بمناسبة رحيل المناضل علي دويغر

فقدت البحرين في 6 سبتمبر/أيلول 2013 واحدأاً من أفضل أبنائها. وجرى دفنه في مغتربه في السويد في 18 سبتمبر 2013. أعيدُ نشر ما كتبته عنه   قبل 5 سنوات في جريدة الوقت  مساهمة في إحياء ذكرى رفييق عزيز

***************************************

عن السابع من ديسمبر

أكتب هذه الكلمات صباح الأحد ,السابع من ديسمبر/كانون أول, بعد أن قرأت ما كتبه أخونا أحمد البوسطة عن هذا اليوم في الذاكرة الوطنية[1]. ففي مثل هذا اليوم من العام 1973 جرت أول إنتخابات تشريعية في البحرين. وهو نفس اليوم الذي إعلنته بعض المنظمات الدولية يوماً  للتضامن العالمي مع شعب البحرين. ومن بين عشرات الناس ممن يجب الإحتفال بهم في هذا اليوم يبرز إسما علي دويغر ومحمد حسين نصر الله. وهذان, لمن لا يعرف, مناضلان يمتد تاريخهما النضالي دون إنقطاع لأكثر من خمسين سنة. وللأول علاقة مباشرة بما تحقق في يوم الإنتخابات. وللثاني يعود فضل تخصيص يومٍ للتضامن مع شعب البحرين. وفوق ذلك فلقد كان محمد حسين في منتصف الثمانينيات أحد مرشحيْن إثنيْن لمنصب أول أمين عام في لجبهة التحرير الوطني.

في مثل هذا اليوم قبل خمس وثلاثين سنة خطا شعب البحرين خطوة صغيرة ولكنها مهمة في إتجاه بناء الدولة الدستورية. ومعلومٌ أن التصويت في ذلك اليوم أسفرعن فوْز ثمانية من إثني عشر مترشحا على قائمة “كتلة الشعب”. ولا شك لديّ أن ذلك النجاح كان حدثاً تاريخياً في ذاته.  فلم تكن “كتلة الشعب” مجرد تجمع إنتخابي بل كانت تركيبتها تعكس نتاج التطور السياسي والإجتماعي الذي مرت به بلادنا منذ منتصف الخمسينات. فلقد تشكلت الكتلة من أعضاء معروفين وغير معروفين من مختلف ألوان الطيف الوطني, ففيهم الشيوعي والقومي والبعثي والمستقل. كما كان من بينهم المتديِّن وغير المتديِّن. ولقد إستوعبت السلطة خطورة هذا الخليط ومدى جاذبيته للناس. ولعل في هذا بعض ما يفسر كثرة الجهود التي بذلتها السلطة لمنع قيام الكتلة  ثم لعرقلة تواصل مرشحيها مع الناس.

 لا شك أن كثيرين سيحتفون بتلك المحطة البارزة  في مسيرتنا الوطنية. ولا شك أن كثيرين سيروْن فيها تأكيداً آخر على أن الناس في بلادنا, حالهم في ذلك مثل حال الناس في كل مكان, يلتفون حول من يتوسمون فيه الإصرارعلى الدفاع عن حقوقهم. ولولا ثقة الناس بإصرار مرشحي الكتلة لما إستطاع واحدٌ منهم, ناهيك عن ثمانية, الوصول إلى البرلمان. نعمْ لقد دار وقتها جدلٌ محتدم حول جدوى المقاطعة والمشاركة. إلا أن أحداً لم يطرح أن تكون كتلة الشعب مصباحاً يضئ حتى يرى الناس “نصف كأس السلطة المليان”. ولم تقبض الكتلةُ أموالاً  سراً أوجهراً. ولم تضع نفسها مدافعة عن السلطة في وجه إنتقادات الآخرين. بل طرحت الكتلة نفسها كجزء صغير من معارضة تقودها قوى وطنية تمارس أنشطتها بين الناس, في الشارع وفي مواقع العمل. من جهة أخرى لم يكن الفائزون من الكتلة ينافسون أناساً من عامة الناس بل كان بعض المنافسين قامات تاريخية مثل المرحوم عبدالعزيز الشملان. وكان بين المنافسين أصحاب مؤسسات إعلامية كان ممن كان لهم دور وطني عندما كانوا شباباً. علوة على ذلك لم يكن مرشحو كتلة الشعب يواجهون المترشحين الآخرين فحسب بل كانوا يواجهون أيضاً آلة السلطة الإعلامية وترسانة قوانينها. فبفضل تلك القوانين مُنعت كتلة الشعب من مخاطبة الناس بل و مُنعت حتى من طباعة برنامجها لولا أن نشرته مجلة “الطليعة” الكويتية لتتناقله الناس في البحرين مستنسخاً.

أقولُ من الواجب التذكير بإسميْ علي ومحمد حسين.  فلقد كان الأولُ أحد المبادرين لتشكيل كتلة الشعب. وساهم بما لديه من مصداقية و خبرة سياسية في صياغة المسودة الأولى لبرنامج الكتلة. ولقد إنتبه هندرسون وجهازه إلى أهمية ما يقوم به علي فتركزت الجهود للتخلص منه. إلا أن التخويف بالسجن لم يكن مجدياً في حالة دويغر وهو الذي خبر المعتقلات. ومعلومٌ أنه كان في سجن جدة حين كان المرحومان إبراهيم الموسى وإبراهيم فخرو يقضيان فيه مدة حكم قضائي ظالم بسبب دورهما في قيادة هيئة الإتحاد الوطني. ولهذا صدر الأمر إلى علي دويغر بمغادرة البلاد دون مسوغ قانوني أو أمر قضائي.[2] ورغم ما مثله تسفير دويغر من خسارة للكتلة إلا ذلك لم يؤد إلى شل حركتها كما تخيلت السلطة.

 أما محمد حسين نصر الله فكان وقتها معتقلاً ضمن مجموعة من إثنين وثلاثين من خيرة بنات وأبناء شعبنا. مجموعة فيها الشاعر والمهندس والعامل والناقد والقصاص والمدرس والطبيب والمسرحي والرسام و الحقوقي.  كانوا حقاً من خيرة من أنجبت أرضنا. ولا شك أن وجودهم في المعتقل أسهم في تغيير مسار الأمور. فلو لم يكن محمد حسين نصرالله في المعتقل لما وجد الناس في دائرتي الإنتخابية مترشحاً أفضل منه. بل لقد درسنا بجدية إقتراحاً بترشيحه رغم وجوده في المعتقل على غرار ما يحدث في بلدان أخرى. فوجدنا الإقتراح غير عملي في ظروفنا. إلا أن “قضية المعتقلين” فرضت نفسها على أول جلسة للمجلس الوطني وكادت أن تشّله تماماً لولم تطلق الحكومة سراحهم.

بعد عام من حل المجلس في صيف 1975 شارك محمد حسين في أحد مؤتمرات منظمة التضامن الأفروآسيوية. ونجح في إقناع ممثلي ما يقرب من مئتيْ منظمة دولية بتخصيص يوم للتضامن مع شعب البحرين إسوة بأيام التضامن المخصصة لشعوب مناضلة أخرى. وتكرَّس اليومُ في الأجندة الدولية بعد ذلك بقرار مماثل إتخذه مؤتمر مجلس السلم العالمي.

 لا يُلام أحدٌ من بنات وأبناء هذا الجيل إن لم يتوقف عند المعنى التاريخي لإنتخابات العام  1973.[3] ولا يلأم أحدٌ أن لم يعرف مغزى تخصيص يوم للتضامن مع شعبنا في أجندة المنظمات العالمية الفاعلة آنذاك. ولهذا يقع على عاتقنا واجب التذكير بالمحطات البارزة في تاريخنا الوطني علاوة على إشهار الجهود “المجهولة” وغير المجهولة التي ساهمت في صنع ذلك التاريخ. بل أن من الواجب التأكيد على أهمية تأريخ الجهود الكبيرة والصغيرة الذي بذلها عشرات الأشخاص “المجهولين” أوالمُغَّيبين عن ذاكرة الوطن. وهذا موضوع مهم لا بد وأن تتولاه اللجان التي سمعنا ضجيجاً كثيراً عن تأسيسها من قبل عدة جهات لتدوين تاريخ الحركة الوطنية. وتزداد أهمية هذه المهمة وإلحاحها في ضوء تحذيرٍ أطلقه أخونا فاضل الحليبي[4] من  “شخصٍ”  لا يسميه  “يقدم خدمة كبيرة ومجانية اليوم في تشويه ذلك التاريخ عبر صفحات الجرائد والإنترنت، ويحقق الهدف الذي عجزت عن تحقيقه أجهزة الأمن المتعاقبة على مدار خمسة وخمسين عاما”.

______________________________________________________

[1]

أحمد البوسطة, “7 ديسمبر الـتاريخي” , الوقت, 7 ديسمبر/كانون أول 2008

[2]

أنظر  منصور الجمري, “حديث الذكريات للشخصية الوطنية المعروفة المناضل الأستاذ علي عبدالله دويغر عضو المنبر الديمقراطي التقدمي” , الوسط, 19 سبتمبر/أيلول 2003

[3]

أنظر كتاب علي قاسم ربيعة «التجربة الدستورية في البحرين – التجربة الموءودة»، مسودة تحت الطبع.

[4]

أنظر مقال فاضل الحليبي ” لكي لا يشوه التاريخ”, في موقع المنبر التقدمي على الرابط

http://www.altaqadomi.com/ar-BH/ViewArticle/6/934/Articles.aspx

Advertisements

انتحار العمال الأجانب في دول الخليج العربي

KSAworkersفي بداية هذا الشهر، أيلول/سبتمبر، أعلنت «جمعية حماية العمال الوافدين»، وهي إحدى المنظمات غير الحكومية العاملة في البحرين،عن ارتفاع عدد حالات انتحار العمال الأجانب إلى 60 حالة خلال العام الجاري. ولا يتضمّن هذا الرقم محاولات الانتحار الفاشلة أوالتي تُحتسب تحت بنديْ الحوادث المرورية أو إصابات العمل. ورجّحت الناطقة باسم الجمعية ارتباط تزايد حالات الانتحار في هذا العام بسوء الظروف المادية التي نتجت عن استغناء عدد من أرباب الأعمال عن العمال الأجانب، «نتيجة تأثير الأحداث التي تشهدها البحرين على الوضع الاقتصادي فيها بصورة عامة، ناهيك عن الأسباب الشخصية الأخرى التي قد تقود العامل إلى الانتحار».

ظاهرة خليجية

لا تنحصر ظاهرة انتحار العمال الأجانب في البحرين وحدها، بل هي ملحوظة ويتزايد ضحاياها في جميع بلدان الخليج العربية. فلا تكاد تخلو صفحات الجرائد اليومية في هذه البلدان من خبر يومي يخصها. ورغم عدم توافر الإحصائيات الرسمية، ورغم إن الأرقام المتوفرة لا تشمل الحالات التي لا يتم تسجيلها او التي تُحتسب تحت تسميات أخرى، فلا يمكن تجاهل الظاهرة التي تختفي تحت بريق الأضواء الساطعة في مدن الخليج. لا تتشابه سير حياة الأفراد الذين يُضطرون إلى الانتحار. فلكل منهم قصص تختلف تفاصيلها عن غيرها. ولهذا لا يمكن حصر الظروف والعوامل الموثرة في هذه الظاهرة من دون دراسات جادة. يتطلب القيام بمثل هذه الدراسات تنسيق جهود أكاديمية من بلدان الخليج ومن البلدان المصدّرة لليد العاملة. ولكنها قبل ذلك تتطلب موافقة الجهات المسؤولة في بلدان الخليج، واعترافها بخطورة الأمر، رغم أن ضحاياها هم في أسفل الهرم الاجتماعي.

سلطات غير مسؤولة

لقد تغيرت هذه البلدان كثيراً خلال العقود الأربعة التي تلت الطفرة النفطية في السبعينيات. ولعل أبرز ملامح هذا التغيير يتمثل في ناحيتين، أولاهما هي النقلة الهائلة في نمو بلدان المنطقة وتطوير البنى التحتية فيها. أما الثانية فتتمثل في تغيير التركيبة السكانية في جميع بلدان المنطقة التي أصبح أكثر من نصف سكانها من العمالة الوافدة. إلا أن لهذه التغيّرات، وما تولد عنها، ثمن يدفع بعضه العمال المهاجرون.
تتعامل السياسة الرسمية مع محاولة الانتحار باعتبارها سلوكاً منحرفاً ومخالفاً للقوانين المرعية وليس باعتبارها صرخة استغاثة من إنسان فقد القدرة على الوصول إلى مخرج مما هو فيه. ولهذا تعامل الأجهزة المعنية مَن يفشل في محاولته كمجرم، فتودعه في مركز توقيف. وبعد فترة قد تطول أو تقصر من التوقيف، يُحال المسكين إلى المحكمة التي عادة ما تصدر عليه حكماً بالتسفير خارج البلاد، علاوة على الغرامة أو السجن. وبطبيعة الحال لا يلقى من يُودع مركز التوقيف أو يُحكم عليه بالسجن الرعاية والعلاج النفسي اللازميْن، فتتفاقم الأسباب التي دفعته أصلاً لتلك المحاولة اليائسة. ولهذا يكرر بعض الموقوفين محاولاتهم وهم في عهدة الشرطة. ولهذا أيضاً نرى عبر تقارير صحافية أن الخوف من هذا المصير ربما دفع كثيرين في السنوات الأخيرة إلى اختيار وسائل للانتحار لا تحتمل الفشل!

وإعلام متواطئ

تساهم التغطيات الإعلامية في تهميش الظاهرة والعوامل المؤثرة فيها، بقول أن أهم أسباب الانتحار هو «ضعف الوازع الديني». ولقد لاحظتْ تقارير لمنظمات غير حكومية معنية برصد معاناة العمال الأجانب، أن التقارير الإعلامية لا تتعرض لدور الأوضاع المزرية التي يعيشها أغلبهم في دفع بعضهم نحو محاولة الانتحار. بل يمكن ملاحظة لجوء الصحافة إلى الإثارة الخبرية واستخدام ترسانة المفردات العنصرية، علاوة على تركيزها على «خلل ما» في شخصية الضحية. تتلاءم هذه المعالجات الإعلامية لظاهرة الانتحار مع اتجاه «شيطنة» العمالة الأجنبية في الخليج. وهو اتجاه تستطيبه السلطات الحاكمة، بمبالغته في تصوير «أخطار» العمالة الآسيوية على عادات بلدان الخليج وتقاليدها وثقافتها.

حلقة الفقر المفرغة

حين ينهي العامل المهاجر حياته في مدينة من مدن الخليج لا تنتهي مأساته التي بدأ آخر فصولها حين قرّر أن يبحث عن عمل له في أحد بلدان المنطقة. فمأساة غالبية الفقراء الوافدين تبدأ عادة بالسعي لتوفير المال اللازم للهجرة نحو الخليج. يغطي المال المطلوب مصاريف استخراج جواز السفر والشهادات الصحية اللازمة، بما فيها رشوة محسوبة لموظفي الأجهزة المعنية، وعمولة وكيل توريد العمال لضمان الحصول على تأشيرة عمل. وفوق ذلك تأتي كلفة تذكرة السفر نفسها. تختلف كمية المال اللازم لوصول العامل من بلده للعمل في الخليج بحسب ظروف عدة. ولهذا فمن الصعب التعميم. إلا أن إحدى الدراسات الميدانية الأخيرة تشير إلى أن العامل من بنغلاديش يدفع حوالي 2700 دولار للوصول إلى الخليج بهدف العمل، (وهو مبلغ يعادل متوسط الأجر الذي سيحصل عليه ذلك لفترة تتراوح بين 15 و18 شهراً). فإذا أضفنا ما سيحتاجه ذلك العامل لمصاريف سكنه وإقامته في المدينة الخليجية، نكتشف أنه سيحتاج إلى أكثر من سنتين لسداد ديونه.

الهجرة إلى الخليج كاستثمار جماعي

يأتي أغلب المهاجرين إلى بلدان الخليج من أحزمة الفقر في بلدان شبه القارة الهندية وجنوب شرقي آسيا. ففي بنغلاديش، حيث لا يزيد الحد الأدنى للأجور عن 35 دولاراً، وحيث يعيش ثلث السكان فيها تحت خط الفقر، لا يتمكن العامل من توفير المبلع اللازم لحصوله على فرصة عمل في الخليج من دون مساعدة آخرين. يجمع أغلب المهاجرين المال اللازم عن طريق بيع ما يمتلكون أو الاستدانة من الأهل والأقارب، فيما يصبح مشروع استثمار جماعي يتشارك فيه أفراد عديدون. وكثيراً ما يستلزم الأمر الاستدانة من المرابين مقابل نسب فوائد عالية.
حين يصل العمال المهاجرون إلى دبي أو الدوحة أو غيرهما، يأتون ومعهم احلامهم وأحلام عوائلهم وبقية أقاربهم بقرب انتشالهم من حلقة الفقر المفرغة. إلا أن كثيراً من المهاجرين سرعان ما يكتشفون أن الخليج ليس باب الجنة. بعضهم يكتشف أن العمل الموعود كان خدعة وأن عليه أن يعرض عضلاته في سوق العمل منافساً آلافاً غيره من العمال الأجانب الذين يبحثون عن العمل على مفارق الطرق. وبعضهم سيكتشف أنه لن يحصل على أكثر من نصف الأجر المتفق عليه، مما سيضطره للعمل أوقات إضافية أو البحث عن عمل موازٍ. وبعضهم سيكتشف أن صاحب العمل كثيراً ما يتحايل في احتساب أجور عماله أو أنه يتأخر في دفعها لأشهر، بل وقد يعلن إفلاسه قبل دفعها.

إنتحار الحداد ماسوباثي ماريبان

من بين من انتحروا في العام الماضي ماسوباثي ماريبان وهو عاملٌ قدم إلى البحرين من ولاية تاميل نادو في جنوب الهند. تحوي قصته بعض ملامح حلقة الفقر المفرغة التي تستنزف أرواح العمال الوافدين للعمل في الخليج. وهي حلقة تتشابك فيها عوامل ما قبل الهجرة مع عوامل ما بعدها. اشتغل ماسوباثي ماريبان حداداً في شركة مقاولات كبرى يرتبط مالكها بعلاقة تجارية مع رئيس الوزراء البحريني. إلا إن الشركة أخلّت باتفاقها معه ومع زملائه، وخفضت أجرهم الشهري إلى 45 ديناراً (حوالي 120 دولاراً) بدلاً من الأجر الشهري المتفق عليها (100 دينار أو ما يعادل 265 دولاراً) . وبعد محاولات عدة تدخلت فيها السفارة الهندية ووزارة العمل، لم يحصل العمال على حقوقهم فأعلنوا التوقف عن العمل. عندها قامت شركة المقاولات برفع قضية ضد العمال المضربين. فحكمت المحكمة لمصلحة الشركة وقضت بتغريم العمال مبالغ لتعويض الشركة عن الخسائر التي لحقت بها. وتراوحت الغرامات بين 400 و600 دينار (1060- 1590 دولاراً). وحسب الأصول المرعية، صدر قرار بمنع العمال من السفر خارج البحرين قبل دفع الغرامات المفروضة عليهم.

وجد الحدّاد ماسوباثي ماريبان، وأكثر من مئة عامل هندي من زملائه، أنفسهم عاطلين عن العمل وممنوعين من العمل لدى أي صاحب عمل آخر إلا بموافقة شركة المقاولات التي تطالبهم بتسديد الغرامات التي فرضتها المحكمة عليهم. وفوق ذلك، فهم ممنوعون من السفر من دون موافقة الشركة التي لم تدفع لهم منذ البداية سوى نصف الأجر المتفق عليه. لم يجد ماسوباثي ماريبان مخرجاً مما هو فيه سوى الانتحار. وهو كان لم يكمل عامه الثالث والثلاثين

مقال منشولا في السفير العربي  بتاريخ 19 سبتمبر/أيلول 2013

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1209&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

.

مصاحف مخيّم الزعتري وصناعة الملك المؤمن

MosquesDemolitionCartoon

في العاشر من آب/أغسطس الماضي، أعلنت «جمعية رعاية المصحف الشريف»، وهي إحدى الجمعيات الدينية العاملة في البحرين، عن قيامها بالتعاون مع هيئة شؤون الإعلام الرسمية، التي يرأسها أحد أفراد العائلة الحاكمة، بشحن 50 ألف مصحف لتوزيعها على اللاجئين السوريين في المخيمات الأردنية. بعد أقل من أسبوعين من بدء توزيع المصاحف في مخيم الزعتري، شمالي عمّان، قررت السلطات الأردنية سحب النسخ التي تم توزيعها بسبب وجود تحريف وتبديل في أماكن بعض السور القرآنية. رغم أن الأخطاء الطباعية والفنية أمور اعتيادية في عالم الطباعة والنشر، إلا أن ثمة حساسية خاصة حين تصيب الكتب المقدسة على أنواعها. بعدها، سارعت السلطات البحرينية إلى نفي علاقتها بالمصاحف المحرَّفة في مخيم الزعتري التي «تتحمَّل المسؤولية عنها الجهات التي قامت بتوزيعها».

الحرج الرسمي
يعود الحرج الرسمي من سحب المصاحف من مخيم الزعتري إلى سببيْن، أولهما أن الخمسين ألف نسخة من المصحف التي شُحنت إلى مخيم الزعتري تشكل جزءاً من «مشروع مصحف الشام»، الذي تتولاه البحرين ويهدف إلى طباعة مليون نسخة من القرآن الكريم للتوزيع في مخيمات اللاجئين السوريين في دول الجوار، وعلى المساجد في سوريا بعد إعادة إعمارها. وهذا المشروع بدوره هو جزءٌ من آخر أكبر تتعهده جمعيات دينية في البحرين برعاية الديوان الملكي، لطباعة وتوزيع «عشرة ملايين مصحف ستهديها البحرين إلى العالم»، بالإضافة إلى مليونيْ مصحف للتوزيع في أفريقيا وحدها. أما السبب الثاني للحرج الرسمي في البحرين فيرتبط بالخشية من أن تلحق تهمة التحريف بـ «مصحف البحرين» الذي تم تدشينه في ليلة القدر في شهر رمضان الماضي، والذي استغرق إعداده وتدقيقه سنوات عدة، منها أكثر من عام ونصف العام على أيدي «لجنة علمية رفيعة مكونة من أربعة عشر عضواً من مختلف دول العالم الإسلامي». وهو مصحفٌ يفاخر الديوان الملكي بإعلان أن الملك تابع شخصياً جميع مراحل إعداده حتى يكون فريداً عن غيره من المصاحف الوطنية.

التديّن في حدود الحاجة
لم يُعرف عن ملك البحرين تدينه، أو اهتماماً خاصاً بالمشاركة في الطقوس الدينية. وفيما عدا نقل مشاركته في صلاتيْ عيديْ الفطر والأضحى في مسجد بمدينة الرفاع الغربي، المخصصة لسكن أفراد العائلة الحاكمة، لم يكن الإعلام الرسمي يبذل جهداً لإبرازه في صورة حاكم متدين. ولهذا لم يكن مستغرباً ألا يعير اهتماماً لشكاوى المواطنين في المناطق من انتهاكات مقدساتهم الدينية. ولا إلى الاتهامات التي توجهها أطراف المعارضة حول قيام قوى أجهزة الأمن البحرينية بالتعاون مع القوات السعودية بتدميرأكثر من ثلاثين مسجداً وحسينية إبان الحملة الأمنية في ربيع 2011. إلا أن ذلك لا يعني إنه لم يعمل على استرضاء المتدينين، متشددين أو معتدلين، في أمور شكلية كحين أصدر أوامره في 2003 بالسماح للنساء المنقبات بقيادة السيارات، أو حين ألغى في 2008 قرارات كانت تمنع المنتسبين إلى القوات العسكرية والأمنية من إطلاق لحاهم. علاوة على ذلك، فلقد كان الديوان الملكي يتولى توزيع الذبائح وأكياس الرز على الحسينيات الشيعية في موسم عاشوراء من كل سنة (وهي عادة توقفت جزئياً بعد احتجاجات دوار اللؤلؤة في2011).
بهذا السلوك المتوازن، حافظ الملك البحريني منذ توليه الحكم في 1999 على تقاليد استنها أسلافه. فتوزيع الذبائح على الحسينيات الشيعية أو السماح للمنقبات بقيادة السيارات تسترضي رجال الدين ولكنها لا تنتقص من سمعة البحرين «الليبرالية» في نظر المقيمين الأجانب أو السائحين. فهؤلاء يرون ليس بعيداً عن المساجد والحسينيات كنائس متعددة للمسيحيين، وكنيساً لليهود، ومعابد للهندوس وأتباع ديانات أخرى مقيمين في البحرين، أو يأتونها لأداء مناسك دياناتهم.
على الجانب الآخر من كل هذا، يتم الاهتمام بتكريس دور البحرين كمركز لتقديم الخدمات على أنواعها. وتشكل السياحة الجنسية والخدمات المرتبطة بها جزءاً أساسياً من المميزات التي تنافس البحرين بها جاراتها الخليجيات لاجتذاب الاستثمارات الأجنبية. ويستفيد من هذه الخدمات أيضاً أكثر من أربعة آلاف من العسكريين الأميركيين العاملين في مقر قيادة الأسطول الخامس في البحرين، أو على متن سفن الأسطول الأميركي التي تجوب مياه الخليج العربي. كما يستفيد من الخدمات السياحية على أنواعها أكثر من مئة ألف شخص، ممن يعبرون الجسر الفاصل بين البحرين والسعودية في يوميْ الإجازة الأسبوعية. فرغم ما أصاب المناطق البحرية والزراعية والمواقع الأثرية من تدمير بسبب سوء التخطيط، واستيلاء المتنفّذين في العائلة الحاكمة على أغلب السواحل البحرية، ظلت البحرين تجتذب الزوار. ففيها يمكن لمن يشاء ارتياد البارات والملاهي الليلية على مختلف المستويات والسكن في الشقق المفروشة والفنادق. وتعوَّد أصحاب الفئات الدنيا من الملاهي والفنادق التي تجتذب الزبائن، بتنويع ما لديهم من ضحايا التجارة في البشر.

الحفاظ على التوازن

يحتجّ المتديّنون من أنصار الملك ومعارضيه بين الحين والآخر على تحويل البحرين إلى «ماخور ومبغى». ويسمع المصلون في الجوامع خطباءً تعينهم وزارة العدل ينددون فيها بما يعتبرونه منكرات ومخازي تحدث في البلاد تحت عنوان السياحة. وقد اعتاد أصحاب الفنادق والملاهي الليلية، متدنية المستوى، على الحملات الدورية التي يشنها مفتشون حكوميون التي تنتهي عادة بإغلاق ملهى أو فندق، وتسفير عدد من العاملات فيها. إلا إن الأمور تبقى على ما هي عليه. فلدى الملك ترسانة من الإجراءات التي اختبرها قبله والده وجده، يستطيع استدعاء بعضها فيسكت المتذمرون خوفاً أو طمعاً. ومن بين هذه الإجراءات دخول الديوان الملكي شريكاً في رعاية نشاط ديني في البحرين أو خارجها. ولهذا لم يكن مستغرباً أن يرعى الديوان الملكي قيام «جمعية رعاية المصحف الشريف» بتوزيع المصاحف في مخيم الزعتري وفي بلدان عربية وأفريقية. فرئيس الجمعية هو أحد أبرز الداعين إلى تجنيد المتطوعين البحرينيين للمشاركة في الجهاد في سوريا، وهو في الوقت نفسه أحد أكثر المشايخ السلفيين انتقاداً لسماح السلطات في البحرين بوجود الكنائس وغيرها من دور العبادة لغير المسلمين.

شخصية العام في خدمة الإسلام

جاء خبر سحب المصاحف المحرّفة من أيدي سكان مخيم الزعتري في ظرف لا يناسب طموح ملك البحرين بتغيير صورته. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تسارع الجهات الرسمية في البحرين إلى إلقاء اللوم على الجمعية الدينية وحدها. ولم يكن مستغرباً أيضاً ألا تحتج تلك الجمعية على ذلك. فلقد خطا الملك في الأشهر الماضية خطوات مهمة لتقديم صورته كملك مؤمن، ولتجاوز الاتهامات التي تكيلها له قوى المعارضة حول هدم المساجد وانتهاك المقدسات، أو التي يوجهها المتدينون له حول انتشار الفساد الأخلاقي في البلاد. ففي تموز/يوليو الماضي، أعلنت الهيئة العالمية لتحفيظ القرآن الكريم في السعودية عن اختيار ملك البحرين «شخصية العام»، تقديراً لجهوده في خدمة الإسلام والمسلمين. وعددت لجنة الجائزة جهوده التي شملت إنشاء قناتين، تلفزيونية وإذاعية، مخصّصتيْن بالقرآن الكريم، علاوة على رعايته لمسابقات التجويد الدولية. وبسبب متابعته الشخصية، كما يشير بيانٌ رسمي، أصبحت البحرين، حسب بيانٍ رسمي، «طرفاً أساسياً في المحافل الدولية والمسابقات العالمية في مجال القرآن الكريم، تنافس على المراكز الأولى وتحصدها بفضل الله». هذه الانجازات قد تبرر لملك البحرين أن يحمل توصيفاً دينياً معتبراً، وإن لم يكن في مستوى «أمير المؤمنين» أو «خادم الحرميْن» كما هو حال قرينيْه في المغرب والسعودية.

+++++

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 5سبتمبر /أيلول 2013

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1174&refsite=twitter&reftype=sharebutton&refzone=tweet