ورقة الأستاذ جاسم محمد مراد في ندوة مجلس 1973 بين التجربة والعبرة

الخميس 22/11/2001 – (الاستاذ رسول الجشي، الاستاذ جاسم مراد والاستاذ نحسن مرهون) – ملتقى الايام في مركز المعارض.

ورقة جاسم محمد مراد

أخواني وأخواتي الأعزاء

السلام عليكم

كم بودي أن لا أتحدث عن الماضي إلا بأخذ العظة و العبر منه… لذا لابد من سردٍ موجز للدخول في الموضوع ولكي يكون الكلام عن الحاضر والمستقبل أفضل أكثر إشراقاً.

بما أن البحرين جزر ذات موقع تجاري مهم في الخليج،  تتاجر مع العراق وإيران والجزيرة العربية مرورا بعُمان الى الهند وأفريقيا. هؤلاء التجار والبحارة، وعوا واطلعوا على حضارات أقوام مختلفة، البعض من هذه الدول بدأ ينهل من العِلم الحديث والصناعات المتطورة كالزراعة والطب والنظرة الى الإنسان ككائن يمكن تطويره الى الأفضل بتعليمه العلم الحديث.

هؤلاء البحارة عندما رجعوا الى أوطانهم، تحدثوا عما لمسوه من تقدم حضاري وصناعي مبهر، خاصة في الهند البريطانية، مما جعلهم يحثوا المواطنين على بدأ التعليم وتقليد التقدم في الهند، وعليه بدأ التعليم والتعلم في البحرين متقدما على غيره من الثغور في الخليج.

في هذا الوقتنما إدراك الناس واتسع وعيهم وبدؤوا يطالبون حكومتهم بمجالس أشبه بما هو موجود في الهند وفي بلدان العالم المتحضر – مطبقين المثل للأسفار خمس فوائد.

في هذا الأثناء كسد سوق تجارة اللؤلؤ –المصدر الرئيسي للدخل- فكان الحال مؤلم. ولكن سنة 1932 أكتشف البترول وإنْفَكَ الضَنَكْ الملم بالناس. وبدأ، بعد ذلك، التوظيف في شركة بابكو وخاصة في معمل التكرير، ولكن هذه الشركة حاولت تهميش البحرينيين وإبعادهم عن الوظائف الرئيسية وإعطائهم رواتب لِقوت من لا يموت، وفضلت بابكو العمال الأجانب على البحرينيين وحقرتهم تحقير المستعمر لأي شعب يستعمره لينتزع منه عزته وكرامته، مما جعله ينتفض في سنة 1938 مطالبا بأنصافه مادياً وبمجالس تحميه تشريعياً، وهذا ما لم يوافق عليه المستعمر. فضربت الحركة بقوة، فسجن من سجن وطردوا وسفروا زعمائها الى الخارج (الهند).

لكن الشعب تابع مسيرته الى بداية الخمسينيات بتأفف، زادت حدته مع التوجه القومي واحتضان الثورة المصرية للمد القومي والدعوة بالثورة على الاستعمار واستغلال ثروات الشعوب.

في هذا الأثناء تكونت هيئة الاتحاد الوطني، وأخذت تطالب بمجلس تشريعي يحمي حقوقها ولكنها كبحت بنزول الجيش البريطاني سنة 1956 واعتقال زعماء الحركة وتسفيرهمالى سنت هيلانه، بعد محاكمات صورية،وسجن وسفر البعض الآخر الى دول الجوار وخاصة الكويت، التي أمرت بتشغيلهم وحفظ كرامتهم بأمر من الرجل العظيم الأمير الشيخ عبدالله السالم الصباح أبو النهضة الكويتية.

ثم في سنة 1965 حدثت قلاقل على أثر البطالة التي تفشت آن ذاك الى أن تصدى لها صاحب السمو الشيخ حمد بإنشائه الجيش وتوظيف العطلة فيه. وفي هذه الأثناء، أنشأت الحكومة الموقرة شركة ألبا، فحلت قسما آخر من البطالة الثائرة، ثم أنشئت شركة أسري.. والخ من الشركات والبنوك المحلية وبنوك الاوفشور التي اتخذت من البحرين مقرا.

وتابعت البحرين مسيرتها الى أن وصلنا الى حل مشكلتنا مع إيران باعتراف إيران بعروبة البحرين بواسطة الاستفتاء الذي شارك فيه الشعب بالتصويت لصالح عروبة البحرين. وكنت آن ذاك رئيسا لنادي البحرين فذهبت مع عبدالرحمن جمشير وراشد العريفي ممثلين عن النادي، فسُئِلنا: انتم شعب فيه جالية إيرانية، كيف سوف تعاملون هذه الجالية؟ كان جوابنا للوفد بأننا شعب عربي يدين بالإسلام، والإسلام يرفض العصبية والعنصرية، نتزاوج منهم ويتزاوجون منا، وان اللغة العربية لغة القرآن، وكل مسلم يتمنى أن يتعلمها وهي ستصهرنا جميعا، هذا بالضبط ما حدث ويحدث حليا.

ثم سئلت عن الاستقرار فأجبت: بالحكم الديمقراطي الدستوري تستقر الأمور وتتطور الى الأفضل. كان المترجم شامياً، قَبْلنا جميعاً عند خروجنا متأثراً بجوابنا المتحضر.

بالطبع، كان لجهود رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان، مؤيدا من أخيه المرحوم الشيخ عيسى، أثراً كبيراً في إنهاء هذا الخلاف، وباعتراف إيران بعروبة البحرين الى الأبد.

بعد رحيل الاستعمار، فكرت الحكومة في إنشاء مجلس تأسيسي للنظر في دستور يتفق عليه، ليكون مدخلاً لحكم مدني تدار به البحرين بقوانين تتماشى مع تقدم البشرية، ولتواكب الحضارة العقلانية العلمية العالمية، التي قدمت البشرية مئات السنين الى الأمام.

وفي خلال 6 شهور أقر الدستور واستبشرنا به خيرا. أقسم الطرفين (السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية) اليمين على القرآن بصيانة الدستور، فأقر من قبل حاكمنا المرحوم الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وأعتمد.

في سنة 1973 انتخب مجلس تشريعي من قبل الشعب. هذا المجلس تكون من 3 فئات:

■ الفئة الأولى: جاءت من القرى، تؤمن بأن لا حل ولا تقدم إلا بالقوانين الدينية الصارمة، وبالعادات والتقاليد العروبية السائدة آن ذاك… وقد أطلق عليها الكتلة الدينية – وكأن الباقيين ليسوا بمسلمين !!!

■ الفئة الثانية: تكتل الشعب. هذه الفئة تعد نفسها يسارا عروبياً، تحاول تقليد ما كان يطرح في بعض البلدان العربية من حلول كانت لا تلائم المرحلة آن ذاك وغير مقبولة من قبل السلطة والجيران والمستثمر الأجنبي الذي يملك العلم والثروة.

كانوا – ولا زالوا – وطنيون طيبون يعرفون كيف يدغدغن عواطف الشارع، يمنون ناخبيهم بشيء غير قابل للتحقيق بالمزايدات ليوهموا الشارع بأنهم فقط القادرين على تحقيق مطالبهم، وما الباقون سوى تجار كلام.

■ الفئة الثالثة: المستقلين. مكونة من مجموعة لا رابط بينهم فكريا ولا عقائديا، بل ولا يعرفون بعضهم البعض جيدا، لكنها جماعة التمت على بعضها بحكم فن الممكن. بدأت تطرح آراء تصب في صالح الوطن لتتوصل بها الى حلول لعلها تسعد ناخبيهم ومناطقهم … تغلب عليهم المساومة والمصلحة. لكنهم مخلصين لمناطقهم ولوطنهم ولعروبتهم.

البعض منهم يغلب عليه الفكر الديني المتغير لمصلحته الشخصية. هذا الجمع تعوزه الخبرة والاستمرار والدرس والتمرين على الأخذ والعطاء.

عموماً الكل كان حديث العهد بالعمل الديمقراطي البناء.

في نفس هذه الفترة، بدا أن هناك تحول في العالم العربي بعدما أطلق المستشار القومي الأمريكي مقولته:  أحيوا المارد النائم من قمقمه ليكافح به الفكر الناصري العروبي الاشتراكي والفكر الشيوعي الذي فتن البعض به كحلٍ لمشاكل التأخر والفقر.

مما جعل بعض الحكام العرب ان يحتضنوا التيارات الدينية مستعينين بهم في القضاء على الشيوعيين والناصريين والقوميين، وبالفعل نجحوا في ضرب فكرة التقدم القومي المطالب بالعزة والكرامة والتقدم الى جميع الشعوب العربية.

في هذه الأثناء استغلت المخابرات الأجنبية والموساد طيبة الدينيين، فاخترقتها ودست عليهم علما وعملا ليس من الإسلام ولا يمت الى الدين بصلة. ناشدهم البعض الرجوع الى عقولهم ولكنهم كانوا مفتونين ولم يفهموا أن سماً دس لهم. كل ما تخاطب أحدهم قال انها صحوة وانك ضد صحيح الدين. شوهوا الحضارة العربية الإسلامية بخلطهم السياسة بالدين، الى ان أوصلونا الى ما نحن فيه من سؤ سمعة … فكان طالبان… وكان بن لادن !!

ها انتم تشاهدون ما عمله بعض جهلة العرب في الشعب الأفغاني باسم الجهاد ضد الشيوعيون الملحدون تارة، وباسم تطبيق صحيح الإسلام تارة أخرى، متناسين الشعب الفلسطيني في كفاحه ونضاله الشرعي ضد العدو الصهيوني … الغير ملحد، كما يدعون. تناسوا ضياع فلسطين العربية وتناسوا شيء اسمه استعمار إستيطاني.

المهم. بدأت الحكومة تفكر في الأمن قبل الأمان، فاستعانت بخبرة أعتقد انها لم تكن متطورة فكرياً لتقبل النقد، فنصحت الحكومة بالضرب بيد من حديد حتى لا يفلت زمام الأمر من يدها، فأتت بقانون سمي بقانون أمن الدولة الذي لم ينزل الله به من سلطان.

هذا القانون رفض من قبل المجلس المنتخب ما لم يدخل عليه تعديل يتواكب والتطور الدستوري آن ذاك.

أصرت الحكومة. والنواب رفضوا ولم يتزحزحوا قيد أنملة. الحكومة لم تتقبل هذا الرفض. ولم تقر بالهزيمة…. فكان فخ وقع فيه الجميع. في هذه الأثناء، زاد سعر النفط زيادة كبيرة جدا، وبه زاد الدخل زيادة لم تحلم بها الحكومة. الآن صار المال والقوة بيد الحكومة، فلماذا مجلس يشوش ويحاسب ويطالب (بيدي لا بيد عمر).

ولان قانون أمن الدولة حجة لا سبباً، حل المجلس متعللين حله بتعطيل أعمال الحكومة وضياع وقتها في جدال ليس له موجب.وعلى أثره حُكمت البحرين حُكماً بوليسياً صارماً بالقانون نفسه (أمن الدولة)، فخلق حزازات ضد الحكم وأخرها عن التطور المنشود، وافسد الذمم وتجاهل حقوق الإنسان البحريني الذي صوت ووقف مع عروبة البحرين وحُكمَ آل خليفة.

أسجل هنا على عجالة، أن ثلاثة من كبار الإعلاميين  ممن رشحوا أنفسهم في الانتخابات وفشلوا، أيدوا الحل وهاجموا المجلس بشراسة في الصحافة. وان كان لا يستطيع أحد أن يزايد على وطنيتهم، ولكن أعيب عليهم حقدهم وقصر نظرهم وانتقامهم بسبب سقوطهم في الانتخابات فهيئوا الناس ضد أعضاء المجلس والديمقراطية.

أما نحن، النواب، فلم نتمكن من الاجتماع بسبب تفرق الناس عنا والحكم الصارم الذي يعاقب كل من تسول له نفسه التساؤل عن عدم إجتماع المجلس، علماً أن الحق يؤخذ لا يعطى، لكن المال والقوة والسند الخارجي حال دون ذلك. لهذا السبب لم نتمكن من تطبيق المادة رقم 65 من الدستور. لكن باستمرار وإصرار الشعب لتحقيق العدالة وباستمرار المواجهات، هاهي الأيام تدور ليصبح الدستور هو الحل… وكان الحل على يد الأمير الشيخ حمد مرة ثانية.

================= الخاتمة================

هذا أقل من موجز. سوف تكشف السنوات القادمة التفاصيل التي أرجو ان لا تتوقفوا عندها طويلاً. خذوا العبر والدروس، وتطلعوا للمستقبل بعقول واعية وبعزم وبأس شديد.

لا تمتهنوا السياسية بل تعلموها، ولا تخلطوا بين قيم الدين السمحاء وبين السياسة.. “وهل السياسة إلا الكذب والمكر والخداع؟” كما قال الإمام محمد حسين كاشف الغطاء.

أختم ورقتي هذه ببعض الاقتراحات والرؤى التي اعتقد بأنها ضرورية وبأنها ستكون ضامنة لإدارة الديمقراطية الحديثة القادمة وهي التالي:

أولا ان الدولة الديموقراطية الحديثة لا تقوم على أساس ديني، بل تقوم على سلطات تراعي العدالة والمصلحة الوطنية ذات الأسس القومية… وما اللغة والدين إلا عاملان مساعدان لهذا الاتجاه. وطالما ان هناك تعديل قادم للدستور، الذي لم نتمتع به حتى الآن، فأرجو مراجعة المادة 2 من الدستور.

ثانياً كما يجب دراسة المواد التالية:

  • المادة 11، كي نحمي أراضي البحرين من الضياع
  • المادة 30 ب، بتظمينها خدمة العلم الإجبارية.
  • المادة 32، اعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كسلطة الرابعة.
  • المادة 42، تقويتها بحيث لا يحق مطلقاً لأحد أن يصدر ويصدق على قوانين لا يوافق عليها شعب البحرين
  • إيجاد صيغة قانونية تأتي بمرشحات من النساء عن طريق الانتخاب الى البرلمان.
  • استحداث مادة دستورية تقدم المواثيق والمعاهدات الدولية على أي قانون أو مادة محلية تعارضها.
  • يجب تعديل المادة 69 من الدستور حتى لا تتجمد القرارات في حالة المرض أو أي شيء آخر…. لا سمح الله.
  • لا رقي لأمة إذا لم يتطور فيها الفكر الديني بما يواكب الزمن ومتطلباته. لذا انصح بإرسال فئة من رجال علم الدين الى الجامعات الغربية ليطلعوا على علم الاجتماع وعلم النفس الحديث ويأخذوا من الحضارة المتطورة الى الأفضل ليبشروا بالفروض الخمسة المغيبة

ثالثاً لا رقي لأمة إذا لم يتطور فيها الفكر الديني بما يواكب الزمن ومتطلباته. لذا انصح بإرسال فئة من رجال علم الدين الى الجامعات الغربية ليطلعوا على علم الاجتماع وعلم النفس الحديث ويأخذوا من الحضارة المتطورة الى الأفضل ليبشروا بالفروض الخمسة المغيبة

العدل – الشاهدة – الحق – الحرية – المساواة – والشورى الملزمة

كما انصح حكومة البحرين بتدريس جميع الأديان والمذاهب وبالأخص المذهب السنيوالجعفري كمذهب خامس من مذاهب الإسلام، خصوصاً وان الخليفة العباسي العاشرالمتوكل سنة 232/247 هجرية كاد أن يعترف بالمذهب الجعفري كمذهب خامس.  (كتاب: إمامة الشهيد وإمامة البطل للدكتور فؤاد إسحاق خوري صفحة 222)

بدون خدمة العلم لن يتربى عندنا جيل يتحمل المسئولية ويواظب على العمل الجاد ويصبح مواطناً صالحا يذود عن حوض الوطن وقت الشدة.

سيادة القانون على الصغير والكبير بدون محاباة. وإذا لم تطبق جيداً، فلن نقضي على الفوارق، ولن نتمكن من انتزاع ما يحس به المواطن من ظلم وعدم رضا عن الوضع، بل وسوف لن يُستَثمر مال في بلدنا.

يجب التركيز على العلم الذي ينمي العقل ويُشَغِل الأنامل، وألا سوف لن نفلح في كسب قوتنا من عرق جبيننا بل سنصبح عبيداً للغير.

تعليم المرأة الأم تعليما يقيها شر الفاقة ويحفظ لها كرامتها لينتزعها من الوأد التي هي فيه. وفرض قوانين واضحة لا لبس فيها، يعطيها كامل حقوقها المدنية.. لأنها مربية للأجيال تغرس في أطفالنا حب العمل والإبداع

 

واعلموا جيداً:

++ لا ثروة تصان بدون علم.

++ ولن ترتقي أمة بدون قضاء وقضاة مسقلين استقلالاً كاملاً.

وما نيل المطالب بالتمني، ولكن تؤخذ الدنيا غلابا.

والسلام عليكم

جاسم محمد مراد

Advertisements

البحرين: ثلاثة أعوام على الوصاية السعودية

قبل ثلاثة أعوام، في 14 آذار/ مارس 2011، عبَرت قوات وآليات عسكرية سعودية جسر الملك فهد الذي يربط السعودية بالبحرين. وأعلنت السلطات البحرينية أن القوات السعودية دخلت بدعوة رسمية من ملك البحرين للمساعدة في «حفظ الأمن» بعد شهر من الحراك الجماهيري الذي تضمن مسيرات احتجاجية في مختلف المناطق، علاوة على إضرابات واعتصامات أشهرها اعتصام في ميدان اللؤلؤة في العاصمة المنامة. وكان لافتاً أن دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى لم تشارك القوات السعودية في مهماتها في البحرين، فيما عدا دولة الإمارات العربية التي أرسلت 500 عنصر من الشرطة.

قوات سعودية بغطاء خليجي

بذلت السلطات البحرينية والسعودية جهودا ملحوظة لإبراز التدخل السعودي باعتباره جهداً خليجيا مشتركاً تمّ تحت راية «قوة درع الجزيرة»، وبغطاء من اتفاقية الدفاع المشترك بين دول المجلس. وكثرت تصريحات قائد القوة السعودية، اللواء الركن مطلق بن سالم الأزيمع، التي تؤكد ان «قوات درع الجزيرة بقيت متمركزة في المواقع المخصصة لها لحماية الحدود البحرينية بسبب انشغال الأجهزة البحرينية بتدبير أمور أمنها الداخلي مما زاد من حاجتها إلى تأمين حدودها الدولية». ونفى اللواء ما تداولته وسائل الإعلام الخارجية عن مشاركة قواته في عمليات «تطهير ميدان اللؤلؤة» وما تلاها من حصار قرى وأحياء سكنية بهدف تمشيطها واعتقال من وردت أسماؤهم في قوائم الناشطين. وبسبب إعلان حالة الطوارئ لمدة ستة أشهر، بما فيها فرض منع التجول، لم يكن ممكناً لنشطاء المعارضة أو أية جهة محايدة تكذيب تلك الرواية وتحديد نوعية الدور الذي قامت به القوات السعودية والشرطة الإماراتية في المناطق التي فُرض الحصار عليها. وحتى في الحالات التي تمّ فيها تصوير مجموعات عسكرية ملثمة وهي تهدم مساجد أو تتلف ممتلكات، فلقد كان من المستحيل معرفة جنسيات المشاركين.
اضاف الموقف من التدخل السعودي في توسيع الهوة المتنامية بين قوى الموالاة وقوى المعارضة في البحرين. فمن جهة، اعتبرت بعض قوى المعارضة ذلك التدخل المباشر «احتلالا» وطالبت بجهد دولي لحماية شعب البحرين، ومن الجهة الأخرى رحبت قوى الموالاة به واعتبرته تأكيدا لاهتمام «الشقيقة الكبرى» بإعادة الاستقرار إلى البلاد. ويجد هؤلاء ما يسندهم في التصريحات
التي يكررها الملك البحريني وأركان نظامه من أن ذلك التدخل «أفشل مخططاً يُحاك ضد البحرين وباقي دول مجلس التعاون الخليجي منذ ثلاثين سنة».
تأكدت بعض الروايات عن مشاركة السعوديين والإماراتيين في العمليات الأمنية بعد حادث التفجير في قرية الديه قبل أيام (في 3/3/2014) الذي أدى إلى مقتل وإصابة عدد من رجال الأمن من مختلف الجنسيات. فلقد تبين إن من بين القتلى ضابط من شرطة دولة الإمارات كان يشارك في تمشيط القرية. وإشار بيان النعي الذي أصدرته وزارة الداخلية الإماراتية إلى أن الضابط القتيل، وعنصرين آخريْن من مواطني الإمارات أصيبا بجروح، كانوا يؤدون «مهامهم الوطنية بحفظ الأمن» في تلك القرية البحرينية المنكوبة.

إعلان غير رسمي عن الوصاية السعودية

تعددت تفسيرات أسباب التدخل السعودي. إلا أنه من الصعب القبول بأن سببه هو اقتناع الرياض بأن النظام الملكي في البحرين كان على وشك السقوط، وهو لم يكن يواجه تهديداً أمنيا جدياً يفوق قدرة قواته العسكرية وأجهزته الأمنية. فخلال أربعة أسابيع من مختلف أشكال الحراك الجماهيري في البحرين، بما فيها المواجهات الغاضبة مع قوى الأمن، لم تتعرض للإتلاف أية منشأة حكومية أو مؤسسة تجارية. إلا أن الملك البحريني بدا متيقناً أن البحرين بعد حراك دوار اللؤلؤة لن تعود كما كانت قبله. فلقد برزت شواهد التغيير في نفوس الناس حين لم يقفوا في الطوابير لاستلام «مكرمة الألف دينار» التي أعلنها الملك عشية الدعوة إلى التظاهر في 14 شباط/ فبراير 2011، وكذلك حين عبَروا حاجز الخوف بعد ذلك بثلاثة أيام ليصلوا إلى الدوار رغم الرصاص وكثافة استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع.
يمكن تفسير التدخل العسكري السعودي إذاً باعتباره إجراء استباقياً لمنع ما اعتبره كثيرون تنازلات سياسية كان ولي العهد البحريني يوحي باستعداده لتقديمها إلى المعارضة بضغط من الإدارة الأميركية. فأحد الأهداف من تشكيل قوة درع الجزيرة هو توفير أداة إضافية لحماية الأنظمة الخليجية من مخاطر داخلية وخارجية قد تتعرض لها. وهو أيضاً وسيلة إضافية لحماية كل أسرة حاكمة من خلافاتها الداخلية، بحيث لا يقود التنافس بين أجنحتها إلى محاولة حسم ذلك بدون رضى بقية الأسر الحاكمة في بلدان المجلس.
اختبرت تفاعلات حراك دوار اللؤلؤة في البحرين هذا البعد، واتضحت أهمية تفعيل الدور السعودي بعد تسريب موافقة الملك في 4 آذار/مارس 2011 على اقتراح المبعوث الأميركي
جيفري فيلتمان (مساعد وزيرة الخارجية آنذاك) بالتخلي عن عمه الذي يتولى رئاسة الوزارة منذ إعلان استقلال البحرين في 1971. وكان لافتاً وقتها أن فيلتمان أشاد بالملك وولي عهده، وإن اجتماعاته بالمسؤولين في البحرين لم تشمل رئيس الوزراء. وحسب تقرير لـ«مجموعة الأزمات الدولية» (11/9/2011)، كانت تلك المقترحات ستؤدي إلى «وضع البلاد على طريق نظام ملكي دستوري مع رئيس وزراء منتخب وبرلمان ذي أغلبية شيعية، وهو احتمال أفزع رئيس الوزراء الذي كان منصبه على المحك، والعائلة المالكة في السعودية الذي يرقى الصعود الشيعي في تصوّرها إلى تخليها عن نفوذها لمصلحة نظام الملالي في طهران».
يسند هذا التفسير سلسلة من تدخلات عسكرية وأمنية قامت بها السعودية منذ إعلان استقلال البحرين في 1971. وهي تدخلات تشير إلى إحدى المسلمات السياسية في المنطقة. وقد نقل أحد تقارير «معهد بروكينغز» الأميركي (تموز/ يوليو 2013) ما ذكره «مسؤول بحريني كبير» من وصف معبّر حين شبَّه أهمية البحرين بالنسبة للسعودية بأهمية هونغ كونغ إلى الصين. ويمكن ملاحظة المؤشرات السياسة والاقتصادية والأمنية التي تؤكد أن السعودية تتصرف في البحرين باعتبارها محمية لها. ولهذا لم يكن متوقعاً أن تسمح بأي تغيير سياسي فيها من دون موافقتها، وبالتأكيد لن تسمح بأن يتولى إدارة البحرين من لا يوالي السعودية، حتى ولو جاء بتوافق بين القوى الفاعلة في البلاد، بمن فيها العائلة الحاكمة والقوى الرئيسة في المعارضة.

الخشية من عدوى دوار اللؤلؤة

سهّل الجسر الذي يربط بين البحرين والمنطقة الشرقية في السعودية التواصل بين الجارتين في مجالات تتجاوز الاستثمار والسياحة والتعاون الأمني والعسكري. وبرزت آثار ذلك بوضوح أكبر منذ بدء «المشروع الإصلاحي» بعد سنة من استلام حمد بن عيسى زمام الحكم في البحرين العام 1999. فلقد تطلب تسويق ذلك المشروع انفتاحاً سياسياً وانفراجاً في القبضة الأمنية تمثل في عودة آلاف المنفيين وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والاعتراف بحق تأسيس التنظيمات السياسية والنقابية. وصاحب ذلك أيضاً حراكٌ غير مسبوق لمكونات المجتمع المدني، علاوة على نشاطٍ ثقافي شمل إقامة الندوات والمحاضرات. ولم يعد هدف عشرات الألوف ممن يعبرون الجسر من السعودية إلى البحرين مجرد قضاء وقت للراحة أو اللهو أو زيارة أهل وأصحاب، بل صارت تجتذبهم أيضاً تلك الفعاليات الثقافية والسياسية التي كانت تشهدها مختلف مناطق البحرين. وأسهمت مشاركات القادمين من السعودية في اغناء تلك الفعاليات وجددت روابط اجتماعية تاريخية بين المنطقة الشرقية والبحرين. وهي تزايدت خلال الأربعة أسابيع التي استمر فيها اعتصام دوار اللؤلؤة.

الملك السعودي: “لماذا تأخرتم؟“ا

اتساع مجالات التواصل بين المنطقتيْن، وإن كان مقلقاً لسلطات البلديْن، فإنه لم يشكل في حد ذاته خطراً، بل كانت السلطات الأمنية قادرة على إدارته ومحاصرة نتائجه. فعلى سبيل المثال، كانت السلطات تعلن إلغاء بعض الفعاليات الثقافية والسياسية لأسباب أمنية أو تمنع خروج أو دخول «المشتبه بهن وبهم» على الجسر الذي يربط البلدين. إلا أن القلق السعودي مما يحدث في البحرين تحول إلى ذعر بعد أيام من اندلاع حراك دوار اللؤلؤة على بعد أقل من ثلاثين كليومتراً من منطقتها الشرقية. حينها بدت السعودية محاصرة بما تنقله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي من أخبار وتفاصيل أجواء الانتفاضات التي كانت تعم المنطقة العربية، وخاصة في بلدين مجاوريْن يخضعان لهيمنتها، اليمن والبحرين. لهذا لا يبدو مستغرباً الإشارة إلى عامل إضافي دفع السعودية إلى التدخل العسكري هو خشيتها من انتقال العدوى إليها. ويصف رئيس الوزراء البحريني هذا الوضع إذ قال إنه حين ذهب لمقابلة الملك عبد الله ليشرح له «ما يجري ولطلب العون ضمن اتفاقيات مجلس التعاون، قال لي: إنني كنت في انتظاركم، لماذا تأخرتم؟».

جمعة الغضب في السعودية

تحول قلق السلطات السعودية إلى ذعر حقيقي بعد إعلان نشطاء سعوديين عن نيتهم تنظيم «يوم غضب» في بلادهم على غرار ما حدث في بلدان عربية أخرى. وكان لافتا في السياق الأمني السعودي أن يشارك أكثر من ثلاثين ألف شخص في إحدى تلك الدعوات على الفايسبوك، فلم تعد المسألة مجرد رهاب أمني. وبالفعل، وضمن التحضيرات ليوم الغضب، خرجت تظاهرات متفرقة في مدن عدة في المنطقة الشرقية تطالب بالإفراج عن معتقلين سياسيين. واجهت الشرطة تلك التظاهرات بعنف أدى إلى سقوط عدد من الجرحى واعتقال آخرين. وتكررت المواجهات بين النشطاء وقوات الأمن السعودي في العاصمة الرياض وحولها، مما دفع السلطات إلى القيام بعدد من الإجراءات الاستباقية شاركت فيها جميع الأجهزة الرسمية الأمنية والسياسية والدينية والإعلامية. شملت تلك الإجراءات قبل ساعات من فجر 11 آذار/ مارس (موعد «يوم الغضب») نشر أعداد كبيرة من قوات الأمن الخاصة ومكافحة الشغب في مختلف المدن بما فيها الرياض. وأصدرت هيئة كبار العلماء، التي تعتبر أعلى مرجعية دينية رسمية في البلاد، فتوى بتحريم المشاركة في التظاهرات باعتبارالدعوة إليها «تتعارض مع مبادئ الشريعة الإسلامية». وعلى
الرغم من ذلك خرج آلاف السعوديين في مختلف المدن في ذلك اليوم. إلا إن إجراءات السلطة تمكنت في آخر الأمر من احتواء تلك الاحتجاجات العلنية ومنع انتشارها.
وبعد أيام من دخول قواته لقمع حراك اللؤلؤة في البحرين، ألقى الملك السعودي خطاباً متلفزاً كرر فيه العزم على «مكافحة الفساد والبطالة». وأعلن عن عدد من “المكرمات” بما فيها رفع الحد الأدني لرواتب العاملين في مؤسسات الدولة، وتخصيص أربعين مليار ريال سعودي (أكثر من عشرة مليارات دولار أميركي) بهدف «توفير أسباب الحياة الكريمة للمواطنين». إلا أن الملك أعلن أيضا تعزيز أجهزة الأمن بإضافة «60 ألف وظيفة جديدة» إليها كي تتمكن من أداء مهماتها و«ضرب كل من يحاول زعزعة استقرار المملكة

—-

مقال منشور في السفير بتاريخ 13 آذار/مارس 2014

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1656&refsite=twitter&reftype=sharebutton&refzone=tweet

»