مجرد ملاحظة بعد إستئناف جلسات الحوار

بإستئناف جلسات الحوار يؤكد الطرفان , السلطة الخليفية والمعارضة الرسمية, إنهما توأمان سياميان. فرغم كل ما حدث منذ 14 فبراير 2011 وخاصة بعد 15 مارس من ذلك العام بعد دخول القوات السعودية لقمع إنتفاضة الدوار  يعرف الطرفان أن لا مخرج لأحدهما من حالة المراوحة إلا بمساعدة الأخر

 

مازلتُ على إقتناعي بأن الطرفيْن يتجهان, طال الحوار أوقصر, إلى إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل إندلاع انتفاضة دوار اللؤلؤة.   لهذا علينا متابعة  آلية إعلان ذلك وكيف ستصيغ المعارضة الرسمية الشعارات التي سترفعها رموزها  وهي تطالب بالعودة إلى 13 فبراير 2011

Advertisements

Augmented Society – Krisen i Egypten

Abdulhadi Khalaf är lektor i sociologi vid Lunds universitet bland annat med inriktning på demokratiseringsprocesser i Mellanöstern och Nordafrika, sociala rörelser och motståndsformer. Här berättar han om hur filmerna After the battle (2012) och Heya Fawda/Chaos, This is kan ge en djupare förståelse för vad som händer i Egypten just nu.

Det är en besvikelse att se hur egyptisk film har drabbats hårt av det som hänt sedan januari 2011. I det politiska kaos som uppstod har filmmakarnas avvaktande position varit tydlig, och det har funnits en oro för vad läget skulle innebära för kulturen – särskilt med tanke på att vissa skådespelare och kulturarbetare åtalats/dömts för att ha drivit med islam och på ett eller annat sätt skändat symboler.

Samtidigt har filmen också förlorat investerare från GCC-länderna (Samarbetsrådet för de arabiska staterna vid Persiska viken/Gulf Cooperation Council), särskilt från Saudiarabien, Kuwait och Förenade Arabemiraten. I stället har det satsats stort på såpoperor, marknaden har exploderat och de som medverkar i såporna är kända skådespelare och stora namn. De har helt enkelt blivit en säkrare investering, och filmen har lidit.

Men läget har också inneburit flera dokumentärer som tar upp olika aspekter av revolutionen eller de politiska och sociala förändringar som pågår i Egypten, många av dem i kortfilmsformat. När man söker på YouTube dyker en mängd sådana upp. Korta filmer är billigare, och det är ett sätt för filmmakarna och kulturarbetarna i Egypten att gå runt bristen på pengar.

En av de långa spelfilmer som jag skulle rekommendera för att belysa vad som händer just nu är After the battle, som kom 2012. Den tar upp något mycket intressant och något mycket kontroversiellt, nämligen bakgrunden till händelsen när en grupp kameldrivare red in på Tahrirtorget och attackerade de protesterande. De var arga över hur de förlorat möjligheten att försörja sig i och med revolutionen och den uteblivna turismen. De blev mobiliserade av Mubarak-regimen för att attackera fienden – och fienden var människorna på Tahrirtorget. Drabbningen blev mycket blodig, flera på båda sidor förlorade sina liv eller blev skadade.

Kameldrivarna var en så marginell grupp, de var människor som var i den absoluta marginalen i det egyptiska samhället, men spelade ändå en väldigt viktig roll för att förändra situationen i Tahrirs berättelse. Deras attack, och drabbningen, avslöjade hur lågt den gamla regimen var beredd att gå.

Regissören Yousry Nasrallah visar att fienden eller motståndaren inte alltid är ond, och genom filmens olika diskussioner och samtal mellan de olika personerna kan man få en bakgrund till de korrupta strukturer som fanns i Egypten, och hur de strukturerna också kan fortsätta att korrumpera nuet.

Vill man gå vidare kan man se till exempel Heya Fawda/Chaos, This is, en film från 2007. Den är gjord av de två regissörerna Youssef Chahine och Khaled Youssef, och diskuterar korruptionen och hur den kan leda till att de små människorna inte kan hitta lösningen på sina små problem. Alla tar för sig, och det finns ingen annan utväg än att krossa strukturen. När den kom såg många den som ett rop på revolution, även om Chahine använder sig av samma trick som många andra egyptiska regissörer, nämligen att attackera polismän – enskilda individer – men inte systemet. På det sättet kom filmen lättare undan censur.

Abdulhadi Khalaf 

Filmer som nämns i detta inlägg:

After the battle, 2012 (IMDb)

Heya Fawda/Chaos, This is, 2007 (IMDb)

 – See more at: http://augmentedsociety.se/?project=abdulhadi-khalaf-krisen-i-egypten#sthash.9smcDR8a.dpuf

إصلاح أسواق العمل في بلدان الخليج العربية التبريد بالقبّعة

من بين أسوأ المناظر التي تختزل حالة حقوق الإنسان في بلدان الخليج العربية هو مشهد عمال البناء وصيانة الطرق وهم يعملون تحت شمس منتصف الظهيرة، حين تصل درجة الحرارة إلى 45 في الظل وتزيد عن 50 درجة في الأماكن المكشوفة. يصبح إجبار العمال على العمل رغم لهب الشمس الحارق مقارباً للحكم عليهم بالموت عاجلاً أو آجلاً. كثيرون يسقطون مغمياً عليهم وقد يؤدي السقوط إلى الموت في حال من يعمل منهم في مواقع بناء مرتفعة أو على السقالات. هي شمس لاهبة في مواقع عمل مكشوفة تحرق أجساداً لا تتحاشاها خوفاً من خصم في الأجر أو الطرد من العمل لذي يليه إلغاء الاقامة.

معاناةٌ صارخة

لا يستطيع العمال المهاجرون رفض العمل في تلك الظروف، رغم معرفتهم بالأخطار المحدقة. ومما يجبرهم على ذلك، السعي لتأمين لقمة العيش لعوائلهم التي تركوها في بلدانهم، وكذلك تسديد المبالغ التي استدانوها لتأمين حصولهم على تأشيرة عمل في الخليج. من جهتهم، يتنافس المقاولون، وخاصة الصغار منهم الذين يتزاحمون على أداء المقاولات الصغيرة لحساب إحدى شركات المقاولات الكبرى، على إتمام أعمالهم في أقصر وقت ممكن بهدف خفض الكلفة.
لا تنحصر معاناة العمالة الأجنبية في بلدان الخليج في إجبارها على العمل تحت لهيب شمس الصيف شبه الاستوائي واضطرارها عليه. فذلك هو الجزء المنظور الذي نراه بأعيننا كل يوم، لا تخفيه جدران البيوت، مثل العنف الجسدي ضد الخادمات واستغلالهن جنسياً، ولا تستره أروقة المشارح التي تسجل يومياً نهايات حياة عمال مهاجرين انتحروا بعدما ضاقت بهم السبل، ولا هو مدفون في أرشيف القضايا المكدَّسة في المحاكم لعمالٍ يطالبون بأجور لم يستلموها لأشهر أو بتعويضات عن إصابات عمل يتهرب أصحاب الشغل من تسديدها.

وحراكٌ مكتوم

في مقابل هذه المعاناة، تشهد المنطقة إرهاصات حراكٍ جديد يتمثل في التحركات المطلبية التي قام بها العمال المهاجرون في مختلف بلدان المنطقة خلال السنوات العشر الماضية. وهي تحركات لم تتوقف رغم عدم اهتمام وسائل الإعلام بها، ورغم شدة الإجراءات التي تتخذها السلطات المعنية، بما فيها اعتقال قادة تلك التحركات المطلبية وتسفير جماعي للمشاركين فيها. إلا أن ما كان يتسرّب إعلامياً عن تلك الاحتجاجات وأسبابها وأساليب التعاطي معها، أسهم في إبراز صورة أخرى غير تلك الصورة الزاهية التي ترغب حكومات بلدان المنطقة في ترويجها عبر شركات العلاقات العامة. شهدت دبي وأبو ظبي قبل شهريْن إحدى أهم هذه التحركات العمالية. ففي 21 أيار/مايو الماضي، أضرب آلاف العمال الأجانب في الأمارتيْن في «ارابتك» عن العمل للمطالبة بتحسين ظروف عملهم وزيادة أجورهم. وعُرف أن شركة «ارابتك» (التي بنت برج خليفة في دبي وتتولى إنجاز بناء فرع متحف اللوفر في ابو ظبي) توظف حوالى 40 ألف شخص أغلبهم عمال بناء من جنوب آسيا. وتدفع للعامل غير الماهر 245 دولاراً اميركياً شهرياً (900 درهم). إلا أن العمال المضربين اشتكوا من أن الشركة تستقطع 100 دولار اميركي (350 درهماً) مقابل وجبات يومية تقدمها لهم. وكالعادة، تعاطت الأجهزة الأمنية مع المضربين بأساليبها المعتادة فاعتقلت عشرات «المحرِّضين» ثم قامت بتسفيرهم خارج البلاد.

«خصوصية أسواق العمل الخليجية»

طوال أربعة عقود مضت، منذ بدء الطفرة النفطية في 1973، حاججت دول الخليج العربية بما تعتبره «خصوصية» أسواق العمل، وطالبت باستثنائها من الالتزامات التي تفرضها التشريعات الدولية المنظِّمة لحقوق العمالة المهاجرة، بما في ذلك تحسين ظروف العمل وشروطه. وهي محاججة أُعيدت إثارتها في جميع الاجتماعات السنوية الثلاثة والعشرين بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، لاستبعاد تضمين حقوق العمالة المهاجرة في مسودة اتفاقية التجارة الحرة بين الكتلتين الأوروبية والخليجية. إلا أن التغييرات التي شهدها العالم في العقود الأخيرة أضعفت كثيراً من قدرة البلدان الخليجية على الإصرار على المطالبة باحترام خصوصيتها.

حظر العمل وقت الظهيرة

بانضمام سلطنة عمان هذا العام، أصبحت جميع بلدان مجلس التعاون تفرض قرارات تحظر العمل في وقت الظهيرة خلال فصل الصيف. تتراوح فترة الحظر بين خمس ساعات في الكويت، وثلاث ساعات في البلدان الخمسة الأخرى. كما تتراوح مدة الحظر بين أربعة أشهر وشهريْن. لم تحدد قرارات الحظر ماذا يمكن للعمال في أماكن العمل أن يفعلوه خلال ساعات الحظر لتمرير الوقت. ومع ذلك، تشير تقارير صحافية محلية في مختلف بلدان المنطقة إلى ترحيب شعبي بتلك القرارات، علاوة على ما هو متوقع من ترحيب العمال المهاجرين أنفسهم. فلا شك في أن قرارات الحظر، رغم ما فيها من ثغرات واستثناءات، ستخفف جزءاً من معاناتهم. إلا أن هذا الترحيب لا يقلل من حقيقة أن البون شاسع بين إصدار قانون لإصلاح بعض الخلل في سوق العمل، وبين تطبيقه عملياً، وخاصة إذا ما كان المستفيدون منه هم في أسفل السلم الاجتماعي.
تفاخر الأجهزة الحكومية بنشر البيانات الرسمية الدورية عن التزام «99 في المئة» من أصحاب الأعمال بقرارات الحظر، مشيرة في الوقت نفسه إلى تغريم عدد منهم بسبب عدم التزامهم بها. إلا أن الواقع يختلف كثيراً عن تلك الصورة الزاهية. فبالإضافة إلى ما فيها من استثناءات وثغرات، تساهم عوامل عدة في تحويل قرارات حظر العمل وقت الظهيرة إلى إجراءات تهدف إلى تزيين صورة حكومات المنطقة بتأكيد التزامها بالاتفاقيات الدولية المتعلقة بشروط عمل العمالة المهاجرة. تتراوح الغرامة التي تفرضها قرارات الحظر على الشركات المخالفة بين ثلاثة آلاف ريال في السعودية و15 ألف درهم في الإمارات. وهذه غرامة صغيرة يستطيع حتى صغار المقاولين تحملها في مقابل ما يكسبونه من عدم توقيف العمل في مواقعهم يوميا لخمس ساعات أو ثلاث. يعتمد تنفيد تلك القرارات على شكاوى العمال في حال إجبارهم على العمل وقت الظهيرة، وعلى تقارير المفتشين في وزارات العمل بناء على تلك الشكاوى، أو بناء على زياراتهم التفتيشية المفاجئة. يضطر العامل/الضحية إلى الصمت وعدم الشكوى حتى لا يتعرض إلى غضب صاحب العمل، وما يترتب عليه من نتائج كالفصل وإلغاء التأشيرة والطرد من البلاد بلا تعويض. من جهة أخرى، يعلم المقالون أيضاً أن الأجهزة المعنية بمراقبة تطبيق قرارات الحظر لا تستطيع عدة وعديداً أن تقوم بالتفتيش على جميع مواقع العمل. مما يجعل خطر كشف المخالفات ضعيفاً تماماً. ففي الكويت مثلاً، لا يزيد أفراد فريق التفتيش المسؤول عن مراقبة جميع مخالفات قوانين العمل في الإمارة، على ثلاثين مفتشاً ومفتشة. فمهما اجتهد المفتشون وأخلصوا في عملهم، فلن يكون بمقدورهم مراقبة أعمال تزفيت الطرق ومشاريع البناء وغيرها، في جميع أنحاء الكويت في فترة الظهيرة. وتبدو الحال أكثر صعوبة في السعودية التي تعمل فيها أكثر من 23 ألف شركة مصنفة متخصصة في قطاع المقاولات والصيانة.
من جهة أخرى، فلدى الشركات الكبرى والمقاولين المتمرسين القدرة على التحايل على تطبيق القوانين بإعادة جدولة مواعيد العمل، لتبدأ نوبة العمل النهارية بعد صلاة الفجر وتنتهي مع بدء فترة الحظر. كما يتحايل المقاولون المتمرسون والشركات الكبرى على إجراءات التفتيش. فبعض هذه الشركات يملكها كبار أفراد العوائل الحاكمة أو المقربون منها، مما يسهل إنذارها مبكراً عن حملات التفتيش أو يدفع المفتشين إلى تحاشي الوصول إلى مواقع عملها. من جهة أخرى، يلعب الفساد الإداري دوره في تقليل المخالفات المسجلة والمحافظة على نسبة التزام تزيد على «99 في المئة».

التبريد بالقبعة

ما يزال المسؤولون في بلدان الخليج العربية على اقتناعهم بأنهم يستطيعون حل مشاكل بلدانهم إما بتجاهلها والتقليل من أهميتها، أو عبر الحلول الأمنية، أو عبر «حيل إعلامية» تبتدعها لهم شركات الترويج والعلاقات العامة. ومن آخر أمثلة الحيل الإعلامية قيام قسم النفايات في بلدية دبي في الأول من آب/أغسطس بتوزيع «قبعات مبرِّدة تعمل بالطاقة الشمسية على ألفين من عمال النظافة للاحتماء من حرارة الشمس». تناقلت الخبر وسائل إعلام محلية ودولية اعتبر بعضها أن القرار يعبر عن «حضارية دبي وحاكمها». وأشادت تقارير إعلامية بالمعاملة الإنسانية التي يحظى بها العمال المهاجرون في دولة الإمارات. وفي المحصِّلة، غطت الضجة الإعلامية التي تلت توزيع 2000 قبعة تبريد على القمع الذي تعرّض له المضربون من عمال شركة «ارابتك» في دبي وأبو ظبي قبل ثلاثة أشهر.

ورغم أن تأثير هذه الحيلة الإعلامية أو غيرها سيبقى محدوداً ومؤقتاً، إلا أنها تشير إلى أن المسؤولين في بلدان الخليج العربية في حاجة إلى مزيد من الضغط عن طريق تظافر الحركات الاحتجاجية التي يقوم بها العمال الأجانب مع جهود المؤسسات الدولية المعنية بحقوق العمالة المهاجرة، وجهود الجمعيات الإقليمية والمحلية المعنية بحقوق الإنسان

—–

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ  28/8/2013

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=1136&refsite=arabi&reftype=articles&refzone=articles

أخي العزيز الشيخ علي سلمان

أخي العزيز الشيخ علي سلمان

في ذكرى الإستقلال في 14 أغسطس سيخرج في حركة تمرد أعدادٌ مِن مَن سميتهم أبناءك وبناتك وأخوانك وأخواتك

لقد وصَمَت السلطة الخليفية أجدادَهم  حين خرجوا في الخمسينيات بالغوغائية وإستخدام العنف بل وحاكمت قياداتهم بتهمة “تدبير إنقلاب”.    ولقد رمتك شخصياً, عندما كنتَ في عمر من سيخرج في 14 أغسطس . بنفس التهمة فحبستك ثم نفَتكَ وشردتك  وهاهي السلطة نفسها تكررالآن التهمة نفسها ضد أحفاد وحفيدات من خرج في الخمسينيات وضد أبناء وبنات من خرج في التسعينيات.   وهاهي السلطة نفسها تتجهز الآن بمرتزقتها من جنود وقضاة وطبالة إعلام للإستفراد بهم

أثقُ يا أخ علي في صدق ما قلتَ حين سميتهم أبناءك وبناتك وأخوانك وأخواتك لهذا أناشدك ألا تدع أحداً يخذلهم ويتخلى عنهم تحت حجة “إننا لا نضمن سلمية حراكهم”. فإن نجحت السلطة الغاشمة في الإستفراد غداً بأبنائنا وبناتنا وأخواننا وأخواتنا  فهي لن تكتفي بهم

 بمودة

عبدالهادي خلف

حـين يصبــح القـانـونُ حمــاراً (مقالٌ قديم)ا

 في آخر هذه المجموعة من المقالات أستميح قارئ وقارئة هذه الصفحة أن أكرر إشارتي لعبارة «القانون حُمَار» المشهورة في اللغة الإنجليزية. وهي عبارة تُذكر كلما لجأت السلطة إلى أحد القوانين البالية أو المتعسفة أو المنافية للحس السليم وطالبت الناس باحترام ذلك القانون وما يفرضه عليهم من التزامات. والعبارة تلخص موقفاً يعتبر أن للقانون دوراً رئيساً في الحياة الاجتماعية يتمثل في المساعدة على تحقيق العدالة وإقامة الحق. وحين تعجز نصوص القانون أو تطبيقاته عن القيام بهذا الدور فإنه يصبح مدعاة للسخرية وهدفاً للعصيان. ومعلومٌ أن عبارة «القانون حمار وغبي» شاعت منذ أن استخدمها الروائي تشارلز ديكينز في رواية «أوليفر تويست» لا تصف الأحوال القانونية في إنجلترا وحدها. بل هي تترجم مشاعر الكثيرين في مختلف أنحاء المعمورة ممن تتعرض حياتهم ومصالحهم لأحكام قوانين بالية أو لتفسيرات وتطبيقات متعسفة لقوانين لا تتلاءم مع ما شهده ويشهده المجتمع من حراك وما يتطلبه ذلك من تأكيد التوافق الاجتماعي على منظومة القوانين السارية.
لا يحتاج أيٌ منا إلى أكثر من الحس السليم لكي نكرر ما قاله ديكينز حتى وإن لم نسمع به. وبطبيعة الحال يستطيع أيٌ منا متابعة الموضوع والتعمق فيه بما لديه أو لديها من أدوات بحث وتدقيق حتى يتأكد من صحة هذه المشاعر التي تلخصها عبارة ديكينز. أقول يتحول القانون إلى حمار بطرق عدة من بين أقربها إلى الذهن أن تعتبره الناس بالياً لا يراعي تطور المجتمع واحتياجاته. أو حين تعتبره الناس قانوناً ظالماً يثبِّت الفوارق في المجتمع بسبب حمايته لامتيازات تتمتع بها جماعة فيه أو تكريسه للتمييز ضد جماعة أخرى. أو حين تطبقه السلطة على فئات من الناس من دون أخرى. والقانون حمار حين يكون بإمكان السلطة أن تفسره بأشكال تتعارض مع الحس السليم وتخالف الحد الأدنى من أسس العدالة والإنصاف المتعارف عليها في المجتمع.
تتعدد الأسباب التي تقود الناس إلى الاقتناع بأن القانون حمار. ويؤسس هذا الاقتناع لمواقف أخلاقية عدة. أما الموقف الأخلاقي الأول فهو الموقف المشهور عن سقراط الذي زاوج بين واجب الفرد في معارضة ممارسات السلطة وواجبه في إطاعة أحكامها. ويتضح من إحدى قراءات هذه المزاوجة أن في عصيان تلك الأحكام هدماً للاستقرار اللازم لخير البلاد والناس. ومعلومٌ أن سقراط حوكم بتهمة أن دروسه أفسدت الشباب في أثينا. ولقد قبل سقراط قرار الحكم بإعدامه، بل ساهم في الإسراع في تنفيذ ذلك الحكم بعد أن رفض اقتراح أحد تلامذته بالهرب أو حتى التأجيل. أقولُ، كان سقراط يرى، فلسفياً، أن القانون الفاسد ليس قانوناً على الإطلاق. وهذه مقولة سيكررها فيما بعد القديس أوغسطين لتضع إحدى لبنات الحداثة في مجال القانون. إلا أن سقراط، من حيث الممارسة، كان يقول أيضاً إن على الفرد طاعة الأحكام حتى ولو كانت تستند إلى قانون فاسد. وأحسبُ أن من بين أصحاب هذا الموقف المزدوج الصحابي أبو ذر الغفاري. فلقد أصر على انتقاده العلني لممارسات السلطة كما استمر في تقبل أحكامها ضده. ففي الشام اتهمه واليها معاوية بإفساد الناس فيها فأعاده إلى المدينة. وفي المدينة استمر على نهجه المعارض رغم محاولات استمالته فقال قولته «لا حاجة لي في دنياكم» التي أسهمت في قرار نفيه إلى الربذة. وفي الحاليْن لم يرفض الغفاري حكم السلطة عليه، وقيلَ ساعد في تنفيذه.
أما الموقف الأخلاقي الثاني فيمكن تلخيصه في أن عصيان القوانين الفاسدة هي مسؤولية أخلاقية كما هو حقٌ طبيعي. ففي عصيان القوانين الفاسدة محاولة استباقية لحماية النفس من مخاطر الإرغام على المشاركة في أعمال ظالمة أو مخالفة للضمير الشخصي. وتتعدد الرموز التاريخية التي رسمت هذا الموقف الأخلاقي بمن فيهم المهاتما غاندي كما لا يخفى. إلا أنني سأكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى بعض أفكار القس مارتن لوثر كينغ التي تضمنتها رسالته الشهيرة باسم «رسالة من سجن بيرمنغهام» التي كتبها في أبريل/نيسان .1963 وتستحق الرسالة أن يقرأها الآن المهتمون بحقوق الإنسان وحكم القانون في كل مكان. ومعلومٌ أن كينغ كتبها من موقع رجل دين للرد على رجال دين آخرين انتقدوا فكرة العصيان المدني واعتبروا حركة الاحتجاج التي كان يدعو إليها دعوة متهورة وسيئة التوقيت وتزيد من حدة الانقسام العرقي في المجتمع الأميركي. شدّد كينغ في تلك الرسالة على «المسؤولية الأخلاقية التي تقع على عاتق الفرد وتلزمه بانتهاك القوانين الظالمة». ومعلومٌ أنه يرى أن هناك نوعيْن من القوانين: «قوانين عادلة» تجب طاعتها و«قوانين ظالمة» يجب عصيانها. ومعلومٌ أيضاً أن القوانين السائدة قبل أربعين سنة في جنوب الولايات المتحدة الأميركية كانت تُشَرْعِن التمييز ضد السود في مختلف المجالات بما فيها الوظائف العامة والتعليم.
أما الموقف الأخلاقي الثالث فهو الأكثر انتشاراً. وهو الموقف الذي يبرر أفعالنا الفردية حين لا نستطيع ممارسة حياتنا الطبيعة من دون مخالفة القانون، بل والسخرية منه والتحايل عليه. ورغم كثرة الأمثلة سأكتفي بمثاليْن قريبيْن لا نكاد نختلف فيهما وحولهما بغض النظر عن خلفياتنا. أولهما هو ما يفعله سائقو وسائقات السيارات في شوارع المنامة أو المحرق بعد أن يعجزوا عن إيجاد مواقف لسياراتهم. ومعلومٌ أن النتيجة هي الفوضى الغالبة على الشوارع في المدينتين. فالقوانين السارية التي تفرض المخالفة بعد الأخرى لا تتناسب مع سوء حال البنى التحتية في البلاد ولا مع مستوى تطور المجتمع، سواء من حيث أعداد السيارات أو أحجامها. ولهذا سيستمر كثيرون في مخالفة القوانين ماداموا لا يجدون حيزاً «شرعياً» لإيقاف سياراتهم ومادامت السلطة تكتفي بأن ترفع عليهم سيف القانون ولا تتيح للناس فرصة طاعته. أما المثال الثاني هو ما تفعله بالناس القوانين والأعراف التي تحكم الإعلام والتي لا تتيح مساءلة مسؤولين ومتنفذين. ولهذا لا يجد كثيرون من أصحاب الرأي سوى الكتابة على الجدران أو التخفي في المدونات والمنتديات الإلكترونية. فالقوانين والأعراف الحاكمة لم تعد تتناسب مع مستوى تطور المجتمع من حيث عدد أصحاب الرأي واتجاهاتهم وجرأتهم. ولهذا سيستمر أصحاب الرأي في مخالفة القانون ماداموا لا يجدون حيزاً «شرعياً» للتعبير عن آرائهم بما فيها انتقاد المسؤولين والمتنفذين ومحاولة مساءلتهم. أقولُ تتعدد الأمثلة وسأكتفي بما ذكرتُ، أي أخفّها.
[1] Paulson, Stanley L., Radbruch on Unjust Laws: Competing Earlier and Later Views?, Oxford Journal of Legal Studies, 1995, 15: 3, pages 489-500

*
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=11034

محمـد طه الشــاذلي (مقالٌ قديم)ا

 

في مثل هذا اليوم قبل سنة نشرتُ في الوقتِ مقالاً[1] تعرضتُ فيه إلى عدم جدوى الحلول الأمنية في إقناع الناس، خصوصا الشباب، بعدم اللجوء إلى الشارع للاحتجاج على ما يعتبرونه ظلماً أو تهميشاً. ولن ترتدع الناس عن ممارسة ما يعتبرونه حقاً من حقوقهم حتى ولو اجتمعت كل أجهزة الإعلام لتكيل الشتائم عليهم بدءا بالإرهاب وانتهاء بادعاء أن احتجاجاتهم غريبة عن ‘’طبيعة وتقاليد’’ البحرين. وأخيراً، وفي تطورٍ يعكس تنامي الوعي البيئي لدى النخبة السياسية في البحرين، رأينا من يلوم المشاركين في الأعمال الاحتجاجية لأن أعمالهم سببت أخطاراً صحية وبيئية بعد أن اُضطرت الشركة المشرفة على جمع القمامة في إحدى القرى إلى سحب جميع الحاويات منها[2].
تصدر من حين إلى آخر دعوات إلى تفعيل دور المجتمع المدني في تجنيد الشباب بهدف انتزاعهم من براثن القوى التي لا تريد بالوطن خيراً كما يقال. ولقد أصبحت هذه الدعوات قاسماً مشتركا في الجهود الإعلامية المبذولة لإرشاد الشباب ‘’المتهور’’ أو الذي في طريقه إلى التهور. ولم يقتصر الأمر هذه المرة على الأقلام المعهودة. فلقد شهدنا انضمام آخرين للفزعة الإعلامية التي استعادت بعض أسوأ ما بُثّ ونُشر في التسعينات.    
ورأينا بعض أصحابنا يستعير من مصر الملكية دعوة ‘’كل مواطن غفير’’ بل ويكاد يطالب بإلزام الأهالي بمساعدة رجال الأمن لحماية قراهم من ‘’الغرباء’’.  
ضمن هذه الفزعة الإعلامية، ازداد التنافس بين شريحة من الإعلاميين في كيل المديح لمواطنين في إحدى القرى، قيل، ولم يثبت، إنهم قاموا بالتصدي لمخربين ومشاغبين غرباء أتوا إلى تلك القرية من ‘’خارجها’’. ولعل كثيرين غيري شاهدوا على الفضائية البحرينية تلك الجلسة التلفزيونية التي تبارى فيها رئيس جمعية يسارية مع ممثلي وزارة الداخلية في إدانة ‘’الغرباء’’ الذين يحولون القرى الآمنة، رغم أهلها، إلى ساحات شغب ومواجهة. ولم يقل لنا أحدٌ متي صار الفتى البلادي غريباً عن السنابس؟ أو من منا اكتفى، منذ الخمسينات، بالتظاهر أمام بيوتنا وفي أحيائنا فقط؟.
جيلٌ بعد جيل وصف الطرف الرسمي وإعلاميوه من يعارضهم بأشنع الأوصاف فلم يرتدع هؤلاء. وجيلٌ بعد جيل تعرض المعارضون، سواءً أكانوا يحتجون في الشوارع أم كانوا يحتجون بأقلامهم وحتى في قلوبهم، إلى الملاحقة والمعاقبة التي تصل إلى حد قطع الأرزاق والأرحام. لم يتوقف الناس عن الاحتجاج حتى مع ارتفاع الثمن الذي يدفعونه وتدفعه عائلاهم. لم توقفهم الاستهانة بهم ولا أهانتهم. ولم يوقفهم الخوف من قطع الرزق أو الاعتقال أو النفي.
ومع ذلك لا تتعلم السلطة إن مواجهة احتجاجات تتطلب أولاً وعاشراً الحاجة إلى التوافق على إزالة معوقات بناء الدولة الدستورية في بلادنا. وإننا أيضاً بحاجة إلى تعاطي وبشجاعة مع العوامل الكامنة في بنية المجتمع التي تولّد عند بعض الناس شعورا بالظلم أو الهامشية وتدفعهم، كلما طفح الكيلُ، إلى الاحتجاج. بعض هذه الاحتجاجات تؤدى إلى تدمير الذات فما بالك بالممتلكات أو البيئة كما اشتكى أخونا حسن مدن.
لهذا، نحتاج إلى التوافق على أن الحلول الترقيعية، كما الحلول الأمنية، لن تفيد، بل قد يتولد عنها تعقيدات إضافية. فلابد من معالجة الأسباب الحقيقية التي تدعو إلى تفجر هذه المواجهات الدورية. فطالما استمر نهج القفزُ على البدايات، كما كتب أخونا غسان الشهابي[3]، واستمر التركيز على انعكاساتها ستبقى البلاد تعاني ما تعانيه. إلا أن بلادنا، كما كتب الشهابي، ‘’لم تعد تتحمل المزيد، فالخيبات في بعضنا بعضاً تتجاوز نفسها في كل مرة..’’.
من بين الشخصيات المهمة التي نعيش معها في رواية ‘’عمارة يعقوبيان’’ هناك طه، ابن محمد الشاذلي بواب العمارة، الذي يحلم منذ طفولته بأن يصبح ضابط شرطة[4]. من أجل هذا الحلم ينكب طه على الدراسة فيحصل على مجموع عالٍ يؤهله لدخول كلية الشرطة. وبسبب مواظبته على التمرينات الرياضية ينجح أيضاً في اختبارات اللياقة البدنية. وبسبب إيمانه ومحافظته على الفرائض نراه واثقاً من أن الله سيحقق أحلامه. يدخل طه امتحان المقابلة فيتم ترسيبه. فليس في الكلية مكان لأمثاله.
نعرفُ أن من بين سكان العمارة من أثنى على أخلاق طه واجتهاده، إلا أنه استدرك مستشهداً بحديث رسول الله (ص) ‘’لا تعلموا أولاد السَفلة’’، مقرراً بجدية ‘’إن مناصب الشرطة والقضاء والمناصب الحساسة عموماً ينبغي أن تقتصر على أولاد الناس، لأن أولاد البوابين والكوائين وأمثالهم لو أخذوا أية سلطة سوف يستعملونها في تعويض بعض مركبات النقص والعقد النفسية التي أصابتهم في نشأتهم الأولى[5]’’.
طه، ذلك الشاب الطموح، الذي حصل على مجموع أكبر من أولاد كثيرين في العمارة، لا يحق له أن يحلم بأن يكون ضابط شرطة، فمكانه معروف مثل كل أولاد الفقراء. لم يكن له الحق في أن يكون شيئاً آخر غير ما هو مقرر لأمثاله، أولاد وبنات ‘’الناس اللي تحت’’. وعليه أن يبذل كل طاقته في كتم ما يشعر به من مهانة وللحفاظ على الحد الأدنى من آدميته في مواجهة ابتذالات الحياة اليومية. فإن هو عبَّر عن غضبه عوقب. والعقاب سيطال أهله أيضاً الذين لم يحسنوا تربيته فلم يرض بنصيبه من فضلات المترفين من سكان العمارة.
طه، ذلك الشاب المليء بحب الحياة نراه يُساق سَوْقاً إلى اليأس نراه فيما بعد يصرخ الله أكبر وهو يغتال ضابط شرطة أشرف على تعذيبه عندما كان موقوفاً. نعم، لقد صُرع طه في تلك المواجهة، إلا إنه وهو يسقط ‘’خُيل إليه أن الألم الرهيب يتلاشى شيئاً فشيئاً وأحس براحة غريبة غامرة تحتويه وتحمله في طياتها..[6]’’. لقد صار الموت بالنسبة إلى طه نجاةً من واقعٍ لم يرحمه.
لستُ أدري كم من طه هنا وهناك، أرجو من الله ألا يكون بين أولادنا وبناتنا من يرى في الموت نجاة من واقعٍ لا يرحم. إلا أنني على يقين بأن بالإمكان تحاشي توليدهم. ليس كما فعل فرعون بتقتيلهم أطفالاً ولا بقتل عزة النفس والآدمية فيهم وهم كبار، بل عبر العودة إلى نقطة البداية، فبلادنا ليست في حاجة إلى طه محمد الشاذلي.

[1] راجع: ‘’ملثمون في ستوكهولم’’، الوقت، 9 مايو/ أيار .2006
[2] راجع : حسن مدن ‘’دعوة الملك’’ – الأيام 24 ابريل/ نيسان .2007
[3] غسان الشهابي ‘’الذهاب الى منابع الصوت لا صداه’’ – الوقت 18 فبراير/ شباط .2007
[4] : علاء الاسواني ‘’عمارة يعقوبيان’’ مكتبة مدبولي، القاهرة، الطبعة الرابعة .2003
[5]، [6] المصدر السابق، الصفحات 29 و.343

 

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=3291

الأعراس الجماعية والتشطير العمودي

 في بداية هذه الملاحظات أود أن أتقدم بالتهاني المتأخرة لأربعمائة وأربعين شاباً وشابة في المنطقة الغربية احتفلوا بزفافهم الجماعي في التاسع من هذا الشهر حين احتضنت قرية كرزكان آلاف المهنئين.
ومعلومٌ أن ذلك الزفاف الجماعي كان نتاج أشهر من التنسيق بين العديد من الجهات الأهلية والرسمية. فلقد حصل منظمو الاحتفال الكبير على مكرمة ملكية بمبلغ ربع مليون دينار لتغطية تكاليف الحفل بالإضافة إلى إعطاء كل عريس منحة مالية. وتعّهدت جمعية ”الوفاق” برعاية الحفل والترتيبات الممهدة له بتنسيق مع المجلس العلمائي وتنفيذاً لشعاره هذا العام: ”التزويج من الشعار إلى التفعيل”. وأشرف على التنظيم النائب حسن سلطان وعلي منصور عضو المجلس البلدي بالتعاون مع الصناديق الخيرية في المنطقة عبر طاقم من المتطوعين بلغ عدده 250 شخصاً.
ولا يفوتني أن أتقدم بالتهاني المُسبقة لأهلنا في سترة التي تستعد هي بدورها لإقامة حفل زفاف جماعي آخر في نهاية هذا الشهر لإعلان دخول 600 شاب وشابة الحياة الزوجية. وحسب أخبار متواترة فإن الاستعدادات مستمرة بين مختلف الجهات الرسمية والأهلية بما فيها نائب ”الوفاق” عن المنطقة وممثليها في مجلسها البلدي ومشايخ المجلس العلمائي لإنجاز هذا الحدث الكبير. ولا يُستبعد أن يتولى الديوان الملكي تمويل هذا الحفل أيضاً وما قد يليه من احتفالات مشابهة.
وهكذا نرى أنه وفي أقل من ثلاثة أسابيع سيكون أكثر من ألف شاب وشابة قد دخلوا مرحلة جديدة من حياتهم بفضل التنسيق بين الديوان الملكي ونواب كتلة الوفاق والمجلس العلمائي إضافة إلى الصناديق الخيرية والمتطوعين من شباب المنطقتيْن. فنتيجة لذلك التنسيق تحققت أحلام شبان وشابات أغلبهم من عائلات فقيرة تحتاج للدعم والمعونة. ولا شك أن عدداً كبيراً من هذه الزيجات كانت ستتأخر فترة أخرى، بل وقد لا تتحقق بالنسبة للبعض لولا أن سخّر الله أهل الخير. فعسى أن تُسْتَكمل هذه الجهود بتوفير سكنٍ لائق لهذه العائلات الجديدة وعملٍ للعاطلين والعاطلات بين الأزواج والزوجات الجدد.
بعد الإشادة بفضلِ أهل الفضلِ وبعد تقديم التهاني للعرسان والعرائس، أستميح الجميع العذر للتذكير بسؤال قديم طرحه أخونا إبراهيم بوصندل في سياق تعليقه على ردود الفعل المتباينة حول مكرمتيْن ملكيتيْن سابقتيْن. تعلقت إحداهما بفواتير استهلاك الكهرباء والتي قيل إن بعض الأغنياء والمتنفذين قد استفادوا أيضاً منها. أما الثانية فتعلقت بقروض منتسبي الدفاع والحرس الوطني والداخلية لأن ذلك الكرم المحمود حسب قوله لم يشمل الجميع. وسؤال بوصندل كان ببساطة: ”هل نحتاج إلى تقنين المكرمات[ صحيفة الوطن البحرينية، 9 فبراير/شباط .2006]”. ا

وللإجابة على هذا السؤال يشير الكاتب إلى اختلاف نظرة الناس إلى المكرمات، فمنهم الفرحان الراضي بها ومنهم الحزين والمتحسر عليها. من الجهة الأخرى، يقول الكاتب، هناك من يرفض المكرمات من حيث المبدأ لأنها ”تعني بشكل غير مباشر أن الحقوق غير معطاة لأهلها، وأن المكرمات إنما جاءت لتسد ثغرات النظام السياسي والإداري،نها في الغالب لا تحقق العدل أو العدالة والمساواة”.
أتعاطفُ مع السؤال الهام الذي طرحه الكاتب/النائب بوصندل وأتعجب من عدم قيامه بطرح السؤال في مجلس النواب خاصة بالنظر لما لكتلته من تأثير ملحوظ فيه. على أية حال فإنني أعيد طرح ذلك السؤال القديم لارتباطه بحفلتيْ الزفاف الجماعي في المنطقتين الغربية والوسطى. فلا شك أن حفلات مشابهة ستلحقهما في مناطق أخرى من البلاد حتى يتحقق التزاحم المطلوب بين الناس وحتى تتحقق عدالة التوزيع بين المناطق والطوائف والتعاضديات

إلى حين نتمكن جميعاً من إنجاز الدولة الدستورية القادرة على توفير الآليات التشريعية والسياسية التي تضمن تساوي مواطنيها، وإلى حين تصبح مؤسسات الدولة و أجهزتها قادرة على التكيف مع الناس ستبقى المكرمات أداة هامة من أدوات الحكم. بل ثمة ما يشير إلى تصاعد أهمية دورها. فمن جهة هناك اقتناع بعجز المجلس النيابي وإخفاقه في القيام بدوريْه التشريعي والرقابي. فرغم الفرقعة الإعلامية التي بدأت بها الجلسة الأولى في ديسمبر/ كانون الأول 2006 ورغم الفرقعة الإعلامية التي انتهت بها آخر جلسة في الأسبوع الماضي لم يتحقق أيٌ من الوعود ولا شيء من الوعيد. ومن جهة ثانية نلاحظ تسارعاً ملحوظاً في تفشي الفقر النسبي في البلاد، بل وهناك دلائل على تبئيس متزايد بين الشرائح الدنيا في الطبقة الوسطى. وفي كل الأحوال تزداد حاجة الناس إلى ما يعينهم على مواجهة ارتفاع كُلَف المعيشة اعتماداً على مكرمات مباشرة أو غير مباشرة عبر ما يتحصّله لهم الوجهاء التقليديين والجدد. ومن جهة ثالثة تتزايد الإمكانات المالية بسبب ارتفاع الموارد الريعية من عوائد النفط وغيرها. وبهذا تتزايد قدرة النظام على استخدام تلك الإمكانيات كأداة لتوزيع الثروة ولإدارة العلاقة التزاحمية بين التعاضديات بما يؤدي إلى إعادة رسم الخريطة السياسية/ الاجتماعية وتحديد مساحتها واللاعبين المؤثرين فيها.
شيئاً فشيئاً يزداد اقتناعي بصحة انطباع تولّد بعد مناقشات جرت في لندن في الصيف الماضي مع إخوة من كتلة الوفاق النيابية. فلقد كان واضحاً قبولهم بتبعات عجزهم عن تحسين الشروط التي يفرضها ميزان القوى السياسي في البلاد ناهيك عن تغييرها. فما لهم بدرْب المرحوم الشيخ عبدالأمير الجمري طالما بإمكانهم استخدام درْب المرحوم الشيخ سليمان المدني. أوَلم يحذرنا الأجداد من أهوال البحر طالما أن رزق الله متوافر على السِيف؟. ولقد رأينا كيف أدى قبولهم بعجزهم إلى خيرٍ كثير استفاد منه أكثر من ألف من العرسان والعرائس الجدد في المنطقتين الغربية والوسطى. لكن ذلك الخير على كثرته ليس هو ما توقعه الناس حين صدّقوا ما قيل لهم عما سيتحقق خلال المشاركة في البرلمان. أو حين تخيلوا ما ستحققه لهم صفقة المقايضة. رَحمَ الله الشيخ سليمان المدني فلقد كان أبعد نظراً من كثيرين ممن يسيرون الآن على دربه. فحتى الذين اختلفوا مع نهجه السياسي، وأنا منهم، يعترفون لأبي طاهر بأنه كان صريحاً مع الناس وصادقاً مع نفسه. وفوق ذلك لم يكن يخاف من قناعاته أو يخفيها تحت ضوضاء الشعارات أو بذرْف الدموع علناً كلما تعرّض للانتقاد.

………

المقال منشور في  الوقت
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=6977