مهمتان مركزيتان للإعلام في الخليج

ضمن سلسة اجتماعات تمهيدية لمؤتمر القمة الدوري لدول مجلس التعاون الخليجي المقرر
انعقاده في الكويت في نهاية هذه السنة، استضافت البحرين وزراء الإعلام في دول
المجلس. وعلى هامش هذا الاجتماع الوزاري، استضافت البحرين 150 شخصية إعلامية في
«ملتقى الإعلام الخليجي الأول». وما جعل الاجتماعين يختلفان عن عشرات الاجتماعات
التي سبقتهما هو توقيت انعقادهما، أي عشية بروز احتمالات جدية للتوصل إلى حلول
مقبولة لكل من إيران والغرب حول المشروع النووي الإيراني. وهي حلول لم تكن ممالك
الخليج طرفاً في السعي للتوصل إليها، كما إنها لم تُستشر حولها ولا حول احتمالات
توسيعها لتشمل إعادة الاعتراف الغربي بالدور الإيراني في حماية أمن الخليج العربي.
وهو دورٌ خسرته إيران بعد سقوط نظام الشاه في 1979.

الهوية والأمن
ناقش
المشاركون في الاجتماعين ورقة عمل أعدتها الأمانة العامة لمجلس التعاون تضمنت
تصورات محددة حول تنشيط الدور الذي يلعبه الإعلاميون وأجهزة الإعلام في مهمتيْن
مركزيتيْن. تتمثل الأولى في «تعزيز وتعميق الهوية الخليجية»، وتتمثل الثانية في
«دعم ترابط المجتمع وأمنه واستقراره». هذا الربط بين المهمتيْن يشكل إحدى مفارقات
التغيير السياسي التي شهدته بلدان الخليج العربية في العقود الأخيرة. ففي
الخمسينيات والستينيات، كانت «عروبة الخليج» أحد الهتافات المركزية في المظاهرات
المحظورة المعادية للاستعمار البريطاني ولحكم المشايخ. وكان من ينظِّم تلك
المظاهرات يتعرض للملاحقة والسجن أو النفي. وبعد الخروج البريطاني من الخليج في
نهاية الستينيات، أصبح الشعار نفسه أحد المبررات التي تستخدمها المعارضات الخليجية
ضد إقامة القواعد والتسهيلات العسكرية الأميركية في بلدانها. أما الآن، فترفع
الأنظمة الحاكمة راية الدفاع عن «الهوية الخليجية» بعد أن أفقدتها معناها وبعد أن
جعلت الحفاظ على الهوية مرادفاً لاستمرار العوائل الحاكمة في الحكم من دون
معارضة.

الهوية الخليجية
التزمت البحرين بأداء جميع الطقوس المواكبة
لإتمام اللقاءات الخليجية المشتركة، سواء أكانت اجتماع قمة أم منافسات رياضية. ومن
ضمن هذه الطقوس أن تبث الإذاعات ومحطات التلفزيون في البلد المضيف أغنيات تعوَّد
الجمهور على سماعها طوال أكثر من أربعين سنة من قبيل:
أنا الخليجي.. وافتخر إني
خليجي أنا الخليجي.. والخليج كله طريجي (طريقي) تبارك خليجنا.. تبارك بعز
وهَنا
يردد هذه الأغنية ومثيلاتها كثيرون. ولكن غالبية سكان الخليج لا يعرفون
ماذا تعني، لأنهم لا يعرفون اللغة العربية. بدوره لا يجد الباحثُ تحديداً معروفاً
للمقصود بـ«الهوية الخليجية». بل إن أغلب الدراسات حول المنطقة تشير إلى بروز خليط
ثقافي متعدد المكونات، يشكل المكوِّن المحلي/العربي جزءاً متناقصاً فيها. فأكثر من
نصف سكان المنطقة من المهاجرين غير العرب الذين تزايدت أعدادهم منذ بدء الطفرة
النفطية في بداية سبعينيات القرن الماضي. ففي قطر، أصبح الأجانب يمثلون تسعة من كل
عشرة أفراد من سكانها. وفي دولة الإمارات، يقل مجموع عدد الإماراتيين عن عدد
الوافدين إليها من ولاية كيرالا الهندية وحدها. طوال أربعين سنة منذ بداية الطفرة
النفطية انحصر الاهتمام بالحفاظ على «الهوية الخليجية» في أوساط النخب الثقافية
التي نبهت مبكراً إلى الآثار المحتملة لعدم التعاطي مع النتائج السياسية والثقافية
للهجرة في غياب خطط وسياسات واضحة حول إدماج المهاجرين. لقد اهتمّت العوائل الحاكمة
أساساً بالمردودات الاقتصادية للهجرة، بما فيها توفير يد عاملة رخيصة تخفض من كلفة
مشاريع تنمية البنى التحتية وتؤّمن لأصحاب الأعمال المحليين أرباحاً ترضيهم.
لم
تكن الأحوال أفضل بكثير قبل الطفرة النفطية، إلا إن الحديث عن هوية خليجية أو حتى
قطرية أو بحرينية أو سعودية… صار الآن أكثر صعوبة. بل ثمة من يرى أنه لم يعد
واقعياً العمل على صهر المكونات الإثنية والمذهبية والقبلية والمناطقية في هذه
البلدان لتشكيل هوية وطنية. فلقد اتسعت الهوة بين هذه المكونات في السنوات الأخيرة
وازداد التباعد بينها. علاوة على ذلك، لا بد من النظر إلى دور التعقيدات التي تولدت
عن نشوء تجمعات إثنية ودينية ولغوية ومناطقية أتت من شبه القارة الهندية وجنوب شرقي
آسيا وغيرهما لتستقر في الخليج.

الأمن الإعلامي
يتبين مما نُشر عن
مداولات كل من الاجتماع الوزاري والملتقى الإعلامي، مدى القلق الذي تعاني منه
الأوساط الرسمية في الخليج من تحول الانفراج الإيراني الأميركي إلى «شراكة». وهو
قلقٌ عبَّرت عنه وزيرة الدولة لشؤون الإعلام في البحرين بتأكيد أن «أخطر ما يهدد
المنطقة العربية في الوقت الحاضر هو المشروع الأميركي الإيراني». وحيث أن ذلك
المشروع يُدار، حسب الوزيرة البحرينية «بآلة إعلامية ضخمة، فلا بدّ من مواجهته
بالتوسّع في الإعلام الخليجي».
لم يتحدّد حتى الآن أين سيكون مجال التوسّع في
الإعلام الخليجي المشترك، ولا كيف سيساهم في الحفاظ على أمن الخليج ومواجهة
«المشروع الأميركي الإيراني». غير أن من المعروف أن البلدان الخليجية الأخرى لا
تشاطر البحرين اهتمامها بالتوسّع الإعلامي أو القيام باستثمارات جديدة كبرى في هذا
المجال. فلدى جميع هذه البلدان شبكة فعالة من مكاتب العلاقات العامة تتولى تحسين
صورتها في الإعلام الأجنبي وفي أوساط متخذي القرار في الغرب. من جهة أخرى لدى كلٍ
من قطر والإمارات والسعودية قنواتها الفضائية وصحفها التي تعتمد على الرعاية
الرسمية وتغطي المنطقة العربية وما وراءها. والكويت تعجّ بالفضائيات والصحف التي
يتولى تمويلها القطاع الخاص مباشرة أو بالشراكة مع المتنفذين في العائلة الحاكمة.
بينما لم يُلحظ على سلطان عُمان اهتماماً خاصاً بتوسيع فيما لديه. ولهذا لم تتحمّس
هذه الدول لإطلاق البحرين إذاعة «هنا الخليج العربي» التي بدأت بثها التجريبي في
أول تشرين الاول/أكتوبر 2013 لتكون من «ضمن المشروعات الإعلامية الطموحة في
الانتقال من مرحلة التعاون بين دول الخليج إلى اتحادها».

فشل المشاريع
المشتركة
وحتى لو سلمنا جدلاً بأن الجهات المعنية تمكنت من تجاوز جميع العقبات
أمام التوسّع في الإعلام الخليجي المشترك، فإنها ستواجه مهمة تحديد الرسالة التي
سيقوم بتقديمها ذلك التوسّع الإعلامي. ففيما عدا افتراض قدرة العوائل الحاكمة على
أن تهب لنجدة من يتعرّض منها لخطر جدي، فليس من ثمّ أرضية سياسية مشتركة. وتعكس
تفاصيل النزاعات الدائرة في مختلف الساحات العربية تبايناً بين الدول الخليجية.
فقطر مع الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس أي على الضد من السعودية
والإمارات. وحكومة البحرين التي تضمّ ثلاثة وزراء من الإخوان المسلمين تستمرّ في
تأييدها للنظام المصري الذي أطاح بحكم الإخوان. وتعتمد العائلة الحاكمة في الكويت
على دعم القوى السياسية الشيعية فيها، بينما تلاحق البحرين والإمارات والسعودية
النشطاء الشيعة فيها. من جهته، وعلى العكس من أقرانه، لم يقطع السلطان العماني
علاقاته الودية مع إيران طوال الثلاثين سنة الماضية.
لعل من المفيد التذكير
بواحدة من أولى المحاولات الفاشلة في الخليج لإطلاق مشروع إعلامي مشترك. ففي 1976
اجتمع في الرياض وزراء الإعلام في بلدان الخليج وقرروا إنشاء «وكالة أنباء الخليج
العربي». ولم يتأخر احتجاج الشاه الإيراني على تلك التسمية التي يعتبرها
الإيرانيون»استخفافاً بالحقوق التاريخية لبلادهم» في تسمية الخليج. ومعلومٌ أن
الشاه كان وقتها في أوج قوته بعد تدخله العسكري لضرب الثورة العمانية وبعد أن تمكّن
من فرض شروطه على النظام العراقي فيما يتعلق بترسيم حدود شط العرب. ولذلك لم يتأخر
أيضاً إذعان الدول الخليجية للطلب الإيراني. فحُذفت صفة «العربي» عن تلك الوكالة
لتتحول بعد فترة قصيرة لتكون وكالة أنباء بحرينية خالصة.
وفي الحقيقة، فلم يكن
احتجاج الشاه الإيراني هو السبب العميق لفشل ذلك المشروع الإعلامي المشترك. فهو
مثله مثل أغلب المشاريع الخليجية المشتركة، سواء التنموية أو العسكرية أو
الاستثمارية، يُفشلها تنازع المصالح بين العوائل الحاكمة في الخليج، وفي داخل كل
عائلة منها

 

————

 

مقال منشور في السفير العربي

 

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1260&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider.

Advertisements