تسليع الإنتماء القبلي : النزاع القطري البحريني مثالاً

تدور في الأشهر الأخيرة معركة حامية بين العائلتيْن الحاكمتيْن في قطر والبحرين بعد أن اشتكى مسؤولون بحرينيون من قيام قطر بتجنيس «أفراد بعض العوائل البحرينية من خلال إغرائهم بالحصول على بعض المزايا». ولتأكيد جدية تلك الشكوى، جاء تصريح وزير الخارجية البحريني عن أن أحد أهم أسباب سحب البحرين لسفيرها من قطر هو الجهود القطرية لإغراء البحرينيين بجنسيتها. وبحسب الوزير، ترى حكومته في تلك الجهود جانبيْن، أولهما أمني ويتمثل في «محاولة إفراغ البحرين من أهلها»، والثاني هو التمييز بين فئات شعب البحرين، حيث أن قطر تتعامل مع موضوع التجنيس «على أساس مذهبي، إذا كان (الشخص) سنيّاً من قبائل عربية من أهل البحرين فالباب مفتوح، وإذا كان شيعيّاً فالباب أمامه مغلق».
تعكس الشكاوى البحرينية من استمرار المحاولات القطرية لفرض «تغيير ديمغرافي في البحرين» مدى هشاشة مجلس التعاون الذي ينتمي البلدان إليه. إلا أنها تعكس أيضاً تخبط محاولات العوائل الحاكمة في بلدان الخليج لتأسيس شرعية شعبية لم يعد يكفي لتوفيرها تحكّمها في توزيع الريوع النفطية أو اعتمادها على دعم الولايات المتحدة الأميركية لها.

ملامح تغيير في اتجاه معاكس

لا تصلح المفاهيم «القبلية»، بتفسيراتها المتداولة، لقراءة الحراك السياسي الاجتماعي الحديث في هذه المنطقة. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، أخذت تنهار تدريجياً الأسس التي أعطت الانتماء القبلي أهميته السياسية والاجتماعية. ولا يبدو، من منظور خلدوني، مآل القبلية في بلدان الخليج العربية مختلفاً عنه في مناطق أو أزمنة أخرى. فـ«أهل البوادي من القبائل والعصائب هم بالضرورة مغلوبون لأهل الأمصار».
أسهمت التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة منذ عشرينيات القرن الماضي في بروز ثلاث مؤسسات سرّعت في ذلك الانهيار. ففي الجانب السياسي التنظيمي، تأسست أجهزة حكومية وأنظمة إدارية وقانونية تطورت فيما بعد إلى مشروع مضاد للتحالفات القبلية التي أوصلت هذه العائلة الحاكمة أو تلك إلى سدة الحكم.
وأصبح لدى كل عائلة حاكمة قوات نظامية لحفظ الأمن ولتثبيت سلطتها على الأراضي التي تقع تحت سيطرتها. وبسبب التوسع التدريجي في عديد تلك القوات، توسّع أيضاً تجنيد عناصرها ليشمل فئات أخرى من داخل البلاد وخارجها.
وكما خسر القبلي وظيفته القتالية التي عاش عليها، فهو لم يتمكن من الانخراط في الإدارة الحكومية لعدم تأهيله، فانفتح الباب أمام المتعلمين من أهل المدن أو من بلدان أخرى للانخراط في تلك الأجهزة الحكومية التي كانت تتوسع باستمرار. أخذ الموظفون الحكوميون، تدريجياً ولكن بثبات، دوراً وسيطاً بين العائلة الحاكمة وبين قواعدها القبلية. فلم تعد العائلة الحاكمة سيدة بين قبائل متساوية، بل سيدة على أتباع. كما لم يعد قصر شيخ العائلة الحاكمة مفتوحاً كما كانت خيمته مفتوحة أمام شيوخ القبائل الذين تحالفوا معه قبل سنوات قليلة.
وفي الجانب الاقتصادي، أدى اكتشاف النفط واستحواذ العوائل الحاكمة على عوائده، إلى ازدياد الشقة بينها وبين حلفائها. فلقد تحولت العائلة الحاكمة من شريك أكبر في اقتسام الغنائم إلى صاحب عمل مباشر وغير مباشر، وإلى مصْدر للعطايا. وبذا لم تعد موارد القبائل تتشكل من حصتها التي تقرها لها أعراف تقاسم الغنائم، بل أصبحت مشروطة بالولاء للعائلة الحاكمة أو نتيجة لانخراط أبناء القبائل كغيرهم في المهن الجديدة التي ولدتها صناعة النفط.
وفي الجانب الاجتماعي، يبرز دور التعليم النظامي في فتح الطريق أمام أبناء الفلاحين والبحارة والصيادين للصعود الاجتماعي عبر الحصول على وظائف في أجهزة الدولة أو الدخول في المهن والانتقال إلى المدن.

إعادة بعث القبلية

بعد عقود من ضمور الانتماء القبلي وهامشيته السياسة والاجتماعية، تشهد المجتمعات الخليجية عودة رسمية إلى القبلية، لا باعتبارها جزءاً من تراث همشته تغييرات شهدتها تلك المجتمعات طيلة أكثر من ثمانية عقود، بل لتكون جداراً تسند العوائل الحاكمة به شرعية تآكلت بسبب استبدادها وسوء إدارتها لموارد بلدانها. لا يختلف ما تفعله العائلات الحاكمة مع «القبائل» عما تفعله مع مكوِّنات الموروث الثقافي الأخرى. فإحياء هذا المكوِّن أو ذاك مشروط بحاجتها إليه لإسناد شرعية سلطتها أو لتفعيل أدوات ممارستها لتلك السلطة.
في 1974، أُجري أول سباق رسمي للجِمال تحت رعاية الملك فيصل في السعودية، ولحقت بها سريعاً بقية بلدان الخليج. خلال أربعين سنة تحول «سباق الهجن» إلى حدث دوري تدعمه ميزانية الدولة وأمراء العائلات الحاكمة، وتتعدد مواسمه ويحضره آلاف المتفرجين وتبث فقراته القنوات الفضائية. بل وأصبح لهذه السباقات اتحاداً رياضياً يتولى تنظيم بطولة خليجية سنوية تحظى بدعم حكومي وبرعاية الشركات الكبرى والمصارف. ربما بدت مبادرة الملك فيصل تلك تعبيراً عن حنين غيرعقلاني لماضٍ كان الملك نفسه يعرف استحالة استعادته.
إلا أن سباقات الهجن لم تُدشن لمجرد الحفاظ على جزء من تراث المنطقة بل لكي تسهم ، مع غيرها من المبادرات السياسية والثقافية، في «تأصيل» المسار الجديد الذي أخذت مجتمعات الخليج والجزيرة العربية تسير فيه. تلك السباقات أو غيرها من «الفعاليات الثقافية الهادفة للحفاظ على التراث» أبهجت كثيرين وفتحت مجالات عمل لكثيرين، إلا أنها لم تأتِ صدفة، بل في سياقٍ يتضمن أيضاً منهجه انتهاكات حقوق الإنسان، وانتشار الفساد، وتوسيع التواجد العسكري الأجنبي في بلدان المنطقة، وإزالة معيقات الاستثمارات الأجنبية فيها، علاوة على فتح أسواق العمل الخليجية لملايين المهاجرين.
وفي كل حال، لم تخضع السوق الرأسمالية لشروط الموروث الثقافي، بل أخضعته لشروطها وتعاملت معه كسلعة. المستثمرون في جمال السباق لم يعتبروها من سلالة «ناقة صالح» بل مصدراً يدّر أرباحاً في صورة عوائد السباقات وقيمة الجوائز التي تتنافس الجمال والنوق عليها. ولهذا لا عجب أن تخضع تربية تلك النوق والجمال لأحدث التقنيات. ولا عجب أن تصل أسعار الجيِّد منها إلى أكثر من خمسة ملايين دولار. وفي سباقٍ واحد في ميدان الوثبة في دبي على سبيل المثال، تبارت النوق والجمال على مدى خمسة أيام على جوائز تزيد قيمتها على عشرة ملايين دولار.

تفسيرات رائجة

تتعدد التفسيرات المتداولة حول عودة القبلية إلى واجهة الساحة السياسية بدل بقائها كما كانت في العقود الماضية، محصورة في مجالات تشجيع السياحة ومشاريع الأسر المنتجة أو البرامج الترفيهية في وسائل الإعلام المختلفة. أحد التفسيرات الرائجة يربط انبعاث القبلية بهجمة خارجية تسعى لتفتيت المنطقة. تتعدد وتختلف الجهات المعادية التي يقال إنها تقف وراء هذه الهجمة لتشمل قوى إقليمية ودولية. ولتأكيد صحة هذه التفسيرات التآمرية، يقدم أصحابها خرائط مفصلة ترسم حدوداً لدول قبلية وطائفية جديدة تنوي الجهات الخارجية توليدها في المنطقة العربية. وترى تفسيرات أخرى انبعاث القبلية باعتبارها «ردّة على مشروع الحداثة»، مما يتطلب التحذير مما ستؤدي إليه من تهديد لنسيج المجتمع بل وكيان الدولة. ويضيف آخرون الانبعاث القبلي إلى جملة التداعيات المترتبة عما يشار إليه بضعف الطبقة الوسطى عددياً ونوعياً، وعدم قدرتها على الاستمرار في أداء دورها التحديثي.
لا تتجاهل هذه التفسيرات ما أحدثه اكتشاف النفط قبل ثمانين سنة من تغييرات فحسب، بل هي تتجاهل أيضاَ ما أحدثته الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينيات من تغييرات هيكيلية في مجتمعات الخليج، وفي إعادة موضعة بلدان المنطقة ضمن منظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي. فقد فتحت العوائد النفطية المتراكمة منذ 1973- 1974 في بلدان الخليج أبوابا لتدافع مصارف كبرى ومؤسسات استثمارية عالمية لإنشاء فروع لها في مختلف عواصم المنطقة، قامت بما عُرف بعمليات «تدوير الدولار النفطي» – أي إعادة ضخ أموال النفط في الاقتصاد العالمي عبر المصارف الدولية الكبرى المقيمة أو «الأوفشور»، وعبر شركات التصنيع العسكري. ترافق ذلك، وبفضل ما قدمته الحكومات من تسهيلات قانونية ودعم مالي وخاصة للمستثمرين، مع توسيع قطاعات العقارات والمقاولات والشركات الاستثمارية والمصارف. على هامش ذلك انتعشت المضاربة في أسواق الأسهم في الشركات والمصارف الجديدة جراء ما وفرته الطفرة النفطية من سيولة، علاوة على القروض الميسرة التي كانت المصارف تتنافس على تقديمها للمواطنين.
وفرت تلك القروض مصدر ربح مضموناً لأصحاب تلك المصارف كما أتاحت لفئات مهمشة، بمن فيها ذوو الدخول المحدودة، فرصاً لدخول أسواق الأسهم والمضاربة في بورصات رسمية وغير رسمية. فصار الحلم بـ«ضربة في السوق» مشتركاً، عابراً للطبقات والقبائل والطوائف، لم تزعزعه تقلبات البورصة ولا حتى انهيارها.

الانتماء القبلي سلعة في سوق

لم يكن ممكناً ـ حتى لو تكالبت الجهات الأجنبية التي تستهدف بلداننا، ومهما كان ضعف الطبقة الوسطى، وسوء إدارة مشاريع الحداثة ـ أن تعود مجتمعاتنا إلى الوراء، أي إلى ما قبل وقت كان الناس فيه يقفون على باب شيخ القبيلة ينتظرون الأمر فيحملون سيوفهم لمقاتلة أعدائه طمعاً في حصتهم من الغنيمة. لقد أعيدت القبلية إلى الحياة ولكن في دورٍ جديد وبشروط النظام الرأسمالي الذي انخرطت فيه منطقة الخليج منذ أكثر من ثمانين عاماً. وهي شروط جعلت من الممكن إعادة بعث الانتماء القبلي بعد تحويله الى سلعة يمكن المضاربة فيها. بل صار الانتماء القبلي، ضمن الأوضاع الديموغرافية في بلدان الخليج، سلعة تتنافس عليها العوائل الحاكمة في منطقة غنية. وصار من يملك هذه السلعة قادراً على مقايضتها بامتيازات عينية وبدور سياسي وبمكانة لا تُتاح لغيره، سواء أكان ذلك الغير عربياً أو من أصول غير عربية، وسواء أكان سنياً أو شيعياً أو من مذهب آخر.يتمدد هذا التسليع ليشمل المسلسلات التلفزيونية ومسابقات الشعر النبْطي وغيرها من البرامج الترفيهية التي حولت تاريخ المنطقة المركّب إلى ما يشبه سيناريو لمسلسل بدوي. ففيها تختفي كل اللهجات والملابس والأسماء لتبرز ما يعيد الحنين لعهد جميل كان فيه البدوي رمزاً للتلاحم الاجتماعي والاستقرار. بدوره يساهم تسليع القبلية برمزياتها المختلفة في الساحة الإعلامية والثقافية، في تسهيل تسليعها سياسياً. وحين تنتعش الأسواق السياسية والثقافية التي تتداول القبلية ورمزياتها، لا يتعالى عن الدخول إليها فاعل سياسي أو ثقافي. لهذا لا يثير العجب إعادة الاعتبار للانتماء القبلي ليصبح وجود اسم القبيلة شرطاً للحصول على وظائف معينة أو للترقي إلى مراتب معينة في السلك العسكري أو الأمني، أو مفتاحاً لأسبقية الحصول على مقعد دراسي أو حتى لعلاج. ولهذا أيضاً لا عجب أن نرى العائلتيْن الحاكمتيْن في قطر والبحرين تتنافسان على تجنيس أبناء «القبائل الاصيلة» بدلاً من الاتفاق على إصدار تشريعات “الجنسية الخليجية الموحدة”.ا

Advertisements