الحلول الأمنية في البحرين بلا أفق

في 30 تشرين أول/ أكتوبر الماضي، تم استدعاء أعضاء المجلس الوطني (الذي يضم مجلسيْ النواب والشورى) في البحرين إلى «جلسة عمل» مع ممثلين للحكومة بهدف إطلاعهم على الإجراءات المتخذة لتنفيذ التوصيات التي رفعها المجلس إلى الملك في نهاية تموز/ يوليو الماضي بشأن «التصدي للإرهاب وحماية المجتمع منه». ضم الجانب الحكومي نائب رئيس الوزراء، ووزراء الداخلية والعدل والدولة للشؤون الخارجية والإعلام، علاوة على عدد من كبار ضباط الأمن والقوات المسلحة. في تلك الجلسة الطارئة وغير الإعتيادية، استمع الحاضرون إلى تأكيدات الجانب الحكومي حول التعامل مع الملف الامني بحزم وجدية، وعن التوجه إلى تطبيق «المزيد من الإجراءات التي تكفل صون المجتمع من أي شرور محدقة به، داخلية كانت أم خارجية». من جهته أكد رئيس المجلس الوطني أن السلطة التشريعية على استعداد تام لإقرارالتشريعات اللازمة لتمكين الحكومة من تحقيق أهدافها.

من تصعيد امني إلى آخر

أتت هذه الجلسة الأخيرة بعد أربعة أشهر من جلسة طارئة عقدها المجلس الوطني بدعوة ملكية في 28 تموز/يوليو الماضي لمناقشة «تطورات الوضع الأمني وتصاعد موجة الإرهاب». لم يتوقف أيٌ من الحضور في الجلستيْن الطارئتيْن لمناقشة وتعريف الأنشطة التي تعتبرها السلطات إرهابية. ففي البحرين، تتم إدانة المتهمين تحت «قانون الإرهاب» سواء أكانوا صبية ألقوا زجاجات مولوتوف أو نساء شاركن في مظاهرة غير مرخصة. وفي الجلستيْن اختلط الحابل بالنابل، وصَعبَ التمييز بين أصوات النواب المنتخبين من المعينين وبين هؤلاء والوزراء. كانت نتيجة جلسة 25 تموز/يوليو الإعلان عن «التوافق» ـ وليس التصويت ـ على 22 توصية قرر المجلس الوطني رفعها إلى الملك ليأمر بدوره بتنفيذها. أولى تلك التوصيات كانت تخويل الملك إصدار ما يراه من مراسيم «لتشديد العقوبات في قانون الإرهاب». وشملت التوصيات «اسقاط الجنسية عن كل مرتكبي الجرائم الإرهابية والمحرضين عليها» و«منع الإعتصامات والمسيرات والتجمهر في العاصمة المنامة» علاوة على إقرار فرض حالة الطوارئ «إذا ما تطلب الأمر».

ثنائية البطش والاحتواء

تُضطر السلطة في البحرين إلى تصعيد إجراءاتها الأمنية لأنها ببساطة لم تستوعب التغييرات التي أحدثها في المجتمع حراكُ دوار اللؤلؤة، وممهداته ونتائجه. ولذلك نراها تستخدم الأساليب ذاتها التي تعودت عليها منذ بدء الحراك الوطني في بداية خمسينيات القرن الماضي. وكررتها بعد ذلك في كل الإنتفاضات التالية التي شهدتها البحرين في 1965 و1972 و1980 و1994. ففي تلك الإنتفاضات، كما في التحركات الأقل تأثيراً، تعودت السلطة على أن تستعيد السيطرة على الشارع عبر «ضربات سيف المعز ورنين ذهبه» («الحوار الوطني في البحرين: جهات تتفلّت من التسوية.. وتعرقلها» ــ السفير العربي تاريخ 16/6/2013). وتتمثل هذه في سلسلة متكررة من الإجراءات يمكن إجمالها تحت عنوانيْن: الأول هو الإفراط في البطش بالمخالفين بدءًا بحملات عشوائية تشيع في البلاد خوفاً يدفع كثيرين من نشطاء الحراك وجمهوره إلى التراجع والانكفاء، أو إلى دفن أنشطتهم عميقاً تحت الأرض.أما الثاني فهو قيام السلطة بانتقاء بعض قادة ذلك الحراك لإقناعهم بأهمية مشاركتهم في «جهود التغيير من الداخل». طيلة ستين سنة، لم يستثن بطش السلطة أحداً بسبب طبقته أو طائفته أو علمه. فلا تخلو أغلب بيوت البحرين من قصص يرويها الآباء والأمهات لأبنائهم وبناتهم. وطيلة ستين سنة لم تميِّز السلطة بين من تنتقيهم. فلا فرق بين سني أو شيعي، متدين أو غير متدين، شيوعي أو قومي أو إسلامي. بطبيعة الحال صمد كثيرون أمام تلك الإغراءات. ولكن هذا لا ينفي إن السلطة أقنعت كثيرين آخرين من نشطاء تلك الإنتفاضات وقادتها بأن التغيير من الداخل أسلم وأجدى. فبأيدي هؤلاء الوزراء وكبار الموظفين أدارت السلطة الخليفية حكومة ما بعد الإستقلال والطفرة النفطية.

رفع كلفة المعارضة

حين قررت السلطة قمع انتفاضة دوار اللؤلؤة كانت تأمل، وكان متوقعاً، أن تكرر استخدام تلك الأساليب التي تعودت على الاعتماد على نجاعتها. فقبل عبور الدبابات السعودية الجسر المؤدي إلى البحرين في 17 آذار/مارس 2011، فرضت السلطة في البحرين حالة الطوارئ العامة (تحت اسم «السلامة الوطنية»)، وفرضت منع التجول وحصاراً إعلامياً. في الأشهر القليلة التالية، كان مغرياً وصف الإجراءات الأمنية، بما فيها العقوبات الجماعية التي نفذتها السلطة، بالعشوائية والتخبط. وإلا ماذا يفسر المسارعة بهدم أكثر من ثلاثين مسجداً في مختلف مناطق البحرين علاوة على هدم أضرحة والعبث بمقابر. كان هدف تلك الإجراءات واضحاً رغم ما بدا عليها من ارتباك وتخبط. فالسلطة أرادت، رغم الكلفة السياسية والإقتصادية التي تحملتها، إعادة بناء جدار الخوف ورفع كلفة المعارضة على كل من تسوِّل له نفسه ونفسها ذلك. فلم يكن سهلاً على السلطة أنها سمعت عشرات الألوف من الناس تردد في دوار اللؤلؤة وفي المسيرات عبارات التنديد برؤوس الفساد والإفساد في البلاد وتطالب بتغيير النظام. ولم يكن سهلاً على السلطة أن تكتشف اتساع ساحة المعارضة وحجمها وتنوعها. وفوق ذلك لم يكن سهلاً عليها أن تكتشف إنها بلا عون داخلي يمكنها التعويل عليه. فحتى الموالاة التي تجمعت لدعم السلطة لم تأتِ لنجدتها إلا بشروط لم تكن السلطة تسمعها من قبل. تدريجيا أخذ يتضح أن بطش السلطة يسير متصاعداً في عدة اتجاهات. فهو لم ينحصر في إعلان حالة الطوارئ وإعتقال قادة ونشطاء المعارضة وإطلاق يد قوى الأمن. فحسبما وثَّقته تقارير عديدة، بما فيها ما أصدرته «لجنة بسيوني» التي عينها الملك نفسه، فإن السلطة تعاملت مع قادة ونشطاء الاحتجاجات منذ 2011 بشراسة تفوق بكثير ما تعرض له أجيالٌ سبقتهم. فلم تشهد البحرين في ظل الاستعمار البريطاني أو في العقود التي تلت إعلان الاستقلال ما شهدته خلال السنتين ونصف السنة الماضية. ولم يحدث في تاريخ البحرين أن يكون في سجونها أكثر من ثلاثة آلاف سجين سياسي في وقت واحد، ولا هذا العدد من الأطفال المحكومين بالسجن بتهم «الإخلال بالأمن». وحسب روايات موثقة، يواجه هؤلاء أساليب غير مسبوقة في التعذيب على أيدي المحققين ومسؤولي السجون حتى بعد الحكم عليهم بالسجن. ولهذا تجاوز عدد الشهداء تحت التعذيب في المعتقلات خلال هذه الفترة مجموع عدد الذين استشهدوا طيلة الفترة ما بين 1954 و2011!

مفاجأة لم تكن في الحسبان

بعد قمع انتفاضة دوار اللؤلؤة لم يحدث ما كانت تأمله السلطة وما يخشاه كثيرون من مخضرمي المعارضة. ولم تتكرر سيرة إنتفاضات سابقة: بطشٌ يقلِّص أجنحة المعارضة بتفريقها وإعادة المتشددين فيها للعمل السري. ويبدو الآن إن تلك التوقعات لم تأخذ في الحسبان التغييرات الاجتماعية والسياسية التي مهدت لانتفاضة دوار اللؤلؤة. رسمت تلك التغييرات مساراً جديداً لتلك الانتفاضة لا يشبه مسارات سابقاتها. فهي كغيرها من انتفاضات الربيع العربي قامت بمبادرات لشبان وشابات من خارج التنظيمات المعروفة، ولكنها سحبت معها أغلب تلك التنظيمات ورموز المجتمع وقياداته. وبفضل الإصرارعلى تحاشي «المركزية في اتخاذ القرارات»، رغم امتعاض التنظيمات المشاركة، أمكن تحصين انتفاضة الدوار من تكرار أخطاء سياسية مهدت لإنهاء كل الانتفاضات التي سبقتها. تشكل «اللامركزية» أحد أهم عوامل استمرار الحراكات الاحتجاجية في البحرين حتى بعد قمع انتفاضة دوار اللؤلؤة وإزالة الدوار نفسه. فلم يعد في صفوف المعارضة من يستطيع احتكار القرار، مهما بلغت سطوته الاجتماعية. ولم يعد اعتقال هذا القيادي أو ذاك يسبب إرباكا جدياً في صفوف المعارضة. ولهذا أيضاً لم تنجح كما كان متوقعاً الإجراءات الأمنية ومساعي احتواء بعض قيادات المعارضة في إعادة البلاد إلى ما كانت عليه قبل 14 شباط/فبراير 2011. في الأيام الأولى التي تلت إعلان حالة الطوارئ ودخول القوات السعودية، بدا محتملاً أن تنجح إستراتيجية الصدمة والترويع، وأن تقوم السلطة بما برعت في القيام به: أي البطش العشوائي وإحتواء من تنتقيهم من قادة الحراك ونشطائه. وبالفعل، توقفت الاحتجاجات في الشوارع بعد أن سيطرت عليها القوات العسكرية البحرينية والسعودية. وكما حدث في الماضي، بعد قمع انتفاضات سابقة، خرجت بعض قيادات المعارضة التي لم تُعتقل تدعو إلى «المراجعة» ونقد ما شهده دوار اللؤلؤة من «تطرف وتصعيد في المطالب أديا إلى استفزاز السلطة». إلا إن الصدمة والانكفاء، حتى في الأيام الأولى بعد فرض حالة الطوارئ، لم تصل إلى كل الأزقة ولا إلى أسطح المنازل. فعلى جدران البيوت كُتبت شعارات تدعو إلى مواصلة الحراك، تُمحى فيعاد كتابتها. ومن على أسطح المنازل كانت أصوات نساء ورجال ترفع الأذان في غير أوقاته وتعلن في تزامنها إن الأمور لن تسير حسب السيرة المعتادة.
مثخنون بالجراح ولكن لا ينحنون”ا »

هذا كان عنوان أول التقارير التي أصدرتها «منظمة العفو الدولية» بعد قمع انتفاضة دوار اللؤلؤة. وهو يلخص أيضاً حيرة السلطة في البحرين. فإجراءاتها أثخنت الناس بالجراح ولكنها عوضاً عن إسكاتهم كانت تؤجج حراكهم في مواجهتها. لم يكن متوقعاً ولم تكن السلطة في حاجة إلى اللجوء إلى المجلس الوطني لطلب دعمه مجددا في 30 تشرين أول/ أكتوبر الماضي. فالوكالة التي منحها لها النواب قبل ذلك باربعة اشهر تكفي لتوفير «الغطاء الدستوري» لأية إجراءات قد ترى إتخاذها في المستقبل. ولهذا لم يُعلن عما تم التوافق عليه في الجلسة الأخيرة، فيما عدا «مواصلة الجهود لمكافحة مظاهر الإرهاب»، ولكن وخلال الأسابيع الفائتة، فالتسريبات تنذر بموجة جديدة من التصعيد الأمني. ومن بين تلك التسريبات إعلان مناقصة لشراء ما يقارب مليوني قنبلة مسيلة للدموع وقنابل صوتية. كما تضمنت التسريبات قائمة جديدة بأسماء معارضين من المقرر سحب الجنسية عنهم، بالإضافة إلى سحب تراخيص جمعيات معارضة بما فيها «جمعية الوفاق الوطني» الإسلامية والسعي لدى الإنتربول لطلب تسليم معارضين مقيمين في الخارج. وهي إجراءات، إن تمت، تشير إلى استمرار الاعتماد على الحلول الأمنية (من دون سؤال «جدواها») لأزمة سياسية تُركت دون حل منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي.

Advertisements

A letter to Sheikh Isa bin Salman (April 1992)

LetterTothe AmeerMEMirror

Ali Shariati

في الذكرى الثلاثين لاغتيال علي شريعتي

 في 19 من يونيو/ حزيران العام 1977 اغتال عملاء منظمة المخابرات والأمن القومي الإيرانية (السافاك) الدكتور علي شريعتي. ومع أنه لم يكمل عامه الرابع والأربعين، إلا إن شريعتي ترك إرثاً مهماً من الأفكار أسهمت في تمهيد الطريق للإطاحة بالنظام الشاهنشاهي.

تتفق مصادر عدة متوافرة عن سيرة شريعتي[1] على إن فكره خليط، بعضه غير متناسق وكثيرٌ منه إشكالي، من الأفكار التقدمية والمعادية للاستعمار التي كانت متداولة في إيران وفي فرنسا حيث نال شهادة الدكتوراه. فلقد تأثر بأفكار والده عضو حركة تحرير إيران كما تأثر بطروحات ‘’منظمة عبّاد الله الاشتراكيين’’. وهذا قد يفسر أن أول عمل منشور له هو ترجمته (العام 1956) لأحد كتب المرحوم عبدالحميد جودة السحّار عن أبي ذر الغفاري. (ابو ذر غفاري: خدايرست سوسياليست). ولقد أدى انخراطه المبكر في العمل العام إلى سجنه لمدة ثمانية أشهر قبل أن يتم العشرين من عمره. كما كان شريعتي، مثل كل طلبة الجامعات الإيرانية وقتها، على تواصل مع أطروحات الحزب الشيوعي الايراني (تودة) وغيره من فصائل اليسار الإيراني والحركات الوطنية والديمقراطية الإيرانية.

في محاضرته عن التشيع الأحمر في مواجهة التشيع الأسود[2 ، يصف شريعتي دوريْن متضاديْن يلعبهما الدين ورجاله، دورٌ تحريريٌ ودورٌ تخديري. ليصبح الدينُ، بهذا المعنى، دينيْن. وشرح شريعتي هذه الأطروحة بتقسيمه تاريخ التشّيع إلى مرحلتيْن. مرحلة التشيّع العلوي’’ التي امتدت ما بين القرنين الأول والثامن الهجريين وهي مرحلة مقاومة متعددة الأشكال والاتجاهات. والمرحلة الثانية هي ‘’التشيع الصفوي’’ التي برزت بعد أن أصبح التشيع دين الدولة الفارسية التي حسمت أيضاً التنافس بين مختلف مدارس الفقه الشيعي لصالح المدرسة الأصولية التي وضعت الاجتهاد في خدمة الدولة.

لا يخفى أن الصورة التي رسمها شريعتي تعميمية وشديدة التبسيط إلا إنها تخدم غرضه السجالي، والمحاججة بأن التشيع العلوي كان شعلة في أيدي ثوريين يبحثون عن العدالة والحرية بينما التشيع الصفوي هو أداة في يد دولة حوّلت عقيدة الثورة والشهادة إلى عقيدة بكاءٍ وتباك. دولةٌ استبدلت صرخة ‘’لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل..’’ بقولة ‘’تسعة أعشار الدين في التقية’’. وهذا البوْن الشاسع بين دور كل من ‘’الدينيْن’’ هو بالضبط ما يقصده شريعتي حين يتأسف على إحلال التشيع الأسود محل التشيع الأحمر[٣].ا

لا يختلف التسنن العثماني الذي ساد في الفترة ذاتها عن التشيع الصفوي الذي يعيبه شريعتي. فكلاهما حوّلا الدين إلى ترسٍ في ترسانة الدولة ووضعا الفقهاء في أحضان السلاطين الصفويين والعثمانيين. ويتساوى فقهاء الفئتين، ومن بعدهم ورثتهم، في أنهم طوّعوا الدين لخدمة السلطان. وبهذا تحولوا إلى أدوات أيديولوجية بيد الدولة تتولى تلقين الناس الطاعة والرضا بنصيبهم من الدنيا أملاً في عوضٍ سيأتي في الآخرة للصابرين. حين تحول الفقهاء، شيعة وسنة إلى فقهاء سلاطين أو حين أصبح بعضهم أصحاب سلطان بذواتهم، لم يعد مسموحاً أن ترتفع أصوات بديلة. فعلى الجميع التمسك بالعروة الوثقى التي يملك الفقيه السلطاني مفاتيحها. وعلى الجميع اجتناب الاختلاف الذي هو من وسواس إبليس.

يتساوق تقسيم شريعتي للتاريخ الشيعي مع النظرة الماركسية (غير السوفياتية) للدين. أي النظرة التي ترى الدين حَمَّال أوْجُه. قد يرفع ثوريون رايات الدين في نضالهم من أجل الحرية والعدالة، كما يرفع راياته الرجعيون لإدامة الاستبداد. ولا تختلف الصورة التي رسمها شريعتي عمّا رسمه دعاة لاهوت التحرير منذ سبعينيات القرن الماضي في أميركا اللاتينية وبعض بلدان جنوبي أفريقيا. وهي صورة لا تختلف أيضاً عن صورة مجازية رسمها كارل ماركس قبل أكثر من قرن ونصف حين كتب ‘’إن الدين هو زفرةُ المخلوقِ المُضطهد، وهو بمثابة القلب في عالمٍ عديم القلب وهو بمثابة الروح في وضعٍ انعدمت الروحُ فيه. إنه أفيونٌ للناس[4]’’.4 وهذا مجازٌ شهير رغم أن كثيرين لا يعرفون منه إلا آخر ثلاث كلمات فيه، على طريقة ‘’ولا تقربوا الصلاة..’’.

لا تبدو هذه الأفكار جديدة الآن. ولكنها كانت أفكارا ثورية ورائدة في ذلك الزمن وفي ذلك المحيط الاجتماعي والسياسي الذي طرحها فيه. ولعل من بعض سوء حظنا، أن أسئلته ما زالت معلقة ومازلت في حاجة إلى أن تُناقش بجدية رغم مرور ثلاثين سنة على اغتيال صاحبها. كيف يعاد تشكيل الدين عبر علاقة الفقيه بصاحب السلطان؟ وكيف يعاد تفسيره في كل منعطف تمر بها تلك العلاقة؟ وكيف تتم إعادة تشكيل وعي الناس عن طريق ترويج هذا التفسير أو ذاك بحيث لا يرى المؤمنون طريقاً للسعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة إلا تلك التي يقف الفقيه على مفترقها؟.

حول السؤال الأخير قد تفيدنا تصورات شريعتي حول ‘’الاستحمار’’[5]  الذي يعتبره ، بشكليْه المباشر وغير المباشر، أداة لطلسمة الذهن وإلهاء الناس عن ‘’الدراية الإنسانية والدراية الاجتماعية’’ وإغراقهم بالصخب حول المسائل الجانبية سواء أكانت فردية أم اجتماعية، وسواء أكانت دينية أم غير دينية. يعتمد الاستحمار، حسب شريعتي، على آليتين أولاهما التجهيل والدفع إلى الجهل والغفلة وسوق الأذهان إلى الضلال والانحراف. وثانيهما الإلهاء بتقديم الجزئي على الكلي أو بتقديم المطالبة بالحقوق الجزئية والبسيطة وغير الملحة على المطالبة بالحقوق الأساسية والملحة.

وكما لا يخفى فإن توصيف شريعتي بأن ‘’الاستحمار’’ هو صدى لأطروحات ماركسية (غير سوفياتية) حول تزييف الوعي وإعادة تشكيله. ويفيدنا رصدُ آليات الاستحمار في فهم لماذا ينجح الفقيه السلطاني أو الفقيه السلطان في دعوة الناس إلى لبس الأكفان لمنع المساس بحق الفقيه في إدارة شؤون الزواج والطلاق، بينما هو يطالب الناس بالتزام الهدوء فيما يتعلق بانتهاك الدستور وحقوق الناس في الحرية والعدالة. وعن طريق رصدِ آليات الاستحمار نستطيع أيضاً فهم كيف ينجح فقيهٌ سلطاني آخر في دعوة الناس إلى المسيرات الغاضبة احتجاجا على نشر رسوم كاركاتورية في بلد يبعد آلاف الأميال، بينما هو يدعو الناس إلى التزام الهدوء بينما تقصف الولايات المتحدة وإسرائيل أهلنا في قرى ومدن فلسطين والعراق.

رحم الله علي شريعتي، المفكر الاجتماعي الرائد في مجاله. فبعد ثلاثين سنة على اغتياله لا تزال أسئلةٌ طرحها قائمة ومُلِّحة. ومازالت محاولاته للإجابة عنها تتطلب الدراسة وتستفز الذهن وتستحق النقاش.

[1] انظر على سبيل المثال:
Assef Bayat، ?Shariati and Marx: A Crtique of an ?Islamic? Critique of Marxism?، Alif: Journal of Comparative Poetics,. No. 10, 0991, pp 19- 21
[2]،[3]: ?Red Shi’ism – the religion of martyrdom vs. Black Shi’ism – the religion of mourning?، http://www.shariati.com/redblack.html
[4] راجع: Lucio Collletti، Karl Marx، Early Writings، Penguin Classics، 2005
[5] محمد محمود عبد العال حسن، ‘’علي شريعتي من العودة إلى الذات إلي المفكر المسؤول – قراءة في تحليل النص’’، جامعة القاهرة ،كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، قسم العلوم السياسية،.2005 صفحة .

رابط المقال : http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=3764