مستقبل مجلس التعاون الخليجي – الإنتظار

لم تختلف قمة الكويت لدول مجلس التعاون الخليجي (10- 12 كانون الأول/ديسمبر) عن سابقاتها في تركيزها على الإجراءات الأمنية والعسكرية الهادفة لحماية السلطات القائمة حتى ولو كان مفعول تلك الإجراءات قصير الأمد. فقد كرر المجتمعون الإشارة إلى قرارات اتخذت قبل ثلاثين سنة عن “بناء منظومة دفاعية مشتركة لتحقيق الأمن الجماعي” من دون الإشارة إلى كيفية التعاطي مع عوامل استمرارالمعيقات التي منعت حتى الآن تحقق ذلك. وفي مقدم هذه المعيقات جهود الولايات المتحدة وغيرها من الدول المصدرة للسلاح (أي التي تبيعه لسلطات متعددة)، علاوة على احتكار المناصب العسكرية من قبل أفراد العوائل الحاكمة وحلفائها.

أما في الجانب الاقتصادي، فاكتفى المجتمعون بإعلان صياغات عامة غير ملزمة، من قبيل “التوافق على قواعد موحدة تسهل تكامل أسواق الأواق المالية”. وفي الوقت نفسه، تحاشت قمة الكويت كسابقاتها التعرض لمعيقات توحيد العملة الخليجية وما يترافق معه ويترتب عليه من قرارات اقتصادية ومالية وسياسية. كما تحاشت التعرض لمتطلبات توحيد سوق العمل في المنطقة بما فيها إزالة معيقات حرية حركة اليد العاملة.

وقد عكس البيان الختامي الصادر عن القمة حالة الارتباك تلك وعدم القدرة على التوافق على نهج للتعاطي مع المستجدات التي تشهدها المنطقة. وما يثير الاستغراب هذه المرة هو ان لغة البيان الناعمة لم تأتِ متناسبة مع تشدد تصريحات وبيانات لمسؤولين خليجيين سبقت انعقاد قمة الكويت، وجرى فيها التحذير من أخطار محدقة بالمنطقة وشعوبها نتيجة لما قيل إنها “تسويات سرية” بين إيران والولايات الأميركية المتحدة.

تعاون أم اتحاد
بجانب الموضوعات التقليدية التي يزداد الاهتمام بها في كل موسم لقمة خليجية، برز هذا العام موضوع الاتحاد الخليجي الذي طرحه الملك السعودي منذ عاميْن داعياً إلى الانتقال من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد. وقتها، جاءت تلك الدعوة في سياق محاولات التعامل مع تداعيات الربيع العربي.
فمن جهة تمكنت قطر، عبر قناة الجزيرة، ونفوذها المالي، وكونها تستضيف قاعدة عسكرية أميركية في المنطقة، من أن تستقطع لنفسها نفوذا إقليميا وحضوراً دوليا مستقلاً. وفيما عدا تدخلها المبكر عسكريا لقمع الحراك الشعبي في البحرين في 2011، بدت السعودية عاجزة عن التأثير في ما حولها والتعامل مع الأحداث المتسارعة في تونس ومصر وليبيا. تبين لاحقاً أن اقتراح الملك السعودي لم يكن مفاجئاً لزملائه من قادة مجلس التعاون فحسب بل حتى للأجهزة السعودية المعنية. فالملك لم يطرح اقتراحه مرفوقاً بحيثيات ودراسات تقييم جدوى لتسويقه بين حكام بلدان الخليج الأخرى. لهذا اكتفى الحكام المجتمعون في قمة الرياض منذ عامين بالترحيب بالاقتراح وإحالته على لجنة متخصصة. وفي أيار/مايو 2012، دعا الملك السعودي إلى قمة تشاورية في الرياض أيضاً لمناقشة اقتراحه على ضوء توصيات اللجنة المشكلة. إلا ان تلك القمة التشاورية فشلت في التوصل إلى اتفاق فأحالت الموضوع مرة أخرى على اللجان لاستكمال دراسة ” كافة جوانبه وبشكل متأن يخدم الأهداف المأمولة”. وفي القمة الاخيرة، لم يتمكن المجتمعون من التوصل إلى اتفاق نهائي، ولهذا دعا البيان الختامي لقمة الكويت إلى استمرار المشاورات واستكمال دراسة “الموضوع”.

عُمان والبحرين
عدا السعودية، فالعائلة الحاكمة في البحرين هي الأكثر حماسة لإقامة الاتحاد الخليجي. ولا تقتصر الحماسة على أفراد العائلة الحاكمة بل تشمل فئات كبيرة من المواطنين والنخب السياسية. ويمكن تفسير هذه الحماسة على مختلف مستوياته بالإشارة إلى حجم نفوذ السعودية اقتصاديا وأمنياً في البحرين. فالسعودية تستورد أكثر من نصف صادرات البحرين. ويتمثل الرأسمال السعودي في مئات الشركات الصغيرة والمتوسطة في البحرين، علاوة على حصص كبيرة من أسهم الشركات الكبرى (تملك السعودية ثلث أسهم شركة البتروكيماويات وخُمس أسهم شركة صهر الألومنيوم). ويعتمد قطاعا الخدمات والتجارة في البحرين على أكثر من عشرين ألف زائر يعبرون جسر الملك فهد يومياً في الاتجاهين. وفوق ذلك وهبت السعودية منذ 1997 البحرين نصف إنتاج حقل أبو سعفة النفطي.
وتشكل العوائد المالية من حصة البحرين من ذلك الحقل (البالغة 150,000 برميل يوميا) ما يقارب 70 في المئة من بند الإيرادات في ميزانية البلاد.

ولقد تعلم ملك البحرين درسا حين امتنعت السعودية في 2004 عن تسليم البحرين تلك العوائد تعبيراًعن عدم رضاها عن قيام البحرين منفردة بتوقيع اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية. وعلى الجانب الأمني تشكل القدرات الأمنية والعسكرية السعودية درعأ واقياً تحتمي به السلطة الحاكمة في البحرين من تداعيات خلافاتها الداخلية أحياناً، وفي مواجهة معارضيها أحيانا أخرى. وكان دخول القوات السعودية في منتصف آذار/مارس 2011 أحد أمثلة سبقته في العقود السابقة تدخلات وإن لم تنتشر أخبارها.
أما عُمان فلقد أعلنت مبكراً تحفظها عن فكرة الاتحاد. وهو موقف تطور بإعلان وزير الشؤون الخارجية العماني عشية انعقاد قمة الكويت ان بلاده ضد مشروع الاتحاد ولن تكون جزءا منه. استسهل بعض “المحللين” الأمور حين أشاروا إلى الخلاف الديني المذهبي لتفسير الموقف العُماني. فرغم ان المذهب الغالب في عُمان هو المذهب الاباضي (مقابل الوهابي في السعودية والشيعي الاثني عشري في إيران)، إلا انه على خلاف الحال في البلديْن، ليس محركا من محركات السياسة السلطانية محليا أو خارجيا، وهو لا يفسر العلاقة الودية التي تربط سلطان عُمان بإيران سواء في عهد الشاه الذي سانده عسكرياً، أو في عهد الجمهورية الإسلامية.

عوضاً عن النظر إلى عامل الاختلاف المذهبي، يمكن تفسير الموقف العماني من فكرة الاتحاد الخليجي بالرغبة في الحفاظ على استقلال السلطنة، ومنع أيٍ من السعودية أو الإمارات من استخدام الاتحاد غطاءً لفرض هيمنتها. وحققت جهود السلطان في هذا المجال هدفه منها. فليس للسعودية في عُمان ذلك النفوذ السياسي أو الأمني أو الاقتصادي الذي تتمتع به في البحرين. من جهة أخرى لا يمكن التقليل من جدية وإلحاح مخاوف السلطان من تدخلات شيوخ إمارة أبو ظبي في شؤون بلاده وعلى استقرارها وتماسكها. وتبيّن حجم المخاوف في أثناء الأزمة الحادة بين البلدين بعد الكشف عن “شبكة تجسس إماراتية” في عُمان في نهاية 2011. ولم تنته تلك الأزمة إلا بعد شهور من الوساطات وزيارات مكوكية قام بها أمير الكويت.

بعد قمة الكويت، وبعد مرور سنتين على إعلان الملك السعودي عن اقتراحه، يبقى أمر الاتحاد “قيد الدراسة”. وعلى رغم ما تم خلال السنتين الماضيتين من مداولات بين الحكام أو بين أعضاء اللجان المختصة، ما زالت ميزات ذلك الاتحاد غامضة تماماً

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1464&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider.

قراءة في تاريخ البحرين وانظمة الحكم التي تعاقبت عليها

محاضرة الأستاذ علي ربيعة في مأتم   بن خميس

نقلاً عن  مدونة مرايا التراث

—–

البحرين اسم اطلق في الماضي على جغرافية غير الجغرافية الحالية. البحرين كانت تحتوي على أوال و الإحساء و القطيف و الساحل الممتد من عمان إلى البصرة. والبحرين على مر العصور كانت ممتدة من جزيرة قيس الواقعة على ساحل إيران حتى البصرة. و قيس (الموجود في اسم جزيرة قيس) هم قبيلة بني عبد القيس التي يرجع اليه نسب عدد غير قليل من أهل البحرين.

دعونا نفهم بعض التعقيدات الموجودة أيضا ما قبل فترة البحرين وهي فترة دلمون. ثم هناك فترة اختف فيها ذكر دلمون و هي مجهولة لنا للآن ثم ظهر اسم اقليم البحرين (الاقليم الممتد من ساحل عمان حتى البصرة والذي استمر كذلك حتى الغزو البرتغالي لجزيرة اوال في العام 1521م).

فترة دلمون هي ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد يعني قبل خمسة آلاف سنة، و دلمون هي كانت جزء من أول حضارة عرفها الإنسان وهي الحضارة للسومرية.

السومريون في العراق(حضارة ما بين النهرين) هم أول من اخترع الكتابة(الكتابة المسمارية) و هم أول من بنى و أول من زرع و أول من نظم الحياة المدنية و أول حضارة يسجلها التاريخ لنا. و هذه الحضارة كانت من ضمن ملكهم منطقة تسمى أرض الخلود (دلمون) وكانوا يعتقدون بأنهم إذا ماتوا و دفنوا فيها فأنهم يعيشون إلى الأبد … تلك هي دلمون هي البحرين. فلذلك فنحن أيضا كنا في يوم من الأيام أساسا مقبرة وجنة على الارض تابعة إلى ملوك السومريين الذين كانوا يحكمون بلاد مابين النهلرين (العراق حاليا) .. أول حضارة عرفها الإنسان. فدلمون في حد ذاتها هي كلمة إله الخلود، أرض الخلود ، أرض الديمومة عندما يموت. فلذلك عندما تذهب إلى القبور في عالي و غيرها ترى أن بقايا هذه الأسطورة.

البحرين والعرب: العرب بدءوا بالنزول إلى منطقة البحرين الكبرى (ربما) في 1200 قبل الميلاد. بدأت القبائل العربية تأتي إلى البحرين و تستوطن البحرين، وسبب نزولها إلى البحرين هو حدوث الانهيار في سد مأرب باليمن (انهار عدة مرات). وهذه – على الاقوى – كانت البداية . كانت هناك ثلاث قبائل نزحت إلى منطقة البحرين: قبيلة بكر بن وائل واستوطنت أوال وكان لها صنم اسمه أوال. وقبيلة تميم وقبيلة عبد القيس. وأكثر الحكام الذين حكموا البحرين كانوا ينتمون لقبيلة عبد القيس (ومن هؤلاء العيونيون وال عصفور و آل جبر). عبد القيس هي القبيلة الأكبر وأكثر الحكام الذين حكموا البحرين الكبرى كلهم كانوا منها . فكانت قبيلة كبرى بحيث ان جزيرة قيس – لحد الآن- مستمد اسمها من هذه القبيلة وكانت تخضع لحكمهم .

وهذه القبائل وغيرها ممن لحق بها هم من كان يطلق عليهم “البحارنة”. لكن البحارنة الموجودين حاليا ليس كلهم ينتمون إلى هذه الثلاث القبائل فمثلا اليوم لدينا السادة المنتمون لاهل البيت (ع) ويطلق عليهم ايضا بحارنة مع انهم جاءوا إلى البحرين بعد الرسالة الإسلامية بعد ان اضطهدوا في المدينة ومكة ولجأوا إلى البحرين واندمجوا فيها واصبحوا جنس متداخل مع البحارنة . و البحارنة أصلا هم قحطانيين بينما بني هاشم عدنانيين . فهناك عدد من الاندماجات التي دخلت تحت مسمى واحد. شعب البحرين كان دائما متنوع ومتداخل ويندمج مع بعضه الاخر، وكثرة اللهجات واختلاف الاشكال والالوان دليل على التنوع. وحتى لو رجعنا الى الفترة غير المعروفة بين انتهاء دلمون وظهور البحرين. فحكام الحضارة السومرية اصلا جاءو من وادى الاندوس، ومعنى ذلك انهم كانوا من المنطقة الواقعة في غرب الهند، اي باكستان حاليا. فلابد انهم ايضا اندمجوا مع العرب لاحقا.

قبل مجيء الإسلام كانت البحرين تحت سيطرة الدولة الايرانية الساسانية. و كانت الدولة الساسانية انتصرت على الدولة البيزنطية الرومانية و امتد نفوذها إلى فلسطين و اليمن و مصر (في اوج انتصاراتها). و البحرين كانت جزءاً من هذه الدولة الساسانية حتى مجيء الرسالة الإسلامية و قرار أهل البحرين بإعتناق الإسلام و هم أول من أسلم استجابة للرسول (ص) بطلب يتقدم به الاهالي انفسهم.

تدخل البحرين تحت حكم الرسول (ص) و ينتهي الحكم الساساني الإيراني من البحرين في العام 627م. الا ان الحكم الإيراني عاد إلى البحرين سنة 1602م حيث غاب الحكم الإيراني عن البحرين قرابة 1000 سنة تقريباً و من ثم عاد الحكم الايراني بشكل متقطع ومباشر احيانا وغير مباشر احيانا اخرى حتى العام 1783. و فترة الحكم الإيراني تستحق دراسة و بحثا خاصاً.

في حكم الدولة الأموية انحاز أهل البحرين للإمام علي (ع) و كانت البحرين تمثل مقراً و ملجأ للمعارضة و الثوار. و كان الثوار و الذين ينفصلون عن الدولة الأموية يأتون إلى البحرين كمقر لهم. و البحرين كانت تمثل أحد الاقاليم الواقعة على أطراف الدولة الإسلامية و هي لذلك بعيدة عن عاصمة الدولة الإسلامية حيث كانت في المدينة و من ثم في دمشق و من ثم في بغداد. والدولة المركزية لم تستطع دائما السيطرة على الاقاليم الواقعة على الاطراف، و لذلك كان الثوار دائماً يلجأون إليها. فالبحرين تعتبر من الدول التي لم تخضع دائماً للحكم المركزي في بغداد أو في دمشق، والحادثة التي يذكرها الشيخ يوسف البحراني أن عبد الملك بن مروان أراد أن يعاقب أهل البحرين لأنه كان يلجأ لديهم الثوار، فأعطى رشوة للفسّاق منهم ليخذلوا أهلهم و يعينوه، فاستولى على البحرين و دفن عين أم السجور بعد قمع اهل البحرين والثوار. فالقتال البحري صغب في تلك الفترة.

في ايام الدولة العباسية أصبحت البحرين معقل كثير من الثوار مثل الزنج و هم عبيد من أفريقيا جيء بهم إلى البصرة و كان الحكام يسيئون لهم كثيراً فأعلنوا الثورة على الحكم العباسي و دمروا و حرقوا و طاردوا ولاة الدولة العباسية و وصلوا إلى البحرين و حكموا البحرين الكبيرة لمدة 20 سنة (مابين عام 863 و 883 م). و منطقة الزنج هي بقايا تلك الفترة.

و من ثم جاء القرامطة و هم حركة اسماعيلية سرية ادعت التشيع وحكمت البحرين الكبرى 180 سنة (من عام 899م حتى عام 1080م) و انتهى حكم القرامطة عندما غزوا الكعبة و انتزعوا الحجر السود منها و أحضروه إلى منطقة الإحساء لنقل الكعبة إليها. و الثورة على القرامطة بدأت من جزيرة أوال فكانت هناك قبيلة تسمى الزجاج (الثائر ضدهم كان اسمه أبو البهلول وهو من هذه القبيلة). و لا بد من الانتباه إلى أن حكم القرامطة كان يدين بالولاء إلى الدولة الفاطمية في مصر حيث كانت دولة شيعية اسماعيلية. و القرامطة فرع من فروع الاسماعيلية فكانت الصلاة تقرأ و المساجد تفتح باسم الخليفة الفاطمي. في فترة الثورة على القرامطة، سيطرت عائلة عسكرية شيعية على الدولة العباسية و هم البويهيون. وعائلة آل بويه سيطرت على بغداد والدولة العباسية لمدة 120 سنة. ففي هذه الفترة أيضا قام أهل البحرين قام اهل الحرين بالانقلاب على الدولة القرمطية (التابعة من حيث الاسم للدولة الفاطمية بمصر) و أعلنوا الولاء إلى بغداد على أساس أن بغداد أيضاً كانت شيعية في تلك الفترة و رفعوا اسم الخليفة العباسي (الخليفة العباسي كان خاتم في يد أمير الأمراء من آل بويه)، ولذا بقيت البحرين على الولاء في الفترة 1058م – 1238م أي لمدة 120 سنة حكمت البحرين الكبيرة عائلة من آل عبد القيس اسمهم “العيونيون” و كان مقرهم في الاحساء.

وجاء بعدهم من 1238م – 1453م (لمدة 215 سنة) عائلة آل عصفور. و هي عائلة كبيرة جداً و تسمى عائلة البحراني في العراق و حكموا البحرين الكبرى لمدة 215 سنة.

والبحرين الصغيرة اوال تعرضت لبعض الهجمات ثناء حكم ال عصفور في فترات متقطعة و هذه المعلومة التاريخية تحتاج إلى مراجعة و تدقيق.

في 1453م انقلب آل جبر – و لهم وجود حالياً في دار كليب – على آل عصفور ( وهم أبناء عمومتهم ) و حكموا البحرين الكبرى لمدة 68 سنة حتى مجيء البرتغاليين سنة 1521م.

عندما جاء البرتغاليون و سيطروا على البحرين قتلوا الحاكم (مقرن آل جبر) وتم قطع رأسه و أرسل هدية إلى ملكة البرتغال – و لا زالت صورة الرأس المقطوع موجودة في متاحف البرتغال حتى الآن. و كانت تلك الفترة هي بداية التوسع الأوروبي للمنطقة الخليجية. وقد فضلوا احتلال جزيرة البحرين الصغيرة على باقي المناطق لأنها كانت غنية بصيد اللؤلؤ و كانت أغنى بلد في الخليج..

ومنذ تلك الفترة بدأ انفصال هذه الجزيرة عن البحرين الكبرى و اقتصر اسم البحرين على الجز الصغيرة المحيطة بجزيرة اوال.

في عام 1602م حدثت انتفاضة كبرى ادت لانهاء الاحتلال البرتغالي. البرتغاليون عينوا على البحرين رجلاً ايرانياً سنياً من منطقة هرمز ( على أساس أنه ايراني لا يعرف العربية و سني ختلف عن الشيعة ) حتى لا يتعاطف مع الناس. وحادثة أبو رمانة معروفة ومدونة وملخصها ان الحاكم اراد اقناع الاخرين بان شيعة البحرين غير مسلمين لاستحلال التصرف بممتلكاتهم، و كان ظالماً جداً و يستولي على ممتلكات كثيرة يحكم في كرباباد لأن القلعة هناك. حدثت الانتفاضة ضد الحام في الوقت الذي كان البرتغاليون مشغولين بالهولنديين و اتصل أهل البحرين بشاه ايران أنذاك (اعتقد انه كان الشاه عباس الثاني) وهو الذي وفر الحماية لاهل البحرين وبدأ الحكم الإيراني مرة ثانية في البحرين سنة 1602م.

و استمر الحكم الايراني حتى سنة 1700م تحت حكم الدولة الصفوية و كان هناك انقطاع مدة 15 سنة عن الحكم الايراني. في سنة 1615م قام شخص من آل جبر و انقلب على الحكم و حكم البحرين لوحده و هو الذي بنى قلعة الرفاع و نقل حكمه إلى قلعة لتكون بعيدة و بدأ يحكم و كان ظالماً جداً و يعرف عنه الفساد و الانحلال الخلقي و قرر في أحد الأيام أخذ زوجة وزيره الخاص و بدأت القلاقل و الفوضى و انتهى حكمه و عاد حكم ايران للبحرين مرة أخرى إلى سنة 1700م وثم من 1737 حت 1783.

الحكم الإيراني كان على نمطين: كان هناك الحاكم العام و لا يعينه الا الحاكم في شيراز حيث كانت إيران مقسمة إلى شاهات (شاه يتبع شاه…) و البحرين في فترة من الفترات تتبع شيراز و الحاكم العام يتفق مع أهل البحرين على تعيين شيخ الإسلام و هو الحاكم الديني – قاضي القضاة – المتصرف في الأموال الشرعية مثل الزكاة و الخمس.

اذا بعد تعيين الحاكم يتم تعيين شيخ الإسلام من أبناء البلد بالاتفاق مع علماء الدين و وجهاء البلد باستثناء سنة 1700م كان الحكم الصفوي على نهايته (أفغانستان احتلت ايران سنة 1722م). انتهى الحكم الايراني الصفوي و استقل الحكم في البحرين عام 1700.

الحكم الايرني كان متقطع. ففي قرابة منتصف القرن السابع عشر استولى احد افراد ال جبر على الحكم (وهو من الجبور الذين حكموا البحرين قبل الاحتلال البرتغالي) لمدة 15 سنة، وكان ظالما مما ادى للانتفاض ضده وعودة الحكم الايراني الصفوي. وايضا في العام 1722 سيطر الشيخ جبارة الهولي وحكم البحرين لمدة 15 سنة حتى عودة الحكم الايراني الافشاري (نادر شاه).

و في بداية 1700م بدأ هجوم من العتوب ( و هو تحالف ثلاث قبائل : أسرة ال خليفة الحاكمة مع آل الصباح و الجلاهمة ). و يذكر هذه الرواية الشيخ يوسف البحراني في كتابه لؤلؤة البحرين. و كان شيخ الإسلام في تلك الفترة محمد بن عبد الله آل ماجد. استعان الشيخ ال ماجد بجيش من الهولة الذين جاءوا إلى البحرين بطلب من حاكمه انذاك لصد الهجوم المذكور. ما بين 1700-1735 هتكت البحرين 3 مرات من قبل حكام مسقط ، و سمي هذا العهد بعهد “خراب البحرين”. و ذكر الشيخ يوسف البحراني ان القرى تم احراقها و فرض عليها الحصار ثلاث مرات من قبل حكام مسقط و حدثت مجاعة و لأول مرة في تاريخ البحرين حتى استسلم أهل البحرين و هرب كثير منهم للخارج. (حدث ايضا الامر ذاته في 1799 واستولى حكام مسقط على البحرين لمدة 3 سنوات بعد حرب مع ال خليفة واهل البحرين وهي الحادثة التي استشهد فيها العلامة الشيخ حسين العصفور الذي لازال يقلده الكثير من شيعة البحرين).

في سنة 1735م نادر شاه أعاد توحيد ايران فعاد الحكم الايراني إلى البحرين في سنة 1737م و بنى القلعة الحالية (قلعة المنامة) و أسس الحكم الايراني مرة أخرى و الحكام الذين حكموا البحرين من سنة 1737م لغاية 1783م كانوا من آل مذكور و هم يمثلون الحكم السياسي الايراني. أما شيخ الإسلام (الحاكم الديني) فقد كان من أبناء البلد.

في هذه الفترة كانت البحرين معرضة للاضطراب لانها هي البلد الغني في الخليج و يشاركها في هذا الامر البصرة. أما البلدان الأخرى فتكثر فيها المجاعة و تموت من الجوع كما حدث في نجدفي العشرينات من القرن الثامن عشر.

ولذلك فإن الكثير من سكان الجزيرة العربية يقتربون من البصرة للحصول على بعض من التجارة العامرة هناك ولذلك تكونت الكويت في تلك الفترة.

ساد المنطقة الجفاف و القحط أما البحرين فكانت محط الأنظار لكثرة العيون فيها و كثافة الزراعة و فيها اللؤلؤ و أغنى الناس كانوا هم أهل البحرين. حدثت خلال هذه الفترة حرب أهلية داخل البحرين بين العوائل المتنفذة فيها مثل عائلة البلادي (حاليا تسمى الجشي) و آل مدن و ال ماجد و غيرهم. و حدث التصادم بين المدينتين الرئيسيتين المتمركزة فيها هذه العوائل و هما جدحفص و بلاد القديم – العاصمة أنذاك. و كانت البلاد القديم دائماً في حالة تنافس مع جد حفص، فحدث القتال فيما بينهما و انتهت بانتصار جدحفص على البلاد القديم. فاستعانت الأخيرة بآل خليفة الموجودين في الزبارة سنة 1783م. حدثت الحرب الاهلية بعد فشل حملة قادها أل مذكور ضد ال خليفة الذين اتهموا بقتل عدد من اهالي سترة اثناء شجار حدث في العام 1782 بين عدد من اتباع ال خليفة الذين جاءا للتجارة وعدد من اهالي سترة. انتهت المعركة البحرية ضد ال خليفة بالزبارة بفشل ذريع مما ادى لنشوب الحرب الاهلية بين جدحفص والبلاد.

في فترة ما بين 1783-1799م استقر الحكم إلى الحاكم الأول و هو أحمد ال خليفة. ما بين 1799-1802م حاكم مسقط اصبح حاكم البحرين و عين شخصاً من آل عصفور نائباً عنه لمدة 3 سنوات. ثم تعاون آل خليفة مع الوهابيين و كانت بداية ظهورهم في الجزيرة العربية ولذا حكم الوهابيون البحرين لمدة 9 سنوات (1802-1811م). بعد ذلك تعاون آل خليفة مع حكام مسقط ضد الوهابيين و طردوهم من البحرين.

فترة 1811-1869م هي فترة تحارب أجنحة آل خليفة مع بعضهم البعض فهرب الكثير من اهالي البحرين إلى مناطق عديدة مثل القصبة و البصرة و الأهواز.

في عام 1869م كان هناك عزم من بريطانيا على إنهاء كل هذه المشاكل فتدخلت في البحرين بصورة مباشرة و طردت فرعاً من العائلة الحاكمة وهجرت بعضهم إلى الخارج و هو الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة ( و حفيدته الشيخة مي آل خليفة وهي خبيرة في كتابة تاريخ البحرين). و الشيخ محمد بن خليفة طرد من البحرين لأنه قتل أخاه الشيخ علي بن خليفة. ولذا أحضر البريطانيون الشيخ عيسى بن علي آل خليفة من قطر و كان عمره 21 سنة و استمر في حكم البحرين 54 سنة. وهذه هي الفترة التي استقر فيها الحكم و هي الفترة التي تم التعامل مع الذين يطلق عليهم ب”البحارنة” معاملة قاسية حيث فرض عليهم نظام السخرة ( وهو نظام اقطاعي حيث يستلم شيخ من العائلة الحاكمة قرية أو قريتين و يعين شخصاً من هذه المنطقة يسمى “وزير”) . و مهمة هذا الوزير اخبار لشيخ عن عدد أفراد العوائل الموجودة في القرية و حصر ممتلكاتهم و مزارعهم و ثرواتهم لدفع الضرائب للشيخ. و هذا النظام الإقطاعي الظالم طبق فقط على فئة البحارنة مما ترتب عليه هجر المزارعين لمزارعهم حيث تحولوا من ملاك للأراضي إلى مستأجر ثم إلى عامل في المزرعة مقابل أجر زهيد. و بدأت مرحلة معاناة الكبيرة جداً لهذه الفئة مما ترتب ما قبل سنة 1922م كان هناك محاولة انقلابية من شخص اسمه السيد شبر الستري حيث قام بإحضار أسلحة و رجالاً من الب الإحساء و أراد القيام بانتفاضة مسلحة في سنة 1895م و لكن فشلت محاولته لعدم تعاون علماء الشيعة معه. الانتفاضة السلمية كانت في سنة 1922م عندما اندلعت احداث اعتداءات هنا وهناك و غلقت الأسواق و طالب البحارنة بإلغاء نظام السخرة و إلغاء الضرائب والرقبية ( و هو دفع ضريبة للشيخ عن كل شخص بلغ من العمر 15 سنة ). و تدخل الانجليز و وعدوا الشيعة بإلغاء نظام الإقطاع، و تبدأ بذلك مرحلة الإصلاحات الإدارية.

بدأت مرحلة البحرين الحديثة بالفعل بتأسيس بلدية المنامة سنة 1919م و تم تأسيس دوائر أخرى لاحقا مثل دائرة الطابو من أجل تسجيل الأراضي و هو مطلب تحقق. و انتهى نظام الضريبة الرقابية و انتهت السخرة و بدأت المرحلة الحديثة بمجيء المستشار البريطاني تشارلز بلجريف و هو مستشار الحاكم و هو المؤسس لمؤسسات البحرين الحديثة فهو المؤسس للمالية و الشرطة وكل الدوائر الاخرى… و أقام هذا المستشار البريطاني في البحرين لمدة 30 سنة (1926م-1956م).

وانتهى في هذه الفترة صيد اللؤلؤ و بدأت صناعة النفط و بدأت مرحلة التعليم و بدأت لأول مرة في مجتمع البحرين المتنوع يتحرك بصور غير طائفية و بدأ المثقفون السنة بقيادة الحركة الوطنية لأنهم السباقين في التعليم و لأن الشيعة كانوا يرفضون التعلم في مدرسة الهداية الخليفية ولذا أسسوا لاحقا المدرسة الجعفرية و المدرسة العلوية لأنهم كانوا يشعرون دائماً أنهم مستنقص منهم فتأخروا بذلك عن قيادة ركب الحركة الوطنية قليلا.

الناس الذين تعلموا اولا في العصر الحديث هم من الطائفة السنية و هم أيضاً. مع ذلك نلاحظ أن تجار الشيعة و تجار السنة كان لهم دور مشرّف كبير و تحالفوا مع بعضهم البعض في العام 1938 لقيادة اول حركة وطنية تطالب بنقابات وهيئة وظنية تشريعية منتخبة.

اذا مع مجيء النفط و مجيء التعليم حدثت أول حركة وطنية قادها الشيعة و السنة. و تاريخ النضال الوطني الحديث بدأ في سنة 1938م عندما تحرك تجار الشيعة و تجار السنة و الوجهاء و طالبوا بمجلس تشريعي منتخب و طالبوا بنقابات و طالبوا بقانون مكتوب و طالبوا بنفس المطالب التي طالب بها الشعب في التسعينات. و في تلك الفترة عندما هجم تشارلز بلجريف على الحركة لم يهجم على الشيعة بينما هجم فقط على السنة و ظلم السنة كثيرا و حاكمهم محاكمة عشوائية و صورية و كان من بينهم بناء من عوائل الفاضل والشملان وغيرهم و نفى ثلاثة من قادة الحركة الوطنية السنة. أما الشيعة فأعطاهم مصالح عديدة لتسكيتهم. وبهذا يشهد االتاريخ أن الظلم لم يقع فقط على الشيعة – كما يتصور البعض – و إنما السنة هم أيضاً تعرضوا لظلم كبير من سنة 1938م لأنهم تحركوا مع الشيعة و طالبوا بمطالب وطنية و تم نفي القادة من السنة بعد محاكمتهم خلال يوم واحد.. و نفوهم إلى الهند و هي نفس الممارسة التي مورست ضد آخرين في فترة لاحقة.

في الخمسينات عادت الطائفية مرة أخرى في البحرين فبدأت في سنة 1953م. حدثت حادثة خطيرة جداً حيث قامت مجموعة و كان من بينهم شخص من الأسرة الحاكمة و هو الشيخ عبد الرحمن وهجموا على موكب العزاء في المنامة و حدثت مواجهة و جرح الكثير من الناس. و بدأت الفتنة الطائفية و حدثت حركة بابكو. و في سترة خرج الشيعة و هجموا على الباصات التي تقل السنةة و في المحرق هجم السنة على الشيعة. فحدثت مشكلة الطائفية .. السني يضرب الشيعي و الشيعي يضرب السني .. و بدأت الطبقة المثقفة عملها و تحركت لتوحيد الصف.. تحركت الطبقة المثقفة من السنة و الشيعة لحل المشكلة ، مثل عبد الرحمن الباكر و عبد العزيز الشملان و عبد علي العليوات و محسن التاجر.. و هؤلاء كلهم تجمعوا و حشدوا معهم المثقفين و المصلحين فبدأوا بحل المشاكل.

حدثت تعقيدات كثيرة في البحرين انذاك. مثلا فرضت الحكومة التأمين على أصحاب التكسي فشعر أصحاب التكسي أن المستشار يريد أن يسرقهم فعطلوا البلد بالاضطراب و التوقف عن العمل. تدخل عبد الرحمن الباكر و أسس صندوق التعويضات و التأمين الاجتماعي وخاطبهم أن هذا العمل أهلي و لخدمتكم و أنتم مشتركون فيه و الصندوق لكم. وكان عبد الرحمن الباكر أذكى القادة الوطنيين حيث أسس صندوق التعويضات والتأمين الاجتماعي و حل المشكلة. ففي الوقت الذي كان مع الآخرين يحل مشكلةالطائفية قام أيضاً بحل مشكلة التكسية و تم تعيينه رئيساً لذلك الصندوق.

قام بتحويل الصندوق إلى مقر للنشاط السياسي بدل النشاط التجاري فبدأت اجتماعاته كلها في الصندوق فانزعج المستشار تشارلز بلجريف و سحب جنسية عبد الرحمن الباكر متذرعاً بأن عائلة الباكر أصلهم من قطر. و رداً على ذلك تجمع الناس في الخميس و كان تجمعاً كبيراً جداً احتجاجاً على سحب جنسية عبد الرحمن الباكر بعد اسبوع واحد قرروا التجمع في السنابس و أسسوا في السنابس الهيئة التنفيذية العليا من ثمانية أشخاص ( أربعة شيعة و أربعة سنة ) و تتبعهم جمعية عمومية تضم 120 عضواً من وجهاء البلد نصفهم من الشيعة و النصف الآخر من السنة.

وهكذا بدأ أول حزب سياسي في الخليج يتشكل و يقود الساحة و أصبح الآمر و الناهي لمدة سنتين في الساحة البحرينية. و فازوا بانتخابات مجلس الصحة و مجلس التعليم واي انتخابات أخرى. وكان لديهم كشافة تتصرف مثل الشرطة فهي التي تنظم السير و وصل الأمر إلى أن الانجليز قرروا الاعتراف بالهيئة التنفيذية العليا و تدخلوا عند الحاكم و أقنعوه بذلك. و طلبوا منهم تغيير الاسم إلى هيئة الاتحاد الوطني و تم الاعتراف الاوي بأول حزب سياسي في الخليج.

بعد ذلك تسارعت الأحداث خارج إطار هيئة الاتحاد الوطني حيث ما عادت تسيطر على الشارع فكانت أحداث تمر عليها و تفرض نفسها. فمثلاً نزول وزير خارجية بريطانيا (سلوين لويد) إلى البحرين كمحطة ترانزيت في سنة 1956م و بعد خروجه من المطار تزامن مروره باستاد المحرق و كانت هناك مباراة فخرجت الجماهير معترضة على موكبه و قذفوه بالحجارة و كاد يقتل.

بعد هذا الحادث جاء العدوان الثلاثي على مصر من قبل اسرائيل و فرنسا و بريطانيا وخرجتالجماهير لتنتقم من بريطانيا. فتدخل الجيش البريطاني و قمع الحركة و اعتقل قادة الهيئة و حاكمهم في البديع و نفاهم إلى سانت هيلانا و أعلنت حالة الطوارئ في ديسمبر 1956م و لم ترفع حالة الطوارئ هذه إلا في فبراير 2001م.

و قام الانجليز بتأسيس القسم الخاص سنة 1957م و بدأ حكم الطوارئ في البحرين و في سنة 1965م استبدل قانون الطوارئ بقانون الأمن العام في 1965 وهو الذي قنن قانون الطوارئ و في سنة 1974م استبدل بقانون أمن الدولة و ألغي قانون أمن الدولة في فبراير 2001م. و انشاء الله لايرجع الى الابد.

هذا ملخص وأنا أردت أن أمر بسرعة. فهناك أحداث و كل حدث ممكن أن يأخذ محاضرة و يستدعي توسعة كبيرة جداً. الفكرة هي أن نبدأ بأن نفكر بصورة كيف نعيد قراءة التاريخ و هي النقطة التي أريد أن أركّز عليها لمدة بسيطة الآن قبل أن نفتح الأسئلة و الأجوبة.

هل نفتح التاريخ لكي نقع في مأزق؟ هل نفتح التاريخ لكي نخلق بلبلة في المجتمع؟ هل نفتح التاريخ لكي نفتح الجروح؟ أم نكون عقلانيين و نفتح التاريخ لكي نستفيد من أخطاء الماضي و أجدادنا و أجداد غيرنا… و إذا كان لهم ذنب لا ينعكس على الأبناء. لدي كتاب فيه أسماء الوزراء من أبناء القرى الذين تعاونوا مع الشيوخ وأبناؤهم موجودون فيما بيننا فهم أبناء القرى أساساً و لكن ليس لهم ذنبفالأولاد و الأحفاد ليس لهم ذنب. لقد كان هناك من شيوخ ال خليفة من وقف ضد الظلم، مثل الشيخ محمد بن عبد الرحمن الذي توفي قبل سنوات وكان عمره 104 سنوات، واهل المرخ جميعهم يشهدون له بالصفات الحميدة.

هل آن الأوان لكي نستطيع أن نفتح هذا التاريخ أيضاً؟ سمو الأمير الشيخ حمد قال في كلمته في ديسمبر الماضي انه ان الاوان للتصالح مع التاريخ.. وهو ليس له ذنب إذا أراد أن يفتح حكماً عادلاً. فإذا أمكن أن نفتح قراءة عصرية و إجراء مصالحة مع التاريخ فهذا امر عظيم. و يجب الأخذ بعين الاعتبار أن كثيراً من الذي قيل هو أوهام و كثير من الأخطاء و المشاكل حدثت من جميع الأطراف و أن الظلم لم يقع على البحارنة فقط و إنما أصاب آخرين أيضاً و أن هناك أناساً كثيرين دافعوا عن حقوق الشعب و كانوا بعضهم ايضا من الأسرة الحاكمة.

و توجد حوادث تتطلب الإنصاف؛ فمثلاً عائلة الدواسر عندما هجموا على باربار و عالي فهناك كثير من الدواسر لم يرتكبوا هذه الأخطاء. و يوجد هناك من البحارنة ارتكبوا من الأخطاء ربما ما هو أعظم.

آن الأوان أن نتصالح أنفسنا نحن أيضاً مع التاريخ. أن نفتح التاريخ لا لكي نثير الحماس. أن نفتح التاريخ لا لكي ننتقم من عائلة فلان أو علان. نفتح التاريخ لكي نفهمه بصورة أكبر. نفتح التاريخ لكي نتصالح مع بعضنا الآخر. نفتح التاريخ لكي نفتح به مستقبلاً مشرّفاً. الآن السود .. كانوا عبيداً في أمريكا.. اليوم لا يجرؤ أحد أن يسمّيهم عبيداً. و الآن أصبحوا وزراء و أصبحوا في الحكم و أصبحوا مليارديرية .. جاءوا من قبل 500 سنة جاءوا بصفتهم عبيداً.. الآن الأبيض لا يستعبد الأسود و الأسود ليس له الحق في الانتقام من الأبيض في أمريكا. و الأسود له الحق أن يدرس تاريخه بأسلوب نزعت منه العبارات النابية و أيضاً الأبيض ينزع العبارات التحقيرية مثلاً عبارة (النيكا) كلمة تحقيرية للأسود الآن ممنوعة و يعاقب عليها القانون. إذاً نحن أيضاً في حاجة لحذف بعض العبارات.. آن الأوان أن نخلّص و ننظّف مصطلحاتنا و نغيّر الشكل السياسي السابق السيء لكي نستفيد و نخلق بحريننا الجديدة.

وجد كتب كثيرة مريضة تحتاج إلى معالجة مثل كتاب خرج قبل سنتين تقريباً من إعداد رئيس تحرير جريدة الوطن الكويتية مع الأخت سوسن الشاعر و هو سيء جداً و غير واقعي و يوجه الاتهامات و يثير الأحقاد و الطائفية حيث يتهم الشيعة بأنهم تحالفوا مع الانجليز و أنهم كانوا عملاءً للانجليز في العشرينات من القرن العشرين و هذا كلام سافل وخطير و خاطئ لأن الشيعة كانوا مساكين و كانوا مظلومين.

عندما يلجأ تاجر اللؤلؤ أحمد بن خميس (مؤسس مأتم بن خميس) إلى البريطانيين (بيت الباليوز وهو نفسه مبنى السفارة البريطانية الحالية) فأنه ليس عميلا بل انه أول لاجئ سياسي في تاريخ البحرين.. فقد اشترى لؤلؤة غير مفصولة من القطيف و جلبها معه إلى البحرين حيث اشتراها رخيصة و تباع بسعر مرتفع بعد فصلها اذا نجح في فصلها. فسمع عن أمرها شيخ منطقة السنابس فطلب منه الضريبة بسعر اللؤلؤ المفصول فرفض أحمد بن خميس لأنه لم يخرجها من سواحل البحرين بل انه اشتراها من القطيف (حيث المتعارف عليه أنه تدفع الضرائب على اللؤلؤ المستخرج من سواحل االبحرين) بالإضافة إلى أنه لم يقرر بعد هل يبيعها قبل فصلها أو بعد فصلها؛ فبعث له الشيخ رجاله (الفداوية) لقتله لامتناعه عن دفع الضريبة وملاحظة هنا ايضا ان الشيعة الاحسائيين لم يقعوا في الظلم ذاته لانهم كانوا يأتون البحرين لحاجة السوق لمهارات معينة (حياكة، حدادة، الخ) وكانوا ايضا يستطيعون اللجوء الى ابن سعود لو وقع عليهم ظلم. …هذا كلام سخيف ان يتحدث شخص ويقول ان البحارنة عملاء لانهم طالبوا بحماية من الظلم في الوقت الذي لم توجد فيه مؤسسات دولة ولا نظام سياسي واضح المعالم…و نحن لا نريد الرد عليهما فنثير الطائفية و لكن نريد أن نثير المواضيع التي تذكر أن هناك ظلماً و انتهى هذا الظلم و لا عودة إليه إن شاء الله.

إذا استطعنا أن نعي ذلك التاريخ و ندرسه و نستفيد منه لا لكي نثير الضغائن و المشاكل في أوساط المجتمع البحريني؛ فالبحرين لكل أهل البحرين سواءً كان سنياً أو شيعياً؛ سواءً كان بحرانياً، هولياً، عجمياً، حساوياً،…إلخ. و سوف ترى أنك لو رجعت إلى التاريخ فإنه ليس كل شيعي مظلوم و ليس كل سني لم يكون مظلوماً؛ فمن بيت الجودر كان هناك أناس مظلومين كثيراً بينما الاحسائيين لم يكونوا مظلومين؛ أحسن كتاب ربما كتب عن تلك الفترة هو إعداد رسالة الدكتوراه لطلال فرح و كتب باللغة الانجليزية و لم يترجم حتى الآن فهو كتاب قيم و عندما تقرأه يحترق قلبك. و قد التقيت بمؤلف هذا الكتاب قبل مجيئي للبحرين و هو بروفيسور في جامعة لندن و يمكننا دعوته مستقبلاً لنستفيد منه. و الغريب في الأمر أنني اكتشفت أن أحسن الناس الذين كتبوا عن تاريخ البحرين هم من اللبنانيين مثل أميل نخلة (مستشار الإدارة الأمريكية لشئون الخليج و لا زال مستشاراً لديهم) و كتابه من أحسن الكتب التي كتبت عن البحرين بالإضافة إلى طلال فرح و هو مسيحي لبناني وهناك كتاب ثالث لاسحاق الخوري و هو كاتب مسيحي لبناني ايضا و كلهم حضروا إلى البحرين و مكثوا فيها سنة أو سنتين و كتبوا التاريخ.

توجد عندنا مصادر قيّمة جداً يمكننا فتحها و لكن علينا أن نكون حذرين و متفهّمين لمشاكل الماضي لكي نفتح مستقبلاً أفضل و تلك هي القراءة المعاصرة لتاريخ البحرين التي أدعو الجميع لإحيائها بناءً على أن هناك على رأس الهرم السياسي من يريد المصالحة مع تاريخ البحرين.

والسلام عليكم و رحمة الله وبركاته

http://malturath.wordpress.com/2013/04/15/%d9%82%d8%b1%d8%a7%d8%a1%d8%a9-%d9%81%d9%8a-%d8%aa%d8%a7%d8%b1%d9%8a%d8%ae-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%ad%d8%b1%d9%8a%d9%86-%d9%88%d8%a7%d9%86%d8%b8%d9%85%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%83%d9%85-%d8%a7%d9%84/

شهادة الرفيق عبدالله مطيويع عن استشهاد محمد غلوم بوجيري ١٩٧٦

 

 

بقلم: عبد الله راشد مطيويع

في 2 ديسمبر 1976، بينما كنت ما بين الغيبوبه والصحوه، فتحت عيني على وجه ضبابي الملامح يتحدث الانجليزيه وبضع كلمات عربية مكسرة، ذو بشرة بيضاء، حمراء وأعتقد أنه انجليزي، بعد أن أزاح عن وجهه “الجودري” التي هي قطعة من الخيش الخشن، عن وجهي وصار يناديني (أبدلا..أبدلا، متيوا، عبد الله متيوا) هل تسمعني، لم أعرف أن كنت في حلم أو كابوس أو صحو، أو كل هذا، قال لي كلاماً وهو جالس القرفصاء، ويهز كتفي، قال كلاماً لا أذكر منه سوى (The Case Is over)، وسمعته يقول لهم أطلبوا له الحليب، وفيما يشبه نفس الوضع جاء شخص هندي الملامح وسألني بصوت يختلف عن صوت الجلادين واحداً واحد والذي حفظته سمعاً حيث كانت عيناي معصبتان طوال الأيام منذ بدء أخضاعي للتعذيب صباح 26/11/1976  بعد هزني عدة هزات، مم تشكو؟؟ قل لي مم تشكو أنا دكتور وسوف أعالجك، لا تخف. 

أمسك بيدي وأزاح كم الثوب من يدي اليمنى الذي كان ملطخاً بالدم، وفرك زندي بمحلول المطهر، فنفذت رائحة المحلول إلى أنفي ورأسي فسحبت يدي بعفويه كما أن لو أفعى قد لدغتني لماذا؟؟ لم أعرف لماذا؟ ودسيتها تحت الغطاء الخيش الخشن، حيث ربت على كتفي فكرر علي لا تخف أنا دكتور سمويل سوف أعالجك أنها (إبرة) سوف تكون مفيدة لك. كان لرائحة المحلول المطهر فعل العودة والاستفاقه أو شبه الاستفاقه من دوار الرأس. وإدراك ما حولك، حيث أنه منذ 26/11/1976 حتى 2 ديسمبر دون أكل دون ماء دون نوم. يكون المرء في حالة ما بين بين، الوعي، والغياب، والصحو، وشبه النوم بل لا تدري أهو نهار أم ليل، حلم أو علم أم لا أعرف. هكذا كان الحال.

أجلسني بيديه وبصعوبة، وساعده الشرطي الحارس وأسندني إلى الجدار، وراح يسقيني من كأس به سائل. حين مضغت شيئاً منه عرفت أنه حليب. لحظتها قرأت أو أحسست أن هذا الإنسان خلاف أولئك الجلادين القتله اللذين يبدأون سؤالهم بشتم أمك وأخواتك ويصفوهم بأقبح الألفاظ.

بعد أن أطمئنيت إلى هذا الرجل الذي عرفت فيما بعد أنه الدكتور سموائيل، قبلت له أن يحقنني كل يوم حقنه لمدة تسعة أيام.

وبعد أن جاءني للمرة الثانيه السيد آبان هندرسون الزنزانه، وبعد أن رابطت أختي نيله في القلعه عند القسم الخاص، وصممت أن لا تغادر إلا حين تتأكد أن أخوها عبد الله حي ولم يمت كما مات محمد بوجيري. كما أشيع في طول البحرين وعرضها. حتى أن احدى نساء الفريج الذين أحبو عبد الله قد جهزوا الكفن وجاءت الأخت ع.م. إلى البيت لكي تتأكد فلم ترى أية إشارة أو مظهر من مظاهر الاستعداد للجنازه. حيث جاءني الشيخ ر.س. الذي كان صديقاً لأبن أختي نيله خالد وكان يتردد على بيتهم كصديق لأبنها ولم تكن تعرف أنه يعمل في المخابرات. وقد تفاجأ وأصابته الدهشة والخجل، حيث أن الذي قام بتعذيبه هو أخو المرأة التي كان يأكل من طبخ يدها.    

تكهرب الجو وارتبك في قسم المخابرات، خلال هذا الارتباك الذي خيم عليهم بسبب استشهاد محمد بوجيري، وانتشار الاحاديث عن وحشية التعذيب وموت البعض وجو البحرين مشحون بالتوتر والشائعات ومنشيتات الصحف وفبركاتها عن الجهات السياسيه التي خططت للتفجيرات والاغتيالات، وسفينة أسلحه جاءت من الخارج وتم اكتشافها.

وعدد المواقف 6 ديسمبر بالمنشيت العريض ع.م. مسئول عمليات التخريب والاغتيال. هذا الخبر المنشيت أخبرني عنه الأخ عباس مرهون حين أتوا به إلى الزنزانة المجاوره.

في كل هذا المعمعان، كان يأتي يومياً، إلى باب زنزانتي أحد عناصر المخابرات وكان إنساناً بائساً وجاهلاً وفقيراً وقد جندوه ليعمل مخبراً. كان يأتي ويقف مدة طويلة وأنا جالس ولا أستطيع الوقوف، فيجلس لكي يتكلم بما يشبه الهمس، من أهم ما قاله وكان يومها مرتبكاً جداً. فبعد ما أنصرف هندرسون عني. قال لي هذا المسكين يا خوي مطيويع ترى أنه ما لي علاقة بوفاة محمد بوجيري، أنه في الفرقة ب، وبوجيري مات عند الفرقه أ.

 ليحفظ أهل بوجيري هذه العبارة، وإذا ما أرادوا البحث عن عناصر الغرفه أ إذا ما عزموا على إقامة دعوتي ضد من تورط في قتل أبنهم فهم لا يزالون أحياء. واحد فقط منهم مات موتة تليق به مات مخموراً وحيداً مريضاً بهواجس وأشباح من عذبهم لأنهم صاروا يلاحقونه في صحوه، ونومه وفي سكره.

قبل 2 ديسمبر 1976 ربما كان اليوم الرابع أو الخامس أو السادس كانوا قد جاءوا بمحمد بوجيري متورم الوجه معصوب الرأس بشاش، هو في الأصل أبيض لكنه كان أحمراً مما تشبع به الدم الذي كان ينزف من رأسه جهة اليمين، وبات لا يقوى على الكلام ولا الحركه وكانوا قد حملوه ليروني شكله حتى أنني لم أتعرف عليه إلا من طول قامته ونحالة جسده. وأحدهم يزجره بعنف وبقوله له قل حك هذا الكلب (الذي هو أنا) أن يعترف وإلا سيكون مصيره مصيرك.

الشهيد بالكاد كان يفتح عينه واعتقد أنه لم يكن يدرك ما يدور حوله، كان هدفهم أن يرعبوني ويفزعوني في البداية لم أتمكن من التعرف عليه فكان وجهه متورم وشفتاه تميل إلى الزرقة أو السواد ورأسه معصوبة بلفافه بيضاء ولكنها تحولت إلى حمراء من شدة ما نزف رأسه من الدم، كانوا يكررون ضربه أمامي لكي يصرخ وكانت صرخاته أقسى علي من سياطهم على جسدي سحبوه إلى الخارج كالذبيحة لأنه لم يكن يستطيع المشي أو الوقوف على قدميه، وسمعته يصرخ لأنهم واصلوا ضربه (بالهوز) الانبوب البلاستيكي، ومن مر عليه الانبوب البلاستيكي يستطيع أن يميز صوته من دون أصوات أدوات التعذيب.

في صباح أو ضحى يوم 2 ديسمبر 1976 كنت في الزنزانه الثانيه قسم المخابرات والأولى كان بها الأخ سيد إبراهيم سيد عدنان من الرفاق في جبهة التحرير، وقد جلبوا له محمد بوجيري قبل أن تتدهور حالته من نزيف الرأس. وكان يطلب بندول، وكان سيد إبراهيم يصرخ على (السنطري) الحارس بأعلى صوته، الرجال يموت الرجال يموت، تعالوا، الرجال يموت، الحارس كان بلوشياً، ويبدو أنه رأى المشهد فأسرع إلى الخارج وجاء بصحبة أحد الجلادين، فتحوا الباب وأخرجوا محمد ولا أعرف أين أخذوه، فيما بعد بعد أن تسربت الأخبار من هنا وهناك وبعض المتعاطفين معنا من الحراس الذين استطعنا اكتساب احترامهم أو تعاطفهم الإنساني.

أنهم أخذوه إلى زنزانة القلعة، ثم حين يأسوا من حالته نقلوه إلى مستشفى السلمانيه لكنه في هذا الوقت قد مات، هذا ما قاله ذاك الدكتور البحريني الإنسان، ولديه بقية الحكاية، ولدى د. سمويل بعض الحكاية، ولدى سيد إبراهيم حكاية اللحظات قبل أن ينقلوا محمد بوجيري جسداً وقليلاً من الروح إلى أن فاضت روحه إلى بارئها.

أخذ الجلادون القتله جسده إلى القلعه وقام بالصلاة عليه إمام مسجد القلعه وهو أحد أبناء فريج ــــ فريج (العاجل) القحطاني.

أخذوا جسده إلى مقبرة المنامه، وذهب أحد المخبرين إلى بيتهم في المحرق قرب كازينو المحرق، وكان الناس متجمهرون، وطرق الباب وطلب حضور والد محمد بوجيري، فاستبشر الوالد أو أنه توهم، فأخذ معه بعض الثياب، على عجل، أنطلقت سيارتهم ال AUDI مسرعة إلى المنامه، حيث وصلوا عند عمارة لكويتي وقادوا الأب إلى دكه الموتى في مقبرة المنامه ورفعوا طرف الكفن صوب الرأس. سقط الأب مغشياً عليه.

في رواية أخرى أنهم أخذوه إلى القبر المفتوح، وبه جسد محمد غلوم بوجيري وكشفوا عن وجهه وقالوا له هذا أبنك محمد مات بسبب سكته قلبيه.

أية قلوب هذه، أينتمي هؤلاء إلى الأدميه أو شيئاً من الإنسانيه، أهؤلاء بشر ((أنني في شك من بغداد إلى جده)) الحقوق والقصاص لا يسقط بالتعادم وسيعلم الذين ظلموا أياً منقلب ينقلبون”.

أكاد لا أصدق أن 37 عاماً مضت على تلك الأيام السوداء، ترى ماذا سنقول عن الأيام الأكثر سواداً التي جاءت فيما بعد.

لم يتوقف القتل. قد أوقفوا التعذيب عني وأرسلوني إلى جزيرة جدا سجن بيت الدولة.

واستمروا في أماكن أخرى. ففي 12 ديسمبر 1976 قتلوا الشاعر المرهف الشهيد سعيد عبد الله العويناتي وبنفس السيناريو دفنوه. بعد أن طلبوا من أحد أقاربه وكان يعمل مخبراً أن ينقله ويسلم جثمانه ويدفن بإشراف جهاز الأمن بموافقة هذا المخبر الذي أعتقد أنه مات أو أنه حي لكنه ميت.

لا أكاد أصدق أن 37 سنه سبعه وثلاثون سنه مضت على تلك الأيام السوداء، ترى ماذا سنقول عن الأيام التي جاءت فيما بعد وكانت أشد سواداً ــــ تمت محاكمة الثلاثة محمد طاهر، وإبراهيم مرهون، وعلي فلاح وحكم عليهم بالاعدام. وبرئت ساحة أحمد مكي، المتهم الرابع وأمير منصور المتهم الخامس، ولم يطلق سراحهما فقد ظل أحمد مكي موقوفاً أكثر من سبع سنوات، وظل صاحب هذه السطور ثمان ثمان سنين وشهر بأمتياز دون محاكمة، دون تهمه، دون حتى أخذي إلى القاضي للإجراء التعسفي الروتيني لتحديد مدة توقيفه على ذمة التحقيق، كما كان يجري لبقية الأخوة اللذين اعتقلوا بعد حل المجلس الوطني في أغسطس 1975.

ترى متى ستتم محاسبة ومعاقبة القتله على أفعالهم؟! ربما في حياتنا أو بعد أن يأخذ الله أمانته فالاجيال القادمه لن تغفر لهم.

بقي شيء واحد مهم، تفاصيل كل ما حصل أكيد موجود في تقارير وآرشيف المخابرات، وإذا ما أتلفت من أرشيف البحرين فهي حتماً موجوده في بريطانيا أرشيف الخارجيه، ومراسلات السفاره البريطانيه وربما الاميركيه فيما بعد وهذه من حسنات الاستعمار البريطاني، والانجليز مولعين بالتقارير الدقيقه والمفصله أكانت استخباراتيه أو تاريخيه كما فعل د.ج. لوريمر في موسوعته التي يشكر عليها ويستحق الترحم عليه، كما يجوز الترحم على الميجر ديلي 1920/1926 وعلى السير جارلز بلكريف 1926/1957.

لأن أيامهم لم تكن جزر تستملك لأفراد ولا بحاراً تدفن وتباع ولا سرقات بالملايين ولا رشاوى بالمليارات ولا فساد يضرب بأضنابه في قعر مؤسسات الدولة ووزاراتها بشهادة ديوان الرقابة المالية، بل أن الميجور ديلي كان يعاقب أي متعدٍ على أفراد الشعب بالتسفير ومصادرة أملاكه وعرضها في سوق الحراج. وتلك شهادات ليست من عندي لكنها في وثائق الانجليز، وفي روايات أبائنا وأجدادنا وكبار السن ممن عايشوا تلك الحقبات وبعضهم يترحم على الانجليز مكرراً ((الله يرحم أيام الانكريز “الانجليز”)). 

وأخيراً وليس أخراً سؤال إلى من وضع نفسه أو وضع في المؤسسات والجمعيات الحقوقية، متى ستفتحون ملفات الموت المجاني في أقبيته، منذ شهداء 1965 ، عبدالله حسين نجم، عبدالله سعيد الغانم، فيصل القصاب، وعبدالنبي سرحان، وعبدالله سرحان، وجاسم عبدالله وبعدهم شهداء السبعينات الشهيد محمد بونفور والشهيد محمد غلوم بوجيري والشهيد سعيد عبدالله العويناتي، ومئات الشهداء منذ الثمانينات والتسعينات ولديكم أسمائهم وموثقة كيف ومتى تم قتلهم، أو الذين قتلوا في الشوارع بالرصاص الحي كالشهداء الأربعة عند سور القلعة في الأول من  ذو القعدة عام 1373 ه  (يوليو 1954) حينما انتشرت اشاعة حول  اعتقال زعماء  هيئة الإتحاد الوطني واحتجازهم في  القعلة فقد توجه عدد من المتظاهرين إلى القعلة احتجاجاً على اعتقالهم فأطلق  الجنود الرصاص من أعلى سور القعلة واستشهد ( إبراهيم عبدالرسول بن سيف ـ المنامة، محمد الحاج كاظم الحاج علي ـ قرية المالكية، علي أحمد السعيد ـ قربة مقابة، علي الحاج حسن الحاج عبدالله ـ قرية سترة)  ناهيك عن الذين خرجوا من السجون بعاهاتهم.

 

فماذا أنتم فاعلون؟؟.  

— 
جمعية العمل الوطني الديمقراطي 
“وعد”
هاتف:0097317722000
فاكس: 0097317722424
ndasadmin@gmail.com
ص.ب:2815
المنامة – مملكة البحرين

ذاكـرة الأمكنة (مقال قديم) ا

لوهلة حسبتُ ما كتبه الأخ حسين السلم في الوقت[1] حول تغيير أسماء بعض القرى واحداً من تلك المقالات التي تجعل من الحبة قبة. فمن تهمه المحافظة على اسم قرية في وقت لا ندري فيه إلى أين تُبحر بنا سفينة البلاد؟ فضمن الصورة العامة المرتبكة للوضع السياسي في البلاد لا وقت للوقوف أمام مسألة إدارية من قبيل تغيير أسماء قرى أو تبديل لافتات تدل عليها. ولا أحد يتوقع شيئاً من احتجاج أهالي تلك القرى أو تهديدهم بالاعتصام السلمي. ولا يستدعي الأمر تشكيل لجنة تحقيق برلمانية حول الموضوع في وقت لم تتوفر للبرلمان فرصة الاتفاق على تشكيل لجان للتحقيق في مسائل أخرى أكثر إلحاحاً وأولوية.

إلا أنني سرعان ما تبيّنتُ أن المقالَ يثير أموراً أكبر مما يشي عنوانه. فها نحنُ أمام عضويْن منتخبيْن في مجلسٍ بلدي يشتكيان من قرارات ينسبانها إلى ‘’مجهولٍ’’ في الجهاز المركزي للمعلومات. ومعلومٌ، بعد نشر ‘’التقرير الشهير’’، إن هذا الجهاز ليس كبقية أجهزة الدولة. بل هو أحد أكثر أجهزتها سطوة و أكثرها غموضاً. وإليه تُنسب عدد من ‘’الخطط’’ الطموحة التي جَنَّدت الدولة طاقاتها لمنع الحديث عنها. بل و بذلت أطراف كثيرة بما فيها أعضاءٌ في البرلمان جهوداً لإفشال محاولات خجولة ورمزية لمساءلة الوزير المسؤول عن الجهاز عن تداعيات ما ينسبه التقرير إليه. h

عرفتُ، قبل أن أباشر كتابة هذا التعليق، إن الجهاز المركزي للمعلومات نفى علاقته بالموضوع. إلا أن أحداً لم ينفِ بشكلٍ مقنع ما تشير إليه دلائل كثيرة عن وجود ‘’جهة ما’’ ترى أن من مهماتها إعادة رسم خريطة البلاد ديموغرافياً واجتماعياً وجغرافياً. وفي إطار السلطات الممنوحة لهذه الجهة غير المعلنة لا أستغرب اتخاذها قراراً قراقوشياً بإزالة اسم قرية أو تبديل اسم حي. لقد تعودنا على ألا يتم الإعلان عن أسباب هذه الإزالة أو ذلك الاستبدال. وهذا كان حال الحي الذي يقع فيه بيتنا في المنامة. فبدون سابق إنذار صرنا من سَكَنة ‘’فريق كانو’’ بعد أن كنا، مثل أجيالٍ قبلنا، نعرفه بإسم ‘’فريق الحطب’’. ما العيب في الاسم القديم؟ ومن قرّر تغييره؟ ولماذا؟. لا أحد يعرف. ولم يجرؤ أحدٌ على الاستفسار. بل وصار من يقول إنه من فريق الحطب كمن يعارض ‘’الحداثة’’ أو صار مروجاً، والعياذ بالله، للطائفية. شيئاً فشيئاً رأينا جزءاً من تاريخ البحرين يضيع بعد أن كان يختزنه المكان الذي كان اسمه فريق الحطب.

من الواضح أن الشكوى البلدية التي نقلها المقال لم يسببها التنافس على الصلاحيات بين جهازين من أجهزة الدولة. ولا أرجح أن مصدر التنازع هو رغبة أحد الأجهزة في تخطي ‘’عقبات’’ الروتين والبيروقراطية فاستبدل أسماء قرى أو أزالها دون استشارة المجلس البلدي المعني. ما تستثيره الشكوى هو أكبر من لافتة هنا أوهناك ومن حوْقلة عضويْن في مجلس بلدي. ففي حال صَحَّ ما قاله العضوان عن إزالة اسم قرية الماحوز أو غيرها فلن تكون هذه الخطوة إلا واحدة من مؤشرات كثيرة تشير إلى توجه رسمي لإعادة رسم خريطة البلاد ديموغرافياً واجتماعياً وجغرافياً. وهو توجه يصل إلى درجة الهَوَس الذي تفضحه كثرةٌ من القرارات والإجراءات الرسمية المتضاربة أحياناً. ومعلومٌ أن هذا الهوس قد بلغ مبلغه حين فُرضت السرية المشددة منذ بداية التسعينات على قرارات التجنيس بعد أن كانت جزءاً اعتياديا مما تنشره الجريدة الرسمية ولا تعيره الناس اهتماماً كبيراً. من الواضح أن المستشارين المُسْتجلبين لهذا الغرض يجهلون تفاصيل واقعنا الاجتماعي السياسي وتاريخه، أو هم يستخفون بها.

لهذا أضع يدي على قلبي جزعاً من أن يؤدي هذا الجهل وذلك الاستخفاف إلى المضي بعيداً في تطبيق سياسة ثبتت خطورتها في أكثر من بلد في العالم. وهي سياسة لا يشكل فرض أسماء جديدة لقرانا وأحيائنا إلا رأس جبل الجليد فيها. فالمنخرطون في هذه السياسة يعرفون أن نجاحها يتطلب الاستمرار إلى أقصى الحدود في جهود إعادة تشكيل الذاكرة الجمعية. ولا شك أنهم يعرفون أيضاً أن هذه الذاكرة ليست محصورة فيما تختزنه ذاكرة الأفراد. بل إن القسم الأهم منها هو ما تختزنه ذاكرة الأمكنة.

حين ناشدَنا أبو العلاء المعري أن نخفف الوَطْءَ وحين وقف قبله امرؤ القيس يبكي بسقْط اللِّوى كانا يقولان ما سيقوله عالم الاجتماع موريس هالبواكس[2]، معاصرُ دوركهايم. ففي حين تتعرض ذاكرة الأفراد إلى التآكل والتلف تبقى ذاكرة الأمكنة. فالمكان هو حافظة الذاكرة الجمعية وأحد معالمها ورموزها في الآن نفسه. قد يكون المكان بقعة أرض أو حقلاً أو عيْن ماء. وقد يكون مسجداً أو مأتماً أو مقبرة أو طَلَلاً. فللأمكنة كلها، صغيرها وكبيرها، مواقعها الخاصة بها في لوحة الفسيسفاء التي نتعارف على تسميتها بذاكرة الوطن. وحين يختفى مكانٌ أو يُزال يبدأ اندثار كل ما يرتبط به في تلك الفسيفساء الوطنية. عندها تزداد البقعُ الفارغة في تلك الفسيفساء وتتسع الفوارق بين مكوناتها.ا

قرأتُ مقالاً كتبته الأخت باسمة القصاب[3] فرأيتُ، بعد أن اتكأت على هالبواكس، كيف يمكن التعرف على الذاكرة الجمعية في قريةٍ من خلال متابعة سِيَر حياة أمكنتها، دواليبها ونخلها. وهي سِيَر حياة تتوثق بها تعرجات علاقات القوة وما تُسهم في توليده من بُنَى داخل القرية وخارجها. وهذه السِيَر توفر للقرية، إن شاءت، لقاحاً ضد الابتلاء بثنائية الغالب الجمعي والمغلوب الجمعي. فذاكرة أمكنة جد الحاج، مثل كل قرانا، تُفصِح، حين تُسأل، عن تداخل بعضُ المغلوب في الغالب. وهي، بذلك، تعطي ‘’المظلومية’’ أوجهاً عدة مستترة. ا

يعكــــس تغيير أسماء القرى والأحياء انبهار الاستشاريين و بعض متخذي القرار بقدرة مشروعات الهندسة الاجتماعية على إعادة تشكيل المجتمع حسبما يريدون. وهو انبهارٌ يشابه ما ساد في الاتحاد السوفياتي وتركيا الأتاتوركية ولم تسلم منه أيضاً دول أنظمة الرفاه الاجتماعي في أوروبا الشمالية. لحسن الحظ، تتوافر الآن عشرات الأمتار من رفوف المكتبات المليئة بالدراسات عمّا سبَّبته مشروعات الهندسة الاجتماعية من مآسٍ حقيقية في تلك البلدان. لكن، لسوء حظنا، لا يبدو أن متخذي القرار لدينا قادرون على الاستفـــادة من قراءة تاريخ الآخـــرين.ا

—————
الهوامش: [1] ‘’طالبوا -المركزي للمعلومات- بالشفافية – تغيير أسماء القرى يثير ضجة في -بلدي العاصمة-’’ الوقت، 1 أغسطس/آب 2007 [2] انظر الترجمة التي قام بها لُويس كوسـِر Maurice Halbwachs on Collective Memory. The University of Chicago Press، 1992 [3] ‘’استملاكات القوة..نخل سيحة جد الحاج نموذجاً’’، الوقت ، 14 يونيو/حزيران 2007

——————————————–

مقال منشور في الوقت

مقدمة الطبعة الثانية (1986) من ديوان الشهيد سعيد العويناتي بقلم سعدي يوسف

owainati_Sida_6owainati_Sida_4owainati_Sida_3owainati_Sida_2owainati_Sida_1

دول مجلس التعاون الخليجي تداعيات الاتفاق حول النووي الإيراني

في افتتاح الاجتماع الدوري لوزراء خارجية بلدان مجلس التعاون الخليجي (28/11/2013)، أبدى وزير داخلية البحرين قلقاً مما تشهده الساحة الإقليمية من تطورات وانعكاساتها على الأوضاع الأمنية في بلدان الخليج. وطالب الوزير إيران والدول الكبـرى بأن تؤكد “لقادة وشعوب المنطقة أن ما تمّ التوصل إليه من اتفاق سيخدم تحقيق الاستقرار الأمنـي الإقليمي، ولن يكون على حساب أمن أي دولة من دول المجلس”.

قلق وارتباك وغضب

جاءت كلمات الوزير البحريني أقل صراحة مما تنشره بعض الصحف عن “مؤامرة أميركية إيرانية” ضد دول مجلس التعاون تشمل “تسليم البحرين إلى إيران”. عكست كلمات الوزير الحالة التي يمتزج فيها القلق والارتباك بالغضب. فعدا سلطنة عُمان التي استمرت في النأي بنفسها عن الدخول في تفاصيل التجاذبات الإقليمية، تفاوتت ردود أفعال المسؤولين الخليجيين والمصادر الإعلامية القريبة منهم. وفي الإجمال، بدا الموقف السعودي أكثر ارتباكاً وغضباً من مواقف بقية دول المجلس، إذ نقلت الصحافة عن مصادر رسمية أن الرياض “غير راضية” عن الاتفاق، وإنها لا تفهم اندفاع الولايات المتحدة نحو إيران رغم السلبية التي تراها في سياسات طهران في المنطقة وتجاه دولها. وأما السفير السعودي لدى لندن فقال إن بلاده “لن تقف مكتوفة الأيدي أمام خطر البرنامج الإيراني النووي إذا فشلت الولايات المتحدة والمملكة البريطانية والدول الكبرى في وقف هذا البرنامج”. ولم يخفف من الغضب السعودي “للغدر الأميركي” مسارعة وزير الخارجية الأميركي إلى زيارة السعودية لطمأنتها ولا اتصال الرئيس أوباما بالملك عبد الله لإطلاعه على تفاصيل الاتفاق.اتخذت البحرين والكويت وقطر مواقف مشابهة لموقف الإمارات التي كانت أكثر استعدادا لاستيعاب التطور الجديد. فالإمارات التي كانت تنتظر أن يؤدي تفاقم النزاع الغربي مع إيران إلى تداعيات تشمل استعادتها جزرها الثلاث، سارعت إلى إرسال وزير خارجيتها إلى طهران للالتقاء بالمسؤولين على هامش افتتاح المبنى الجديد لسفارة بلاده هناك. بينما تولى أكاديميون ومحللون استراتيجيون في الإمارات التقليل من أهمية الحدث واختاروا الشماتة من إيران باعتبارها “اضطرت إلى القبول بهذه الاتفاقية الضارة بها”. وسخر آخرون من الرئيس أوباما باعتباره رئيساً “خائفاً ومرعوباً من خيار الحرب التي لا يعرف كيف ستكون نتائجها”.ا

تعكس المواقف الرسمية الخليجية ذهول المسؤولين في الخليج من استخفاف الولايات المتحدة الأميركية العلني بهم، وللمرة الثانية خلال شهرين. فالاتفاق حول المشروع النووي الإيراني جاء في أعقاب التسوية الدولية حول السلاح الكيماوي السوري. وفي الحاليْن، مهدت للاتفاقين مفاوضات سرية أميركية ـ إيرانية وبدون اطلاع دول المجلس على مسار تلك المفاوضات. فلم يكن مستغرباً أن يكون عنوان افتتاحية جريدة “الاقتصادية” السعودية في صيغة سؤال: “هل غدرت واشنطن بحلفائها الخليجيين؟” (25/11/2013). فما “يتوجس منه أهل الخليج وَقَعَ والمحظور صار، بعد إعلان اتفاق الغرب مع إيران بشأن برنامجها النووي”. ا

من جهتها، عبّرت افتتاحية جريد “الرياض” شبه الرسمية (25/11/2013) بصراحة أكبر عن الموقف الرسمي السعودي. فالمسؤولون السعوديون في حيرة واضحة. فلا هم قادرون على إدانة الاتفاق ولا هم قادرون على عرقلة تنفيذه أو إجهاضه. فهو جنّب المنطقة تداعيات الحرب، إلا أنه جعل إيران أيضاً تفلت من هزيمة أو على الأقل من ضربة موجعة. وفوق ذلك فلدى المسؤولين في بلدان مجلس التعاون، كما أكدت جريدة “الرياض”، مخاوف تتجاوز المخاوف الإسرائيلية من الاتفاق الذي يريد أن يضعها (أي بلدان الخليج) “عارية أمام تنامي قوة إيران النووية ومطامعها التي لا تخفيها”.

إخفاق استخباراتي وسياسيي

لوم المسؤولون الخليجيون الولايات المتحدة التي أخفت عنهم نياتها حول التوصل إلى تسوية ديبلوماسية مع إيران. ويكرر الإعلام الرسمي مخاوف أولئك المسؤولين من أن تشمل التسويات القادمة السماح لإيران باستعادة ما يشبه دور “شرطي الخليج” الذي كانت تلعبه في أواخر سنوات حكم الشاه الإيراني. وهو دور شمل قيام سلطان عُمان وبرضا السعودية والولايات المتحدة الأميركية باستدعاء القوات الإيرانية الشاهنشاهية للمشاركة في قمع الثورة في جبال ظفار.يشتكي المسؤولون والإعلاميون الخليجيون من أن الولايات المتحدة لم تتصرف معهم كحليف وكصديق كما كانوا يتوقعون. إلا أن الشكوى تقف عند هذا الحد. لا يلوم المسؤولون الخليجيون أجهزة استخباراتهم التي فوجئت هي أيضاً بمفاوضات إيرانية ـ أميركية دامت لأشهر عدة في مختلف المواقع، بما فيها سلطنة عمان.  فهذه الأجهزة “سيادية”، يديرها شيوخ وأمراء يعتمدون على خبرات واستشارات ومعلومات يوفرها لهم الحليف الأميركي. علاوة على ذلك، فإن لجميع دول مجلس التعاون شبكة من مكاتب العلاقات العامة ومكاتب اللوبي في واشنطن ونيويورك تستنزف ميزانيات معتبرة. إلا أن هذه أيضاً أخفقت في استكشاف الأمور ووقاية المسؤولين الخليجيين من صدمة المفأجأة.ا

بسبب علاقة التبعية بالحليف الاستراتيجي الأميركي، وبسبب الثقة التي لا حدود لها بقدراته العسكرية، لم يكن ممكناً للمسؤولين الخليجيين متابعة تداعيات التغيرات الاقتصادية والجيوسياسية التي شهدها العالم طيلة العقد الماضي. فلم تعد الامبراطورية الأميركية كما كانت، قادرة على فعل ما تريد سياسياً أو عسكرياً أو اقتصادياً. ولقد تبين هذا في عدم قيامها في ليبيا بتكرار الاجتياح العسكري الكاسح الذي قامت به في أفغانستان والعراق. ولهذا أيضاً فضّلت إدارة الرئيس أوباما البحث عن تسوية غير عسكرية حول سوريا وحول المشروع النووي الإيراني.شكلت تلك التغيرات الجيوسياسية خلفية ندوة نظمها “مركز ويلسون للأبحاث” في واشنطن (13 أيلول/سبتمبر 2012) لمناقشة تقرير عن “تقييم أكلاف ومردودات عمل عسكري ضد إيران”.
شارك في إعداد التقرير ومناقشته مجموعة من الباحثين والديبلوماسيين والجنرالات وأعضاء السلطة التشريعية بمن فيهم السيناتور جك هاغل (الذي يتولى الآن وزارة الدفاع). من بين أهم الاستنتاجات، أربعة: الاول هو أن العمل العسكري ضد إيران سيكون محفوفاً بأخطار كثيرة بسبب عجز الولايات المتحدة عن التنبؤ بردود الفعل المباشرة وغير المباشرة، سواء من إيران أو من حلفائها. والثاني أن أية مواجهة عسكرية لا تؤدي إلى سحق إيران قد تجعلها أكثر تصميماً على تسريع تحولها إلى دولة نووية. والثالث هو الخشية من انهيار منظومة العلاقات الدولية، ما سيحتاج لسنوات عديدة لمعالجة نتائجه. أما الرابع فيقول إن تسوية سلمية ستتيح للولايات المتحدة الأميركية التقليل من الحرائق الإقليمية التي ترى نفسها بحاجة للتدخل المباشر فيها. وفوق ذلك ستتيح التسوية السلمية لواشنطن أن توجه اهتمامها الى المنطقة التي ستكون مركز العالم في العقود المقبلة، أي شرق وجنوب شرقي آسيا.بالتأكيد لم تكن التسوية السلمية هي الخيار الوحيد بالنسبة للولايات المتحدة. ولكنها كانت أقل التسويات كلفة على المدييْن القريب والبعيد. وهذا ما لم يتوقعه المسؤولون الخليجيون وأجهزة استخباراتهم ومراكز أبحاثهم.

التهديد بمسار تحالفات جديد

 ازداد الضجيج الإعلامي الذي بدأ قبل أكثر من شهرين، أي بعد إعلان التسوية التي سهلت إيقاف خطر الهجوم العسكري الأميركي على سوريا، حول حاجة دول الخليج إلى البحث عن بدائل لتحالفات استراتيجية عسكرية واقتصادية وسياسية، بعيداً عن الولايات المتحدة. إلا أن متابعة السلوك الرسمي في بلدان مجلس التعاون لا تشير إلى توجه لمراجعة فهمها لعلاقة “التحالف الاستراتيجي” مع الولايات المتحدة. فجميع حكام الخليج يعرفون عدم واقعية وجدوى التصريحات العنترية حول التوجه لرسم مسار جديد لسياسة خارجية مستقلة عن الولايات المتحدة. فالصين ليست في وارد منافسة الولايات المتحدة على بلدان الخليج العربية. ولا اليابان أو الهند مؤهلتان لذلك. وتعاني بلدان الاتحاد الأوروبي من الأزمة الاقتصادية التي فرضت على دوله تخفيض إنفاقاتها العامة (انخفض الإنفاق العسكري في الاتحاد الأوروبي من 251 بليون يورو في العام 2001 ليصبح 194 بليون يورو في 2013). لهذا يبدو من الحكمة أن يستمع حكام الخليج إلى نصيحة مهمة نشرتها فاينانشال تايمز (25/11/2013): فليس لهم سوى الولايات المتحدة، وحتى “السعودية وهي الدولة الأقوى في المنظومة الخليجية لا تملك الخيارات وليس لديها الحلفاء والخبرة اللازمة لمواجهة مفتوحة ومكلفة مع إيران”ا

المقال منشور في ملحق السفير العربي

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1413&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

—-

MuharraqiAmreekaIran

الكاريكاتور بريشة عبد الله المحرقي منشور على صفحات أخبار الخليج بتاريخ 28/11/2013. وهي الصحيفة  الأقرب لرئيس الوزراء خليفة بن سلمان (بو دينار). وتعبر الرسمة عن تلك المخاوف غير العقلانية التي تروِّج لها السلطة الخليفية ا

.