بمناسبة رحيل المناضل علي دويغر

فقدت البحرين في 6 سبتمبر/أيلول 2013 واحدأاً من أفضل أبنائها. وجرى دفنه في مغتربه في السويد في 18 سبتمبر 2013. أعيدُ نشر ما كتبته عنه   قبل 5 سنوات في جريدة الوقت  مساهمة في إحياء ذكرى رفييق عزيز

***************************************

عن السابع من ديسمبر

أكتب هذه الكلمات صباح الأحد ,السابع من ديسمبر/كانون أول, بعد أن قرأت ما كتبه أخونا أحمد البوسطة عن هذا اليوم في الذاكرة الوطنية[1]. ففي مثل هذا اليوم من العام 1973 جرت أول إنتخابات تشريعية في البحرين. وهو نفس اليوم الذي إعلنته بعض المنظمات الدولية يوماً  للتضامن العالمي مع شعب البحرين. ومن بين عشرات الناس ممن يجب الإحتفال بهم في هذا اليوم يبرز إسما علي دويغر ومحمد حسين نصر الله. وهذان, لمن لا يعرف, مناضلان يمتد تاريخهما النضالي دون إنقطاع لأكثر من خمسين سنة. وللأول علاقة مباشرة بما تحقق في يوم الإنتخابات. وللثاني يعود فضل تخصيص يومٍ للتضامن مع شعب البحرين. وفوق ذلك فلقد كان محمد حسين في منتصف الثمانينيات أحد مرشحيْن إثنيْن لمنصب أول أمين عام في لجبهة التحرير الوطني.

في مثل هذا اليوم قبل خمس وثلاثين سنة خطا شعب البحرين خطوة صغيرة ولكنها مهمة في إتجاه بناء الدولة الدستورية. ومعلومٌ أن التصويت في ذلك اليوم أسفرعن فوْز ثمانية من إثني عشر مترشحا على قائمة “كتلة الشعب”. ولا شك لديّ أن ذلك النجاح كان حدثاً تاريخياً في ذاته.  فلم تكن “كتلة الشعب” مجرد تجمع إنتخابي بل كانت تركيبتها تعكس نتاج التطور السياسي والإجتماعي الذي مرت به بلادنا منذ منتصف الخمسينات. فلقد تشكلت الكتلة من أعضاء معروفين وغير معروفين من مختلف ألوان الطيف الوطني, ففيهم الشيوعي والقومي والبعثي والمستقل. كما كان من بينهم المتديِّن وغير المتديِّن. ولقد إستوعبت السلطة خطورة هذا الخليط ومدى جاذبيته للناس. ولعل في هذا بعض ما يفسر كثرة الجهود التي بذلتها السلطة لمنع قيام الكتلة  ثم لعرقلة تواصل مرشحيها مع الناس.

 لا شك أن كثيرين سيحتفون بتلك المحطة البارزة  في مسيرتنا الوطنية. ولا شك أن كثيرين سيروْن فيها تأكيداً آخر على أن الناس في بلادنا, حالهم في ذلك مثل حال الناس في كل مكان, يلتفون حول من يتوسمون فيه الإصرارعلى الدفاع عن حقوقهم. ولولا ثقة الناس بإصرار مرشحي الكتلة لما إستطاع واحدٌ منهم, ناهيك عن ثمانية, الوصول إلى البرلمان. نعمْ لقد دار وقتها جدلٌ محتدم حول جدوى المقاطعة والمشاركة. إلا أن أحداً لم يطرح أن تكون كتلة الشعب مصباحاً يضئ حتى يرى الناس “نصف كأس السلطة المليان”. ولم تقبض الكتلةُ أموالاً  سراً أوجهراً. ولم تضع نفسها مدافعة عن السلطة في وجه إنتقادات الآخرين. بل طرحت الكتلة نفسها كجزء صغير من معارضة تقودها قوى وطنية تمارس أنشطتها بين الناس, في الشارع وفي مواقع العمل. من جهة أخرى لم يكن الفائزون من الكتلة ينافسون أناساً من عامة الناس بل كان بعض المنافسين قامات تاريخية مثل المرحوم عبدالعزيز الشملان. وكان بين المنافسين أصحاب مؤسسات إعلامية كان ممن كان لهم دور وطني عندما كانوا شباباً. علوة على ذلك لم يكن مرشحو كتلة الشعب يواجهون المترشحين الآخرين فحسب بل كانوا يواجهون أيضاً آلة السلطة الإعلامية وترسانة قوانينها. فبفضل تلك القوانين مُنعت كتلة الشعب من مخاطبة الناس بل و مُنعت حتى من طباعة برنامجها لولا أن نشرته مجلة “الطليعة” الكويتية لتتناقله الناس في البحرين مستنسخاً.

أقولُ من الواجب التذكير بإسميْ علي ومحمد حسين.  فلقد كان الأولُ أحد المبادرين لتشكيل كتلة الشعب. وساهم بما لديه من مصداقية و خبرة سياسية في صياغة المسودة الأولى لبرنامج الكتلة. ولقد إنتبه هندرسون وجهازه إلى أهمية ما يقوم به علي فتركزت الجهود للتخلص منه. إلا أن التخويف بالسجن لم يكن مجدياً في حالة دويغر وهو الذي خبر المعتقلات. ومعلومٌ أنه كان في سجن جدة حين كان المرحومان إبراهيم الموسى وإبراهيم فخرو يقضيان فيه مدة حكم قضائي ظالم بسبب دورهما في قيادة هيئة الإتحاد الوطني. ولهذا صدر الأمر إلى علي دويغر بمغادرة البلاد دون مسوغ قانوني أو أمر قضائي.[2] ورغم ما مثله تسفير دويغر من خسارة للكتلة إلا ذلك لم يؤد إلى شل حركتها كما تخيلت السلطة.

 أما محمد حسين نصر الله فكان وقتها معتقلاً ضمن مجموعة من إثنين وثلاثين من خيرة بنات وأبناء شعبنا. مجموعة فيها الشاعر والمهندس والعامل والناقد والقصاص والمدرس والطبيب والمسرحي والرسام و الحقوقي.  كانوا حقاً من خيرة من أنجبت أرضنا. ولا شك أن وجودهم في المعتقل أسهم في تغيير مسار الأمور. فلو لم يكن محمد حسين نصرالله في المعتقل لما وجد الناس في دائرتي الإنتخابية مترشحاً أفضل منه. بل لقد درسنا بجدية إقتراحاً بترشيحه رغم وجوده في المعتقل على غرار ما يحدث في بلدان أخرى. فوجدنا الإقتراح غير عملي في ظروفنا. إلا أن “قضية المعتقلين” فرضت نفسها على أول جلسة للمجلس الوطني وكادت أن تشّله تماماً لولم تطلق الحكومة سراحهم.

بعد عام من حل المجلس في صيف 1975 شارك محمد حسين في أحد مؤتمرات منظمة التضامن الأفروآسيوية. ونجح في إقناع ممثلي ما يقرب من مئتيْ منظمة دولية بتخصيص يوم للتضامن مع شعب البحرين إسوة بأيام التضامن المخصصة لشعوب مناضلة أخرى. وتكرَّس اليومُ في الأجندة الدولية بعد ذلك بقرار مماثل إتخذه مؤتمر مجلس السلم العالمي.

 لا يُلام أحدٌ من بنات وأبناء هذا الجيل إن لم يتوقف عند المعنى التاريخي لإنتخابات العام  1973.[3] ولا يلأم أحدٌ أن لم يعرف مغزى تخصيص يوم للتضامن مع شعبنا في أجندة المنظمات العالمية الفاعلة آنذاك. ولهذا يقع على عاتقنا واجب التذكير بالمحطات البارزة في تاريخنا الوطني علاوة على إشهار الجهود “المجهولة” وغير المجهولة التي ساهمت في صنع ذلك التاريخ. بل أن من الواجب التأكيد على أهمية تأريخ الجهود الكبيرة والصغيرة الذي بذلها عشرات الأشخاص “المجهولين” أوالمُغَّيبين عن ذاكرة الوطن. وهذا موضوع مهم لا بد وأن تتولاه اللجان التي سمعنا ضجيجاً كثيراً عن تأسيسها من قبل عدة جهات لتدوين تاريخ الحركة الوطنية. وتزداد أهمية هذه المهمة وإلحاحها في ضوء تحذيرٍ أطلقه أخونا فاضل الحليبي[4] من  “شخصٍ”  لا يسميه  “يقدم خدمة كبيرة ومجانية اليوم في تشويه ذلك التاريخ عبر صفحات الجرائد والإنترنت، ويحقق الهدف الذي عجزت عن تحقيقه أجهزة الأمن المتعاقبة على مدار خمسة وخمسين عاما”.

______________________________________________________

[1]

أحمد البوسطة, “7 ديسمبر الـتاريخي” , الوقت, 7 ديسمبر/كانون أول 2008

[2]

أنظر  منصور الجمري, “حديث الذكريات للشخصية الوطنية المعروفة المناضل الأستاذ علي عبدالله دويغر عضو المنبر الديمقراطي التقدمي” , الوسط, 19 سبتمبر/أيلول 2003

[3]

أنظر كتاب علي قاسم ربيعة «التجربة الدستورية في البحرين – التجربة الموءودة»، مسودة تحت الطبع.

[4]

أنظر مقال فاضل الحليبي ” لكي لا يشوه التاريخ”, في موقع المنبر التقدمي على الرابط

http://www.altaqadomi.com/ar-BH/ViewArticle/6/934/Articles.aspx

Advertisements