البحرين بين لبنان 2006 وغزة 2014

بعد قيام مقاتلي حزب الله بتنفيذ عملية “الوعد الصادق” وأسر جندييَن إسرائيلييَن، قام الملك الأردني بزيارة عاجلة إلى البحرين، وأصدر مع ملكها بياناً نددا فيه بـ”المغامرات غير محسوبة العواقب”. طيلة 34 يوما من العدوان الإسرائيلي على لبنان في 2006، لم يتغير الموقف الرسمي في البحرين الذي ظل يكرر إدانته “لكل ما من شأنه تعريض لبنان وسيادته الى مخاطر غير محسوبة”. أما المنامة وغيرها من مناطق البحرين، فشهدت أنشطة تضامن متعددة طيلة خمسة أسابيع، عبّرت عن افتراق تام بين الشارع والمؤسسة الرسمية. ولم يتأثر الحراك التضامني البتة بفتاوى أصدرها غلاة المتشددين السلفيين في السعودية، من أمثال الشيخ عبد الله بن جبرين، بعدم جواز نصرة حزب الله وحتى “الدعاء له بالنصر والتمكين”. فمن جهة تصدى لتلك الفتوى وقتها رجال دين آخرين من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والمرشد العام للإخوان المسلمين محمد عاكف. ومن جهة أخرى لم يكن لدى السلفيين في البحرين القدرة على مواجهة حراك غالبية السكان على اختلاف مذاهبهم وإنتماءاتهم

لبيكِ يا مقاومة

فيما عدا قلة من المتشددين السلفيين، شاركت أغلب القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني في تلك الأنشطة التضامنية والتي تمثلت ذروتها في المسيرات والاعتصامات التي شارك فيها عشرات آلاف المواطنين والمقيمين بغض النظر عن مذاهبهم الدينية وانتماءاتهم السياسية. اتجهت بعض تلك المسيرات نحو بيت الأمم المتحدة، وأخرى اتجهت نحو السفارة الأميركية رغم تصدي قوى الأمن لها وهي ترفع أعلام فلسطين ورايات حزب الله. عكست تلك الأنشطة التضامنية مع المقاومة في لبنان في صيف 2006 توافقا وطنيا حول قضية عربية مشتركة. كما برز فيها تفاؤل قوى المعارضة على اختلاف منطلقاتها بما يحمله المستقبل، مما جعلها تتجرأ على تحدي موقف السلطة المعلَن بإدانة عملية “الوعد الصادق”. ولقد عزز ذلك التفاؤل وتلك الجرأة من رغبة السلطة في استرضاء قوى المعارضة الرئيسة التي قبلت مرجعياتها بإنهاء مقاطعتها للبرلمان والمشاركة في الانتخابات المقرر إجراؤها في خريف تلك السنة. لذلك تحاشت السلطة كل ما من شأنه إعادة خلط أوراق التفاهمات الهشة، واكتفت بالإجراءات المعتادة التي اتخذتها لحماية محيط السفارة الأميركية التي سمع أفرادُها المتظاهرين البحرينيين يرددون شعار”لبيكِ يا مقاومة”. ا

انقسام فعاليات التضامن مع غزة
يختلف الحال كثيراً هذه الأيام في فعاليات التضامن مع المقاومة في غزة في 2014. ففي 16تموز/يوليو منعت السلطات البحرينية الجمعيات السياسية المعارضة من تنظيم مهرجان خطابي في إحدى المناطق خارج العاصمة. إلا إن السلطة لم تستطع منع الآلاف من المصلين بعد فراغهم من صلاة الجمعة (18/7) من تنظيم وقفات تضامنية مع الشعب الفلسطيني وقوى المقاومة في غزة. وكما كان متوقعاً، نجحت السلطة في فصل الوقفات التضامنية حسب الطائفة. فتجمع المتضامنون الشيعة وفي مقدمهم رجال الدين منهم بالقرب من جوامعهم، وتجمع المتضامنون السنّة وفي مقدمهم رجال الدين منهم بالقرب من جوامعهم. تحدث السنّة والشيعة الحديث التضامني ذاته تقريباً. قد تختلف المفردات ولكنها كانت تتغنى ببطولات المقاومين في غزة، وتعبر عن قلق على سكان القطاع. أدان المتجمعون هنا وهناك لامبالاة الأنظمة العربية والتي تصل إلى درجة التواطؤ والشراكة في محاولة تحطيم إرادة الشعب الفلسطيني . كما أكدوا وقوفهم المبدئي مع صمود الفلسطينيين ومقاومتهم. آلاف الناس هنا وهناك تجمعوا للتضامن مع أهلهم في غزة، و لكنهم فعلوا بمعزلٍ عن بعضهم البعض. تضامنت “البحرينان” مع غزة , كل بحريْن بمفردها,  رغم ان أقصى المسافة بينهما لا تتعدي بضعة كيلومترات. وبهذا كشف انقسام فعاليات التضامن في البحرين مع غزة على أسس طائفية ومناطقية واحداً من أعقد معيقات الحراك الوطني في البحرين.ا

صدمة المقارنة
يصاب المتابع بصدمة عند مقارنة مسيرات واعتصامات التضامن مع لبنان في صيف 2006 مع مثيلاتها مع غزة هذا الصيف. ولكنها صدمة تختزل ما أصاب البحرين خلال الاثنتي عشرة سنة الماضية، وخاصة ما حدث بعد قمع انتفاضة دوار اللؤلؤة في منتصف آذار/مارس 2011. في 2006، لم تكن حدة الانشطار المجتمعي في البحرين على ما هي عليه الآن، فكانت الفعاليات التضامنية تجمع السني والشيعي، المتدين وغير المتدين، اليساري والمحافظ. لا يمكن قراءة هذا الانقسام إلا بالنظر إلى الدور الذي لعبته العائلة الحاكمة عبر عقود في تشطير المجتمع عمودياً على أساس طائفي ومناطقي، وفي شكل تعاضديات تتنافس فيما بينها على رضا الحاكم وتحاشيا لإغضابه. ولقد استطاعت العائلة الحاكمة مستفيدة من موارد الدولة الريعية وما توفره من قدرات قمع حديثة من التحكم في المجال العام والإمساك بمفاتيحه وتحديد مساحته والمشاركين فيه. فارتفاع مواردها منذ الطفرة النفطية في منتصف السبعينيات مكّنها من تكريس هيمنتها على المجتمع وأنشطته. وظلت قدرة مكونات المجتمع، بما فيها مساعي التنظيمات السياسية، على تشكيل المسـاحات المشـتركة محدودة إلا بمباركة العائلة الحاكمة ورعايتها. وفيما عدا استثناءات قليلة، ظلّت تلك المساعي محصورة تحت الأرض ورهينة شروط العمل السري ومحدداته. ترتبط تلك الاستثناءات بفترات عنفوان الحركة الوطنية التي استطاعت في إثنائها مواجهة العائلة الحاكمة وإعادة تعـريـف السـاحة السـياسـية وخلق مساحات للعمل المشترك على أساس الانتماء للوطن وليس للمذهب أو القبيلة أو المنطقة. إلا أن فترات العنفوان تلك لم تكن لتدوم طويلاً إذ حلت محلها تسويات تفرضها العائلة الحاكمة عبر اسلوبيْن متوازيين: قمع قادة الحراك الوطني ونشطائه، وعقد صفقات مقايضة مع وجهاء التعاضديات المتنافسة.ا

أين المساحات المشتركة؟
لم تشأ العائلة الحاكمة في العام 2006 أن تتصادم مع قوى المعارضة، فلم تتصدَ لمحاولات تجاوز الحدود المرسومة لها للتحرك في المجال العام وخلق مساحات مشتركة عابرة للتعاضديات. وقتها كانت العائلة الحاكمة تجهد نفسها لإقناع قوى المعارضة بجدوى دخولها البرلمان ولإضفاء الشرعية الشعبية على دستور 2002. أما في 2014 فلقد اختلفت الأمور كثيراً. بفضل الدعم المالي والسياسي والعسكري الذي تحظى به من العوائل الحاكمة الأخرى في الخليج، وخاصة من السعودية، ولم تعد العائلة الخليفية ترى أنها في حاجة إلى التخفيف من القيود التي تفرضها على أنشطة القوى السياسية والاجتماعية. بل هي تتجه، كما تشير قرارات اتخذتها مؤخراً، إلى فرض المزيد من تلك القيود. ويجد الملك وغيره من كبار العائلة الحاكمة ما يعزز إقتناعهم بتك الرؤية في العطب الذاتي المتمثل بانقسام فعاليات التضامن في البحرين مع غزة على أساس طائفي ومناطقي.

*

Advertisements

موسى العبّار: شكل من أشكال المقاومة

موسى العبّار وزوجته وحفيديهما

في 23 شباط /فبراير 2014، وفي أثناء مشاركته في تشييع أحد شهداء الحراك الشعبي المستمر منذ أكثر من ثلاث سنوات، أصيب شابٌ اسمه عبد العزيز العبّار مباشرة بقنبلة مسيلة للدموع، بالإضافة إلى رشات خرطوش في رأسه. وأشارت تقارير أولية “إلى أن ضبّاط الشرطة أطلقوا الرصاص على العبّار من مسافة قريبة”. نقل المصاب إلى المستشفى لتلقي العلاج، إلا إن وجود شظايا من رصاص “الشوزن” في الدماغ سببت نزيفاً أدى إلى دخوله في غيبوبة. دامت تلك الغيبوبة أكثر من خمسين يوما قبل أن يعلن الأطباء وفاته في 18 نيسان/ أبريل 2014. بذلك انضم الشاب عبد العزيز العبار وعمره 27 سنة، وهو أب لولديْن، إلى قائمة طويلة من ضحايا المواجهات بين المحتجين والأجهزة الأمنية في البحرين. إلا إن ظروفاً تلازمت لتجعل من العبّار إسما متميزاً في تلك القائمة. فلقد رفضت عائلته أن تستلم شهادة الوفاة التي أصدرتها وزارة الصحة والتي تشير إلى إن سببها هو “توقف الدورة الدموية”. وطالب موسى العبار، والد الشهيد، بأن تذكرالشهادة السبب الحقيقي وراء الوفاة أي الطلق المسيل للدموع وخرطوش الشوزن. لم يكن موسى العبار وزوجته وحيديْن، ولكنهما لم يكونا جزءً من جهد جماعي. لم يكن ما قاما به تفصيلاً في سيرة نضالية أو تكتيكا يخدم إستراتيجية كبرى. كانا إنسانيْن عادييْن يدافعان عن عزة نفس وكرامة إنتهكتهما رصاصات قوى الأمن التي أصابت إبنهما. لم يقفا ليطالبا بإسقاط النظام ولا حتى بإصلاحه. أقصى ما كانا يطالبان به طيلة أشهر هو حقهما في توثيق كيفية أُزهاق روح ولدهما الوحيد. نعم. لم تتوقف المسيرات التضامنية مع قضيتهما ولم تتخلف وجوه المعارضة بأشكالها عن مطالبة السلطة بإنصافهما. إلا إن موسى العبار وزوجته لم يخرجا على رأس تلك المسيرات ولم يتصدرا المجالس. هما فردان عاديان يقومان بما يتطلبه منهما الحفاظ على إنسانيتهما وإنسانية إبنٍ فقداه نتيجة فجور قوات أمن تعتبر كل متظاهر إرهابياً وتعتبر كل معارضة خروجاً على ولاة الأمر.

العين في مواجهة المخرز

رفضت السلطات المعنية الاستجابة إلى طلب العائلة التي لا عزوة قبلية أو مالية أو سياسية لها. فمن جهة، أعلنت وزارة الداخلية (التي يرأسها أحد كبار العائلة الحاكمة) أنها “ليست طرفاً في هذا الأمر، وهو بين العائلة والطبيب الشرعي”، وإن المطلوب لإتمام مراسيم الدفن هو “قبول أهل المتوفى بتقرير الطبيب الشرعي بشأن وفاته”. أما وزارة الصحة (التي يرأسها وزير شيعي)، فأصدرت بيانا تؤكد فيه إن المتوفى “وافته المنية إثر هبوط في الدورة الدموية”، وإن “الإجراءات والأنظمة والقوانين لا تسمح بتغيير ما يذكر في شهادة الوفاة وسببها”. ما حدث بعد ذلك كان مفاجئاً للسلطات على مختلف مستوياتها. فلقد رفض موسى العبار وزوجته إستلام جثمان إبنهما لإتمام مراسم دفنه قبل إستلام شهادة وفاة تبين سببها. وإستمرت مواجهة غير متكافئة، أحد طرفيها عاملٌ فقير وزوجته في مقابل سلطة تعودت ان تفرض قراراتها. صمد الرجل الذي يعمل في المشرحة التي تختزن ثلاجاتها جثمان إبنه. لم ينقطع عن عمله ولم يقف بباب أحدٍ ليستجدي حقه. بعد 73 يوما، رضخت السلطة فأوجدت مخرجاً يتيح لها إصدار تقرير يؤكد إن سبب وفاة هو “مضاعفات الإصابات النارية الرشية بالوجه والرأس، بما أحدثته من أنزفة بالمخ ومضاعفات التهابية وتوقف بالقلب أدى إلى الوفاة”. وبهذا تمكنت العائلة من تشييع فقيدها يوم الأحد الفائت (6/7) بمشاركة آلاف المشيعين من مختلف مناطق البحرين.

ما الذي يجعل أفراداً عاديين يقومون بأعمال غير إعتيادية؟

ما فعله موسى العبار وزوجته يشابه كل مقاومة يمارسها الناس العاديون، وهي تُفاجئ السلطات والنخب فتسعى إلى إخمادها أو تحجيمها أو إحتوائها. لقد فوجئت السلطة في البحرين، وكثيرون غيرها في البداية، بجرأة زوجيْن فقيريْن على رفض قبول شهادة وفاة تبرئ السلطة من جريمتها. كما لم تستوعب السلطة ولا وسطاؤها قدرة ذلك العامل الفقير وزوجته على الصمود طيلة أشهر دون أن يودعا فقيدهما الوداع الأخير. فما أكثر المغريات التي يمكنها أن تخاطب عائلة فقيرة تسكن بيتاً متواضعاً حتى بمعايير مساكن الفقراء في القرى البحرينية. وتزداد قيمة صمود موسى العبار وزوجته في مجتمعٍ يتضمن موروثه “إكرام الميت بالإسراع في دفنه”. إنتصر موسى العباروزوجته على سلطة إستخدمت مواردها لترهيبهما وإغرائهما، وحتى لتشويه سمعة عائلتهما وفقيدهما. لن يعيد هذا الإنتصار لهما إبنهما، ولكنهما ضربا للناس مثلاً يستحق أن يُعرف. ففيه أضافة لسطر في ملحمة يكتبها الناس العاديون في كل أرجاء الأرض وهم يقاومون – فرادى في أغلب الأحيان – جبروت سلطات سياسية أو مالية أو إجتماعية. لقد قدّم الزوجان وهما في قمة حزنهما شكلاً خاصاً من أشكال المقاومة. شكلٌ يقف متميزاً بين المقاومة المسلحة والمقاومة بالعمل الجماهيري، ولكنه لا يلغيهما. ولأنه شكل من المقاومة التي يمارسها بطرق مختلفة ملايين الناس العاديين، فلا جدوى من قولبته ووضع ضوابطه أو تحديد مساره. ففي هذه المقاومة يتاح للبسطاء أن يصبحوا أبطالاً بمعنى الكلمة وهم يمارسون حياتهم العادية ويدافعون في الوقت نفسه عن عزة أنفسهم وعن كرامتهم.

لم يعد دق الجدران يكفي

في رائعته “رجال في الشمس” عرض غسان كنفاني معاناة ثلاثة رجال يموتون عطشاً وإختناقاً وهم مختبئون في سيارة صهريج تنقلهم إلى حيث يأملون أن يجدوا مخرجاً من حياة البؤس التي كانوا فيها. عانى الثلاثة حتى الموت دون أن يدقوا جدران الصهريج حتى لا يُكتشف أمرهم. فلقد كانوا يظنون إن صمتهم هو أمانهم وهو الذي سيضمن حياتهم. ختم غسان كنفاني روايته القصيرة بعبارة ظلت ماثلة لعقود طويلة: “لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟”. وبدأت الصحراء كلها تردد الصدى : لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟”.يستصغر كثيرون ما حدث في الربيع العربي ويقللون من أهمية الأبواب والنوافذ والشقوق التي فتحتها الحراكات الشعبية منذ نهاية 2010 في قلعة القمع العربي. ويجد بعض هؤلاء في ما تشهده االبلدان العربية من حروب أهلية وفوضى وإنقسامات مبررات للحنين إلى عصر بن علي وأمثاله. لهذا لا يبدو مهماً وتاريخيا في أعين هؤلاء أحد أهم إنجازات الربيع العربي: كسر جدران الخوف. لم تعد الناس تؤمن بأن السكوت من الذهب ولا إن الأمان في الصبر والإحتساب. بل لم يعد “دق الجدران” يكفي إلا كبداية لحراك متعدد الأشكال يشارك فيه الناس العاديون بأشكال مقاومتهم العادية، فيصنعون تغييراً في ميزان القوى لصالح مئات الملايين من أمثال موسى وزوجته

—–

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=2008&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

.

أعطهم خبزاً وسِيركاً… وخوفاً

حين قال الشاعر الروماني جوفينال «أعط الناس ما يحتاجون اليه… أعطهم خبزاً وسيركاً» كان يسخر من اسلوب حكم يتمثل في إلهاء الناس بعيداً عن مشاكلها الحقيقية. وهو وصفٌ أستعيده كلما ملَّ طلبتي من سماع أمثلة أسوقها عن ممارسات الدولة الريعية في بلدان الخليج العربية. فالخبز، متمثلاً بالمكرمات الملكية والسلطانية والأميرية، والسيرك، متمثلاً في قائمة تكاد لا تنتهي من المهرجانات، يقومان بمهمات سياسية حيوية. كلاهما يحافظ على إبقاء اهتمام الناس بعيداً عن التجاوزات التى يرتكبها أهل السلطة ضدهم. ا

فالتنافس بين الناس على لقمة العيش (التي لا تأتي إلا في صورة مكْرمة) يقدم للعوائل الحاكمة فرصاً إضافية لكي تُشْغل فئات المجتمع ببعضها البعض. ويلعب الدور نفسه انشغال الناس بالمهرجانات وتنافسهم على «الفوز» فيها.  إلا إن الخبز والمهرجانات ليسا كافيين. ولهذا لا بد من تفعيل أدوات إضافية لنشر الخوف بين الناس… الذي لا ينحصر في الخوف من الأجهزة الأمنية رغم ضرورة وجوده. فهذا النوع من الخوف غير مأمون منفرداً حين يكتشف الناس أن الأجهزة الأمنية هي نفسها مصدر الخطر على سلامتهم وأمنهم. الخوف المطلوب هو خوف غامض المصدر، خوف من الآخر ومن المجهول. خوفٌ على المستقبل ومنه في آن واحد. عندها تبرز العوائل الحاكمة وتقدم نفسها كضامنة للمستقبل وحامية لقيم المجتمع وتراث الأجداد. عندها أيضاً تصبح الأجهزة الأمنية، رغم تجاوزاتها وفسادها، هي مصدر الأمان للناس.

نانسي وهيفاء وعبَدة الشيطان
والبُويات، ومخاطر أخرى

رغم قواسمها المشتركة، تختلف تفاصيل الصورة في بلدان الخليج العربية. وسأكتفي فيما يلي بأربعة أمثلة من تفاصيل بحرينية. في 2003، وقف أحد النواب السلفيين معترضاً على السماح للمغنية اللبنانية نانسي عجرم بإقامة حفل في البحرين مشيراً إلى انها «تعتمد في تسويق اغانيها على اغراء الشباب والخروج عن الحشمة». وبدون مقدمات، تطور ذلك الاعتراض إلى حملة «شعبية» شارك فيها رجال دين سنة وشيعة، وقوى سياسية. وسرعان ما تحولت إلى مواجهات في شوارع العاصمة البحرينية تخللها إطلاق رجال الشرطة الرصاص المطاطي والقنابل المسيلة للدموع لتفريق المحتجين.  وتكررت الاعتراضات حين جاء دور المغنية اللبنانية هيفاء وهبي لإحياء حفلة في البحرين. وصدر بيان وقعته عشرات الجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني بما فيها جمعيات الأصالة (سلفية) والمنبر الإسلامي (إخوانية) والوفاق (شيعية) التي يمثل نوابها أغلبية أعضاء البرلمان البحريني.ا

في 2004 اتجه الاهتمام السياسي/الإعلامي إلى أخبار راجت عن أنشطة يقوم بها «عبدة الشيطان» في البحرين. لم تنقطع خلال العشر سنوات الماضية الإشارات الإعلامية وبيانات وزارة الداخلية والجمعيات السياسية إلى الخطر المحدق الذي يمثله «عبدة الشيطان» على قيم المجتمع ومستقبل أجياله. فهؤلاء بحسب ما ذكرت إحدى الصحف هم جماعة تدعي أن طقوسها «تمكنهم من الحصول على القوة الشيطانية». تتفاوت التفاصيل التي سربها «المطلعون» عن الطقوس التي يمارسها المشاركون والمشاركات في الحفلات التي تقيمها الجماعة في قاعات الفنادق الكبرى. فهم يرقصون على «موسيقى البلاك ميتال الصاخبة وموسيقى الروك». وهم يتعاطون «الخمور والمخدرات ومن ثم ممارسة الجنس الجماعي فيختلط كل شيء لديهم ويمارسون الزنا واللواط ويقومون بعدها بذبح قط أسود أو أي حيوان له اللون ذاته ويشربون دمه» (الوسط 27/4/2004).ا

في السنوات التالية، برز اهتمام سياسي وإعلامي مماثل بخطر «انتشار ظاهرة الجنس الرابع» أو ما يُعرف محلياً بـ«البُويات»، أي «الفتيات المســترجلات» بحسـب لغــــة الخطاب الإعلامي السائد. ينشر الإعلام الرسمي ووسائل الإعلام الاجتماعي ومنابر المساجد أخباراً تزيد من الإحساس بالخطر الداهم على القيم والأخلاق من جهة، وعلى مستقبل الوطن نتيجة لاسترجال النساء. ويصور ذلك الخطاب ان خطر «المسترجلات» داهم، فهن «موجودات في كل مكان بحيث لا يخلو منهن صف في مدارس البحرين الإعدادية والثانوية» (أخبار الخليج 10/5/2008). وتُنشر أخبار غير موثقة عن مآس ناجمة عن الغيرة أوعن قيام «البويات» باغتصاب من يرفضن الرضوخ لهن أو عن حفلة زفاف تمت في مدرسة بحضور جميع الطالبات (تتكرر، وبصياغات مختلفة الحكايات غير الموثقة عن حالات الاغتصاب والتحرش الجنسي بين طالبات المدارس، والزفاف المثلي في قنوات الاتصال الاجتماعي). وبسبب التضييق على حرية التعبير، لا يمكن مواجهة مبالغات الخطاب الإعلامي/الديني/السياسي الذي يعتبر كل خروج عن الصورة النمطية للمرأة استرجالاً وتهديداً للقيم والتقاليد.

طفل في الخامسة يقبل طفلة في الخامسة

في بداية حزيران/ يونيو الجاري، انتشرت في البحرين صورة طفلة وطفل في الخامسة من العمر يقبلان بعضهما بعد تبادل الهدايا في حفلة عيد ميلاد أقيمت في روضة الأطفال بحضور أمهات الأطفال ومدرساتهم. ضاعت في الضجة إن والدة الطفلة صاحبة العيد هي من أخذ الصورة وإن إحدى المعلمات هي من نشرتها في الصفحة الخاصة بالروضة على الأنستغرام.
كان يمكن لتلك الصورة أن تكون كما هي، تسجيلا عاديا وبريئا لحدثٍ عادي يتكرر كل يوم في الحضانات أو المنازل، حين يحتفل الأهل والمدرسون بأطفالهم ويتفاخرون بهم. إلا إن البحرين «غير» كما يقول ملصق للترويج السياحي. فلم يمر وقتٌ طويل حتى قامت حملة للدفاع عن أخلاق المجتمع وقيمه. وهي حملة تصدرها وزير التربية والتعليم في بيان أعلن فيه أن روضة الأطفال خالفت «الأعراف والقيم والمبادئ التربوية الحاكمة للعملية التعليمية في مملكة البحرين، من خلال نشر صورة طفل يقبل زميلته بصورة غير لائقة في احتفال أقيم داخل الروضة وبعلم إدارتها». على ضوء ذلك قرر الوزير سحب ترخيص الروضة لقيامها بنشر صورة تخالف «الآداب والقيم وتعد انتهاكاً لحقوق الطفل».ا

لم يجد الوزير ضرورة لتبيان ما هي الشروط اللازمة لقيام طفلة في الخامسة بتقبيل طفل آخر في «صورة لائقة». ولم يتوقف الوزير للبحث عن بدائل لاستيعاب 250 طفلاً وطفلة بعد إغلاق روضتهم ولا لتشغيل العشرات من معلمات الروضة وبقية العاملين فيها. لم يكن الوزير في حاجة إلى فعل أكثر مما فعل كي يؤكد أن الخبز والسيرك لا يكفيان لإدامة أنظمة الاستبداد.

مقال منشور في السفير العربي

بتاريخ 3/7/2014

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1987&refsite=arabi&reftype=articles&refzone=articles