البحرين بين لبنان 2006 وغزة 2014

بعد قيام مقاتلي حزب الله بتنفيذ عملية “الوعد الصادق” وأسر جندييَن إسرائيلييَن، قام الملك الأردني بزيارة عاجلة إلى البحرين، وأصدر مع ملكها بياناً نددا فيه بـ”المغامرات غير محسوبة العواقب”. طيلة 34 يوما من العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006، لم يتغير الموقف الرسمي في البحرين الذي ظل يكرر إدانته “لكل ما من شأنه تعريض لبنان وسيادته الى مخاطر غير محسوبة”. أما المنامة وغيرها من مناطق البحرين، فشهدت أنشطة تضامن متعددة طيلة خمسة أسابيع، عبّرت عن افتراق تام بين الشارع والمؤسسة الرسمية. ولم يتأثر الحراك التضامني البتة بفتاوى أصدرها غلاة المتشددين السلفيين في السعودية، من أمثال الشيخ عبد الله بن جبرين، بعدم جواز نصرة حزب الله وحتى “الدعاء له بالنصر والتمكين”. فمن جهة تصدى لتلك الفتوى وقتها رجال دين آخرين من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والمرشد العام للإخوان المسلمين محمد عاكف. ومن جهة أخرى لم يكن لدى السلفيين في البحرين القدرة على مواجهة حراك غالبية السكان على اختلاف مذاهبهم وإنتماءاتهم

لبيكِ يا مقاومة

فيما عدا قلة من المتشددين السلفيين، شاركت أغلب القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في تلك الأنشطة التضامنية والتي تمثلت ذروتها في المسيرات والاعتصامات التي شارك فيها عشرات آلاف المواطنين والمقيمين بغض النظر عن مذاهبهم الدينية وانتماءاتهم السياسية. اتجهت بعض تلك المسيرات نحو بيت الأمم المتحدة، وأخرى اتجهت نحو السفارة الأميركية رغم تصدي قوى الأمن لها وهي ترفع أعلام فلسطين ورايات حزب الله. عكست تلك الأنشطة التضامنية مع المقاومة في لبنان في صيف 2006 توافقا وطنيا حول قضية عربية مشتركة. كما برز فيها تفاؤل قوى المعارضة على اختلاف منطلقاتها بما يحمله المستقبل، مما جعلها تتجرأ على تحدي موقف السلطة المعلَن بإدانة عملية “الوعد الصادق”. ولقد عزز ذلك التفاؤل وتلك الجرأة من رغبة السلطة في استرضاء قوى المعارضة الرئيسة التي قبلت مرجعياتها بإنهاء مقاطعتها للبرلمان والمشاركة في الانتخابات المقرر إجراؤها في خريف تلك السنة. لذلك تحاشت السلطة كل ما من شأنه إعادة خلط أوراق التفاهمات الهشة، واكتفت بالإجراءات المعتادة التي اتخذتها لحماية محيط السفارة الأميركية التي سمع أفرادُها المتظاهرين البحرينيين يرددون شعار”لبيكِ يا مقاومة”. ا

انقسام فعاليات التضامن مع غزة
يختلف الحال كثيراً هذه الأيام في فعاليات التضامن مع المقاومة في غزة في 2014. ففي 16تموز/يوليو منعت السلطات البحرينية الجمعيات السياسية المعارضة من تنظيم مهرجان خطابي في إحدى المناطق خارج العاصمة. إلا إن السلطة لم تستطع منع الآلاف من المصلين بعد فراغهم من صلاة الجمعة (18/7) من تنظيم وقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة في غزة. وكما كان متوقعاً، نجحت السلطة في فصل الوقفات التضامنية حسب الطائفة. فتجمع المتضامنون الشيعة وفي مقدمهم رجال الدين منهم بالقرب من جوامعهم، وتجمع المتضامنون السنّة وفي مقدمهم رجال الدين منهم بالقرب من جوامعهم. تحدث السنّة والشيعة الحديث التضامني ذاته تقريباً. قد تختلف المفردات ولكنها كانت تتغنى ببطولات المقاومين في غزة، وتعبر عن قلق على سكان القطاع. أدان المتجمعون هنا وهناك لامبالاة الأنظمة العربية والتي تصل إلى درجة التواطؤ والشراكة في محاولة تحطيم إرادة الشعب الفلسطيني . كما أكدوا وقوفهم المبدئي مع صمود الفلسطينيين ومقاومتهم. آلاف الناس هنا وهناك تجمعوا للتضامن مع أهلهم في غزة، و لكنهم فعلوا بمعزلٍ عن بعضهم البعض. تضامنت “البحرينان” مع غزة , كل بحريْن بمفردها,  رغم ان أقصى المسافة بينهما لا تتعدي بضعة كيلومترات. وبهذا كشف انقسام فعاليات التضامن في البحرين مع غزة على أسس طائفية ومناطقية واحداً من أعقد معيقات الحراك الوطني في البحرين.ا

صدمة المقارنة
يصاب المتابع بصدمة عند مقارنة مسيرات واعتصامات التضامن مع لبنان في صيف 2006 مع مثيلاتها مع غزة هذا الصيف. ولكنها صدمة تختزل ما أصاب البحرين خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية، وخاصة ما حدث بعد قمع انتفاضة دوار اللؤلؤة في منتصف آذار/مارس 2011. في 2006، لم تكن حدة الانشطار المجتمعي في البحرين على ما هي عليه الآن، فكانت الفعاليات التضامنية تجمع السني والشيعي، المتدين وغير المتدين، اليساري والمحافظ. لا يمكن قراءة هذا الانقسام إلا بالنظر إلى الدور الذي لعبته العائلة الحاكمة عبر عقود في تشطير المجتمع عمودياً على أساس طائفي ومناطقي، وفي شكل تعاضديات تتنافس فيما بينها على رضا الحاكم وتحاشيا لإغضابه. ولقد استطاعت العائلة الحاكمة مستفيدة من موارد الدولة الريعية وما توفره من قدرات قمع حديثة من التحكم في المجال العام والإمساك بمفاتيحه وتحديد مساحته والمشاركين فيه. فارتفاع مواردها منذ الطفرة النفطية في منتصف السبعينيات مكّنها من تكريس هيمنتها على المجتمع وأنشطته. وظلت قدرة مكونات المجتمع، بما فيها مساعي التنظيمات السياسية، على تشكيل المسـاحات المشـتركة محدودة إلا بمباركة العائلة الحاكمة ورعايتها. وفيما عدا استثناءات قليلة، ظلّت تلك المساعي محصورة تحت الأرض ورهينة شروط العمل السري ومحدداته. ترتبط تلك الاستثناءات بفترات عنفوان الحركة الوطنية التي استطاعت في إثنائها مواجهة العائلة الحاكمة وإعادة تعـريـف السـاحة السـياسـية وخلق مساحات للعمل المشترك على أساس الانتماء للوطن وليس للمذهب أو القبيلة أو المنطقة. إلا أن فترات العنفوان تلك لم تكن لتدوم طويلاً إذ حلت محلها تسويات تفرضها العائلة الحاكمة عبر اسلوبيْن متوازيين: قمع قادة الحراك الوطني ونشطائه، وعقد صفقات مقايضة مع وجهاء التعاضديات المتنافسة.ا

أين المساحات المشتركة؟
لم تشأ العائلة الحاكمة في العام 2006 أن تتصادم مع قوى المعارضة، فلم تتصدَ لمحاولات تجاوز الحدود المرسومة لها للتحرك في المجال العام وخلق مساحات مشتركة عابرة للتعاضديات. وقتها كانت العائلة الحاكمة تجهد نفسها لإقناع قوى المعارضة بجدوى دخولها البرلمان ولإضفاء الشرعية الشعبية على دستور 2002. أما في 2014 فلقد اختلفت الأمور كثيراً. بفضل الدعم المالي والسياسي والعسكري الذي تحظى به من العوائل الحاكمة الأخرى في الخليج، وخاصة من السعودية، ولم تعد العائلة الخليفية ترى أنها في حاجة إلى التخفيف من القيود التي تفرضها على أنشطة القوى السياسية والاجتماعية. بل هي تتجه، كما تشير قرارات اتخذتها مؤخراً، إلى فرض المزيد من تلك القيود. ويجد الملك وغيره من كبار العائلة الحاكمة ما يعزز إقتناعهم بتك الرؤية في العطب الذاتي المتمثل بانقسام فعاليات التضامن في البحرين مع غزة على أساس طائفي ومناطقي.

*

Advertisements