دول مجلس التعاون الخليجي تداعيات الاتفاق حول النووي الإيراني

في افتتاح الاجتماع الدوري لوزراء خارجية بلدان مجلس التعاون الخليجي (28/11/2013)، أبدى وزير داخلية البحرين قلقاً مما تشهده الساحة الإقليمية من تطورات وانعكاساتها على الأوضاع الأمنية في بلدان الخليج. وطالب الوزير إيران والدول الكبـرى بأن تؤكد “لقادة وشعوب المنطقة أن ما تمّ التوصل إليه من اتفاق سيخدم تحقيق الاستقرار الأمنـي الإقليمي، ولن يكون على حساب أمن أي دولة من دول المجلس”.

قلق وارتباك وغضب

جاءت كلمات الوزير البحريني أقل صراحة مما تنشره بعض الصحف عن “مؤامرة أميركية إيرانية” ضد دول مجلس التعاون تشمل “تسليم البحرين إلى إيران”. عكست كلمات الوزير الحالة التي يمتزج فيها القلق والارتباك بالغضب. فعدا سلطنة عُمان التي استمرت في النأي بنفسها عن الدخول في تفاصيل التجاذبات الإقليمية، تفاوتت ردود أفعال المسؤولين الخليجيين والمصادر الإعلامية القريبة منهم. وفي الإجمال، بدا الموقف السعودي أكثر ارتباكاً وغضباً من مواقف بقية دول المجلس، إذ نقلت الصحافة عن مصادر رسمية أن الرياض “غير راضية” عن الاتفاق، وإنها لا تفهم اندفاع الولايات المتحدة نحو إيران رغم السلبية التي تراها في سياسات طهران في المنطقة وتجاه دولها. وأما السفير السعودي لدى لندن فقال إن بلاده “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام خطر البرنامج الإيراني النووي إذا فشلت الولايات المتحدة والمملكة البريطانية والدول الكبرى في وقف هذا البرنامج”. ولم يخفف من الغضب السعودي “للغدر الأميركي” مسارعة وزير الخارجية الأميركي إلى زيارة السعودية لطمأنتها ولا اتصال الرئيس أوباما بالملك عبد الله لإطلاعه على تفاصيل الاتفاق.اتخذت البحرين والكويت وقطر مواقف مشابهة لموقف الإمارات التي كانت أكثر استعدادا لاستيعاب التطور الجديد. فالإمارات التي كانت تنتظر أن يؤدي تفاقم النزاع الغربي مع إيران إلى تداعيات تشمل استعادتها جزرها الثلاث، سارعت إلى إرسال وزير خارجيتها إلى طهران للالتقاء بالمسؤولين على هامش افتتاح المبنى الجديد لسفارة بلاده هناك. بينما تولى أكاديميون ومحللون استراتيجيون في الإمارات التقليل من أهمية الحدث واختاروا الشماتة من إيران باعتبارها “اضطرت إلى القبول بهذه الاتفاقية الضارة بها”. وسخر آخرون من الرئيس أوباما باعتباره رئيساً “خائفاً ومرعوباً من خيار الحرب التي لا يعرف كيف ستكون نتائجها”.ا

تعكس المواقف الرسمية الخليجية ذهول المسؤولين في الخليج من استخفاف الولايات المتحدة الأميركية العلني بهم، وللمرة الثانية خلال شهرين. فالاتفاق حول المشروع النووي الإيراني جاء في أعقاب التسوية الدولية حول السلاح الكيماوي السوري. وفي الحاليْن، مهدت للاتفاقين مفاوضات سرية أميركية ـ إيرانية وبدون اطلاع دول المجلس على مسار تلك المفاوضات. فلم يكن مستغرباً أن يكون عنوان افتتاحية جريدة “الاقتصادية” السعودية في صيغة سؤال: “هل غدرت واشنطن بحلفائها الخليجيين؟” (25/11/2013). فما “يتوجس منه أهل الخليج وَقَعَ والمحظور صار، بعد إعلان اتفاق الغرب مع إيران بشأن برنامجها النووي”. ا

من جهتها، عبّرت افتتاحية جريد “الرياض” شبه الرسمية (25/11/2013) بصراحة أكبر عن الموقف الرسمي السعودي. فالمسؤولون السعوديون في حيرة واضحة. فلا هم قادرون على إدانة الاتفاق ولا هم قادرون على عرقلة تنفيذه أو إجهاضه. فهو جنّب المنطقة تداعيات الحرب، إلا أنه جعل إيران أيضاً تفلت من هزيمة أو على الأقل من ضربة موجعة. وفوق ذلك فلدى المسؤولين في بلدان مجلس التعاون، كما أكدت جريدة “الرياض”، مخاوف تتجاوز المخاوف الإسرائيلية من الاتفاق الذي يريد أن يضعها (أي بلدان الخليج) “عارية أمام تنامي قوة إيران النووية ومطامعها التي لا تخفيها”.

إخفاق استخباراتي وسياسيي

لوم المسؤولون الخليجيون الولايات المتحدة التي أخفت عنهم نياتها حول التوصل إلى تسوية ديبلوماسية مع إيران. ويكرر الإعلام الرسمي مخاوف أولئك المسؤولين من أن تشمل التسويات القادمة السماح لإيران باستعادة ما يشبه دور “شرطي الخليج” الذي كانت تلعبه في أواخر سنوات حكم الشاه الإيراني. وهو دور شمل قيام سلطان عُمان وبرضا السعودية والولايات المتحدة الأميركية باستدعاء القوات الإيرانية الشاهنشاهية للمشاركة في قمع الثورة في جبال ظفار.يشتكي المسؤولون والإعلاميون الخليجيون من أن الولايات المتحدة لم تتصرف معهم كحليف وكصديق كما كانوا يتوقعون. إلا أن الشكوى تقف عند هذا الحد. لا يلوم المسؤولون الخليجيون أجهزة استخباراتهم التي فوجئت هي أيضاً بمفاوضات إيرانية ـ أميركية دامت لأشهر عدة في مختلف المواقع، بما فيها سلطنة عمان.  فهذه الأجهزة “سيادية”، يديرها شيوخ وأمراء يعتمدون على خبرات واستشارات ومعلومات يوفرها لهم الحليف الأميركي. علاوة على ذلك، فإن لجميع دول مجلس التعاون شبكة من مكاتب العلاقات العامة ومكاتب اللوبي في واشنطن ونيويورك تستنزف ميزانيات معتبرة. إلا أن هذه أيضاً أخفقت في استكشاف الأمور ووقاية المسؤولين الخليجيين من صدمة المفأجأة.ا

بسبب علاقة التبعية بالحليف الاستراتيجي الأميركي، وبسبب الثقة التي لا حدود لها بقدراته العسكرية، لم يكن ممكناً للمسؤولين الخليجيين متابعة تداعيات التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدها العالم طيلة العقد الماضي. فلم تعد الامبراطورية الأميركية كما كانت، قادرة على فعل ما تريد سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً. ولقد تبين هذا في عدم قيامها في ليبيا بتكرار الاجتياح العسكري الكاسح الذي قامت به في أفغانستان والعراق. ولهذا أيضاً فضّلت إدارة الرئيس أوباما البحث عن تسوية غير عسكرية حول سوريا وحول المشروع النووي الإيراني.شكلت تلك التغيرات الجيوسياسية خلفية ندوة نظمها “مركز ويلسون للأبحاث” في واشنطن (13 أيلول/سبتمبر 2012) لمناقشة تقرير عن “تقييم أكلاف ومردودات عمل عسكري ضد إيران”.
شارك في إعداد التقرير ومناقشته مجموعة من الباحثين والديبلوماسيين والجنرالات وأعضاء السلطة التشريعية بمن فيهم السيناتور جك هاغل (الذي يتولى الآن وزارة الدفاع). من بين أهم الاستنتاجات، أربعة: الاول هو أن العمل العسكري ضد إيران سيكون محفوفاً بأخطار كثيرة بسبب عجز الولايات المتحدة عن التنبؤ بردود الفعل المباشرة وغير المباشرة، سواء من إيران أو من حلفائها. والثاني أن أية مواجهة عسكرية لا تؤدي إلى سحق إيران قد تجعلها أكثر تصميماً على تسريع تحولها إلى دولة نووية. والثالث هو الخشية من انهيار منظومة العلاقات الدولية، ما سيحتاج لسنوات عديدة لمعالجة نتائجه. أما الرابع فيقول إن تسوية سلمية ستتيح للولايات المتحدة الأميركية التقليل من الحرائق الإقليمية التي ترى نفسها بحاجة للتدخل المباشر فيها. وفوق ذلك ستتيح التسوية السلمية لواشنطن أن توجه اهتمامها الى المنطقة التي ستكون مركز العالم في العقود المقبلة، أي شرق وجنوب شرقي آسيا.بالتأكيد لم تكن التسوية السلمية هي الخيار الوحيد بالنسبة للولايات المتحدة. ولكنها كانت أقل التسويات كلفة على المدييْن القريب والبعيد. وهذا ما لم يتوقعه المسؤولون الخليجيون وأجهزة استخباراتهم ومراكز أبحاثهم.

التهديد بمسار تحالفات جديد

 ازداد الضجيج الإعلامي الذي بدأ قبل أكثر من شهرين، أي بعد إعلان التسوية التي سهلت إيقاف خطر الهجوم العسكري الأميركي على سوريا، حول حاجة دول الخليج إلى البحث عن بدائل لتحالفات استراتيجية عسكرية واقتصادية وسياسية، بعيداً عن الولايات المتحدة. إلا أن متابعة السلوك الرسمي في بلدان مجلس التعاون لا تشير إلى توجه لمراجعة فهمها لعلاقة “التحالف الاستراتيجي” مع الولايات المتحدة. فجميع حكام الخليج يعرفون عدم واقعية وجدوى التصريحات العنترية حول التوجه لرسم مسار جديد لسياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة. فالصين ليست في وارد منافسة الولايات المتحدة على بلدان الخليج العربية. ولا اليابان أو الهند مؤهلتان لذلك. وتعاني بلدان الاتحاد الأوروبي من الأزمة الاقتصادية التي فرضت على دوله تخفيض إنفاقاتها العامة (انخفض الإنفاق العسكري في الاتحاد الأوروبي من 251 بليون يورو في العام 2001 ليصبح 194 بليون يورو في 2013). لهذا يبدو من الحكمة أن يستمع حكام الخليج إلى نصيحة مهمة نشرتها فاينانشال تايمز (25/11/2013): فليس لهم سوى الولايات المتحدة، وحتى “السعودية وهي الدولة الأقوى في المنظومة الخليجية لا تملك الخيارات وليس لديها الحلفاء والخبرة اللازمة لمواجهة مفتوحة ومكلفة مع إيران”ا

المقال منشور في ملحق السفير العربي

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1413&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

—-

MuharraqiAmreekaIran

الكاريكاتور بريشة عبد الله المحرقي منشور على صفحات أخبار الخليج بتاريخ 28/11/2013. وهي الصحيفة  الأقرب لرئيس الوزراء خليفة بن سلمان (بو دينار). وتعبر الرسمة عن تلك المخاوف غير العقلانية التي تروِّج لها السلطة الخليفية ا

.

Advertisements