Ali Shariati

في الذكرى الثلاثين لاغتيال علي شريعتي

 في 19 من يونيو/ حزيران العام 1977 اغتال عملاء منظمة المخابرات والأمن القومي الإيرانية (السافاك) الدكتور علي شريعتي. ومع أنه لم يكمل عامه الرابع والأربعين، إلا إن شريعتي ترك إرثاً مهماً من الأفكار أسهمت في تمهيد الطريق للإطاحة بالنظام الشاهنشاهي.

تتفق مصادر عدة متوافرة عن سيرة شريعتي[1] على إن فكره خليط، بعضه غير متناسق وكثيرٌ منه إشكالي، من الأفكار التقدمية والمعادية للاستعمار التي كانت متداولة في إيران وفي فرنسا حيث نال شهادة الدكتوراه. فلقد تأثر بأفكار والده عضو حركة تحرير إيران كما تأثر بطروحات ‘’منظمة عبّاد الله الاشتراكيين’’. وهذا قد يفسر أن أول عمل منشور له هو ترجمته (العام 1956) لأحد كتب المرحوم عبدالحميد جودة السحّار عن أبي ذر الغفاري. (ابو ذر غفاري: خدايرست سوسياليست). ولقد أدى انخراطه المبكر في العمل العام إلى سجنه لمدة ثمانية أشهر قبل أن يتم العشرين من عمره. كما كان شريعتي، مثل كل طلبة الجامعات الإيرانية وقتها، على تواصل مع أطروحات الحزب الشيوعي الايراني (تودة) وغيره من فصائل اليسار الإيراني والحركات الوطنية والديمقراطية الإيرانية.

في محاضرته عن التشيع الأحمر في مواجهة التشيع الأسود[2 ، يصف شريعتي دوريْن متضاديْن يلعبهما الدين ورجاله، دورٌ تحريريٌ ودورٌ تخديري. ليصبح الدينُ، بهذا المعنى، دينيْن. وشرح شريعتي هذه الأطروحة بتقسيمه تاريخ التشّيع إلى مرحلتيْن. مرحلة التشيّع العلوي’’ التي امتدت ما بين القرنين الأول والثامن الهجريين وهي مرحلة مقاومة متعددة الأشكال والاتجاهات. والمرحلة الثانية هي ‘’التشيع الصفوي’’ التي برزت بعد أن أصبح التشيع دين الدولة الفارسية التي حسمت أيضاً التنافس بين مختلف مدارس الفقه الشيعي لصالح المدرسة الأصولية التي وضعت الاجتهاد في خدمة الدولة.

لا يخفى أن الصورة التي رسمها شريعتي تعميمية وشديدة التبسيط إلا إنها تخدم غرضه السجالي، والمحاججة بأن التشيع العلوي كان شعلة في أيدي ثوريين يبحثون عن العدالة والحرية بينما التشيع الصفوي هو أداة في يد دولة حوّلت عقيدة الثورة والشهادة إلى عقيدة بكاءٍ وتباك. دولةٌ استبدلت صرخة ‘’لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل..’’ بقولة ‘’تسعة أعشار الدين في التقية’’. وهذا البوْن الشاسع بين دور كل من ‘’الدينيْن’’ هو بالضبط ما يقصده شريعتي حين يتأسف على إحلال التشيع الأسود محل التشيع الأحمر[٣].ا

لا يختلف التسنن العثماني الذي ساد في الفترة ذاتها عن التشيع الصفوي الذي يعيبه شريعتي. فكلاهما حوّلا الدين إلى ترسٍ في ترسانة الدولة ووضعا الفقهاء في أحضان السلاطين الصفويين والعثمانيين. ويتساوى فقهاء الفئتين، ومن بعدهم ورثتهم، في أنهم طوّعوا الدين لخدمة السلطان. وبهذا تحولوا إلى أدوات أيديولوجية بيد الدولة تتولى تلقين الناس الطاعة والرضا بنصيبهم من الدنيا أملاً في عوضٍ سيأتي في الآخرة للصابرين. حين تحول الفقهاء، شيعة وسنة إلى فقهاء سلاطين أو حين أصبح بعضهم أصحاب سلطان بذواتهم، لم يعد مسموحاً أن ترتفع أصوات بديلة. فعلى الجميع التمسك بالعروة الوثقى التي يملك الفقيه السلطاني مفاتيحها. وعلى الجميع اجتناب الاختلاف الذي هو من وسواس إبليس.

يتساوق تقسيم شريعتي للتاريخ الشيعي مع النظرة الماركسية (غير السوفياتية) للدين. أي النظرة التي ترى الدين حَمَّال أوْجُه. قد يرفع ثوريون رايات الدين في نضالهم من أجل الحرية والعدالة، كما يرفع راياته الرجعيون لإدامة الاستبداد. ولا تختلف الصورة التي رسمها شريعتي عمّا رسمه دعاة لاهوت التحرير منذ سبعينيات القرن الماضي في أميركا اللاتينية وبعض بلدان جنوبي أفريقيا. وهي صورة لا تختلف أيضاً عن صورة مجازية رسمها كارل ماركس قبل أكثر من قرن ونصف حين كتب ‘’إن الدين هو زفرةُ المخلوقِ المُضطهد، وهو بمثابة القلب في عالمٍ عديم القلب وهو بمثابة الروح في وضعٍ انعدمت الروحُ فيه. إنه أفيونٌ للناس[4]’’.4 وهذا مجازٌ شهير رغم أن كثيرين لا يعرفون منه إلا آخر ثلاث كلمات فيه، على طريقة ‘’ولا تقربوا الصلاة..’’.

لا تبدو هذه الأفكار جديدة الآن. ولكنها كانت أفكارا ثورية ورائدة في ذلك الزمن وفي ذلك المحيط الاجتماعي والسياسي الذي طرحها فيه. ولعل من بعض سوء حظنا، أن أسئلته ما زالت معلقة ومازلت في حاجة إلى أن تُناقش بجدية رغم مرور ثلاثين سنة على اغتيال صاحبها. كيف يعاد تشكيل الدين عبر علاقة الفقيه بصاحب السلطان؟ وكيف يعاد تفسيره في كل منعطف تمر بها تلك العلاقة؟ وكيف تتم إعادة تشكيل وعي الناس عن طريق ترويج هذا التفسير أو ذاك بحيث لا يرى المؤمنون طريقاً للسعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة إلا تلك التي يقف الفقيه على مفترقها؟.

حول السؤال الأخير قد تفيدنا تصورات شريعتي حول ‘’الاستحمار’’[5]  الذي يعتبره ، بشكليْه المباشر وغير المباشر، أداة لطلسمة الذهن وإلهاء الناس عن ‘’الدراية الإنسانية والدراية الاجتماعية’’ وإغراقهم بالصخب حول المسائل الجانبية سواء أكانت فردية أم اجتماعية، وسواء أكانت دينية أم غير دينية. يعتمد الاستحمار، حسب شريعتي، على آليتين أولاهما التجهيل والدفع إلى الجهل والغفلة وسوق الأذهان إلى الضلال والانحراف. وثانيهما الإلهاء بتقديم الجزئي على الكلي أو بتقديم المطالبة بالحقوق الجزئية والبسيطة وغير الملحة على المطالبة بالحقوق الأساسية والملحة.

وكما لا يخفى فإن توصيف شريعتي بأن ‘’الاستحمار’’ هو صدى لأطروحات ماركسية (غير سوفياتية) حول تزييف الوعي وإعادة تشكيله. ويفيدنا رصدُ آليات الاستحمار في فهم لماذا ينجح الفقيه السلطاني أو الفقيه السلطان في دعوة الناس إلى لبس الأكفان لمنع المساس بحق الفقيه في إدارة شؤون الزواج والطلاق، بينما هو يطالب الناس بالتزام الهدوء فيما يتعلق بانتهاك الدستور وحقوق الناس في الحرية والعدالة. وعن طريق رصدِ آليات الاستحمار نستطيع أيضاً فهم كيف ينجح فقيهٌ سلطاني آخر في دعوة الناس إلى المسيرات الغاضبة احتجاجا على نشر رسوم كاركاتورية في بلد يبعد آلاف الأميال، بينما هو يدعو الناس إلى التزام الهدوء بينما تقصف الولايات المتحدة وإسرائيل أهلنا في قرى ومدن فلسطين والعراق.

رحم الله علي شريعتي، المفكر الاجتماعي الرائد في مجاله. فبعد ثلاثين سنة على اغتياله لا تزال أسئلةٌ طرحها قائمة ومُلِّحة. ومازالت محاولاته للإجابة عنها تتطلب الدراسة وتستفز الذهن وتستحق النقاش.

[1] انظر على سبيل المثال:
Assef Bayat، ?Shariati and Marx: A Crtique of an ?Islamic? Critique of Marxism?، Alif: Journal of Comparative Poetics,. No. 10, 0991, pp 19- 21
[2]،[3]: ?Red Shi’ism – the religion of martyrdom vs. Black Shi’ism – the religion of mourning?، http://www.shariati.com/redblack.html
[4] راجع: Lucio Collletti، Karl Marx، Early Writings، Penguin Classics، 2005
[5] محمد محمود عبد العال حسن، ‘’علي شريعتي من العودة إلى الذات إلي المفكر المسؤول – قراءة في تحليل النص’’، جامعة القاهرة ،كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية،.2005 صفحة .

رابط المقال : http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=3764

Advertisements