الإحتفال بعيد العمال / الأول من مايو 1974

فصلٌ من كتابي “شيْ من تاريخ الطبقة العاملة البحرانية”…من إصدار لجنة التنسيق بين النقابات واللجان العمالية في البحرين (1978)ا

May1st1974

May1st1974

النفط والحركة العمالية في الخليج (المثال البحراني)ا

مقال منشور في العدد الخاص من مجلة الطريق عن “نشوء وتكوين الطبقةالعاملة في البلدان العربية”ا

العدد 3/4 لعام 1980

Oil&WorkingClass_Sida_13

Oil&WorkingClass_Sida_12

Oil&WorkingClass_Sida_11

Oil&WorkingClass_Sida_10

Oil&WorkingClass_Sida_09

Oil&WorkingClass_Sida_08

Oil&WorkingClass_Sida_07

Oil&WorkingClass_Sida_06

Oil&WorkingClass_Sida_05

Oil&WorkingClass_Sida_04

Oil&WorkingClass_Sida_03

Oil&WorkingClass_Sida_02

المرتزقة الجُدد في الخليج العربي

بلاك ووتر”  في الأمارات “

في تشرين ثاني/نوفمبر من العام 2010، أي قبل أن يسمع العالم خارج ولاية سيدي بو زيد التونسية باسم محمد البوعزيزي، هبطت في مطار أبو ظبي طائرة خاصة على متنها مواطنين من كولومبيا أتوا تحت غطاء “العمل في قطاع البناء في الإمارات لحساب شركة بلاك ووتر الأميركية”. لم يكن في هبوط تلك الطائرة وركابها ما يثير الاستغراب في بلدٍ تستقبل مطاراته في كل يوم آلاف المهاجرين للعمل، لولا خلفية الركاب والشركة التي يعملون لحسابها. فلا علاقة للشركة التي استقدمتهم بمقاولات البناء. إنها إحدى الشركات الهامة في قطاع “الخدمات الأمنية” التي ارتبط اسمها بعددٍ من أبشع التجاوزات الأمنية في العراق وأفغانستان. أما ركاب تلك الطائرة فكانوا قبل مجيئهم إلى الأمارات يعملون في القوات الخاصة في الجيش الكولومبي التي تخوض في بلادها حرب عصابات منذ الثمانينيات.

المفارقة الإماراتية

التزم المسؤولون الإماراتيون الصمت لأشهر عدة قبل الإقرار بوجود جيش مصغر من العسكريين الأجانب تدير كتائبه شركات عدة أجنبية وخاصة. ففي منتصف أيار/مايو 2011 نقلت وكالة الأنباء الإماراتية بياناً رسمياً تبين منه إن “المتعاقدين الأجانب أساسيون لتطوير القدرة العسكرية الإماراتية”، ولدعم جهود “القوات المسلحة الإماراتية في تدريب قوات الأمن العراقية والأفغانية للمساهمة في الاستقرار بالدولتين” (بي بي سي 16/5/2011). ومما يزيد في سوريالية ذلك البيان، إن الأمارات التي تعلن حاجتها للتعاقد مع شركات عسكرية وأمنية خاصة لحماية مؤسساتها ومبانيها، تقوم في الوقت نفسه بإرسال أكثر من 500 عنصر في قوة أمنية/عسكرية لمشاركة القوات السعودية في إنهاء الحراك الشعبي في البحرين.
رغم التكتم الإماراتي، أوضحت تقارير إعلامية (نيويورك تايمز 14/5/2011) ان “عمال البناء” الكولومبيين هم جزء من قوة عسكرية مؤلفة من 800 عنصر يعملون لشركة “بلاك ووتر”. وإن الشركة تعاقدت مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد على تقديم خدمات أمنية وعسكرية مقابل 529 مليون دولار. وحسبما ذكر تقرير نيويورك تايمز، ستكون تلك القوات الخاصة الأجنبية “خط دفاع أخير عن الإمارات في حال تعرضها لأخطار جسيمة”. تبعت تلك الدفعة القادمة من كولومبيا دفعات قدمت من بلدان أخرى بعد أن توسّع عمل بلاك ووتر في دولة الإمارات، ودخول شركات منافسة لها، خاصة بعد أن اندلعت الانتفاضات العربية ووصلت تباشيرها إلى البحرين، وبدرجات أقل بكثير إلى بقية بلدان الخليج العربي بما فيها دولة الإمارات نفسها.

نقلة نوعية في سيرة الارتزاق في الخليج

يمثل إعلان الإمارات عن تعاقدها مع شركة بلاك ووتر وغيرها من الشركات الأمنية/العسكرية الخاصة نقلة نوعيةً في سيرة الارتزاق في منطقة الخليج. فالارتزاق الأمني ليس جديداً هنا، ولكنه صار مختلفاً نوعياً عما سبقه. فلقد اعتمد شيوخ قبائل المنطقة قبل النفط وبعده على الخارج لاستيراد الأمن والمنعة، عدة وعديداً. وكان الاستيراد يأتي في صورتيْن: الأفراد والاتفاقيات الثنائية مع دول. تشكلت بدايات الصورة الأولى من أفراد “الفداوية” أي حرس شيخ القبيلة الذي يُخضِع بقوتهم بقية قبيلته ويخيف بكثرتهم القبائل الأخرى. قبل مجيء النفط، كان أبناء العبيد والقبائل الهامشية، ومن لا قبيلة لهم، هم المورِّد الذي لا ينضب للفداوية. ولكن هؤلاء الأخيرين كانوا مصدر إزعاج للسلطة البريطانية بسبب دورهم في استمرار المنازعات بين شيوخ القبائل وبسبب انفلاتهم بين الحين والآخر وقيامهم بغارات النهب والسلب على أهالي المدن والقرى.
حينها قرر البريطانيون التخلص من الفداوية بإنشاء جهاز نظامي للشرطة في البحرين في بداية العشرينيات، وبعدها في الشارقة ودبي وقطر، جعلوا عموده الفقري مجندين تم استجلابهم من البنجاب. بعد ذلك شارك البلوش الإيرانيون والباكستانيون في توفير العنصر البشري لبناء التشكيلات العسكرية التي أصبحت جيوشاً في البحرين وقطر والإمارات وعُمان. كان المرتزقة يأتون إلى مشيخات الخليج أفراداً يعرضون للإيجار قدرات جسدية واستعداداً للقتل لحماية من يدفع أجورهم. وكان أولئك المرتزقة يغادرون المنطقة أفرادا أيضاً، وخاصة حين تتحول الأمور إلى مواجهات فعلية مع معارضي النظام الذي يقومون بحمايته. أما الصورة الثانية فهي عبر علاقات ثنائية مع دول أخرى. كانت بريطانيا حتى بداية السبعينيات من القرن العشرين هي من تتولى مهمات التدريب والتنظيم والقيادة. وبقيَ الحال كذلك في ما يتعلق بالبحرين والإمارات وقطر حتى بعد إعلان استقلال هذه المشيخات في العام 1971. تجدر الإشارة إلى أن الاستثناء الوحيد لهاتين الصورتيْن حدث حين استعان سلطان عُمان في أواخر الستينيات من القرن الماضي بشركة بريطانية خاصة (“إنترناشونال ووتش غارد”) لتدريب الحرس السلطاني. (إلا أن وثائق الأرشيف البريطاني المعلنة لاحقاً كشفت إن تلك الشركة كانت واجهة للحكومة البريطانية).
دخلت دولٌ أخرى على الخط بعد الطفرة النفطية في منتصف سبعينيات القرن الماضي. وبرز من الدول الإقليمية كلٌ من باكستان والأردن اللتين عقدتا منذ عقود اتفاقيات ثنائية مع مختلف بلدان الخليج العربي لتوريد العناصر البشرية والخبرات اللازمة لتدريب قوى الأمن والقوات المسلحة. وحسبما تسرب في الأشهر الأخيرة، فإن تلك الاتفاقيات قلصت كثيراً دور التجنيد الفردي لمصلحة التجنيد الجماعي وبإدارة الأجهزة المعنية في باكستان والأردن. فلم يعد المرتزق فرداً مغامراً يأتي لفترة يختارها تطول أو تقصر، بل هو جزء من علاقة حميمة سياسيا واقتصاديا بين بلاده والبلد الخليجي الذي يعمل فيه. ولقد تبين عبر وثائق مسربة، ان الأردن أرسل قبل أشهر قوة مكونة من أكثر من 500 عنصر وضابط أمن للخدمة في البحرين. واستنادا إلى تلك الوثائق، ستتمكن الجهة الأردنية من التحكم في نوعية المستفيدين من رواتب الخدمة في الخليج مقابل أن تضمن للبحرين عدم اندساس عناصر غير ملائمة. أما في باكستان، فتجد الحكومة، بسبب حساسية الرأي العام، صعوبة في تطبيق النموذج الأردني. إلا أن الملاحظ هو ازدياد الاعتماد على شركات قريبة لوزارة الدفاع الباكستانية متخصصة في توريد العناصر الأمنية والعسكرية إلى دول الخليج، مما يضمن بشكل خاص عدم اندساس مجندين من خلفيات دينية أو اجتماعية غير مرغوبة.

تسليع الارتزاق وخصخصة الأمن

لقد فرضت النيوليبرالية على دول كثيرة أن تتخلى عن دورها كوكيلة عن المجتمع في مراقبة وضبط أنشطة التبادل في السوق وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. ورأينا بلدانا كثيرة تتجه إلى فرض إيكال مهمات حماية أمن المجتمعات إلى السوق، ممثلة بالشركات الأمنية والعسكرية الخاصة. وشهد العالم نمو هذا النوع من الشركات خلال العشرين سنة الماضية. ففي أفغانستان وحدها أشارت تقديرات (2013) إلى إن عدد تلك الشركات تجاوز الخمسين، وإنها تقوم بتشغيل أكثر من مئة ألف عنصر. ثمة أسباب عدة لهذا النمو. فبالنسبة للإدارة الأميركية، أثبتت الشركات الأمنية انها أداة عملية وغير مكلفة سياسيا لفرض السياسة الأميركية في وقت لم يعد التدخل العسكري المباشر ممكناً، لعوامل داخلية تتعلق بحساسيات الرأي العام الأميركي من جهة، ولعوامل خارجية تتعلق بالقواعد التي يفرضها توازن القوى الدولي وانعكاساته في مناطق النزاع وفي مجلس الأمن. ومن جهة أخرى يبدو التوجه لإشراك السوق في مجالات الخدمات الأمنية والعسكرية بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية منسجماً تماماً مع الأيديولوجية النيوليبرالية التي تبارك إطلاق حرية السوق وشروطها في مختلف المجالات، حتى ولو نجم عن ذلك تهميش “فئات معينة” وحتى حرمانها من الاستفادة من الخدمات التربوية والصحية والاجتماعية. وقد رأينا أثر هذا التفضيل الأيديولوجي، ليس في تزايد الشركات الأمنية الخاصة فحسب، بل وحتى الشركات الخاصة التي تدير السجون وإصلاحيات الأحداث ومراكز تسفير “المهاجرين غير الشرعيين”.

الأمن المستورد لا يحمي

تتداخل الخدمات الأمنية والعسكرية التي تقدمها هذه الشركات. فلم تعد الخدمات “الأمنية” محصورة في تجنيد أفراد مفتولي العضلات يزيدون الموكب الرسمي هيبة ويخيفون من يحاول الاقتراب من الشخصيات أو المؤسسات المحروسة. ولم تعد العضلات المفتولة تكفي لحماية المسؤول سواء من خطر سيارات مفخخة أو من غضب جماهيري. ولم يعد ما هو مطلوب حمايته محصوراً في أشخاص مسؤولين وأفراد عوائلهم، بل صار يشمل حماية الشركات والمجمعات السكنية والتجارية التي يمتلكها أولئك المسؤولون واقاربهم. من جهتها، لا تنحصر الخدمات التي تتولاها الشركات العسكرية في التدريب والأعمال اللوجيستية، بل تقوم أساساً على توفير جيش مصغر يضع خططه العسكرية ويتولى توفير ما هو مطلوب لتنفيذها بما في ذلك القيام بعمليات قتالية.
حين وقع ولي عهد أبو ظبي عقد تكليف شركة بلاك ووتر بمهمات أمنية وعسكرية في بلاده، لم يكن يوقع عقداً لبناء مجمع تجاري أو سكني، بل كان في واقع الأمر يعلن زج الإمارات بقوة في واحدة من أسوأ تداعيات النيوليبرالية، أي خصخصة شؤون الأمن والدفاع، أي بما يسمح لشركة خاصة أميركية أو بريطانية أو عابرة للجنسيات أن تستخدم جنوداً من النيبال أو أيسلندة لضبط الأمن في شوارع أبو ظبي أو دبي. كما فعلت يوما شركة بلاك ووتر في شوارع بغداد وساحاتها. ربما ظن محمد بن زايد انه يتلاءم من متطلبات “التطور” التي فرضت على أبيه أن يتحول من نظام الفداوية إلى نظام حديث بإنشاء أجهزة الشرطة والقوات المسلحة النظامية. ولهذا ربما رأيناه يقوم بذلك التحول بالطريقة نفسها التي اتبعها أبوه، أي باستيراد ما يلزم من معدات وعناصر بشرية وخبرات وتقاليد. والشيخ زايد كان يعرف ان الأمن المستورَد لا يحمي إلا بشروط يقررها مصدر ذلك الأمن… وقد قبل تلك الشروط حين أتى إلى سدة الحكم في 1966 بعد أن أزاح البريطانيون أخاه الشيخ شخبوط الذي كان حاكم المشيخة وقتها

 

مقالمنشور في السفير العربي بتاريخ 17 ابريل/نيسان  2014

 

من المقشع إلى جدحفص (مقال قديم)

هذا المقال منشور في الوقت في في 2007

خمس سنوات تفصل بين زيارة سمو ولي العهد إلى قرية المقشع في 2 أكتوبر/ تشرين الأول 2002 وبين 17 ديسمبر/ كانون الأول 2007 حين فارق الحياة المغفور له علي جاسم في جدحفص إثر مشاركته في الاحتجاجات التي واجهتها قوات الشغب بمختلف الوسائل بما فيها القنابل الغازية والمسيلة للدموع. إلا أن المسافة المكانية والزمانية تبدو شاسعة بين قرية المقشع في العام 2002 وجدحفص في العام .2007 ومع ذلك فما حدث في المكانيْن وفي اليوميْن يلخص جزءاً مهماً من تاريخنا الحديث.

في الثاني من أكتوبر/ تشرين الأول ,2002 زار سمو ولي العهد قرية المقشع واطلع، بحسب تقارير إخبارية «على الوضع المأساوي الذي يعاني منه أهالي تلك المنطقة، مشدداً على ضرورة رفع المعاناة على كاهل سكان تلك المنطقة والمناطق الأخرى». كما أكد «أننا سنعمل بكل عزمٍ وإرادة وبتكاتف الجميع على الارتقاء بهذه المناطق من خلال كثير من المشروعات التي سيتم تنفيذها (…) وأننا عاقدون العظم على توفير الحياة الكريمة لجميع المواطنين من دون تمييز[1]. وتناقلت أفواه الناس ما لم تنقله الصحف من أن الزائر الملكي كان متأثراً من سوء الأوضاع التي شاهدها، وأنه قال «لو كنت أعيش كما يعيشون لفعلت ما يفعلون. وَنسب الناس لسمو ولي العهد قوله إن هؤلاء، أي أهل القرية، يستحقون الشكر لأنهم لا يثورون. وفي المقابل أعرب أهالي القرية عن فرحتهم بما أبداه سموه من تفهم لمطالبهم واستماعه لمختلف اقتراحاتهم من أجل تطوير البنى الأساسية في القرية[2]».ا

في يوم 17 ديسمبر/ كانون أول 2007 كانت مختلف أجهزة الدولة بما فيها الإعلام الرسمي وقوات الشغب مشغولة في مواجهات مع مجموعات من الشباب في «مناطق الاشتباكات». وقام الشباب بإشعال النار في إطارات السيارات وحاويات القمامة واستعملت قوات الشغب القنابل الغازيّة والمسيلة للدموع. وبجانب وفاة الشاب علي جاسم وإصابة عدد من المواطنين بمن فيهم أطفال، فلقد أدت المواجهات إلى إغلاق شوارع وطرق عدة، ما تسبب في اختناقات مرورية وتعطيل لمصالح الناس. ولقد أدت الاشتباكات المتقطعة التي استمرت أياماً عدة إلى توتير الأجواء في مختلف أنحاء البلاد

 المسافة شاسعة بين المكانيْن وبين الزمانيْن. عكست المواجهة الودية في المقشع آمال الناس في أن تتغير الأحوال وأن تتحقق الوعود. بينما عكست وفي جدحفص إحباطاً متراكماً، بل ويأساً من حدوث ما أَمَلوا فيه من تغيير. وقبل أن يُكَّلف أحدٌ بتدبيج بيان آخر يندد بهذا الكاتب ويستعدي عليه جامعته أسارع للتأكيد على اقتناعي بأن مشاعر الإحباط واليأس التي نرى انعكاساتها في شوارع «مناطق الاشتباكات» ليست موجهة فقط إلى السلطة بما فيها أجهزة الأمن. بل هي موجهة أيضاً إلى قادة المجتمع المدني ووجهائه بمن فيهم النخب السياسية التي تولت الحديث مع السلطة باسم الناس منذ التصويت على ميثاق العمل الوطني.

لقد خيّبَ كثيرٌ من هؤلاء ظّنَّ الناس بهم. بل إن بعضهم صار يتصرف وكأنهم خلاصة تاريخنا الوطني وهدفه. فهم يتخيلون أن من أجلهم سقط عشرات الشهداء وسُجن آلاف المعتقلين وشُرِّدت مئات العائلات. وكأن التضحيات التي بذلها الناس كانت كلها من أجل أن يتفرهد في النعيم من كانوا في الواجهة يوماً ما قبل أن ينزلقوا في منزلق الطمع فصار الواحدُ منهم وزيراً أو نائباً أو مستشاراً معلناً أو مخفياً. وهم يتصرفون وكأن تضحيات الناس منذ الخمسينات وحتى قبلها هي من أجل زيادة عدد الصحف في البحرين أو زيادة حصة هذه الطائفة أو تقليل حصة تلك في وظائف هذه الوزارة أو تلك المؤسسة. وهم يتصرفون وكأن تضحيات الناس كانت من أجل أن تتأسس جمعيات سياسية يقفون هم على رأسها ويستخدمونها معبراً للوصول بالانتخاب أو التعيين إلى البرلمان أو إلى مجالس أخرى. ولا يتوقف بعض هؤلاء فترة من الزمن تكفي لطرح السؤال بشأن صواب الطريق الذي دفعوا فيه الناس منذ انتهاء التصويت على ميثاق العمل الوطني.

فلو كان هدف نضالات شعبنا منذ الخمسينات وحتى الآن هي أن يصل هؤلاء إلى مواقع الوجاهة والحظوة لدى السلطة لما احتاج الأمر إلى نفي الباكر وأصحابه، ولا إلى سجن الموسى وفخرو، ولا احتاج الأمر أن يُسجن من سجن، أو يموت تحت التعذيب أو يُنفى من نُفي طوال أكثر من خمسة عقود مضت. وبطبيعة الحال، لما احتاجت السلطة لخدمات هندرسون ولا لمرسوم أمن الدولة. ولا احتاج الأمر إلى استشهاد الهانييْن وعشرات غيرهما في التسعينات وقبلها.

نحتاج إلى العودة إلى تاريخ الحركة الوطنية بدءاً من هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات لنستخلص أهمية الالتفات إلى عقبتيْن صعبتيْن لهما دوراهما البارزان في تشكيل تاريخنا كما أن لهما دورهما فيما نعاني منه الآن. العقبة الأولى تتمثل في تداعيات ما نسميه بحاجز الخوف، وثانيهما تتمثل في تداعيات منزلق الطمع. مثل غيرنا من المجتمعات تتولى الناس مواجهة حاجز الخوف فيسقطونه بإصرارهم على التحدي وباستعدادهم للتضحية. ومثل غيرنا من المجتمعات تتولى النخب السياسية مواجهة منزلق الطمع فلا يصمد بعضها، بل نراها تسقط فيه راضية مرضية تاركة وراءها الناس بمن فيهم نشطاؤها في العراء.

صحيح أن ما حدث من تساقطات في الأعوام 2001-2007 ليس جديداً في تاريخنا. لكن ما شهدناه في الأعوام الستة الماضية يفوق ما سبقه بكثير. وللأسف، لم تختص بالسقوط في منزلق الطمع طائفة من دون أخرى أو مدينة أو قرية. ولم ينفرد بسرعة الانزلاق في مستنقع الطمع تيارٌ سياسي من دون آخر. ففي منزلق الطمع سقط الإسلامي والشيوعي والقومي، ناهيك عن آخرين ممن لا لون لهم ولا رائحة.

نعم، هي بضعة أعوام تفصل بين زيارة سمو ولي العهد وبين الفجيعة بموت علي جاسم، إلا أنها المسافة السياسية بينهما شاسعة. فبجانب أنها تلخص جزءاً مهماً من تاريخنا الحديث، فهي تشرح كيف تحولت بعض القيادات العلمانية والإيمانية التي كانت الناس تعوِّل عليها إلى مجرد ديكور في خدمة النظام السياسي. وكيف أصبحت تلك القيادات سببا إضافياً من جملة أسباب تدفع الناس دفعاً إلى اليأس

——————————–.

[1] انظر: «إثر تقرير من سمو ولي العهد، الملك يصدر أمراً فورياً بإنشاء قرية إسكان نموذجية لأهالي المقشع»، صحيفة «الأيام» 4 أكتوبر/ تشرين الأول .2002
[2] انظر: «سمو ولي العهد يزور قرية المقشع ويلتقي بالأهالي»، صحيفة «أخبار الخليج» 3 أكتوبر/ تشرين الأول .2002

———————-

مقال منشور في الوقت البحرينية

كتاب المقاومة المدنية

image

http://zaaherrr.files.wordpress.com/2014/04/almouqawma.pdf

مونديال قطر 2022 – أنسنة أوضاع المهاجرين في الخليج العربي

مونديال قطر  2022 فرصة ذهبية لأنسنة أوضاع المهاجرين في الخليج

image

لم يكن متوقعا أن تفوز قطر بحق إستضافة مونديال 2022. فلقد كانت تواجه أربع بلدان كروية أكبر وذات خبرة مشهودة في تنظيم المنافسات رياضية العالمية مثل كوريا الجنوبية واليابان وإستراليا والولايات المتحدة الأمريكية. منذ ذلك الوقت لم تتوقف الإنتقادات لذلك القراروالتشكيك في أهلية قطرلتنظيم المنافسة الدولية.  ويمكن تجميع تلك الإنتقادات في سلاّت ثلاث. أولاها أشارت إلى ضعف البنى التحتية الرياضية في قطر وقلة خبرتها في تنظيم فعالية بهذا الحجم. علاوة إلى الإشارة إلى طقس الخليج غير الملائم لتنظيم مسابقة في مستوى جماهيرية كأس العالم.  والثانية شملت إدعاءات فساد طالت مسئولين في إتحاد كرة القدم العالمي (الفيفا) سهّلوا حصول قطرعلى حق تنظيم المونديال. ولم ينقطع حتى اليوم ما يُنشرعن “فضائح مزعومة” تتحدث عن أشخاص بعينهم وعن أرقام مالية محددة. أما السلة الثالثة فهي الإنتقادات المستندة إلى قراءة سجل قطر في إنتهاك حقوق الإنسان وخاصة حقوق المهاجرين الذين يشكلون أكثر من 80% من سكان الإمارة.

قطر  وأخواتها         

بعد 2010  أصبحت قطر واجهة بلدان مجلس التعاون أمام كل الجهات الإقليمية والدولية المعنية بالدفاع عن حقوق المهاجرين.  فلا تختلف معاناة المهاجرين في قطرعنها في بقية بلدان مجلس التعاون. وتتشابه الأطر القانونية والمؤسساتية التي تعتمد عليها سوق العمل في هذه البلدان المنشطر إلى شطريْن أساسييْن. أولهما شطر المواطنين الذين يتمتعون بحقوق إقتصادية وإجتماعية ومزايا  تتفاوت طبيعتها حسب قربهم أو بعدهم عن ولاة الأمر.  ثانيهما هو  شطر الوافدين الذين تتيح الأطر المؤسساتية و القانونية وأعراف السوق إستغلالهم وإنتهاك حقوقهم بل وحتى حرمانهم منها.

لهذا شهدنا خلال السنوات الأربع الماضية إزدياد الإهتمام الحقوقي والأكاديمي بما يحدث في مواقع العمل وفي معسكرات إقامة العمال المهاجرين ليس في قطر وحدها بل وفي بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي.  ولقد تبين إتجاه هذا الإهتمام إلى التصاعد في التغطية الإعلامية للجلسة التي عقدتها لجنة حقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي في بروكسيل في فبراير/شباط الماضي  لمناقشة تعهدات قطر بإيقاف إنتهاكات حقوق العمال المهاجرين. فلقد شارك في تلك المناقشات ممثلون عن منظمات كثيرة معنية من بينها “الفيفا” ومنظمة العفو الدولية ومراقبة حقوق الإنسان ومنظمة العمل الدولية والكونفيدالية الدولية للنقابات.

قطر تواجه المشككين

في البداية تراوحت التصريحات القطرية الرسمية والإعلامية من تلك الإنتقادات والنصائح بين الإستخفاف والغضب.  إلا إن الموقف الرسمي إستعاد سريعاً توازنه وصار يتسم في أغلب الأحوال بهدوء ملحوظ. وأخذت الردود الرسمية تعلن قبول بعض تلك الإنتقادات. وحتى حين تشيرإلى مبالغة وتهويل في بعض التقارير حول أهلية قطر لتنظيم عرس الكرة الدولي فإنها كانت تبدي تفهمها لها.  أما الإعلام القطري الرسمي وغير الرسمي فبقيَ متوثباً  للدفاع عن بلاده وولاة الأمر فيها. والفرق بين الموقفين هو الفرق بين جمهرهما. فإعلام قطر يخاطب حساسيات جمهور محلي بهدف  تعبئته والمحافظة على تماسكه وثقته بولاة الأمر بينما يتوجه الخطاب الرسمي أساساً لرأي عام عالمي.

إستطاعت قطر بسهولة أن تتجاوز الإنتقادات حول ضعف البنية التحتية وتلك المتعلقة بطقس الإمارة. فأعلنت عن البدء في مشروعات إستكمال البنى التحتية اللازمة بما في ذلك بناء مطار جديد ووسائل نقل جماعية حديثة ناهيك عن بناء وتسعة ملاعب جديدة مجهزة بوسائل تكييف مركزية لحماية اللاعبين  والمتفرجين من حرارة شمس الخليج ورطوبته. بالإشارة إلى موارد قطر المالية فلن تعاني ميزانيتها بسبب إرتفاع كلفة هذه المشاريع المرتبطة مباشرة بتنظيم مباريات كأس العالم.  فلقد بلغت قيمة العقود الموقعة حتى نهاية 2013 حوالي 33 مليار دولار اميركي. وما زال أمام قطر مصاريف أخرى خلال الثمان سنوات القادمة.  جدير بالملاحظة إن هذا ما صرفته قطر حتى الآن يتجاوز أضعاف ما صُرف على تنظيم المونديال في جنوب أفريقيا في 2010 (ثلاثة ونصف مليار دولار أميركي) أوما هو متوقع أن يُصرف على المونديال في البرازيل هذا الصيف (بين10و15  مليار دولار أميركي). من جهة أخرى تجاوزت قطرحتى الآن مخاطر إتهام  أيٍ من مسئوليها مباشرة في قضايا الفساد التي أثيرت وتثار ضد أعضاء المكتب التنفيذي لإتحاد الكرة العالمي

تزايد الإهتمام بأوضاع المهاجرين

ما لم  تستطع قطر تجاوزه بكل ما لديها من موارد مالية ومكاتب علاقات عامة هو مسئوليتها عن الأوضاع المزرية التي يعاني منها مليون ونصف المليون من المهاجرين الفقراء في الأمارة. بل لقد وفر حصول قطرعلى حق تنظيم المونديال فرصة ذهبية للمدافعين عن حقوق الإنسان بعامة وحقوق المهاجرين خصوصاً لتسليط الأضواء على جانب مظلم من صورة زاهية  تقدمها قطروغيرها من مشيخات النفط إلى العالم.

أسهم الإهتمام المتزايد بمعاناة المهاجرين في قطر وبقية بلدان الخليج في صدورعشرات الكتب والتقارير عن هيئات أكاديمية معتبرة ومنظمات دولية مدافعة عن حقوق الإنسان. كذلك إزداد بما لايُقاس الإهتمام الإعلامي بمتابعة أوضاع المهاجرين في منطقة الخليج وفي قطر على وجه الخصوص.  ولهذا يجد المسئولون في قطر وفي غيرها من بلدان الخليج إنهم لا يكسبون تعاطفاً بمجرد ترديدهم لعبارات علًبتها مكاتب العلاقات العامة من قبيل إننا “نواجه تحديات كثيرة على أرض الواقع ولكننا نسعى لإتخاذ الإجراءات الملائمة لمعالجتها”.

في  منتصف مارس/آذار الماضي أصدرت الكونفيدالية الدولية للنقابات تقريراً دامغاً يؤكد بالأدلة عدم إلتزام  قطر بالمعايير الدولية لحقوق العمال المهاجرين.  يعتمد تقرير”قضية ضد قطر” على زيارات ميدانية قام بها باحثون مؤهلون وشاركت فيها الأمينة العامة للكونفيدالية شاران بارو.  لا تنحصر أهمية ذلك التقرير فيما  أضافه من أدلة وشهادات وتفاصيل جديدة وكثيرة تدعم ما أوردته دراسات أكاديمية وتقارير أخرى أصدرتها هيئات دولية معنية بحقوق الإنسان بما فيها العفو الدولية و مراقبة حقوق الإنسان. يتميز التقرير عما سبقه في إنه طرح سلسلة متكاملة من التوصيات التي يتوجب على السلطات القطرية القيام بها.  ومن أبرز تلك التوصيات 1)  إلغاء نظام الكفالة 2) إصدار قوانين تتيح حرية التنظيم والمساومة الجماعية لجميه العاملين في قطر 3) إعادة النظر في الانظمة المتعلقة بجلب العمال وتطهير السوق من مكاتب توريد العمال المشبوهة 4) وضع حد أدنى للأجور ووقف التمييز العنصري الشائع في أجور العاملين  5) سن القوانين اللازمة لتنظيم جهاز فعال لتقي الشكاوى اعمالية ومتابعتها. وهذه توصيات, في حال تحققت, ستضمن لقطر صيتاً يفوق ما تتخيل حصولها عليه من تنظيم المونديال وسيغير نحو الأفضل أوضاع ما يقرب 30 مليون عامل مهاجر في بلدان الخليج.

تلقفت أجهزة الإعلام تقرير الكونفيدالية الدولية للنقابات وخاصة ما ورد فيه عن إصابات العمل وعن  أعداد الوفيات في مواقع العمل بسبب سوء ظروف العمل وحرارة الشمس وقلة أدوات السلامة. في هذا السياق أشار كاتبو التقرير إلى أن أعمال البناء الخاصة بمونديال في جنوب افريقيا في 2010 ا أودت بحياة عامليْن. بينما تسبب مونديال  البرازيل حتى الآن  في وفاة سبعة عمال في مواقع عملهم. أما في مونديال قطر فيتوقع التقرير أن تصل الوفيات إلى أربعة آلاف.

جاء الرد القطري الرسمي والإعلامي على تقرير الكونفيدالية في صورة نمطية معتادة  بإتجاه التشكيك في في نوايا معدي التقرير والجهة التي تقف خلفه أو مماحكة تفاصيل صغيرة وردت في شهادات شخصية أوردها التقرير.  فعلى سبيل كان العنوان الرئيس في أعلى الصفحة الأولى من جريدة الراية القطرية (23مارس/آذار2014)  هو “العمالة الهندية في قطر لا تواجه أية مشاكل”. وهي جملة جاءت في تصريح رئيسالجاليةالهندية فيقطرالسيدعبد الكريمعبدالله أكد فيه  “أنه لمتسجلأيحالةوفاةلعمالفيأماكن العمل” وإن  “أفرادالجالية يتمتعونبكافةحقوقهمويعيشونفي سلامووئاممعبقيةأفرادالجاليات الأخرى،كماتتممعاملتهمبكلاحترام، وأنأوضاعالجاليةجيدةولاتعانيأية مشاكلجوهرية”.

هل ستخسر قطر مونديالها؟

ليس محتملاً أن تصل الأمور إلى سحب ملف مونديال 2022 من قطر. إلا إن ذلك يبقى ممكناً  مع تصاعد الإهتمام الإعلامي وضغوط الرأي العام  وخاصة في أوروبا التي تشكل ثقلاً أساسيا في المكتب التنفيذي للفيفا.  ما قد يغير الأمور بشكل غير متوقع هو إنعكاسات الخلاف المحتدم بين قطر وكل من مصر والأمارات والسعودية والبحرين. فهذه الدول الأربع قد تنجح في تجنيد الاتحادين العربي والآسيوي لكرة القدم في جهودها لعزل قطر بحرمانها من مونديالها. وخاصة أن كل من الإتحاديْن تحت رئاسة أحد أفراد العائلة الحاكمة في السعودية والبحرين

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 9أبريل 2014

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1749&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

.

احتفالات الرياض بإعلانها منطقة حكم ذاتي

ستحتفل مدينة الرياض يوم الجمعة المقبل (الثاني من كانون الثاني /يناير) بمرور خمس عشرة سنة على إعلانها عاصمة اتحاد الجزيرة العربية، وعلى إعلانها منطقة حكم ذاتي في إطار الاتحاد. ومن المقرر أن يرعى الاحتفال المركزي الاستاذ جوهر حامد المعتوق الذي يتولى هذا العام الرئاسة الدورية لدولة الاتحاد، يرافقه رؤساء عشرة من الولايات الاثنتي عشرة الأعضاء في الاتحاد. لن يحضر رئيسا ولايتَي الحجاز وحضرموت بسبب بسبب انشغال الأول في مهام الإشراف على موسم الحج، أما الرئيس الحضرمي فلقد ألمّت به وعكة صحية مفاجئة. ومن المقرر أيضاً أن يشارك في الاحتفال المركزي عددٌ من قادة الدول المجاورة، وفي مقدمهم الدكتورة بروين غلام زادة رئيسة الجمهورية الشعبية الإيرانية، والبروفيسور عبد المالك جرجس السطاوي رئيس جمهورية وادي النيل.                       ويعتبر المراقبون حضور الدكتورة غلام والبروفيسور السطاوي مؤشراً على تزايد اهتمام بلديْهما بتوسيع مجالات التعاون في ما بينهما والتوسع في استثماراتهما المشتركة في الجزيرة العربية. ومعلومٌ أن من ثمار تعاونهما في مجالات الأبحاث والتطوير والاستثمارات ازدادت بعد نجاح علماء البلديْن في تطوير تقنيات رخيصة ونظيفة لتوليد وتخزين الطاقة المتجددة باستخدام الشمس والرياح وأمواج البحر. وستشمل المشاريع التي سيشارك الضيفان في افتتاحها طيلة الأسبوع المقبل مشروعاً بكلفة 135 تريليون يوان صيني جديد لاستصلاح المنطقة الجنوبية في الربع الخالي لاستيطانها وزراعتها باستخدام تقنية النانو في مجالَي تحلية المياه والتحكم في الأمطار.
بعد حضور الاحتفال المركزي، سيستخدم الرئيس المعتوق وضيوفه الرسميون عربة النقل الإشعاعي الجماعي للوصول إلى رأس مسندم على الجانب الشرقي من الجزيرة العربية لافتتاح النفق البحري الذي سيربط الساحل العربي بالساحل الإيراني من الخليج. ويتميز النفق الجديد عن النفقيْن اللذيْن يربطان غربي الجزيرة العربية جنوباً وشمالاً بالساحل الأفريقي. فلقد اعتمد النفق الجديد على تقنية جديدة تسمح بانتقال العربات والقطارات باستخدام الطاقة التي تختزنها جدران النفق من حركة الأمواج تحت سطح البحر.
في أجواء هذه الاحتفالات، لن يتذكر الجيل الجديد المآسي التي شهدتها المنطقة قبل أكثر من عقديْن، وخاصة ما كان يُعرف في ذلك الوقت ببلدان مجلس التعاون الخليجي. فبعد فترة طويلة من عدم استقرار سوق النفط وانخفاض الطلب عليه، وصل سعر البرميل إلى أقل من 60 يوان صينياً في 2025 بعدما كان عشرة أضعاف ذلك في 2020. ومع ذلك، لم يستطع النفط أن يصمد أمام مصادر الطاقة البديلة.
جاء عصر النفط إلى المنطقة فجأة في منتصف القرن الماضي، إلا إن نهايته لم تفاجئ أحداً سوى حكام المنطقة. فلقد تضافر عاملان لإنهاء دور النفط في الاقتصاد العالمي. الأول هو تزايد النفوذ السياسي لقوى حماية البيئة في الهند والصين وغيرهما من البلدان الرئيسة المستهلكة للنفط. أما الثاني فهو تطوير تقنيات غير مكلفة لاستخراج الطاقة من مصادر متجددة. نتيجة لذلك انخفضت صادرت البلدان المنتجة للنفط بما فيها إيران وبلدان مجلس التعاون. إلا أن بلدان مجلس التعاون الخليجي وجدت أن مصائبها قد تضاعفت بسبب إفلاس صناديق استثماراتها السيادية بعد الفوضى التي عمّت البورصات العالمية قبل وقف التداول فيها نهائياً.
لم يطل الوقت في تلك الظروف قبل أن يسعى كل جناح من الأجنحة المتنافسة في العائلتين الحاكمتيْن في كل من السعودية وأبو ظبي إلى الاستيلاء على ما يمكن من موارد الثروة في البلديْن. ولم يطل الوقت أيضاً قبل أن يتحول التنافس على أسلاب الدولة إلى نزاعات عسكرية دموية بين الأمراء استنزف ما تبقى لدى الدولة من موارد وما لها في النفوس من هيبة. تكررت الأحداث وإن بصور أقل دموية في بقية ما كان يُعرف ببلدان مجلس التعاون.
بعد ثلاث سنوات من حروب الأمراء، وبتشجيع دولي، أرسل الأشقاء العرب في اتحاد جمهوريات الهلال الخصيب وجمهورية وادي النيل قوات عسكرية لفرض وقف القتال وإلقاء القبض على عدد من عتاة الأمراء وقادة ميليشياتهم. رغم وقف القتال، استمرت حالة عدم الاستقرار في جميع بلدان المنطقة نتيجة لانهيار أغلب أجهزة الدولة فيها وهروب المسؤولين وفي مقدمهم أفراد العوائل الحاكمة خوفاً من استهدافهم على أيدي المواطنين الغاضبين أو اعتقالهم من قبل القوات العربية.
خلال تلك الفترة، عقدت “مجموعة أصدقاء الجزيرة العربية” أربعة مؤتمرات متتالية تمخض آخرها عن الموافقة على مبادرة مشتركة قدمتها الصين والهند والبرازيل وجمهورية وادي النيل. الجانب الاقتصادي من المبادرة تضمن تعهداً من البلدان الأربعة، بالإضافة إلى إيران وجنوب أفريقيا، بتمويل صندوق لإعادة بناء الجزيرة العربية.
أما الجانب السياسي فأوجب إجراء سلسلة من الاستفتاءات الشعبية تحت إشراف الدول أصحاب المبادرة على بدائل محددة لشكل الدولة التي يتطلع سكان المنطقة إلى بنائها. بعد أكثر من أربع سنوات على طرح المبادرة العربية، بيّنت الاستفتاءات المتتالية أن هناك تفضيلا لإقامة نظام جمهوري يجمع البلدان التي كانت تشكل مجلس التعاون الخليجي. وبالفعل تمخض الاستفتاء الشعبي الأخير في السادس من نيسان/أبريل 2032 عن إعلان اتحاد الجزيرة العربية الذي انضمت إليه بعد عاميْن جمهوريتا اليمن. وفي 2039، أي بعد سبع سنوات من الحراك الشعبي والمناظرات السياسية، وافق البرلمان المركزي على تعديل دستور الاتحاد، ما سمح بإعلان كل من حضرموت والحجاز والإحساء ونجران ولايات ذات استقلال ذاتي ضمنه. كما سمح التعديل بإعلان العاصمة، الرياض، منطقة حكم ذاتي.

ستحتفل مدينة الرياض يوم الجمعة المقبل (الثاني من كانون الثاني /يناير) بمرور خمس عشرة سنة على إعلانها عاصمة اتحاد الجزيرة العربية، وعلى إعلانها منطقة حكم ذاتي في إطار الاتحاد. ومن المقرر أن يرعى الاحتفال المركزي الاستاذ جوهر حامد المعتوق الذي يتولى هذا العام الرئاسة الدورية لدولة الاتحاد، يرافقه رؤساء عشرة من الولايات الاثنتي عشرة الأعضاء في الاتحاد. لن يحضر رئيسا ولايتَي الحجاز وحضرموت بسبب بسبب انشغال الأول في مهام الإشراف على موسم الحج، أما الرئيس الحضرمي فلقد ألمّت به وعكة صحية مفاجئة. ومن المقرر أيضاً أن يشارك في الاحتفال المركزي عددٌ من قادة الدول المجاورة، وفي مقدمهم الدكتورة بروين غلام زادة رئيسة الجمهورية الشعبية الإيرانية، والبروفيسور عبد المالك جرجس السطاوي رئيس جمهورية وادي النيل. ويعتبر المراقبون حضور الدكتورة غلام والبروفيسور السطاوي مؤشراً على تزايد اهتمام بلديْهما بتوسيع مجالات التعاون في ما بينهما والتوسع في استثماراتهما المشتركة في الجزيرة العربية. ومعلومٌ أن من ثمار تعاونهما في مجالات الأبحاث والتطوير والاستثمارات ازدادت بعد نجاح علماء البلديْن في تطوير تقنيات رخيصة ونظيفة لتوليد وتخزين الطاقة المتجددة باستخدام الشمس والرياح وأمواج البحر. وستشمل المشاريع التي سيشارك الضيفان في افتتاحها طيلة الأسبوع المقبل مشروعاً بكلفة 135 تريليون يوان صيني جديد لاستصلاح المنطقة الجنوبية في الربع الخالي لاستيطانها وزراعتها باستخدام تقنية النانو في مجالَي تحلية المياه والتحكم في الأمطار.
بعد حضور الاحتفال المركزي، سيستخدم الرئيس المعتوق وضيوفه الرسميون عربة النقل الإشعاعي الجماعي للوصول إلى رأس مسندم على الجانب الشرقي من الجزيرة العربية لافتتاح النفق البحري الذي سيربط الساحل العربي بالساحل الإيراني من الخليج. ويتميز النفق الجديد عن النفقيْن اللذيْن يربطان غربي الجزيرة العربية جنوباً وشمالاً بالساحل الأفريقي. فلقد اعتمد النفق الجديد على تقنية جديدة تسمح بانتقال العربات والقطارات باستخدام الطاقة التي تختزنها جدران النفق من حركة الأمواج تحت سطح البحر.
في أجواء هذه الاحتفالات، لن يتذكر الجيل الجديد المآسي التي شهدتها المنطقة قبل أكثر من عقديْن، وخاصة ما كان يُعرف في ذلك الوقت ببلدان مجلس التعاون الخليجي. فبعد فترة طويلة من عدم استقرار سوق النفط وانخفاض الطلب عليه، وصل سعر البرميل إلى أقل من 60 يوان صينياً في 2025 بعدما كان عشرة أضعاف ذلك في 2020. ومع ذلك، لم يستطع النفط أن يصمد أمام مصادر الطاقة البديلة.
جاء عصر النفط إلى المنطقة فجأة في منتصف القرن الماضي، إلا إن نهايته لم تفاجئ أحداً سوى حكام المنطقة. فلقد تضافر عاملان لإنهاء دور النفط في الاقتصاد العالمي. الأول هو تزايد النفوذ السياسي لقوى حماية البيئة في الهند والصين وغيرهما من البلدان الرئيسة المستهلكة للنفط. أما الثاني فهو تطوير تقنيات غير مكلفة لاستخراج الطاقة من مصادر متجددة. نتيجة لذلك انخفضت صادرت البلدان المنتجة للنفط بما فيها إيران وبلدان مجلس التعاون. إلا أن بلدان مجلس التعاون الخليجي وجدت أن مصائبها قد تضاعفت بسبب إفلاس صناديق استثماراتها السيادية بعد الفوضى التي عمّت البورصات العالمية قبل وقف التداول فيها نهائياً.
لم يطل الوقت في تلك الظروف قبل أن يسعى كل جناح من الأجنحة المتنافسة في العائلتين الحاكمتيْن في كل من السعودية وأبو ظبي إلى الاستيلاء على ما يمكن من موارد الثروة في البلديْن. ولم يطل الوقت أيضاً قبل أن يتحول التنافس على أسلاب الدولة إلى نزاعات عسكرية دموية بين الأمراء استنزف ما تبقى لدى الدولة من موارد وما لها في النفوس من هيبة. تكررت الأحداث وإن بصور أقل دموية في بقية ما كان يُعرف ببلدان مجلس التعاون.
بعد ثلاث سنوات من حروب الأمراء، وبتشجيع دولي، أرسل الأشقاء العرب في اتحاد جمهوريات الهلال الخصيب وجمهورية وادي النيل قوات عسكرية لفرض وقف القتال وإلقاء القبض على عدد من عتاة الأمراء وقادة ميليشياتهم. رغم وقف القتال، استمرت حالة عدم الاستقرار في جميع بلدان المنطقة نتيجة لانهيار أغلب أجهزة الدولة فيها وهروب المسؤولين وفي مقدمهم أفراد العوائل الحاكمة خوفاً من استهدافهم على أيدي المواطنين الغاضبين أو اعتقالهم من قبل القوات العربية.
خلال تلك الفترة، عقدت “مجموعة أصدقاء الجزيرة العربية” أربعة مؤتمرات متتالية تمخض آخرها عن الموافقة على مبادرة مشتركة قدمتها الصين والهند والبرازيل وجمهورية وادي النيل. الجانب الاقتصادي من المبادرة تضمن تعهداً من البلدان الأربعة، بالإضافة إلى إيران وجنوب أفريقيا، بتمويل صندوق لإعادة بناء الجزيرة العربية.
أما الجانب السياسي فأوجب إجراء سلسلة من الاستفتاءات الشعبية تحت إشراف الدول أصحاب المبادرة على بدائل محددة لشكل الدولة التي يتطلع سكان المنطقة إلى بنائها. بعد أكثر من أربع سنوات على طرح المبادرة العربية، بيّنت الاستفتاءات المتتالية أن هناك تفضيلا لإقامة نظام جمهوري يجمع البلدان التي كانت تشكل مجلس التعاون الخليجي. وبالفعل تمخض الاستفتاء الشعبي الأخير في السادس من نيسان/أبريل 2032 عن إعلان اتحاد الجزيرة العربية الذي انضمت إليه بعد عاميْن جمهوريتا اليمن. وفي 2039، أي بعد سبع سنوات من الحراك الشعبي والمناظرات السياسية، وافق البرلمان المركزي على تعديل دستور الاتحاد، ما سمح بإعلان كل من حضرموت والحجاز والإحساء ونجران ولايات ذات استقلال ذاتي ضمنه. كما سمح التعديل بإعلان العاصمة، الرياض، منطقة حكم ذاتي

مقال منشور في موقع السفير العربي (ضمن متخيلات عام 2054)ا

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1656&refsite=arabi&reftype=leftmenu&refzone=authorarticles

.