التي أدت إلى قبول الجمعيات المعارِضة المعترف بها بالمشاركة في العملية السياسية عبر البرلمان رغم مآخذها على دستور 2002 وما تولّد عنه. ولعل في استمرار رواج الشعارَيْن ما يفسّر بقاء انتفاضة دوار اللؤلؤة ذات وهج يومي حتى بعد أربع سنوات على دخول القوّات السّعوديّة والإماراتية لقمعها بعد ذلك بشهر ونيف، أي في آذار /مارس2011.