الحوار الوطني في البحرين: جهات تتفلّت من التسوية.. وتعرقلها

بعد أكثر من أربعة أشهر على بدء جلسات الحوار الوطني، لم يتمكن طرفاه الرئيسيان من الاتفاق على المواضيع التي يرغبان في الحوار حولها. فتم تخصيص الجلسة رقم 22 يوم 12 حزيران / يونيو لمتابعة النقاش حول “الثوابت والمبادئ والقيم” التي ستحكم الحوار. ولا يتوقع أحدٌ أن تؤدي الجلسة ولا ما سيليها إلى حدوث اختراق جدي، مما يفسر تصريح أحد المشاركين من أن “أكبر إنجاز حققته جلسات الحوار الوطني حتى الآن هو استمرارها”.

لا خيارات أخرى

لا يملك الطرفان المتحاوران خيارات جدية أخرى. فبعد سنتيْن ونيف على إعلان حالة الطوارئ، ودخول القوات السعودية الى البحرين، يجد الطرفان أن أقل الخيارات كلفة هو إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل بدء انتفاضة دوار اللؤلؤة في منتصف شباط/ فبراير 2011 . فحتى ذلك التاريخ، كانت الأوضاع مؤاتية للطرفيْن بفضل تسوية سياسية أبرز مظاهرها انتخابات برلمانية دورية ومنتظمة، وفَّرت سمعة دولية واستقراراً يجتذبان الاستثمارات الأجنبية. كما أن تلك التسوية وفرت، من جهة أخرى، هامشاً غير مسبوق للحراك السياسي تمكنت من خلاله جمعية الوفاق الإسلامية، كبرى جمعيات المعارضة، من توسيع دورها السياسي والاجتماعي وتوسيع قنوات تواصلها مع جمهورها، مما اتاح لها اكتساح جميع الدوائر التي قدمت فيها مرشحين، في الانتخابات التي جرت في تشرين أول/أكتوبر 2010 . لم يكن الوضع قبل انتفاضة 14 شباط/فبراير 2011 هو أفضل الأوضاع بالنسبة للسلطة أو جمعيات المعارضة الرسمية، لكنه لم يكن سيئاً تماماً (من وجهة  نظر الطرفيْن) ، ولم تكن آفاق تحسينه معدومة (حسبما يتضح من تصرفاتهما حتى 13 فبراير 2011) ا 

الفاعلون المغيَّبون

تتمثل أهم العقبات التي تنتصب أمام العودة إلى التسوية السياسية في الفاعلين السياسيين الذين أسقطوا تلك التسوية في غمار انتفاضة دوار اللؤلؤة. فلقد بدأت تلك الانتفاضة بمبادرات من شبكات وتنظيمات “تحت الأرض” من بينها حركة “الوفاء” وحركة “حق” و”شباب 14 فبراير”. وتمكنت تلك الشبكات والتنظيمات المهمشة من الحفاظ على زخم الحراك الشعبي في مواجهة عنف قوات الأمن، رغم سقوط شهيديْن وعشرات الجرحى في أول يومين من الانتفاضة. لم يتوقع أحدٌ ما حدث، ولكن جمهور جمعيات المعارضة الرسمية وأغلب قياداتها لم يقفوا جانباً، بل انخرطوا في حراك سياسي صاغ تفاصيله مزاجٌ جماهيري حاول أن يتعلم من دروس الانتفاضتيْن التونسية والمصرية.
بعد إعلان حالة الطورئ، ودخول القوات السعودية، تعرضت جميع القوى السياسية المعارضة إلى القمع. وركزت الأجهزة الأمنية بشكل ملحوظ على اعتقال ومحاكمة نشطاء “شباب 14 فبراير”، وقيادات حركتيْ “حق” و”الوفاء”، والشخصيات السياسية الأخرى المتهمة بتشكيل “التحالف من أجل الجمهورية”. وفي المقابل، نشطت جمعية الوفاق وغيرها من الجمعيات المعارضة الرسمية طوال السنتيْن الماضيتيْن لإيضاح عدم واقعية المطالبة بإسقاط النظام. كما أصرت على أهمية التزام الخطاب المعارض بسلطة مركزية تعمل على التوصل إلى تسوية سياسية واقعية، تؤدي إلى إصلاح النظام، وتراعي المعطيات الإقليمية ومصالح الأطراف المحلية. ورغم الجهدان الأمني والسياسي، فيمكن ملاحظة أن جاذبية الخطاب المشكك في النظام وفي استعداده لقبول إصلاحات سياسية جدية تتزايد في اوساط من الشباب الذين تأسس حراك دوار اللؤلؤة على مبادراتهم.

سيف المعز وذهبه

فشل الحل الأمني، إلا أن السلطة لم تتخلَ عنه. فالمعلومات التي تنقلها شبكات المدافعين عن حقوق الإنسان تشير إلى أن السلطة مستمرة في استخدام العنف لمواجهة الاحتجاجات. وسعت أجهزة الأمن إلى حصر المواجهات في مناطق معينة، بحيث لا تؤثر على الحياة اليومية لبقية السكان، ولا على حركة السوق. إلا أن هذا هدف من الصعب تحقيقه أو إدامته في بلد صغير المساحة مثل البحرين، حيث لا تزيد المسافة بين أكثر قراها وعاصمتها على بضعة كيلومترات. فبرغم جهود العزل الأمني في “مناطق المواجهات”، إلا أن آثار الأزمة الأمنية تطال البلاد جميعها. وهذا ما أكده تقرير فريق صندوق النقد الدولي الذي زار البحرين في بداية أيار/مايو الماضي، فأشار إلى أن “استثمارات القطاع الخاص ستبقى ضعيفة في غياب حل سياسي مستدام”.
ما قد يقلق السلطة أكثر، هو أن الاحتجاجات السياسية طوال أكثر من سنتين قد فرضت عليها استثمارات جديدة، ومصروفات إضافية في المجالين الأمني والعسكري. وشملت هذه شراء معدات وأجهزة أمنية، والاستعانة بخبراء ومستشارين، بالإضافة إلى استجلاب المئات من الخارج وتجنيدهم في قوات الشرطة والأمن والحرس الوطني. كما شملت وفي السياق نفسه، زيادة رواتب العاملين من الأجانب في هذه الأجهزة وصرف المكافآت لتشجيعهم على البقاء وتحمل مخاطر المواجهات مع المحتجين. يضاف إلى ذلك الأموال التي يتطلبها “تبييض” وجه السلطة، عبر عشرات مكاتب العلاقات العامة التي تقوم بنشاطها في الإعلام الدولي وفي المحافل المختصة بمواجهة نشطاء حقوق الإنسان. ليست معروفة أكلاف جميع مدخلات الحل الأمني ولا تفاصيلها، إلا أن من المؤكد أنها ساهمت في أن تصل ديون البحرين العامة إلى 11 مليار و800 مليون دولار، منها ثلاثة مليارات دولار واجبة السداد في هذه السنة.

شيء على حساب شيء: الميزانية

رغم الدعم المالي الذي تقدمه بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي، تواجه البحرين صعوبات مالية جدية. فمع استمرار ارتفاع كلفة استخدام السلطة في البحرين لأجهزتها الأمنية في مواجهة المعارضة، تتقلص الأموال المتاحة لإرضاء الموالين لها أو لتهدئة الشارع عبر المكرمات التقليدية للوجهاء والنخب السياسية والاجتماعية أو عبر توفير فرص العمل لمتخرجي المدارس والجامعات، وتوسيع الخدمات الحكومية للمواطنين، وتحسين ظروف معيشتهم، وتمكينهم من مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار. ولقد بدأت نذر هذا الوضع الجديد في المناقشات المطولة للميزانية الأخيرة. فلم تتضمن هذه بنداً برفع رواتب الموظفين تعهد به مسؤولون حكوميون وقادة التنظيمات السياسية الموالية. فلم يحصل 50 ألف موظف حكومي و13 ألف متقاعد على زيادات وعد بداية انها ستكون في حدود 37 في المئة، ثم خُفضت فيما بعد إلى 15 في المئة، وهي وعود اطلقت في سياق حملات تحشيد الولاء. وسيزداد وضع هؤلاء سوءاً حين تنفذ الحكومة البحرينية توصيات صندوق النقد الدولي، وخاصة رفع الدعم الحكومي لأسعار بعض السلع الرئيسة.
… علماً أن بعض مظاهر البذخ في حياة كبار أفراد العائلة الحاكمة لا تخفى على أحد، وكذلك هدر الأموال على المستشارين الأمنيين ومكاتب العلاقات العامة في العواصم الغربية، التي كان أحد مشاريعها المكلفة هو تعهد ملك البحرين قبل شهرين بتمويل سباق سنوي للخيول في حدائق “وندسور” الملكية في بريطانيا!

Advertisements