فحص الميول الجنسية للوافدين

في بداية شهر هذا الشهر، تشرين الأول/ أكتوبر، أعلن أحد المسؤولين في وزارة الصحة الكويتية عن مشروع يهدف إلى إخضاع الوافدين لفحص طبي للكشف عن المثليين والمتحولين جنسيا. وأضاف المسؤول ان بلاده ستقترح هذا المشروع خلال اجتماع اللجنة المركزية لبرنامج العمالة الوافدة لبلدان مجلس التعاون الخليجي الذي سيعقد في 11 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل في سلطنة عُمان. ولم يكشف المسؤول الكويتي عن نوعية الإجراءات والأجهزة التقنية التي سيتم استخدامها في المطارات الخليجية للكشف السريع عن المتسللين من المثليين والمتحولين جنسياً. من جهتها فشلت الوسائل الإعلامية والمنظمات المعنية بحقوق المهاجرين في الحصول على معلومات إضافية عن حجم المشكلة التي سيتصدى القرار لها، وعن نوعية الفحوص التي سيمر بها الوافدون قبل حصولهم على شهادة «لائق للعمل».

الخطر المزدوج

أثار الخبر ردود فعل على المستويين المحلي والخارجي. دعت منظمة العفو الدولية إلى العدول عن فكرة اخضاع الوافدين لفحوصات طبية ترمي الى التحقق من ميولهم الجنسية، باعتبار ان ذلك يشكل «انتهاكاً للحق الانساني الاساسي في الحياة الخاصة». من جهتها اكتفت جمعيات حقوق الإنسان الخليجية بإعادة نشر موقف منظمة العفو وغيرها من المنظمات الحقوقية الدولية وشبكات الدفاع عن حقوق المهاجرين. ولهذا بقيَ الصوت الغالب في الإعلام الخليجي هو صوت المرحبين بالمشروع. فلقد رأى نوابٌ كويتيون فيه «جهداً طيباً للقضاء على مثل هذه الظواهر الغريبة على مجتمعنا والتي لا تتوافق مع شريعتنا وعاداتنا». وقلل المؤيدون للمشروع في مختلف بلاد الخليج العربي من أهمية الاعتراضات الحقوقية على  التمييز ضد الوافدين، بما فيها استهدافهم بفحص الميول الجنسية. فتحركات نشطاء حقوق الإنسان كما أشار نائبٌ كويتي «لا تعنينا، فهم ليسوا أوصياء علينا وليسوا هم من  يحمي القيم والاخلاق».

ما بين الموقفيْن الخارجي والمحلي، قد يختار المسؤولون الخليجيون التروي فيحيلون الموضوع برمته إلى لجنة لدراسته. أما إذا توافق المجتمعون في11 تشرين الثاني/نوفمبر على فرض ذلك الفحص الطبي، فإن تنفيذه يتطلب وقتاً طويلاً لتذليل العقبات الفنية والإدارية والسياسية التي عادة ما تعرقل تنفيذ القرارات الجماعية في بلدن مجلس التعاون الخليجي. لا يجد المتابع للأوضاع السياسية في  الخليج غرابة في حماسة المرحبين في جميع بلاد المنطقة بالاقتراح الكويتي. فلقد جمع ذلك الاقتراح مصدرين من مصادر الفزع الأخلاقي في الخليج: العمالة الأجنبية والجنس.

وفي بلاد الخليج، كما في بلدان أخرى، يسهل انتشار الفزع الأخلاقي بين الناس حين يتم إقناعهم بأن ثمة أخطارا جدية تتهدد استقرار حياتهم الاجتماعية وما يسودها من قيم. ويزداد الفزع الأخلاقي انتشاراً وقبولاً بين الناس حين تتمثل تلك المخاطر في قيم وسلوكيات وأفكار»مستوردة» يجلبها الغرباء. عندها تتزايد أهمية دوريْن للسلطة. أي دورها في تحديد الأخطارالمحدقة بالمجتمع والقادرة على درئها، ودورها كقوة ضامنة لاستمرارالتقاليد والقيم و استقرارها.

“فزاعة” العمالة الأجنبية

طيلة أكثرمن أربعة عقود مرت، منذ الطفرة النفطية، لم تتوقف وسائل الإعلام المحلية عن تفصيل «المخاطر» التي تمثلها العمالة الأجنبية على تماسك المجتمعات الخليجية وثقافتها وتقاليدها بل ومستقبل أجيالها. ولا تختلف في هذا المجال وسائل الإعلام تلك التي تملكها الحكومات مباشرة أو تلك التي تقوم بتمويلها ورعايتها. وساهم أكاديميون ومثقفون ورموزمعتبرة في معارضات سياسية في نشر الفزع من الهجرة الأجنبية. فلم يكن مكلفاً على هؤلاء تفصيل خطر خادمة منزلية من بنغلاديش على تربية أطفالنا وثقافتهم بالمقارنة مع كلفة انتقاد موافقة العوائل الحاكمة على إقامة القواعد العسكرية الأجنبية في أراضي المنطقة ومياهها. ففي بداية السبعينيات مثلاً، انتشرت إشاعة كاذبة عنا ن آلاف العمال الكوريين الذين استُجلبوا لبناء الموانئ الجديدة ومواقع إصلاح السفن في الامارات والبحرين كانوا جزءا من «قوة التدخل السريع» الأميركية.
ولم يهتم أحدٌ بحقيقة ان الولايات المتحدة الأميركية التي تتموضع سفنها الحربية في مياه الخليج وموانئه لم تكن في حاجة للجوء للعمال الكوريين لحماية مصالحها. ولم تسع السلطات المعنية المحلية إلى نفي تلك الإشاعة حتى بعد أن تم ترحيل أعداد كبيرة من أولئك العمال إثر قيامهم بإضراب عن العمل لتحسين ظروف عملهم.

إختلفت خلال السنوات الأربعين الماضية تفاصيل «المخاطر» الذي تمثلها العمالة الأجنبية على بلدان الخليج العربية. لا تغيب أغلب هذه التفاصيل عند الحديث عن الهجرة الأجنبية إلى الخليج، إلا ان لكل منها جمهوره ومواسمه. يصعب حصر جميع «المخاطر» التي يتداولها الإعلاميون والسياسيون والأكاديميون المعنيون بالعمالة الوافدة إلى الخليج، لكن هنا بعض عناوينها الرئيسية. فهي قد تكون مخاطر استراتيجية/عسكرية كما كان الحال مع العمال الكوريين في منتصف السبعينيات. وقد تتمثل المخاطر في «عدوى الانحلال الأخلاقي» عبر ممارسات وسلوكيات الوافدين الأجانب على قيم المجتمعات الخليجية، وقد تكون مخاطر ثقافية/تربوية تتعلق بالهوية كما هو حال الوافدات من جنوب شرقي آسيا للعمل في المنازل أوحضانات الأطفال. فلا يكاد أسبوعٌ يمر من دون أن تنشر وسائل إعلامية قصصاً عن أطفال يحفظون أناشيد بلغة مربيتهم البنغالية أو التاميلية، تنديدا بدور المربيات الأجنبيات في تنشئة الجيل القادم في الخليج. وقد تكون مخاطر على اللغة العربية نفسها، فتنتشر المقالات والندوات التلفزيونية التي تتباكى على حال لغة الضاد بسبب سوء استخدام الوافدين لها. وقد تكون المخاطر مالية تتمثل في «ضياع فرص الاستثمار» بسبب تحويل مليارات الدولارات التي يرسلها الوافدون إلى أهاليهم.

شيطنة العمالة الأجنبية

أحد الأبواب الثابتة والمقروءة في الصحف الخليجية هو ما تنقله عن تقارير الشرطة عن مداهمات لبيوت دعارة أو القبض على شبكات أو أفراد يمارسون الدعارة. وهي مداهمات لم تعد محصورة في المدن المعروفة، بل صارت تشهدها مكة المكرمة نفسها في مواسم حج العمرة. وفي كل الأحوال يكون المقبوض عليهم أو الذين تجرى محاكمتهم أو تسفيرهم من البلاد هم من فقراء العمالة الأجنبية الذين لا تتحرج الصحف من نشر صورهم. في أعقاب كل حملة مداهمات تتعالى اصوات الخطباء في الجوامع وعلى صفحات الرأي منددة بالانحلال الأخلاقي الذي تسببه العمالة الأجنبية.
لا يلام من يتابع الصحف الخليجية ويسمع خطباء الجمعة فيها حين يظن أن الدعارة في الخليج هي مهنة مستوردة ولا تنتشر إلا بين الفقراء الأجانب، (قبل الطفرة النفطية كانت المدن الرئيسة في الخليج مثل المنامة ودبي تضم منطقة معروفة للبغايا المحليين من الجنسين).
ييسهل الربط بين الدعارة والعمالة الأجنبية، وشيطنتها للسلطات تقديم كبش فداء سهل الوصول إليه والتضحية به كلما استدعت الحاجة. فما ينشره الإعلام نقلاً عن بيانات وزارات الداخلية عن مداهمات لاوكار الدعارة ومحاكمة وتسفير بضع مئات من المقبوض عليهم فيها من العاملات والعمال الأجانب، يرضي قادة الاحتجاجات على ما يعتبرونه مظاهر للتحلل الاخلاقي في بلدانهم. من جهة ثانية تؤكد البيانات والتقارير أن السلطات حريصة على القيام بواجباتها في حماية الأخلاق العامة وصيانتها من التلويث الذي يسببه العمال الأجانب.

سيضيف إخضاع الوافدين للعمل في الخليج  لفحص طبي للكشف عن ميولهم الجنسية أداة جديدة لإدارة الفزع الاخلاقي في بلدان مجلس التعاون، علاوة على تشديد قدرة السلطات الحكومية وأصحاب الأعمال على ابتزاز المهاجرين الفقراء. ضمن هذا السياق، يبدو مستغربا تماماً عدم تصدي النشطاء الحقوقيين في الخليج لإفشال إقرار هذا الانتهاك الجديد لحقوق الإنسان في المنطقة، وإكتفائهم  بإعادة نشر مواقف المنظمات الحقوقية الدولية وشبكات الدفاع عن حقوق المهاجرين       

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 31 أكتوبر 2013

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1306&refsite=arabi&reftype=articles&refzone=articles 

صفقات أسلحة رغم العتب

تمتلئ جريدة الوطن وغيرها من أدوات التطبيل بالمقالات التي تهدد أمريكا بتداعيات “الغضب الخليجي” من مغية إنفراج العلاقات مع إيران. ووصلت الهَلوَسة إلى حد تصوير زيارة الملك البحريني إلى معرض تجاري في الصين  ولقائه القصير  مع رئيس وزرائها بأنه “إنعطافة تاريخية”. بل ولم يتوانَ طبالون من تأكيد أن هذه هي بداية إستراتيجية جديدة عنوانها  “الإتجاه نحو الشرق”!!ا وبحسب هذه الأستراتيجية ستتخلى الدول الخليجية وفي مقدمها البحرين عن التبعية للولايات المتحدة الأميركية وبقية بلدان الغرب والإستعاضة عن تلك التبعية بإقامة “تحالف” مع الصين واليابان وكوريا.  وحسسبما نشرت جريدة الوطن فإن من بين “خيارات” حكام الخليج العربي سحب ودائع بلداهم  في الولايات المتحدة الأميركية وبقية بلدان الغرب بل وحددت إحدى الكاتبات المبلغ الذي قالت إنهم سيسحبونه من الخزينة الاميركية ببضعة تريليونات دولار

وعلى مستوى الحراك السياسي أعلن العقيد الفار عادل فليفل عن تنظيم  إعتصام أمام  مقر إقامة السفير الأميركي لدى البحرين. ويأتي  الاعلان عن تنظيم  هذا الإعتصام في سياق تحركات أخرى من قبيل الحملة التي لم تكتمل والتي قادها الشيخ عبداللطيف المحمود  لجمع التوقيعات على عريضة تطالب بطرد السفير الأميركي

بعيداً عن كل هذه الضجيج لم تتحرك البحرين الرسمية ولم نسمع لها صوتافيما عدا قيام وزارة الخارجية بالإتصال (عبر الوزير نمرة 2) بالسفير الأميركي لتقديم “طلب إستيضاح” حول ما تضمنه خطاب الرئيس الأميركي أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي أشار فيها إلى الوضع في البحرين وربطه ذلك بما يجري في سوريا والعراق. إكتفت السلطة الخليفية بتحريك طباليها وجلاوزتها لأنه تعرف إن يدها مغلولة. فالأمر ليس بيديها عندما يتعلق الأمر بالعلاقات مع بلاد العم سام. نعم يدها مطلقة حين تواجه المحتجين في أزقة السنابس أو بني جمرة وغيرهما. ولكنها لا تملك قرارها فيما هو أبعد من شوارع البحرين وأزقتها

بدت الولايات المتحدة مطمئنة إلى إستقرار هيمنتها على الخليج العربي رغم الضجة الإعلامية المثارة هنا وهناك.  المسئولون في الإدارة الأميركية يعرفون إن بقاء حكم العوائل الحاكمة في المنطقة مرهون برضا الولايات المتحدة عنهم كأشخاص و وكأنظمة حكم.  ويعرف المسءولون الأميركيون إن الضجيج الإعلامي في ممالك النفط الخليجية هو للإستهلاك المحلي.   ويعرف المسولون الأميركيون إن المتنفذين في كل عائلة حاكمة في الخليج لن يسمحوا لأحدٍ مهما كان أن يفعل شيئاً يثير غضب الولايات المتحدة عليهم

ولقد رأينا إن الضجيج الإعلامي حول “المؤامرة الإيرانية/الأميركية” كان يتصاعد في الوقت الذي يستمر فيه توسعة و تطوير البنية التحتية للقاعدة البحرية الأميركية في البحرين وفي الوقت الذي توقع فيه دولة الأمارات المتحدة والمملكة السعودية على صفقات جديدة لإستيراد أسلحة ومعدات عسكرية من الولايات المتحدة.ففي خلال النصف الأول من أكتوبر 2013  وقعت الدولتان (أي السعودية والأمارات) على عقود عسكرية بقيمة تصل إلى 11 مليار دولار

الصفقة الأماراتية
http://www.dsca.mil/sites/default/files/mas/uae_13-48.pdf

الصفقة السعودية 1

http://www.dsca.mil/sites/default/files/mas/saudi_arabia_13-53.pdf

الصفقة السعودية 2
http://www.dsca.mil/major-arms-sales/saudi-arabia-various-munitions-and-support

مهمتان مركزيتان للإعلام في الخليج

ضمن سلسة اجتماعات تمهيدية لمؤتمر القمة الدوري لدول مجلس التعاون الخليجي المقرر
انعقاده في الكويت في نهاية هذه السنة، استضافت البحرين وزراء الإعلام في دول
المجلس. وعلى هامش هذا الاجتماع الوزاري، استضافت البحرين 150 شخصية إعلامية في
«ملتقى الإعلام الخليجي الأول». وما جعل الاجتماعين يختلفان عن عشرات الاجتماعات
التي سبقتهما هو توقيت انعقادهما، أي عشية بروز احتمالات جدية للتوصل إلى حلول
مقبولة لكل من إيران والغرب حول المشروع النووي الإيراني. وهي حلول لم تكن ممالك
الخليج طرفاً في السعي للتوصل إليها، كما إنها لم تُستشر حولها ولا حول احتمالات
توسيعها لتشمل إعادة الاعتراف الغربي بالدور الإيراني في حماية أمن الخليج العربي.
وهو دورٌ خسرته إيران بعد سقوط نظام الشاه في 1979.

الهوية والأمن
ناقش
المشاركون في الاجتماعين ورقة عمل أعدتها الأمانة العامة لمجلس التعاون تضمنت
تصورات محددة حول تنشيط الدور الذي يلعبه الإعلاميون وأجهزة الإعلام في مهمتيْن
مركزيتيْن. تتمثل الأولى في «تعزيز وتعميق الهوية الخليجية»، وتتمثل الثانية في
«دعم ترابط المجتمع وأمنه واستقراره». هذا الربط بين المهمتيْن يشكل إحدى مفارقات
التغيير السياسي التي شهدته بلدان الخليج العربية في العقود الأخيرة. ففي
الخمسينيات والستينيات، كانت «عروبة الخليج» أحد الهتافات المركزية في المظاهرات
المحظورة المعادية للاستعمار البريطاني ولحكم المشايخ. وكان من ينظِّم تلك
المظاهرات يتعرض للملاحقة والسجن أو النفي. وبعد الخروج البريطاني من الخليج في
نهاية الستينيات، أصبح الشعار نفسه أحد المبررات التي تستخدمها المعارضات الخليجية
ضد إقامة القواعد والتسهيلات العسكرية الأميركية في بلدانها. أما الآن، فترفع
الأنظمة الحاكمة راية الدفاع عن «الهوية الخليجية» بعد أن أفقدتها معناها وبعد أن
جعلت الحفاظ على الهوية مرادفاً لاستمرار العوائل الحاكمة في الحكم من دون
معارضة.

الهوية الخليجية
التزمت البحرين بأداء جميع الطقوس المواكبة
لإتمام اللقاءات الخليجية المشتركة، سواء أكانت اجتماع قمة أم منافسات رياضية. ومن
ضمن هذه الطقوس أن تبث الإذاعات ومحطات التلفزيون في البلد المضيف أغنيات تعوَّد
الجمهور على سماعها طوال أكثر من أربعين سنة من قبيل:
أنا الخليجي.. وافتخر إني
خليجي أنا الخليجي.. والخليج كله طريجي (طريقي) تبارك خليجنا.. تبارك بعز
وهَنا
يردد هذه الأغنية ومثيلاتها كثيرون. ولكن غالبية سكان الخليج لا يعرفون
ماذا تعني، لأنهم لا يعرفون اللغة العربية. بدوره لا يجد الباحثُ تحديداً معروفاً
للمقصود بـ«الهوية الخليجية». بل إن أغلب الدراسات حول المنطقة تشير إلى بروز خليط
ثقافي متعدد المكونات، يشكل المكوِّن المحلي/العربي جزءاً متناقصاً فيها. فأكثر من
نصف سكان المنطقة من المهاجرين غير العرب الذين تزايدت أعدادهم منذ بدء الطفرة
النفطية في بداية سبعينيات القرن الماضي. ففي قطر، أصبح الأجانب يمثلون تسعة من كل
عشرة أفراد من سكانها. وفي دولة الإمارات، يقل مجموع عدد الإماراتيين عن عدد
الوافدين إليها من ولاية كيرالا الهندية وحدها. طوال أربعين سنة منذ بداية الطفرة
النفطية انحصر الاهتمام بالحفاظ على «الهوية الخليجية» في أوساط النخب الثقافية
التي نبهت مبكراً إلى الآثار المحتملة لعدم التعاطي مع النتائج السياسية والثقافية
للهجرة في غياب خطط وسياسات واضحة حول إدماج المهاجرين. لقد اهتمّت العوائل الحاكمة
أساساً بالمردودات الاقتصادية للهجرة، بما فيها توفير يد عاملة رخيصة تخفض من كلفة
مشاريع تنمية البنى التحتية وتؤّمن لأصحاب الأعمال المحليين أرباحاً ترضيهم.
لم
تكن الأحوال أفضل بكثير قبل الطفرة النفطية، إلا إن الحديث عن هوية خليجية أو حتى
قطرية أو بحرينية أو سعودية… صار الآن أكثر صعوبة. بل ثمة من يرى أنه لم يعد
واقعياً العمل على صهر المكونات الإثنية والمذهبية والقبلية والمناطقية في هذه
البلدان لتشكيل هوية وطنية. فلقد اتسعت الهوة بين هذه المكونات في السنوات الأخيرة
وازداد التباعد بينها. علاوة على ذلك، لا بد من النظر إلى دور التعقيدات التي تولدت
عن نشوء تجمعات إثنية ودينية ولغوية ومناطقية أتت من شبه القارة الهندية وجنوب شرقي
آسيا وغيرهما لتستقر في الخليج.

الأمن الإعلامي
يتبين مما نُشر عن
مداولات كل من الاجتماع الوزاري والملتقى الإعلامي، مدى القلق الذي تعاني منه
الأوساط الرسمية في الخليج من تحول الانفراج الإيراني الأميركي إلى «شراكة». وهو
قلقٌ عبَّرت عنه وزيرة الدولة لشؤون الإعلام في البحرين بتأكيد أن «أخطر ما يهدد
المنطقة العربية في الوقت الحاضر هو المشروع الأميركي الإيراني». وحيث أن ذلك
المشروع يُدار، حسب الوزيرة البحرينية «بآلة إعلامية ضخمة، فلا بدّ من مواجهته
بالتوسّع في الإعلام الخليجي».
لم يتحدّد حتى الآن أين سيكون مجال التوسّع في
الإعلام الخليجي المشترك، ولا كيف سيساهم في الحفاظ على أمن الخليج ومواجهة
«المشروع الأميركي الإيراني». غير أن من المعروف أن البلدان الخليجية الأخرى لا
تشاطر البحرين اهتمامها بالتوسّع الإعلامي أو القيام باستثمارات جديدة كبرى في هذا
المجال. فلدى جميع هذه البلدان شبكة فعالة من مكاتب العلاقات العامة تتولى تحسين
صورتها في الإعلام الأجنبي وفي أوساط متخذي القرار في الغرب. من جهة أخرى لدى كلٍ
من قطر والإمارات والسعودية قنواتها الفضائية وصحفها التي تعتمد على الرعاية
الرسمية وتغطي المنطقة العربية وما وراءها. والكويت تعجّ بالفضائيات والصحف التي
يتولى تمويلها القطاع الخاص مباشرة أو بالشراكة مع المتنفذين في العائلة الحاكمة.
بينما لم يُلحظ على سلطان عُمان اهتماماً خاصاً بتوسيع فيما لديه. ولهذا لم تتحمّس
هذه الدول لإطلاق البحرين إذاعة «هنا الخليج العربي» التي بدأت بثها التجريبي في
أول تشرين الاول/أكتوبر 2013 لتكون من «ضمن المشروعات الإعلامية الطموحة في
الانتقال من مرحلة التعاون بين دول الخليج إلى اتحادها».

فشل المشاريع
المشتركة
وحتى لو سلمنا جدلاً بأن الجهات المعنية تمكنت من تجاوز جميع العقبات
أمام التوسّع في الإعلام الخليجي المشترك، فإنها ستواجه مهمة تحديد الرسالة التي
سيقوم بتقديمها ذلك التوسّع الإعلامي. ففيما عدا افتراض قدرة العوائل الحاكمة على
أن تهب لنجدة من يتعرّض منها لخطر جدي، فليس من ثمّ أرضية سياسية مشتركة. وتعكس
تفاصيل النزاعات الدائرة في مختلف الساحات العربية تبايناً بين الدول الخليجية.
فقطر مع الإخوان المسلمين في مصر والنهضة في تونس أي على الضد من السعودية
والإمارات. وحكومة البحرين التي تضمّ ثلاثة وزراء من الإخوان المسلمين تستمرّ في
تأييدها للنظام المصري الذي أطاح بحكم الإخوان. وتعتمد العائلة الحاكمة في الكويت
على دعم القوى السياسية الشيعية فيها، بينما تلاحق البحرين والإمارات والسعودية
النشطاء الشيعة فيها. من جهته، وعلى العكس من أقرانه، لم يقطع السلطان العماني
علاقاته الودية مع إيران طوال الثلاثين سنة الماضية.
لعل من المفيد التذكير
بواحدة من أولى المحاولات الفاشلة في الخليج لإطلاق مشروع إعلامي مشترك. ففي 1976
اجتمع في الرياض وزراء الإعلام في بلدان الخليج وقرروا إنشاء «وكالة أنباء الخليج
العربي». ولم يتأخر احتجاج الشاه الإيراني على تلك التسمية التي يعتبرها
الإيرانيون»استخفافاً بالحقوق التاريخية لبلادهم» في تسمية الخليج. ومعلومٌ أن
الشاه كان وقتها في أوج قوته بعد تدخله العسكري لضرب الثورة العمانية وبعد أن تمكّن
من فرض شروطه على النظام العراقي فيما يتعلق بترسيم حدود شط العرب. ولذلك لم يتأخر
أيضاً إذعان الدول الخليجية للطلب الإيراني. فحُذفت صفة «العربي» عن تلك الوكالة
لتتحول بعد فترة قصيرة لتكون وكالة أنباء بحرينية خالصة.
وفي الحقيقة، فلم يكن
احتجاج الشاه الإيراني هو السبب العميق لفشل ذلك المشروع الإعلامي المشترك. فهو
مثله مثل أغلب المشاريع الخليجية المشتركة، سواء التنموية أو العسكرية أو
الاستثمارية، يُفشلها تنازع المصالح بين العوائل الحاكمة في الخليج، وفي داخل كل
عائلة منها

 

————

 

مقال منشور في السفير العربي

 

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1260&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider.