حتى في الكويت”تنام مواطناً وتستيقظ بدون جنسية”ا

إحدى الأساطير التأسيسية التي تعتبرها العائلة الحاكمة في الكويت من ضمن أسس شرعيتها التاريخية تتحدث عن تفاهم بين آل صباح و«أهل الكويت»، أدّى في العام 1752 إلى تنصيب صباح بن جابر (صباح الأول) حاكماً. وبغض النظر عن حدوث ذلك «التفاهم» من عدمه، فقدت تحولت الرواية إلى قاعدة تاريخية أسست لعلاقة خاصة بين عائلة آل صباح وبين تجار الكويت وأعيانها. وفي فترات لاحقة ساهمت تطورات سياسية واجتماعية في تعميم آثار تلك الأسطورة التأسيسية لتشمل بقية مواطني الكويت على اختلاف درجات مواطنيتهم. تميّزت الكويت عن بلدان الخليج الأخرى بتلك العلاقة بين آل صباح والعوائل التجارية وبقية مواطني البلد. فلم يكن آل صباح في حاجة، كما هو حال العائلتين الحاكمتيْن في السعودية والبحرين مثلاً، إلى المفاخرة بأخذ الحكم بحدّ السيف غزواً وفتحاً. وبالمقابل لا تعتمد شرعية حكم آل الصباح، كما هو حال العوائل الحاكمة في إمارات الساحل العماني، على اعتراف ممثلي التاج البريطاني بها بحسب اتفاقية 1820 وما تلاها.
يشكل الاقتناع بأسطورة التفاهم التأسيسية مدخلاً لازماً لقراءة المسار المختلف الذي اتخذه التطور السياسي ـ الاجتماعي في الكويت بالمقارنة مع بلدان الخليج الأخرى. ففي العام 1938 شهدت دبي والبحرين والكويت حراكاً متزامناً أسهم في تشكيل مسار النضال الوطني في هذه البلدان وبقية مناطق الخليج العربي في العقود الثلاثة التالية عليه. وعلى الرغم من اختلاف تفاصيلها، تشابهت تلك الحراكات في إنها كانت بقيادة أفراد من الأعيان والتجار طالبوا بحقهم في المشاركة في تسيير البلاد وربط المبايعة بالشورى. ولكن نتائجها اختلفت. ففي حين قُمع قادة ذلك الحراك في دبي والبحرين شهدت الكويت إصلاحات إدارية وسياسية عدة من أبرزها انتخاب أول مجلس تشريعي في المنطقة في العام 1938. ويبرز المسار المختلف في استقلال الكويت الذي سبق بعشر سنوات استقلال بقية مشيخات الخليج. وشهدت الكويت في العاميْن الأوليْن بعد استقلالها إعلان أول دستور حديث في منطقة الخليج العربي وتدشين أول تجربة برلمانية.
ومن العلامات الإيجابية أيضاً حيوية المجتمع المدني وفاعلية القوى المعارضة علاوة على التعاضديات التقليدية مما ساهم حتى الآن في إحباط المحاولات المتكررة التي قامت بها السلطة منذ الطفرة النفطية في منتصف السبعينيات لتغيير دستور 1962 أو لإفراغه من محتواه. فعلى الرغم من إيقاف الحياة البرلمانية مرتيْن (1976-1980 و1986-1992) وعلى الرغم من تمرير الكثير من المراسيم والقوانين المقيدة للحريات، بقيت آفاق التطور السياسي في الكويت من دون إراقة دماء وفتح معتقلات وتهجير، وأكثر تقدماً منها في بقية بلدان المنطقة.

تراتبية “الجناسي”  في الكويت

توفر القوانين المرعية، بما فيها قانون الجنسية، للعائلة الحاكمة في الكويت أدوات «مشروعة» للتحكم في المجتمع وإعادة تشكيله. فقد جاءت صياغة قانون الجنسية العام 1959 تعكس تفسيراً لأسطورة التفاهم التأسيسية يلائم العائلة الحاكمة، إذ حددت مادته الأولى أن الكويتيين «الأصليين» هم «المتوطنون في الكويت قبل سنة 1920». ويشار إلى هؤلاء ونسلهم بأنهم كويتيون بالتأسيس. بعدهم تأتي أصناف مختلفة للكويتيين «بالتجنيس». ثم حدّدت القوانين والأعراف الامتيازات التي ينفرد بها الكويتي الأصلي عن أصناف المجنسين. فللكويتي الأصلي حق الترشح للمجالس المنتخبة وتولي المناصب الوزارية، بينما لا يحق للكويتي المجنس التصويت في الانتخابات إلا بعد مضي عشرين سنة على حصوله على الجنسية.
وهكذا، فتراتبية «الجناسي» تبيح للعائلة الحاكمة في الكويت التمييز بين المواطنين وتشكيل المجتمع والتحكم في قدرته على الحركة يسندها في ذلك الدستور والقوانين المرعية. وتزداد أهمية هذه الأدوات بإضافتها إلى تحكم العائلة الحاكمة، عبر الأجهزة التنفيذية، في تحديد من يحق لهم الاستفادة من شروط التجنيس التي يحددها القانون. وتمكنت عبر القوانين والأعراف من إبقاء كتلة كبيرة من مواطني الكويت ضمن ما يعرف بفئة «البدون» تحت سيطرتها. لهذا تبقى فئة «البدون» خارج المجتمع السياسي الكويتي وداخله في آن معاً. ففي الوقت الذي يعاني البدون من التمييز والحرمان من الحقوق المدنية، سمحت السلطات الكويتية لبعض الشرائح من «البدون» بالانخراط في القوات المسلحة وأجهزة الأمن من دون اشتراط الحصول على رخص إقامة وعمل. إلا أن ذلك لم يشفع لهؤلاء لدى السلطات المعنية بمنح الجنسية الكويتية. ولقد كان معبراً عن سوريالية هذا الوضع الخبر الذي نشرته الصحف الكويتية مؤخراً عن منح الجنسية الكويتية لأبناء رجال الحماية الذين رافقوا موكب أمير الكويت الذي تعرض للاعتداء في 1985 «وذلك تقديراً لتضحيتهم وولائهم فداء للوطن ورمز عزته وكرامته». فبعد ما يقرب من ثلاثين عاماً على «تضحياتهم» في الدفاع عن رأس الدولة حصل أبناء هؤلاء الجنود «البدون» على تقدير الدولة لهم.

سحب الجنسية

فيما عدا حالات فردية متفرقة، لم تشهد الكويت ما عرفته قطر والبحرين من سحب جماعي لجنسيات مواطنيها. بل هي لم تقم (حسب علمي) بسحب الجنسية حتى عن علاء حسين، الضابط السابق في الجيش الكويتي الذي عيّنه صدام حسين بعد غزو الكويت في 1990 رئيساً للحكومة الكويتية المؤقتة. إلا أن المؤشرات لا تبشر بخير. فعلى الرغم من أساطير التأسيس، فعائلة آل صباح كغيرها من العوائل الحاكمة في بقية بلدان الخليج، لا تعتبر أن وثيقة الجنسية هي حق من جملة حقوق المواطنة. بل هي تعتبرها ملكاً لها تسمح للرعايا بالاستفادة منها كرماً ومِنّة. ففي 24 تموز/يوليو الماضي، انتشر خبر عزم السلطات الكويتية استدعاء «أكثر من 430 ألف شخص في الكويت يحملون الجنسيتين الكويتية والسعودية» لتخييرهم بين الجنسيتيْن. بعد ذلك الإعلان بأيام، سحبت السلطات الكويتية الجنسية من سبعة كويتيين بالإضافة إلى أفراد أسرهم. ثم أضافت في 11 آب/أغسطس الماضي إلى قائمة المسحوبة جنسياتهم عشرة مواطنين، من بينهم نائب سابق، بالإضافة إلى أفراد أسرهم. من ضمن التعليقات الساخرة التي أبرزتها وسائل الاتصال الإجتماعي هو عنوان هذا المقال. وهو استعادة لعبارة مؤلمة ترددت بين الكويتيين بعد الغزو العراقي لبلدهم في 1990: «أنام كويتي وأصحى عراقي».

Advertisements

داعش.. انقلاب السحر على الساحر

تزامناً مع إحكام داعش سيطرته على مدينة الموصل وأجزاء رئيسة من المحافظات الحدودية في العراق وسوريا، نشر التنظيم خريطة «دولة العراق والشام الإسلامية» التي يسعى لإقامتها. وكان مفاجئاً أن الخريطة التي رُسمت لكي تلغي حدود «سايكس بيكو» شملت الكويت دون غيرها من دول مجلس التعاون. وقتها اتصل رئيس الوزراء الكويتي بنظيره العراقي لاستعراض الأوضاع الأمنية وللتعبيرعن ثقة الكويت في قدرة السلطات العراقية على «مواجهة الوضع». إلا أن استمرار انهيار الجيش العراقي في شمال البلاد أعاد إلى الواجهة قلق المسؤولين الكويتيين وزملائهم في دول التعاون الخليجي من تمدد مشروع داعش.

«مسافة السكة»

لم يتذكر كثيرون في الكويت أو غيرها من عواصم الخليج تصريح الرئيس عبد الفتاح السيسي في أثناء حملته الرئاسية عن التزام مصر بحماية الأمن القومي العربي والخليجي. وقتها أكّد السيسي أن وصول قوات عسكرية مصرية لمواجهة أي تهديد حقيقي للأمن القومي لن يتطلب وقتا أطول مما يتطلبه قطع «مسافة السكة». فعلاوة على انشغالها بتأمين الأوضاع الداخلية، لا تمتلك القوات المسلحة المصرية القدرات اللوجستية للقيام بحراسة أمن الخليج. ولا الولايات المتحدة الأميركية في وارد تمكين السيسي من القيام بهذا الدور، وهي التي أعلنت عن تعزيز وجودها في مياه الخليج العربي بقوات إضافية وقِطع بحرية. كما أعلنت بريطانيا عن استعدادها للمساهمة في ضمان أمن واستقرار المنطقة والوقوف مع الكويت وأية دولة خليجية تتعرض لخطر داعش.
ركّز الموقف الرسمي الكويتي على أن تهديد داعش لوجودها لا ينحصر فيها، بل هو تهديد مباشر وحقيقي لجميع دول المنطقة، ما يستدعي القيام بما هو ضروري لتحصين الجبهة الداخلية في كل بلد وتطوير التعاون الأمني والعسكري. لم تؤدِ التصريحات الكويتية القلقة إلى اجتماع وزراء الداخلية والدفاع في دول مجلس التعاون للتباحث حول الإجراءات التنسيقية المطلوبة. ولم يشر أحدٌ بجدية إلى دور يمكن أن تلعبه قوات «درع الجزيرة» في مواجهة تداعيات تمدد داعش، وبعد ذلك «الدولة الإسلامية».
لا أحد يستطيع تجاهل المعيقات التي تحول دون اتفاق دول مجلس التعاون الخليجي على موقف استراتيجي يتعلق بأمن المنطقة أو اقتصادها أو مستقبلها السياسي، ناهيك عن تنفيذه على الأرض. وهي معيقات ساهمت في تأجيل متكرر لموعد القمة الخليجية التشاورية التي كان مقرراً انعقادها في السعودية في منتصف هذه السنة. بل ان السعودية والإمارات مثلاً بدتا في البداية غير معنيتيْن مباشرة بأسباب القلق الكويتي، واكتفتا في بيانات منفصلة بإبداء الأسف للأحداث الجارية في العراق، ودعتا إلى قيام تنسيق دولي لمواجهة ظاهرة الإرهاب. إلا أن الموقف السعودي سرعان ما تغير بعد تواتر الأنباء عن اقتراب ميلشيات داعش حينها من حدود المملكة، فأعلنت السعودية حالة التعبئة القصوى في المناطق الشمالية المحاذية للعراق.
بدا الرعب السعودي حقيقياً وملحاً بعد إعلان «دولة الخلافة»، وراحت الاحتياطات السعودية تتخذ مسارات جدية باعتبار أن أراضيها تتجاورعلى امتداد مئات الكيلوميترات مع تلك «الدولة»، فاستكملت شبكة المراقبة الإلكترونية على طول الحدود وعززت تحصينات المناطق الحدودية بمزيد من الحواجز الترابية، تتخللها سلاسل من الأسوار الإسمنتية والأسلاك الشائكة. كما نقلت السلطات السعودية تعزيزات من الجيش والحرس الوطني واستنفرت قواتها الجوية. وتجاوزت السعودية المستوى الاحترازي حين قامت أجهزتها الأمنية بتشديد إجراءاتها لحماية المنشآت الحيوية في البلاد بما فيها «محطات تحلية المياه».

التهديد من الداخل

لا تعني كثرة الإجراءات الاحترازية التي تتخذها السعودية والكويت على الحدود أن المسؤولين في البلدين يتوقعون أن تنجح داعش/الدولة الإسلامية في غزو الكويت مثلاً أو حتى في السيطرة على موقع استراتيجي في السعودية. فانتصار داعش في شمال العراق لا يعود لقدراتها العسكرية وخططها الإستراتيجية، بل هو في المقام الأول نتاج عقدَين من ممارسات طائفية وسوء إدارة وفساد أفقدت القوات النظامية العراقية انضباطها وقدرتها على الدفاع عن مواقعها.
يعرف المسؤولون الخليجيون أن بضع مئات أو آلاف من مقاتلي أي من تلك التنظيمات والشبكات في الخارج لن تتمكن من تحقيق أكثر من إرباك للمؤسسة الأمنية/العسكرية في البلدين.
من جهة أخرى، لا يتوافر ما يؤكد أن الأجهزة المعنية في السعودية قد فقدت قدرتها على التأثير على أنشطة التنظيمات والشبكات السلفية العاملة في سوريا والعراق، رغم ما تحقق لهذه الأخيرة من موارد مالية كبيرة بعد سيطرتها على مناطق غنية بالنفط والغاز في البلدين. إلا أن التهديدات التي أطلقتها داعش/الدولة الإسلامية تعيد إلى الذاكرة تهديدات أطلقها في 1990 زعيم القاعدة أسامة بن لادن وقابلتها العائلة المالكة في السعودية بتجريده من جنسيته.
مصدر القلق الأكثر إلحاحاً لدى أولئك المسؤولين ليس الغزو الخارجي، بل الانقضاض على بلدانهم من داخلها على أيدي رجال شبكات وتنظيمات سلفية تستفيد من الخبرات القتالية واللوجستية التي تجمعت من العمليات الجهادية في العراق واليمن وسوريا. ويتذكر هؤلاء المسؤولون أن إحدى أكبر الهزات الأمنية التي واجهت السعودية كانت عملية الحرم المكي التي قادها جهيمان العتيبي في تشرين الثاني/نوفمبر 1979. ولقد كان معه «المهدي المنتظر» محمد القحطاني، تلميذ ابن باز كبير مشايخ السلفية، وأكثر من 400 من الأتباع ينتمي كثيرون منهم للقوات المسلحة والحرس الوطني وأجهزة الأمن، وهم يحملون كتب السلفية وفتاوى كبار مشايخها.
تُوثق البيانات الدورية الصادرة عن أجهزة الأمن السعودية أن «التحقيقات والمتابعات الأمنية رصدت انتشارا واسعا لتلك الشبكات وارتباطاتها بعناصر متطرفة في سوريا واليمن». ففي أيار/مايو الماضي أعلنت الداخلية السعودية القبض على 62 شخصا ينتمون لتنظيم «يستهدف منشآت حكومية ومصالح أجنبية في المملكة تعرضت في السابق لهجمات شنتها القاعدة». وأشار البيان إلى أن للتنظيم «أميراً تمّت مبايعته»، وأن له امتدادات في اليمن وسوريا ويقوم بالتنسيق مع أمثاله في البلديْن. تتفاوت تقديرات أرقام المواطنين الخليجيين في صفوف «دولة الإسلام» وبقية الشبكات والمجموعات الجهادية العاملة في العراق وسوريا.
وحسبما ذكر ثيودور كاراسيك، وهو أحد الباحثين في معهد للأبحاث قريب من المؤسسة العسكرية في دولة الإمارات العربية، فإن هناك ما يصل إلى 4000 سعودي في تنظيم داعش بالإضافة إلى حوالي 1500 شخص من مواطني دول مجلس التعاون الأخرى. قد نحتاج إلى رفع هذا التقدير بعد احتساب تأثير انتصارات داعش العسكرية، وزيادة ظهورها إعلاميا وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، وانعكاس كل ذلك على رفع قدرتها على اجتذاب الأنصار وتجنيد المزيد إلى صفوفها. ففي البحرين على سبيل المثال، يمكن متابعة وتوثيق هذا الظهور الإعلامي لممثلي داعش/الدولة الإسلامية واتساع مساحته وتأثيره. وشهدت مؤخرا مختلف شبكات التواصل الاجتماعي ظهور الشيخ تركي البنعلي، وهو سلفي بحريني يُقال إنه من أبرز منظري داعش/الدولة الإسلامية، يدعو البحرينيين وخاصة عناصر الأمن والقوات المسلحة للانضمام إلى الجهاد و«هجرة عساكر القوانين والهجرة إلى عسكر شرع رب العالمين». وهو يدعو إلى بيعة الخليفة الجديد فـ«شتان شتان بين بيعة آل خليفة، وبيعة الخليفة».
وتجد هذه الدعوات من يسمعها ويلبيها، كما هي حال بحرينيين قُتلوا في عمليات عسكرية في شمال العراق، ومنهم عناصر سابقة في قوة الدفاع وأجهزة الأمن البحرينية. لا يعتمد تأثير البنعلي في البحرين، وأمثاله في بقية دول مجلس التعاون، على فصاحتهم وقدراتهم على الإقناع، أو على تبحرهم في العلوم الشرعية، بل على استنادهم إلى أساسيات الخطاب الذي تلقنه أجهزة «الإرشاد الديني» لعناصر القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في تلك البلدان. فليست السعودية وحدها بين بلدان الخليج التي يتلقى الجنود والشرطة فيها دروساً منتظمة تعتمد على الكتب السلفية، يشرحها محاضرون سلفيون يروجون لطاعة ولاة الأمر ولشيطنة كل من يختلف عن «الفرقة الناجية»، أي أتباع المذاهب الأخرى، ناهيك عن سائر الديانات. فهؤلاء المخالفون هم إما أهل بدعة أو كفر بواح.
في هذا السياق، لم يكن مستغرباً أن تكون من بين أول إجراءات «دولة الخلافة» فرض الجزية على النصارى في مناطق سيطرتها وهدم أضرحة ومساجد يؤمها أتباع مذاهب إسلامية أخرى. فهذا السلوك يستند إلى الرؤية الدينية/السياسية ذاتها التي بررت هدم مساجد في البحرين إثر دخول القوات السعودية والإماراتية في آذار/مارس 2011 لقمع حراك «دوار اللؤلؤة». وقبلها بررت تدمير تمثال بوذا على أيدي طالبان الأفغانية. وهي أيضاً التي بررت قبل ثمانين سنة لمؤسس الدولة السعودية عبد العزيز بن سعود تدمير وجرف أضرحة ومساجد البقيع في المدينة المنورة وغيرها من مناطق الجزيرة العربية.

مرة أخرى..

منذ بدء «الجهاد الأفغاني» في بداية ثمانينيات القرن الماضي، أصبح استخدام الحركات الدينية المسلحة من ثوابت سياسة العوائل الحاكمة في الخليج في مجالي الأمن الداخلي/الإقليمي والسياسة الخارجية. وعزز ذلك اعتماد الجهود الأميركية على قدرة التنظيمات والشبكات السلفية بالتعاون مع أجهزة الاستخبارات الخليجية، على تجنيد «المتطوعين للجهاد» بقدر اعتمادها على أموال النفط لتمويل ذلك النشاط.
وطيلة أربعة عقود تلت، لم يتغير الدور المركزي الذي لعبته التعبئة الدينية/السياسية في مساعي ضمان استقرار الأوضاع القائمة في منطقة الخليج، على الرغم من تعرجات ملحوظة حدثت وتحدث نتيجة لتنافس هذه العوائل الحاكمة على النفوذ الإقليمي. لا يمكن الادعاء أن جميع الحركات الجهادية قبلت بأن تبقى ألعوبة في أيدي أجهزة الاستخبارات الخليجية أو مَن يقف وراءها. فلقد برزت حركات وشبكات حاولت الخروج من عباءة صانعيها، فاتجهت «القاعدة» وبعض أفرعها ومشتقاتها نحو «الجهاد الكوني»، واتجهت أخرى إلى العمل في بلدانها، كما حدث مثلاً في الكويت والسعودية. وفي كل الأحوال، تكون النتيجة مزيداً من المبررات للقمع الداخلي ومزيداً من الارتهان للولايات المتحدة الأميركية لحماية أنظمة لا يهمها إلا إدامة حكمها وهيمنتها على ثروات المنطقة وخياراتها.