هذه سلطة لا تنصلح

 

لا أرى فائدة من الضجة حول “أرقام” من شارك في الإنتخابات أو نسبة من قاطعها. فمن جهة لا تستند شرعية الأنظمة السياسية إلى الأرقام.  فما أسهل تزوير الأرقام أو حتى إختلاقها. فهذا هو حال كل البلدان التي تحكمت فيها أنظمة إستبدادية فاخر إعلامها يرفع لافتات 70 بالمئة و80 بالمئة وحتى ما فوق 90 بالمئة. ولكن تلك الأنظمة الإستبدادية إنهارت بفضل صمود القوى المعارضة امام محاولات التيْئيس بهدف إقناعها بقبول صفقات جانبية.

ففي كل تلك البلدان نشطت جهود التيْئيس بمبادرات من موظفي “الأجهزة المعنية بالإصلاح” في الدول الغربية وسفاراتها. وفيها جميعا نشطت أيضاً جهود ” النخب العقلانية” التي ترى السياسة فن الممكن حتى ولو تطلب ذلك إدامة الإستبداد. ا

ولنا في البحرين للأسف خبرات متعددة وطويلة ومؤلمة بسبب نصائح جهود الوسطاء المحليين والغربيين في مجال تيْئيس قيادات المعارضة وحاولت الترويج أن العقلانية تتطلب توجيه الجهود نحو إزالة “شوائب” في السلطة الخليفية عبر إقناع المعتدلين فيها بقبول الإصلاح. وآخرالأمثلة على ذلك البيان الذي أصدره أربعة سفراء أروببين في البحرين لتقريع قوى المعارضة علاوة على “بيان الأعيان” الذي جنّد النظام لترويجه مثقفين و وجهاء ووزراء سابقين حمل بعضهم في سابق الأيام ألوية المعارضة. فلما إنقضى الأمر صاروا من شاكردية السلطة الخليفية وعتاولتها
.
ومن جهة ثانية لا أهمية للأرقام ولا معنى سياسي لها طالما أن الديوان الملكي هو من يقرر حجم الكتلة الإنتخابية فيضيف إليها ما يشاء من الأعداد عبر التجنيس. و الديوان هو من يتحكم في توزيع الدوائر الإنتخابية وحجم كلٍ منها. علاوة على ذلك فالديوان هو من يقرر عدد ومواقع المراكز الإنتخابية بما فيها المراكز العامة. ولقد رأينا أهمية المركزيْن العاميْن في كل من جسر السعودية والمطار بما قدماه من تسهيلات لألاف المقيمين في السعودية وبلدان خليجية أخرى توافدوا للإدلاء بأصواتهم حسب رغبة الديوان الملكي الذي “أنعم”
عليهم بالجنسية البحرينية.ا

لا تقود المحاكرة الدائرة حول الأرقام إلا إلى إضاعة الوقت ناهيك عن إضاعة البوصلة السياسية التي أعاد تثبيتها حراك 14 فبراير 2011 . لهذا أيضاً لا أرى فائدة من ترويج الأمل بأن الأرقام قد تتغير فيما لو راقبت الإنتخابات في البحرين هيئات دولية. بل وحتى لو جاء الأمين العام للأمم المتحدة على رأسها.

ما قاله خليفة بو دينار لابن حويل

 

للتذكير بما قاله خليفة بو دينار لابن حويل المتهم بالتعذيب:

http://youtu.be/YVundvyyNS8

لا نهاية قريبة للريْع الخليجي

وجهت كريستين لاغارد، مدير صندوق النقد الدولي، خلال اجتماعها في الكويت (25/10/2014) مع محافظي مؤسسات النقد والبنوك المركزية بدول مجلس التعاون، تحذيرات جدية للمسؤولين في الخليج من تداعيات الأزمة الاقتصادية الرأسمالية على المنطقة. لم يكن محافظو البنوك المركزية الخليجية في حاجة إلى تذكيرهم بما يمثله استمرار الانخفاض السريع في سعر برميل النفط خلال الأشهر الأخيرة من 110 دولارات للبرميل في حزيران /يونيو إلى أقل من 85 دولاراً للبرميل في نهاية تشرين الأول / أكتوبر. إلا انه كان لافتاً تكرار تلك التحذيرات في التصريحات والمقابلات الصحافية التي قامت بها لاغارد وغيرها من مسؤولي الصندوق، والتي شددت على أن نمو اجمالي الناتج المحلي لبلدان المنطقة سيسجل هبوطاً حاداً وسيؤدي إلى عجز ملحوظ في ميزانياتها للسنوات القادمة. كما كان لافتا تكرار دعوة لاغارد حكومات بلدان مجلس التعاون إلى مواجهة تداعيات الأزمة الاقتصادية بتبني سياسة اقتصادية تقوم على تشجيع نمو القطاع الخاص وتقليص الإنفاق العام بما في ذلك الإنفاق على الخدمات الإجتماعية والتعليم والصحة وتقليص الدعم الحكومي للسلع الاستهلاكية والوقود. وهي السياسة الاقتصادية نفسها التي يروِّج لها خبراء الصندوق منذ سنوات. إلا إن الشروع فيها ناهيك عن نجاحها يستدعيان تغييراً سياسياً جذريا في طبيعة علاقة العوائل الحاكمة بالمجتمعات التي تحكمها.

أزمة اقتصادية أخرى، ما الجديد؟

شهدت بلدان الخليج العربية قبل اثنتي عشرة سنة أزمة اقتصادية ومالية تشابه ملامحها الأزمة التي تلوح نذُرها في الأفق الآن. ففي السعودية مثلاً تجاوزت الديون السيادية المحلية (المستحقة للمصارف ومؤسسات الاستثمار المحلية) في العام 2002 قيمة الناتج المحلي الإجمالي، حيث بلغت 614 مليار ريال (164 مليار دولار أميركي). واستمر ارتفاع تلك الديون لتصل في 2004 إلى 630 مليار ريال (168 مليار دولار أميركي). بالإضافة إلى الديون المحلية، كانت هناك 35 مليار دولار مُستحقة للمصارف ومؤسسات استثمار خارجية، علاوة على ديون مُستحقة على مؤسسات حكومية مثل أرامكو. وقتها، فرضت ضغوط الديون باختلاف مصادرها، على الحكومة السعودية إعلان عجز في ميزانية 2004 وصل إلى 45 مليار ريال (12 مليار دولار).
تصدت العائلة الحاكمة في السعودية لتداعيات تلك الأزمة بإسلوبَيْن رئيسيَّيْن: أولهما رفع الإنتاج النفطي. ولقد ساهم رفع الإنتاج وارتفاع معدل سعر البرميل في 2005 إلى ضعف ما كان عليه في 2002 في تمكين الحكومة السعودية من مواجهة ضغوط الديون السيادية وعجز الميزانية علاوة على توفير التمويل اللازم لتحسين البنى التحتية في المملكة، وغيرها من المشاريع التي تولى تنفيذها القطاع الخاص. أما الأسلوب الثاني فكان الإعلان عن استعدادها لإدخال إصلاحات سياسية واقتصادية تستجيب لمطالب النخب السعودية. على هامش ذلك الإعلان، حدث انفراج غير معهود في الساحة الإعلامية أتاح التعرض لبعض مشاكل البلاد، وإن في حدود ضيقة، بل وتغاضت السلطات الأمنية السعودية في تلك الفترة القصيرة عن تحركات شبه علنية قام بها نشطاء سعوديون بمن فيهم رجال أعمال ورجال دين وأساتذة جامعات ومثقفون، طُرحت فيها مطالب بإصلاحات سياسية. وشارك في دعوات «الإصلاح» بعض كبار أفراد العائلة الحاكمة. إلاأن أكثر تلك الدعوات إثارة للاهتمام أتت من ولي العهد وقتها، عبد الله بن عبد العزيز، الذي نُقل عنه إنه يعتبر المطالب الإصلاحية هي مطالبه شخصياً، وإنه، مثل أغلبية الشعب، ضد الفساد، وضد التمييز، ومع المشاركة الشعبية.

لا يمكن للملك السعودي أن يحقق في 2014 ما تمكّن من تحقيقه قبل عشر سنوات. فلم تعد السعودية، رغم أهميتها، قادرة كما كانت على التأثير في سوق النفط بأن تقنع بقية الدول الأعضاء في «اوبك» بخفض إنتاجها. فمن جهة يبدو ان التوجه العام بين الدول المنتجة للنفط هو تفضيل خيار رفع مستويات إنتاج النفط للتعويض عن انخفاض أسعاره. ومن جهة أخرى، أدى إنتاج النفط الصخري إلى إضعاف تأثير دول»اوبك» في سوق النفط. ويتوقع خبراء نفطيون أن يزداد تأثير النفط الصخري بعد أن يصل ما تنتجه الولايات المتحدة الأميركية وحدها منه في 2015 إلى ما يزيد عن ثلثَيْ مجموع إنتاج دول منظمة أوبك.

من جهة ثانية، لن يتمكن الملك السعودي من الخروج على الناس كما فعل قبل عشر سنوات حاملاً رايات الإصلاح والمشاركة الشعبية ومحاربة الفساد والتمييز. فلقد تهلهلت تلك الرايات تاركة اثرها إحباطاً بين النخب الموالية وقناعة تنتشر بين المعارضين بإن الحكم السعودي لن «ينصلح» من ذاته.

وحتى في حال استجاب الملك السعودي أو غيره من حكام المنطقة إلى اقتراح صندوق النقد الدولي بتنشيط القطاع الخاص، فمن غير المتوقع أن يؤدي ذلك إلى النتائج التي يتمناها خبراء الصندوق. فلا تتوفر للقطاع الخاص في السعودية وغيرها من دول الخليج العربية، حياة خارج العوائل الحاكمة. ولا تتوفر للقطاع الخاص إمكانات الحراك الذاتي، ناهيك عن النمو، بدون الدعم الحكومي المباشر وغير المباشر. ويتمثل الدعم المباشر في عقود المشاريع الحكومية المجزية التي تُمنح لكبار المتنفذين في السوق الذين يقومون بدورهم في توفير الفرص للشرائح المتوسطة والدنيا من رجال الأعمال. بفضل علاقة التبعية المتسلسلة، بقيَ القطاع الخاص على حاله رهينة لإرادة العائلة الحاكمة سياسيا، كما استمر عاجزاً عن القيام بدور اقتصادي مستقل يتجاوز دوره التقليدي المقرر كإحدى القنوات التي تعتمدها العائلة الحاكمة لتوزيع الريع النفطي. وازداد وضوح هذا الدور منذ بدء «الربيع العربي» من خلال ما وفرته «المكرمات» المتتالية التي وزعها ملوك وأمراء المنطقة منذ بداية 2011.

الصناديق السيادية: ريعٌ مؤجل

لن يسبب انخفاض سعر برميل النفط إلى 80 دولارا أو حتى إلى 70 دولارا خطراً وجودياً على ملوك وأمراء الخليج. ولكنهم لا يستطيعون التقليل من جدية التحذيرات التي سمعوها من لاغارد وغيرها، حول تداعيات الأزمة الرأسمالية العالمية بشكل عام وانخفاض عائدات النفط بشكل خاص. بالمقابل لا يمكن المبالغة في تأثير تلك التداعيات في قدرة العوائل الحاكمة على الإمساك بزمام الأمور في بلدانها. بل توفر الضجة الإعلامية حول انخفاض سعر برميل النفط غطاء لتسويق استجابة الحكومات الخليجية لنصيحة صندوق النقد الدولي الداعية لتقليص ملحوظ في الإنفاق الحكومي عن طريق إلغاء أغلب أوجه الدعم الحكومي وخصخصة الخدمات الأساسية، خصوصا التعليمية والصحية. فليس متوقعاً خروج تظاهرات الخبز في شوارع ابوظبي أو الدوحة احتجاجاً على إلغاء الدعم الحكومي لأسعار سلع استهلاكية أو بسبب رفع سعر البنزين. وحتى حين تخرج تلك التظاهرات في مدن في السعودية أو عُمان أو البحرين تتولى التعامل معها قوى الأمن الداخلي والحرس الوطني التي لا يتوقع احدٌ أن يطالها تقليص الإنفاق الحكومي. من المتوقع أن تمتص الصناديق السيادية الخليجية (التي تزيد قيمتها على 2.5 تريليون دولار) قسماً كبيراً من العجز المالي المتوقع خلال السنوات القادمة. فعائلة آل نهيان الحاكمة في أبو ظبي على سبيل المثال تمتلك سبعة صناديق سيادية تزيد قيمة أكبرها على 773 مليار دولار. ولا شك إن هذه الأموال ستساعدها لسنوات عدة على استيعاب التداعيات المالية الناجمة عن انخفاض قيمة عائداتها النفطية. ويتشابه الوضع بالنسبة للعوائل الحاكمة في السعودية والكويت وقطر. لقد مُنيت تلك الصناديق بخسائر كبيرة في أثناء الأزمة المالية في العام 2008 بسبب عدم شفافية إدارتها وسوء استثماراتها العقارية في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا. إلا إنها ما زالت تمثل احتياطا ماليا معتبراً للعوائل الحاكمة في بلدان الخليج

مقالة منشورة في السفير العربي  13 نوفمبر 2014

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=2388&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

.

تسليع الإنتماء القبلي : النزاع القطري البحريني مثالاً

تدور في الأشهر الأخيرة معركة حامية بين العائلتيْن الحاكمتيْن في قطر والبحرين بعد أن اشتكى مسؤولون بحرينيون من قيام قطر بتجنيس «أفراد بعض العوائل البحرينية من خلال إغرائهم بالحصول على بعض المزايا». ولتأكيد جدية تلك الشكوى، جاء تصريح وزير الخارجية البحريني عن أن أحد أهم أسباب سحب البحرين لسفيرها من قطر هو الجهود القطرية لإغراء البحرينيين بجنسيتها. وبحسب الوزير، ترى حكومته في تلك الجهود جانبيْن، أولهما أمني ويتمثل في «محاولة إفراغ البحرين من أهلها»، والثاني هو التمييز بين فئات شعب البحرين، حيث أن قطر تتعامل مع موضوع التجنيس «على أساس مذهبي، إذا كان (الشخص) سنيّاً من قبائل عربية من أهل البحرين فالباب مفتوح، وإذا كان شيعيّاً فالباب أمامه مغلق».
تعكس الشكاوى البحرينية من استمرار المحاولات القطرية لفرض «تغيير ديمغرافي في البحرين» مدى هشاشة مجلس التعاون الذي ينتمي البلدان إليه. إلا أنها تعكس أيضاً تخبط محاولات العوائل الحاكمة في بلدان الخليج لتأسيس شرعية شعبية لم يعد يكفي لتوفيرها تحكّمها في توزيع الريوع النفطية أو اعتمادها على دعم الولايات المتحدة الأميركية لها.

ملامح تغيير في اتجاه معاكس

لا تصلح المفاهيم «القبلية»، بتفسيراتها المتداولة، لقراءة الحراك السياسي الاجتماعي الحديث في هذه المنطقة. فمنذ عشرينيات القرن الماضي، أخذت تنهار تدريجياً الأسس التي أعطت الانتماء القبلي أهميته السياسية والاجتماعية. ولا يبدو، من منظور خلدوني، مآل القبلية في بلدان الخليج العربية مختلفاً عنه في مناطق أو أزمنة أخرى. فـ«أهل البوادي من القبائل والعصائب هم بالضرورة مغلوبون لأهل الأمصار».
أسهمت التغييرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة منذ عشرينيات القرن الماضي في بروز ثلاث مؤسسات سرّعت في ذلك الانهيار. ففي الجانب السياسي التنظيمي، تأسست أجهزة حكومية وأنظمة إدارية وقانونية تطورت فيما بعد إلى مشروع مضاد للتحالفات القبلية التي أوصلت هذه العائلة الحاكمة أو تلك إلى سدة الحكم.
وأصبح لدى كل عائلة حاكمة قوات نظامية لحفظ الأمن ولتثبيت سلطتها على الأراضي التي تقع تحت سيطرتها. وبسبب التوسع التدريجي في عديد تلك القوات، توسّع أيضاً تجنيد عناصرها ليشمل فئات أخرى من داخل البلاد وخارجها.
وكما خسر القبلي وظيفته القتالية التي عاش عليها، فهو لم يتمكن من الانخراط في الإدارة الحكومية لعدم تأهيله، فانفتح الباب أمام المتعلمين من أهل المدن أو من بلدان أخرى للانخراط في تلك الأجهزة الحكومية التي كانت تتوسع باستمرار. أخذ الموظفون الحكوميون، تدريجياً ولكن بثبات، دوراً وسيطاً بين العائلة الحاكمة وبين قواعدها القبلية. فلم تعد العائلة الحاكمة سيدة بين قبائل متساوية، بل سيدة على أتباع. كما لم يعد قصر شيخ العائلة الحاكمة مفتوحاً كما كانت خيمته مفتوحة أمام شيوخ القبائل الذين تحالفوا معه قبل سنوات قليلة.
وفي الجانب الاقتصادي، أدى اكتشاف النفط واستحواذ العوائل الحاكمة على عوائده، إلى ازدياد الشقة بينها وبين حلفائها. فلقد تحولت العائلة الحاكمة من شريك أكبر في اقتسام الغنائم إلى صاحب عمل مباشر وغير مباشر، وإلى مصْدر للعطايا. وبذا لم تعد موارد القبائل تتشكل من حصتها التي تقرها لها أعراف تقاسم الغنائم، بل أصبحت مشروطة بالولاء للعائلة الحاكمة أو نتيجة لانخراط أبناء القبائل كغيرهم في المهن الجديدة التي ولدتها صناعة النفط.
وفي الجانب الاجتماعي، يبرز دور التعليم النظامي في فتح الطريق أمام أبناء الفلاحين والبحارة والصيادين للصعود الاجتماعي عبر الحصول على وظائف في أجهزة الدولة أو الدخول في المهن والانتقال إلى المدن.

إعادة بعث القبلية

بعد عقود من ضمور الانتماء القبلي وهامشيته السياسة والاجتماعية، تشهد المجتمعات الخليجية عودة رسمية إلى القبلية، لا باعتبارها جزءاً من تراث همشته تغييرات شهدتها تلك المجتمعات طيلة أكثر من ثمانية عقود، بل لتكون جداراً تسند العوائل الحاكمة به شرعية تآكلت بسبب استبدادها وسوء إدارتها لموارد بلدانها. لا يختلف ما تفعله العائلات الحاكمة مع «القبائل» عما تفعله مع مكوِّنات الموروث الثقافي الأخرى. فإحياء هذا المكوِّن أو ذاك مشروط بحاجتها إليه لإسناد شرعية سلطتها أو لتفعيل أدوات ممارستها لتلك السلطة.
في 1974، أُجري أول سباق رسمي للجِمال تحت رعاية الملك فيصل في السعودية، ولحقت بها سريعاً بقية بلدان الخليج. خلال أربعين سنة تحول «سباق الهجن» إلى حدث دوري تدعمه ميزانية الدولة وأمراء العائلات الحاكمة، وتتعدد مواسمه ويحضره آلاف المتفرجين وتبث فقراته القنوات الفضائية. بل وأصبح لهذه السباقات اتحاداً رياضياً يتولى تنظيم بطولة خليجية سنوية تحظى بدعم حكومي وبرعاية الشركات الكبرى والمصارف. ربما بدت مبادرة الملك فيصل تلك تعبيراً عن حنين غيرعقلاني لماضٍ كان الملك نفسه يعرف استحالة استعادته.
إلا أن سباقات الهجن لم تُدشن لمجرد الحفاظ على جزء من تراث المنطقة بل لكي تسهم ، مع غيرها من المبادرات السياسية والثقافية، في «تأصيل» المسار الجديد الذي أخذت مجتمعات الخليج والجزيرة العربية تسير فيه. تلك السباقات أو غيرها من «الفعاليات الثقافية الهادفة للحفاظ على التراث» أبهجت كثيرين وفتحت مجالات عمل لكثيرين، إلا أنها لم تأتِ صدفة، بل في سياقٍ يتضمن أيضاً منهجه انتهاكات حقوق الإنسان، وانتشار الفساد، وتوسيع التواجد العسكري الأجنبي في بلدان المنطقة، وإزالة معيقات الاستثمارات الأجنبية فيها، علاوة على فتح أسواق العمل الخليجية لملايين المهاجرين.
وفي كل حال، لم تخضع السوق الرأسمالية لشروط الموروث الثقافي، بل أخضعته لشروطها وتعاملت معه كسلعة. المستثمرون في جمال السباق لم يعتبروها من سلالة «ناقة صالح» بل مصدراً يدّر أرباحاً في صورة عوائد السباقات وقيمة الجوائز التي تتنافس الجمال والنوق عليها. ولهذا لا عجب أن تخضع تربية تلك النوق والجمال لأحدث التقنيات. ولا عجب أن تصل أسعار الجيِّد منها إلى أكثر من خمسة ملايين دولار. وفي سباقٍ واحد في ميدان الوثبة في دبي على سبيل المثال، تبارت النوق والجمال على مدى خمسة أيام على جوائز تزيد قيمتها على عشرة ملايين دولار.

تفسيرات رائجة

تتعدد التفسيرات المتداولة حول عودة القبلية إلى واجهة الساحة السياسية بدل بقائها كما كانت في العقود الماضية، محصورة في مجالات تشجيع السياحة ومشاريع الأسر المنتجة أو البرامج الترفيهية في وسائل الإعلام المختلفة. أحد التفسيرات الرائجة يربط انبعاث القبلية بهجمة خارجية تسعى لتفتيت المنطقة. تتعدد وتختلف الجهات المعادية التي يقال إنها تقف وراء هذه الهجمة لتشمل قوى إقليمية ودولية. ولتأكيد صحة هذه التفسيرات التآمرية، يقدم أصحابها خرائط مفصلة ترسم حدوداً لدول قبلية وطائفية جديدة تنوي الجهات الخارجية توليدها في المنطقة العربية. وترى تفسيرات أخرى انبعاث القبلية باعتبارها «ردّة على مشروع الحداثة»، مما يتطلب التحذير مما ستؤدي إليه من تهديد لنسيج المجتمع بل وكيان الدولة. ويضيف آخرون الانبعاث القبلي إلى جملة التداعيات المترتبة عما يشار إليه بضعف الطبقة الوسطى عددياً ونوعياً، وعدم قدرتها على الاستمرار في أداء دورها التحديثي.
لا تتجاهل هذه التفسيرات ما أحدثه اكتشاف النفط قبل ثمانين سنة من تغييرات فحسب، بل هي تتجاهل أيضاَ ما أحدثته الطفرة النفطية منذ منتصف السبعينيات من تغييرات هيكيلية في مجتمعات الخليج، وفي إعادة موضعة بلدان المنطقة ضمن منظومة الاقتصاد الرأسمالي العالمي. فقد فتحت العوائد النفطية المتراكمة منذ 1973- 1974 في بلدان الخليج أبوابا لتدافع مصارف كبرى ومؤسسات استثمارية عالمية لإنشاء فروع لها في مختلف عواصم المنطقة، قامت بما عُرف بعمليات «تدوير الدولار النفطي» – أي إعادة ضخ أموال النفط في الاقتصاد العالمي عبر المصارف الدولية الكبرى المقيمة أو «الأوفشور»، وعبر شركات التصنيع العسكري. ترافق ذلك، وبفضل ما قدمته الحكومات من تسهيلات قانونية ودعم مالي وخاصة للمستثمرين، مع توسيع قطاعات العقارات والمقاولات والشركات الاستثمارية والمصارف. على هامش ذلك انتعشت المضاربة في أسواق الأسهم في الشركات والمصارف الجديدة جراء ما وفرته الطفرة النفطية من سيولة، علاوة على القروض الميسرة التي كانت المصارف تتنافس على تقديمها للمواطنين.
وفرت تلك القروض مصدر ربح مضموناً لأصحاب تلك المصارف كما أتاحت لفئات مهمشة، بمن فيها ذوو الدخول المحدودة، فرصاً لدخول أسواق الأسهم والمضاربة في بورصات رسمية وغير رسمية. فصار الحلم بـ«ضربة في السوق» مشتركاً، عابراً للطبقات والقبائل والطوائف، لم تزعزعه تقلبات البورصة ولا حتى انهيارها.

الانتماء القبلي سلعة في سوق

لم يكن ممكناً ـ حتى لو تكالبت الجهات الأجنبية التي تستهدف بلداننا، ومهما كان ضعف الطبقة الوسطى، وسوء إدارة مشاريع الحداثة ـ أن تعود مجتمعاتنا إلى الوراء، أي إلى ما قبل وقت كان الناس فيه يقفون على باب شيخ القبيلة ينتظرون الأمر فيحملون سيوفهم لمقاتلة أعدائه طمعاً في حصتهم من الغنيمة. لقد أعيدت القبلية إلى الحياة ولكن في دورٍ جديد وبشروط النظام الرأسمالي الذي انخرطت فيه منطقة الخليج منذ أكثر من ثمانين عاماً. وهي شروط جعلت من الممكن إعادة بعث الانتماء القبلي بعد تحويله الى سلعة يمكن المضاربة فيها. بل صار الانتماء القبلي، ضمن الأوضاع الديموغرافية في بلدان الخليج، سلعة تتنافس عليها العوائل الحاكمة في منطقة غنية. وصار من يملك هذه السلعة قادراً على مقايضتها بامتيازات عينية وبدور سياسي وبمكانة لا تُتاح لغيره، سواء أكان ذلك الغير عربياً أو من أصول غير عربية، وسواء أكان سنياً أو شيعياً أو من مذهب آخر.يتمدد هذا التسليع ليشمل المسلسلات التلفزيونية ومسابقات الشعر النبْطي وغيرها من البرامج الترفيهية التي حولت تاريخ المنطقة المركّب إلى ما يشبه سيناريو لمسلسل بدوي. ففيها تختفي كل اللهجات والملابس والأسماء لتبرز ما يعيد الحنين لعهد جميل كان فيه البدوي رمزاً للتلاحم الاجتماعي والاستقرار. بدوره يساهم تسليع القبلية برمزياتها المختلفة في الساحة الإعلامية والثقافية، في تسهيل تسليعها سياسياً. وحين تنتعش الأسواق السياسية والثقافية التي تتداول القبلية ورمزياتها، لا يتعالى عن الدخول إليها فاعل سياسي أو ثقافي. لهذا لا يثير العجب إعادة الاعتبار للانتماء القبلي ليصبح وجود اسم القبيلة شرطاً للحصول على وظائف معينة أو للترقي إلى مراتب معينة في السلك العسكري أو الأمني، أو مفتاحاً لأسبقية الحصول على مقعد دراسي أو حتى لعلاج. ولهذا أيضاً لا عجب أن نرى العائلتيْن الحاكمتيْن في قطر والبحرين تتنافسان على تجنيس أبناء «القبائل الاصيلة» بدلاً من الاتفاق على إصدار تشريعات “الجنسية الخليجية الموحدة”.ا