مصاحف مخيّم الزعتري وصناعة الملك المؤمن

MosquesDemolitionCartoon

في العاشر من آب/أغسطس الماضي، أعلنت «جمعية رعاية المصحف الشريف»، وهي إحدى الجمعيات الدينية العاملة في البحرين، عن قيامها بالتعاون مع هيئة شؤون الإعلام الرسمية، التي يرأسها أحد أفراد العائلة الحاكمة، بشحن 50 ألف مصحف لتوزيعها على اللاجئين السوريين في المخيمات الأردنية. بعد أقل من أسبوعين من بدء توزيع المصاحف في مخيم الزعتري، شمالي عمّان، قررت السلطات الأردنية سحب النسخ التي تم توزيعها بسبب وجود تحريف وتبديل في أماكن بعض السور القرآنية. رغم أن الأخطاء الطباعية والفنية أمور اعتيادية في عالم الطباعة والنشر، إلا أن ثمة حساسية خاصة حين تصيب الكتب المقدسة على أنواعها. بعدها، سارعت السلطات البحرينية إلى نفي علاقتها بالمصاحف المحرَّفة في مخيم الزعتري التي «تتحمَّل المسؤولية عنها الجهات التي قامت بتوزيعها».

الحرج الرسمي
يعود الحرج الرسمي من سحب المصاحف من مخيم الزعتري إلى سببيْن، أولهما أن الخمسين ألف نسخة من المصحف التي شُحنت إلى مخيم الزعتري تشكل جزءاً من «مشروع مصحف الشام»، الذي تتولاه البحرين ويهدف إلى طباعة مليون نسخة من القرآن الكريم للتوزيع في مخيمات اللاجئين السوريين في دول الجوار، وعلى المساجد في سوريا بعد إعادة إعمارها. وهذا المشروع بدوره هو جزءٌ من آخر أكبر تتعهده جمعيات دينية في البحرين برعاية الديوان الملكي، لطباعة وتوزيع «عشرة ملايين مصحف ستهديها البحرين إلى العالم»، بالإضافة إلى مليونيْ مصحف للتوزيع في أفريقيا وحدها. أما السبب الثاني للحرج الرسمي في البحرين فيرتبط بالخشية من أن تلحق تهمة التحريف بـ «مصحف البحرين» الذي تم تدشينه في ليلة القدر في شهر رمضان الماضي، والذي استغرق إعداده وتدقيقه سنوات عدة، منها أكثر من عام ونصف العام على أيدي «لجنة علمية رفيعة مكونة من أربعة عشر عضواً من مختلف دول العالم الإسلامي». وهو مصحفٌ يفاخر الديوان الملكي بإعلان أن الملك تابع شخصياً جميع مراحل إعداده حتى يكون فريداً عن غيره من المصاحف الوطنية.

التديّن في حدود الحاجة
لم يُعرف عن ملك البحرين تدينه، أو اهتماماً خاصاً بالمشاركة في الطقوس الدينية. وفيما عدا نقل مشاركته في صلاتيْ عيديْ الفطر والأضحى في مسجد بمدينة الرفاع الغربي، المخصصة لسكن أفراد العائلة الحاكمة، لم يكن الإعلام الرسمي يبذل جهداً لإبرازه في صورة حاكم متدين. ولهذا لم يكن مستغرباً ألا يعير اهتماماً لشكاوى المواطنين في المناطق من انتهاكات مقدساتهم الدينية. ولا إلى الاتهامات التي توجهها أطراف المعارضة حول قيام قوى أجهزة الأمن البحرينية بالتعاون مع القوات السعودية بتدميرأكثر من ثلاثين مسجداً وحسينية إبان الحملة الأمنية في ربيع 2011. إلا أن ذلك لا يعني إنه لم يعمل على استرضاء المتدينين، متشددين أو معتدلين، في أمور شكلية كحين أصدر أوامره في 2003 بالسماح للنساء المنقبات بقيادة السيارات، أو حين ألغى في 2008 قرارات كانت تمنع المنتسبين إلى القوات العسكرية والأمنية من إطلاق لحاهم. علاوة على ذلك، فلقد كان الديوان الملكي يتولى توزيع الذبائح وأكياس الرز على الحسينيات الشيعية في موسم عاشوراء من كل سنة (وهي عادة توقفت جزئياً بعد احتجاجات دوار اللؤلؤة في2011).
بهذا السلوك المتوازن، حافظ الملك البحريني منذ توليه الحكم في 1999 على تقاليد استنها أسلافه. فتوزيع الذبائح على الحسينيات الشيعية أو السماح للمنقبات بقيادة السيارات تسترضي رجال الدين ولكنها لا تنتقص من سمعة البحرين «الليبرالية» في نظر المقيمين الأجانب أو السائحين. فهؤلاء يرون ليس بعيداً عن المساجد والحسينيات كنائس متعددة للمسيحيين، وكنيساً لليهود، ومعابد للهندوس وأتباع ديانات أخرى مقيمين في البحرين، أو يأتونها لأداء مناسك دياناتهم.
على الجانب الآخر من كل هذا، يتم الاهتمام بتكريس دور البحرين كمركز لتقديم الخدمات على أنواعها. وتشكل السياحة الجنسية والخدمات المرتبطة بها جزءاً أساسياً من المميزات التي تنافس البحرين بها جاراتها الخليجيات لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية. ويستفيد من هذه الخدمات أيضاً أكثر من أربعة آلاف من العسكريين الأميركيين العاملين في مقر قيادة الأسطول الخامس في البحرين، أو على متن سفن الأسطول الأميركي التي تجوب مياه الخليج العربي. كما يستفيد من الخدمات السياحية على أنواعها أكثر من مئة ألف شخص، ممن يعبرون الجسر الفاصل بين البحرين والسعودية في يوميْ الإجازة الأسبوعية. فرغم ما أصاب المناطق البحرية والزراعية والمواقع الأثرية من تدمير بسبب سوء التخطيط، واستيلاء المتنفّذين في العائلة الحاكمة على أغلب السواحل البحرية، ظلت البحرين تجتذب الزوار. ففيها يمكن لمن يشاء ارتياد البارات والملاهي الليلية على مختلف المستويات والسكن في الشقق المفروشة والفنادق. وتعوَّد أصحاب الفئات الدنيا من الملاهي والفنادق التي تجتذب الزبائن، بتنويع ما لديهم من ضحايا التجارة في البشر.

الحفاظ على التوازن

يحتجّ المتديّنون من أنصار الملك ومعارضيه بين الحين والآخر على تحويل البحرين إلى «ماخور ومبغى». ويسمع المصلون في الجوامع خطباءً تعينهم وزارة العدل ينددون فيها بما يعتبرونه منكرات ومخازي تحدث في البلاد تحت عنوان السياحة. وقد اعتاد أصحاب الفنادق والملاهي الليلية، متدنية المستوى، على الحملات الدورية التي يشنها مفتشون حكوميون التي تنتهي عادة بإغلاق ملهى أو فندق، وتسفير عدد من العاملات فيها. إلا إن الأمور تبقى على ما هي عليه. فلدى الملك ترسانة من الإجراءات التي اختبرها قبله والده وجده، يستطيع استدعاء بعضها فيسكت المتذمرون خوفاً أو طمعاً. ومن بين هذه الإجراءات دخول الديوان الملكي شريكاً في رعاية نشاط ديني في البحرين أو خارجها. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يرعى الديوان الملكي قيام «جمعية رعاية المصحف الشريف» بتوزيع المصاحف في مخيم الزعتري وفي بلدان عربية وأفريقية. فرئيس الجمعية هو أحد أبرز الداعين إلى تجنيد المتطوعين البحرينيين للمشاركة في الجهاد في سوريا، وهو في الوقت نفسه أحد أكثر المشايخ السلفيين انتقاداً لسماح السلطات في البحرين بوجود الكنائس وغيرها من دور العبادة لغير المسلمين.

شخصية العام في خدمة الإسلام

جاء خبر سحب المصاحف المحرّفة من أيدي سكان مخيم الزعتري في ظرف لا يناسب طموح ملك البحرين بتغيير صورته. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تسارع الجهات الرسمية في البحرين إلى إلقاء اللوم على الجمعية الدينية وحدها. ولم يكن مستغرباً أيضاً ألا تحتج تلك الجمعية على ذلك. فلقد خطا الملك في الأشهر الماضية خطوات مهمة لتقديم صورته كملك مؤمن، ولتجاوز الاتهامات التي تكيلها له قوى المعارضة حول هدم المساجد وانتهاك المقدسات، أو التي يوجهها المتدينون له حول انتشار الفساد الأخلاقي في البلاد. ففي تموز/يوليو الماضي، أعلنت الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم في السعودية عن اختيار ملك البحرين «شخصية العام»، تقديراً لجهوده في خدمة الإسلام والمسلمين. وعددت لجنة الجائزة جهوده التي شملت إنشاء قناتين، تلفزيونية وإذاعية، مخصّصتيْن بالقرآن الكريم، علاوة على رعايته لمسابقات التجويد الدولية. وبسبب متابعته الشخصية، كما يشير بيانٌ رسمي، أصبحت البحرين، حسب بيانٍ رسمي، «طرفاً أساسياً في المحافل الدولية والمسابقات العالمية في مجال القرآن الكريم، تنافس على المراكز الأولى وتحصدها بفضل الله». هذه الانجازات قد تبرر لملك البحرين أن يحمل توصيفاً دينياً معتبراً، وإن لم يكن في مستوى «أمير المؤمنين» أو «خادم الحرميْن» كما هو حال قرينيْه في المغرب والسعودية.

+++++

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 5سبتمبر /أيلول 2013

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1174&refsite=twitter&reftype=sharebutton&refzone=tweet

Advertisements