القواعد البريطانية الجديدة في الخليج

تفاجأ كثيرون بالإعلان، المصحوب بضجة إعلامية كبيرة، عن توقيع اتفاقية بين البحرين وبريطانيا تتيح لهذه الأخيرة “إقامة قاعدة عسكرية في البحرين لمواجهة التهديدات التي تتعرض لها المنطقة”. وأشارت شعارات الاحتجاج التي رفعها المتظاهرون في البحرين إلى إن الاتفاقية هي إيذان بـ “عودة الاستعمار إلى المنطقة”، وانها “جزء من الثمن التي تقبضه بريطانيا نظير دعمها السياسي للنظام البحريني وصمتها تجاه ما يرتكبه من انتهاكات لحقوق الإنسان”. وعلى الجهة المقابلة، أوضحت التصريحات الرسمية إن إنشاء القاعدة هو إجراء تؤكد به حكومة البحرين استقلال قرارها وقدرتها على “التعاون مع الدول الأخرى بما يناسب مصالحها”. واستندت تحليلات إعلامية إلى أن الاتفاقية تنص على أن تتكفل البحرين بتكاليف بناء القاعدة واستكمال تجهيزاتها لتستنتج ان الاتفاقية هي تعبير عن “عدم ثقة الدول الخليجية بالولايات المتحدة كضامنة لأمن الخليج”ا

قراءة أخرى

بداية، لا بد من التذكير بأن بريطانيا لم تغادر منطقة الخليج بعد إعلان انسحابها منها في 1971. فلقد حافظت على مكانتها التقليدية لدى جميع العوائل الحاكمة في المنطقة، مما سهل بقاءها كمورد مفضَّل للعتاد العسكري وخدمات التدريب والصيانة. وازدادت أهمية هذا الدور بعد الطفرة النفطية الأولى في بداية السبعينيات وبدء سباق التسلح الإقليمي بين جميع دول الخليج. أما في المجالات الأمنية، فلقد استفادت بريطانيا من الاتفاقيات الثنائية التي عقدتها مع العوائل الحاكمة في بلدان الخليج لإبقاء نفوذها السياسي والأمني. فبالاستناد إلى تلك الاتفاقيات، استمرت بريطانيا في تزويد القوات المسلحة وأجهزة الشرطة والأمن العام في كل من عُمان والبحرين والامارات وقطر بالضباط والخبرات والتدريب. وفي عُمان، قامت القوات الخاصة البريطانية بدور رئيس في المواجهات العسكرية مع قوات الثورة العمانية (1965-1975). أما البحرين فتتميز بتولي بريطانيين إدارة جهازي الشرطة وأمن الدولة لما يقارب أربعين سنة بعد الاستقلال.
ما فعله خبر توقيع الاتفاقية التي عقدتها بريطانيا مع البحرين قبل شهر وما ستفعله الأخبار التي ستعلن عن توقيع اتفاقيتين مماثلتيْن مع كل من الإمارات وسلطنة عمان هو الاعتراف الرسمي بأن بريطانيا لم تنسحب تماماً من الخليج ولم ينقطع نفوذها العسكري والأمني منذ 1971 وحتى الآن.

“استراتيجيا شرقي السويس”

في سنة 1966، أعلنت الحكومة العمالية في بريطانيا عن “استراتيجيا شرقي السويس” التي تتضمن الانسحاب في موعد أقصاه بداية 1971 من أغلب مستعمراتها الآسيوية بما فيها مستعمرة عدن والمحميات البريطانية في جنوب الجزيرة العربية والخليج. في البداية، لم يأخذ مشايخ الخليج ذلك الإعلان مأخذ الجد. بل هم اعتبروا ذلك القرار قراراً لحكومة عمالية سيلغيه وصول المحافظين في الانتخابات التالية. وكان الرأي السائد ان وراء القرار البريطاني تكمن تداعيات الأزمة الاقتصادية الشديدة التي كانت تمر بها بريطانيا آنذاك، والتي أدت إلى تخفيض قيمة الجنيه الاسترليني. لهذا حاول مشايخ الخليج، وفي مقدمهم حكام أبو ظبي ودبي والبحرين، إقناع الحكومة البريطانية بأنهم قادرون، بالتعاون مع بقية المشايخ، على تحمل تكلفة بقاء القوات العسكرية البريطانية. وتكررت العروض التمويلية بعد سقوط الحكومة العمالية ومجيء حكومة تمثل حزب المحافظين.
ما لم يكن حاكم أبو ظبي وغيره من المشايخ قادرين على استيعابه هو ان إستراتيجيا شرقي السويس لم تكن نتاج أزمة اقتصادية طارئة. بل هي في الحقيقة اعترافٌ بنهاية امبراطورية أنهكتها الحرب العالمية الثانية وما تلاها من تصاعد نضال حركات التحرر الوطني في مستعمراتها علاوة على بروز البديل الأميركي المتحمس لقيادة حقبة الاستعمار الجديد.
وكما لم يكن سهلاً على بريطانيا التخلي في 1947 عن الهند، “جوهرة تاجها”، لم يكن سهلاً عليها التخلي عن الملايو وسنغافورة والمالديف وعدن، بالإضافة إلى المحميات في الجزيرة العربية والخليج. لكنها لم تعد قادرة على إدامة إمبراطوريتها في وجه تحديات متعددة المصادر. بجانب ذلك، كانت القوات البريطانية تتعرض منذ 1963 لخسائر كبيرة بسبب عملياتها العسكرية لإخماد قوى الثورة في شوارع عدن وفي جبال جنوب الجزيرة العربية. وزادت هذه الخسائر بسبب انخراط بريطانيا في جهود السلطان العماني لإخماد الثورة المسلحة التي انطلقت في 1965 في جبال ظفار والساحل العماني. ببساطة لم تكن الحكومة البريطانية قادرة على الاستمرار في تحمل تلك الخسائر ولا على مواجهة رأي عام بريطاني كان يخشى من أن يتحول جنوب الجزيرة العربية إلى ما يشبه فيتنام بالنسبة للأميركيين.

الخليج العربي في ظل مبدأ نيكسون

في بداية 1970، أعلن الرئيس الأميركي ما صار يعرف بـ “مبدأ نيكسون” الذي تضمنت بنوده ان بلاده لا تستطيع أن تزج بقواتها مباشرة في كل أزمة إقليمية رغم تأكيدها التزامها بتعهداتها لجميع الدول الحليفة. وهذا يعني ان على هذه الدول أن تتحمل مسؤوليات أكبر في الدفاع عن نفسها مع استمرار اعتمادها على الولايات المتحدة في مجال الإمداد بالعتاد والخبرة والتدريب. وفيما يتعلق بمنطقة الخليج، أوضح جوزيف سيسكو، مساعد وزير الخارجية آنذاك، أن تطبيق مبدأ نيكسون يتطلب “تنشيط التعاون بين الدولتين الرئيستيْن في المنطقة، أي السعودية وإيران، “بما يضمن الاستقرار فيها بعد خروج البريطانيين”.
طوال السنوات التالية للانسحاب البريطاني، وحتى سقوط الشاه، أثبتت استراتيجيا الركيزتيْن السعودية/الإيرانية نجاعتها في حماية الاستقرار في المنطقة وضمان تدفق نفطها إلى الأسواق العالمية. إلا ان الشاه الإيراني، وبرعاية أميركية، حصد أكثر ثمار تلك الاستراتيجيا. فلقد استفاد منها ليستحوذ تدريجاً على دور “شرطي الخليج” بدلاً من بريطانيا، وهو دورٌ سهلت قيامه به قدرات بلاده العسكرية ومخزونها البشري. دشن الشاه ذلك الدور بعد تسوية مطالبته بالبحرين عشية الانسحاب البريطاني بأن أرسل قواته للسيطرة على جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى المطلة على مضيق هرمز، “لحماية ذلك المضيق ومنع عرقلة محاولات إغلاقه”. ووصل دور الشاه كحامي حمى “الاستقرار” في الخليج إلى أوْجه بعد أن استنجد سلطان عُمان به فأرسل في نهاية 1973 آلاف الجنود، علاوة على سلاح الطيران والبحرية للمساعدة في قمع الثورة المسلحة في جبل ظفار. لم يكن الشاه شرطياً محبوباً كما كان سابقه البريطاني، إلا إن ذلك لم يمنع العوائل الحاكمة في بلدان الخليج من التعايش معه. بل بذلت ما تستطيع لإرضائه. فرغم استيلائه على الجزر العربية لم تتوقف الزيارات الرسمية على أعلى المستويات، ونما التبادل التجاري وتوسع النشاط الاقتصادي وخاصة في مجاليْ السياحة والمصارف، بين ضفتي الخليج. وبلغت رمزيات التعايش مبلغها حين أزالت “وكالة أنباء الخليج العربي” صفة “العربي” من اسمها استجابة للمتعاض الشاه الإيراني.

استبدال شرطي الخليج

غيرت الثورة الإيرانية المعادلة التي بُنيت على مبدأ نيكسون ووضعت نهايتها. ولم يكن بإمكان أي من الدول الخليجية الحلول محل الشاه الإيراني. فأكبرها، أي السعودية، فشلت حتى في حماية الحرم المكي في تشرين الثاني/نوفمبر 1979 من أن تحتله بالقوة مجموعة من السلفيين. بل هي لم تتمكن من إجلاء تلك المجموعة إلا بعد ثلاثة أسابيع وبمساعدة قوات عسكرية أجنبية. لهذا وجدت بريطانيا في كل ذلك فرصاً إضافية لتوسيع المهمات التي تتولاها للتعويض عن غياب شرطي إقليمي يتولى “حماية استقرار المنطقة”. فمنذ عام 1979، بدأ سلاح البحرية البريطانية في استخدام جزء من قاعدة الجفير في البحرين كمقر لأسطول “سفن الدورية” للقيام بأعمال الرقابة في مياه الخليج والبحر العربي علاوة على اسطول سفن “الإسناد البحري” التي تتولى مساعدة الاسطول الخامس الأميركي في مهماته. شيئاً فشيئاً ازدادت أهمية الدور في الثمانينيات بعد اندلاع الحرب العراقية/الإيرانية وما تخللها من “حرب الناقلات”. مذاك تكرّس هذا الدور وازداد حجم الوجود العسكري البريطاني في الخليج بعد ثلاث حروب إقليمية متتالية. الأولى “حرب تحرير الكويت”، وما تلاها من فرض نظام العقوبات والحظر الجوي على العراق. والثانية غزو أفغانستان وإسقاط نظام طالبان وما تلاه من مواجهات مع تنظيم القاعدة وقوات طالبان. والثالثة حرب إسقاط نظام صدام في العراق واحتلاله.

ثلاث قواعد بريطانية في الخليج

تشكل توسيع التواجد العسكري البريطاني في قاعدة الجفير في البحرين كجزء من مشروع متكامل لإقامة قواعد عسكرية للبحرية والطيران وللمشاة. ستكون القاعدة الجوية في قاعدة المنهاد في دبي التي تحولت منذ 2001 إلى قاعدة قوات متعددة الجنسيات الغربية تستخدمها في مهمات التدريب والخدمات اللوجستية، علاوة على الترفية نظراً لقربها من مدينة دبي. إلا إن توسيع هذه القاعدة سيتيح كقاعدة ثابتة لسلاح الجو البريطاني. أما قاعدة المشاة فتتمثل في عدد من المعسكرات في مناطق مختلفة من سلطنة عُمان. وبحسب ما هو معلن ستنقل بريطانيا إلى هذه المعسكرات جزءا من فرق جيشها المقرر سحبه من معسكراته في ألمانيا. وستسمح قاعدة البحرين البحرية بتمركز سفن الدورية وعدد من الفرقاطات وكاسحات الألغام بالإضافة إلى استقبال الزيارات الدورية لبوارج حربية وحاملة طائرات. وهي ستكون عمليا في “حضن” القاعدة البحرية الأميركية مما يؤكد ان وجودها هو لإسناد الأسطول الخامس الأميركي وليس لمنافسته. وبما أن بريطانيا غير قادرة على استعادة نفوذها عندما كانت امبراطورية ذات قوة اقتصادية وعسكرية، فهي تعود كقوة وسطى لتقوم بدوريْن: أولهما الإسهام في دعم هيمنة الولايات المتحدة في هذا الجزء من العالم ضمن “العلاقة الخاصة التي تربط البلدين”. وثانيهما أن تتولى دور شرطي الخليج الذي كان الشاه يقوم به قبل إسقاطه.
في كل الأحوال يمكن قراءة التوقيع على الاتفاقية البحرينية – البريطانية والاتفاقيات التي ستليها باعتبارها إعلانات رسمية بقبول حكومة المحافظين برئاسة ديفيد كاميرون في 2014 ما سبق وأن رفضته حكومة العمال بقيادة هارولد ويلسون في 1968، أي أن تتكفل العوائل الحاكمة في الخليج بتمويل الوجود العسكري البريطاني في مياهها وعلى أراضيها. وقتها كان الجناح اليساري في حزب العمال قوياً ونشطاً بحيث أمكنه مناهضة العروض الرامية إلى “تحويل الجنود البريطانيين إلى مرتزقة”ا

Advertisements

قبل 62 سنة في البحرين

قبل 62 سنة بالضبط في الثاني من ديسمبر 1954 أصدرت هيئة الاتحاد الوطني البلاغ رقم 8 الذي جاءت فيه هذه الفقرة المعبِّرة

ا“إنه لمن المؤسف حقاً أن نعلن للشعب الكريم أن جميع المحاولات التي قمنا بها في السابق والمقابلات والاتصالات الأخيرة لم تأتي بنتيجة لحل قضايانا انما كانت أقرب إلى المناورة وتخدير الأعصاب واكتساب الوقت”ا

مضت ستة عقود على نشر ذلك البلاغ الذي لا تظن أن كاتبه هو المرحوم عبدالرحمن الباكر أو ربما أحد قادة الهيئة الآخرين رحمهم الله بل تحسبه أحد قادة الجمعيات السياسية في ديسمبر 2014. تكشف الفقرة أعلاه عن شدة الصدمة التي أصابت قيادة الحركة الوطنية آنذاك من عنجهية السلطة الخليفية التي إستخدمت فترة “الحوار” مع ممثلي هيئة الإتحاد الوطني لكسب الوقت الذي أتاح لها ترتيب أوضاعها الداخلية وعلاقاتها الخارجية و التخطيط للإجراءات المناسبة لإجهاض الحراك الشعبي. ستون عاماً والحال في البحرين هو كما وصفته بيانات هيئة الإتحادالوطني منذ بلاغها الأول في 13 أكتوبر 1954. فرغم إختلاف الأساليب اللغوية ما زالت المطالب الشعبية هي نفسها التي طرحتها الهيئة في ذلك البلاغ وفي مقدمها “تأسيس مجلس تشريعي يمثل أهالي البلاد تمثيلاً حقيقاً”.ا

منذ الخمسينيات وحتى الآن إستخدمت السلطة الخليفية نفس التكتيك في تعاطيها مع حراكات الحركة الوطنية. فهي تواجههم بالعنف والإعتقالات والنفي وقطع الأرزاق وبتحشيد ما يتيسر لها من إعلام في الداخل والخارج للتشكيك في وطنية المعارضين وفي شعبية مطالبهم. فإن فشلت تلك الإجراءات أرفقتها بكمية معتبرة من الوعود بإصلاحات سياسية وإقتصادية ومعيشية (من قبيل توفير فرص العمل للعاطلين و توفير مسكن لكل مواطن). فإن فشلت هذه الوعود في إقناع الناس حرّكت السلطة الخليفية وسطاءها من الوجهاء والمتمجدين , بل وقد تستنجد بوسطاء من الخارج. يقوم هؤلاء فرادى أو بتنسيق الجهود, بحملات مركزةلإقناع من يرضى من قيادات المعارضة إن البلد في خطر بسبب تشدّد “الحرس القديم” و تطرف بعض أطراف في المعارضة. ويعرض الوسطاء الحل في أن “يتفق المعتدلون في السلطة والمعارضة على مسار واقعي للإصلاح يأخذ بعين الإعتبار الخصوصية البحرينية وأوضاعها الإقتصادية ناهيكم عن الظروف الإقليمية وعن قلق دول الجواروفي مقدمها السعودية…….”الخ

تتكرر نفس الحكاية في أعقاب كل حراك. نعم, نلاحظ فمنذ منصف الخمسينيات و حتى الآن إختلاف الحجج والأخطار المحدقة التي يطرحها الوسطاء بإختلاف خلفيات الوسطاء والأدوار المناطة بكلٍ منهم. كما تختلف “الحلول” التي يطرحونها سواءً في شكلها أو تفاصيلها. وفي كل مرة حين تستجيب قيادات المعارضة, أو بعضها, لتلك الضغوط والوساطات تجد إنها وقعت في مأزق لا خروج منه إلى عن طريقيْن.

أولهما أن تتنازل عن مطالبها وعن جمهورها الذي وثق بها وجعلها قيادات. عندها تبيع جمهورها وآمالهم فيها مقابل تحسينات شكلية لا تمسّ بالأسس التي تستند عليها السلطة الخليفية. في كل مرة ينجح الوسطاء في مساعيهم وتنجح السلطة الخليفية في إقناع رموزٍ وقيادات معارضة نرى أيضاً كيف تنضوي تلك اقيادات تحت راية السلطة لتصبح شيئاً فشيئاً من جملة ما تمتلكه السلطة من ترسانة الوجهاء والمتمجدين. أقول هي تحسينات شكلية لأنها لا تمس جوهر الأزمة التي تعاني منها البلاد منذ عقود ولا تجيب على الأسئلة المتولدة عنها: هل ستبقى البحرين غنيمة “غزو/فتح” 1783؟ هل ستبقى البحرين ملكاً خالصا لآل خليفة؟ هل سيبقى أهل البحرين على إختلاف خلفياتهم رعايا لسلطة غازية أم مواطنين متساوين في دولة حديثة؟ ا

أما الطريق الثاني أمام القيادات والرموز الصامدة والتي أفلتت من الإنبهار ببريق ذَهَب السلطة الخليفية ولم تجفل لسماع صليل سيوفها فيتمثل في العودة إلى إلى البداية, أي المواجهةوهذا هو بالضبط ما أعلنه البلاغ رقم 8.

أعود الآن إلى ذلك البلاغ وأستعيد بعضاً من سيرة الهيئة رغم إقتناعي بأنه لا يمكن اليوم إستخدام التكتيكات التي لجأت إليها هيئة الإتحاد اوطني قبل ستين سنة. إلا أنني أرى إنها توفر مخزوناً تاريخيا يمكننا أن نستفيد من عِبَره. لم تكن قيادة هيئة الإتحاد الوطني ساذجة حين عوّلت, في البداية, على إن السلطة ستستمع لصوت العقل بدلاً من الإستماع “إلى الدساسين الذين يبثون الأراجيف والإشاعات الكاذبة”. ولكنها كانت غير واقعية حين توقعت أن تستجيب السلطة الخليفية لتلك المطالب على تواضعها.  فبعد شهرين من المماطلة تخللتها حملات تخويف وتشويه سمعة قيادات الهيئة أدت إلى إنسحاب بعض نشطاء الهيئة, وجدت قياداتها أن لا مخرج أمامها سوى إتخاذ إجراءات تصعيدية ضد السلطة.

لم يكتفِ البلاغ رقم 8 بإعلان الأسف على “فشـل جميع المحاولات التي قمنا بها في السـابق”. بل أعلن, وبتواضع ملحوظ , إن الهيئة التي تعتبر نفسها “أداة التعبير عن إرادتكم”, تواجه ضغطاً شعبيا عليها بسبب “مضاعفة الشعور بالإستياء العام بين الأفراد والجماعات منكم”. لهذا وجدت قيادة الهيئة إن مواجهة تعنت السلطة وصلفها يتطلب ما هو أكثر من التباكي على إخلال السلطة أو وسطائها بالوعود.  ولهذا أشار البلاغ رقم 8 إلى إتخاذ خطوة تصعيدية تمثلت بإعلان “الإضراب العام الشامل” بدءً من صباح 4 ديسمبر وحتى مساء 10 ديسمبر 1954. من نافل القول الإشارة إلى ذلك الإضراب كان علامة مهمة في تاريخ حركتنا الوطن.  وهو موضوع يستحق العودة إليه ودراسته

لن تستطيع الحركة الوطنية بمكوناتها الآن تكرار تلك التجربة, أي إعلان إضراب عام شامل, فلقد تغيرت كثيراً التركيبة السكانية والإجتماعية في البحرين عما كانت عليه قبل ستين سنة. فلدى السلطة الخليفية أجهزة عسكرية وأمنية شرسة و كما صار لديها ترسانة من القوانين التي أثبت المحاكم إستعدادها لتطبيقها حسبما تريد السلطة الخليفية. ا , كما رأينا منذ 15 مارس 2011. فهي لم تتوانَ السلطة الخليفية و أجهزتها الأمنية والعسكرية والقضائية  عن إنتهاك كل المحظورات داست على كل مواثيق حقوق الإنسان ناهيكم عن القيم والأعراف الإجتماعية والدينية.   علاوة على ذلك فإن وجود مثات الألوف من العمال المهاجرين وعشرات الألوف من المجنسين يجعل تكرار ما فعله آباؤنا وأمهاتنا قبل ستين سنة غير ممكناً. ولا يمكن في هذا الصدد تجاهل ما أنجزته السلطة الخليفية في أثناء فترة التواصل بينها وبين بعض قيادات المعارضة. فبجهود وسطاء داخليين وخارجيين وحوارات معلنة وغير معلنة طيلة السنوات الأربع الأخيرة تمكنت السلطة الخليفية من  حصْر حراك المعارضة في حيِّز جغرافي محدود.  فلقد أصبحت عاصمة البلاد منطقة محظورة بعد  تجريم كل أنواع النشاط السياسي في شوارعها وأماكنها العامة.  وشيئاً فشيئا  توسعت المناطق المحظورة . علاوة على ذلك إزدادت  محاصرة النشاط السياسي عبر عدم الترخيص بها أو عبر سحب التراخيص الصادرة .

لقد أسهمت تلك التغيرات والإجراءات في فرض إعادة رسم الخريطة السياسية بما فيها مجالات المواجهة مع السلطة بل وحتى شروطها. من الواضح الآن إن السلطة الخليفية تسعى الآن لفرض قواعد جديدة للنشاط السياسي. بعض هذه المساعي تتخذ أشكالاً صبيانية من قبيل سحب جنسيات مواطنين أو من قبيل الحكم على الناشطة الحقوقية زينب الخواجة بالسجن لمدة ثلاث سنوات والغرامة المالية لمجرد إنها مزقت صورة للملك. أو من قبيل منع الوفاق من إستئجار قاعة في نادي العروبة لعقد مؤتمرها العام في نفس الوقت الذي تهددها بسحب ترخيصها إن هي, أي الوفاق, لم تعقد مؤتمرها.

أقول ليس ممكناً تكرار ما فعلته الهيئة قبل ستين سنة. ولكن عدم القدرة على تنظيم “إضراب عام وشامل” لا يعني إن قيادات المعارضة لا تستطيع التحرك إلا بإتجاه العودة إلى مجالس الوجهاء والأعيان أو التعويل على أن ينجح حلفاء السلطة الخارجيون في عقلنتها. من جهة أخرى فإن الإعتراف بالآثار المدمرة لتغيير التركيبة السكانية والإجتماعية في البلاد لا تعني إن جميع مجالات المواجهة مع السلطة قد أُغلقت. فالقدرات السياسية والطاقة البشرية التي تتوفر لقوى الحركة الوطنية الآن تفوق بكثير ما كان لدى روّادها قبل ستين سنة. إلا إن قيادة الهيئة تجرأت وجماهيرها على المواجهة فإبتدعت أساليباً ملائمة لزمنها ومتناسبة مع طاقة جمهورها.

عبدالهادي خلف

السابع من ديسمبر 2014)ا )

نُشر من جديد في22 يونيو 2016