الحوار الوطني في البحرين: جهات تتفلّت من التسوية.. وتعرقلها

بعد أكثر من أربعة أشهر على بدء جلسات الحوار الوطني، لم يتمكن طرفاه الرئيسيان من الاتفاق على المواضيع التي يرغبان في الحوار حولها. فتم تخصيص الجلسة رقم 22 يوم 12 حزيران / يونيو لمتابعة النقاش حول “الثوابت والمبادئ والقيم” التي ستحكم الحوار. ولا يتوقع أحدٌ أن تؤدي الجلسة ولا ما سيليها إلى حدوث اختراق جدي، مما يفسر تصريح أحد المشاركين من أن “أكبر إنجاز حققته جلسات الحوار الوطني حتى الآن هو استمرارها”.

لا خيارات أخرى

لا يملك الطرفان المتحاوران خيارات جدية أخرى. فبعد سنتيْن ونيف على إعلان حالة الطوارئ، ودخول القوات السعودية الى البحرين، يجد الطرفان أن أقل الخيارات كلفة هو إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل بدء انتفاضة دوار اللؤلؤة في منتصف شباط/ فبراير 2011 . فحتى ذلك التاريخ، كانت الأوضاع مؤاتية للطرفيْن بفضل تسوية سياسية أبرز مظاهرها انتخابات برلمانية دورية ومنتظمة، وفَّرت سمعة دولية واستقراراً يجتذبان الاستثمارات الأجنبية. كما أن تلك التسوية وفرت، من جهة أخرى، هامشاً غير مسبوق للحراك السياسي تمكنت من خلاله جمعية الوفاق الإسلامية، كبرى جمعيات المعارضة، من توسيع دورها السياسي والاجتماعي وتوسيع قنوات تواصلها مع جمهورها، مما اتاح لها اكتساح جميع الدوائر التي قدمت فيها مرشحين، في الانتخابات التي جرت في تشرين أول/أكتوبر 2010 . لم يكن الوضع قبل انتفاضة 14 شباط/فبراير 2011 هو أفضل الأوضاع بالنسبة للسلطة أو جمعيات المعارضة الرسمية، لكنه لم يكن سيئاً تماماً (من وجهة  نظر الطرفيْن) ، ولم تكن آفاق تحسينه معدومة (حسبما يتضح من تصرفاتهما حتى 13 فبراير 2011) ا 

الفاعلون المغيَّبون

تتمثل أهم العقبات التي تنتصب أمام العودة إلى التسوية السياسية في الفاعلين السياسيين الذين أسقطوا تلك التسوية في غمار انتفاضة دوار اللؤلؤة. فلقد بدأت تلك الانتفاضة بمبادرات من شبكات وتنظيمات “تحت الأرض” من بينها حركة “الوفاء” وحركة “حق” و”شباب 14 فبراير”. وتمكنت تلك الشبكات والتنظيمات المهمشة من الحفاظ على زخم الحراك الشعبي في مواجهة عنف قوات الأمن، رغم سقوط شهيديْن وعشرات الجرحى في أول يومين من الانتفاضة. لم يتوقع أحدٌ ما حدث، ولكن جمهور جمعيات المعارضة الرسمية وأغلب قياداتها لم يقفوا جانباً، بل انخرطوا في حراك سياسي صاغ تفاصيله مزاجٌ جماهيري حاول أن يتعلم من دروس الانتفاضتيْن التونسية والمصرية.
بعد إعلان حالة الطورئ، ودخول القوات السعودية، تعرضت جميع القوى السياسية المعارضة إلى القمع. وركزت الأجهزة الأمنية بشكل ملحوظ على اعتقال ومحاكمة نشطاء “شباب 14 فبراير”، وقيادات حركتيْ “حق” و”الوفاء”، والشخصيات السياسية الأخرى المتهمة بتشكيل “التحالف من أجل الجمهورية”. وفي المقابل، نشطت جمعية الوفاق وغيرها من الجمعيات المعارضة الرسمية طوال السنتيْن الماضيتيْن لإيضاح عدم واقعية المطالبة بإسقاط النظام. كما أصرت على أهمية التزام الخطاب المعارض بسلطة مركزية تعمل على التوصل إلى تسوية سياسية واقعية، تؤدي إلى إصلاح النظام، وتراعي المعطيات الإقليمية ومصالح الأطراف المحلية. ورغم الجهدان الأمني والسياسي، فيمكن ملاحظة أن جاذبية الخطاب المشكك في النظام وفي استعداده لقبول إصلاحات سياسية جدية تتزايد في اوساط من الشباب الذين تأسس حراك دوار اللؤلؤة على مبادراتهم.

سيف المعز وذهبه

فشل الحل الأمني، إلا أن السلطة لم تتخلَ عنه. فالمعلومات التي تنقلها شبكات المدافعين عن حقوق الإنسان تشير إلى أن السلطة مستمرة في استخدام العنف لمواجهة الاحتجاجات. وسعت أجهزة الأمن إلى حصر المواجهات في مناطق معينة، بحيث لا تؤثر على الحياة اليومية لبقية السكان، ولا على حركة السوق. إلا أن هذا هدف من الصعب تحقيقه أو إدامته في بلد صغير المساحة مثل البحرين، حيث لا تزيد المسافة بين أكثر قراها وعاصمتها على بضعة كيلومترات. فبرغم جهود العزل الأمني في “مناطق المواجهات”، إلا أن آثار الأزمة الأمنية تطال البلاد جميعها. وهذا ما أكده تقرير فريق صندوق النقد الدولي الذي زار البحرين في بداية أيار/مايو الماضي، فأشار إلى أن “استثمارات القطاع الخاص ستبقى ضعيفة في غياب حل سياسي مستدام”.
ما قد يقلق السلطة أكثر، هو أن الاحتجاجات السياسية طوال أكثر من سنتين قد فرضت عليها استثمارات جديدة، ومصروفات إضافية في المجالين الأمني والعسكري. وشملت هذه شراء معدات وأجهزة أمنية، والاستعانة بخبراء ومستشارين، بالإضافة إلى استجلاب المئات من الخارج وتجنيدهم في قوات الشرطة والأمن والحرس الوطني. كما شملت وفي السياق نفسه، زيادة رواتب العاملين من الأجانب في هذه الأجهزة وصرف المكافآت لتشجيعهم على البقاء وتحمل مخاطر المواجهات مع المحتجين. يضاف إلى ذلك الأموال التي يتطلبها “تبييض” وجه السلطة، عبر عشرات مكاتب العلاقات العامة التي تقوم بنشاطها في الإعلام الدولي وفي المحافل المختصة بمواجهة نشطاء حقوق الإنسان. ليست معروفة أكلاف جميع مدخلات الحل الأمني ولا تفاصيلها، إلا أن من المؤكد أنها ساهمت في أن تصل ديون البحرين العامة إلى 11 مليار و800 مليون دولار، منها ثلاثة مليارات دولار واجبة السداد في هذه السنة.

شيء على حساب شيء: الميزانية

رغم الدعم المالي الذي تقدمه بقية بلدان مجلس التعاون الخليجي، تواجه البحرين صعوبات مالية جدية. فمع استمرار ارتفاع كلفة استخدام السلطة في البحرين لأجهزتها الأمنية في مواجهة المعارضة، تتقلص الأموال المتاحة لإرضاء الموالين لها أو لتهدئة الشارع عبر المكرمات التقليدية للوجهاء والنخب السياسية والاجتماعية أو عبر توفير فرص العمل لمتخرجي المدارس والجامعات، وتوسيع الخدمات الحكومية للمواطنين، وتحسين ظروف معيشتهم، وتمكينهم من مواجهة التضخم وارتفاع الأسعار. ولقد بدأت نذر هذا الوضع الجديد في المناقشات المطولة للميزانية الأخيرة. فلم تتضمن هذه بنداً برفع رواتب الموظفين تعهد به مسؤولون حكوميون وقادة التنظيمات السياسية الموالية. فلم يحصل 50 ألف موظف حكومي و13 ألف متقاعد على زيادات وعد بداية انها ستكون في حدود 37 في المئة، ثم خُفضت فيما بعد إلى 15 في المئة، وهي وعود اطلقت في سياق حملات تحشيد الولاء. وسيزداد وضع هؤلاء سوءاً حين تنفذ الحكومة البحرينية توصيات صندوق النقد الدولي، وخاصة رفع الدعم الحكومي لأسعار بعض السلع الرئيسة.
… علماً أن بعض مظاهر البذخ في حياة كبار أفراد العائلة الحاكمة لا تخفى على أحد، وكذلك هدر الأموال على المستشارين الأمنيين ومكاتب العلاقات العامة في العواصم الغربية، التي كان أحد مشاريعها المكلفة هو تعهد ملك البحرين قبل شهرين بتمويل سباق سنوي للخيول في حدائق “وندسور” الملكية في بريطانيا!

Advertisements

على هامش مجلس 1973

مقال منشور في الوقت بتاريخ 2 أكتوبر 2007

سأبدأ اليوم بتذكير القارئ بأن ما هو متاح للعموم من أرشيف وثائق الخارجية البريطانية المتعلقة بالبحرين لا يحتوي جديداً لا يعرفه المهتمون بمسار التطور السياسي في البلاد. بل إن أغلب ما هو متاح للجمهور من معلومات وتفاصيل لا تفيد الباحث الجاد أكثر من إضافة هامش طريف إلى ما يكتبه.
نجد في الأرشيف تفاصيل ومعلومات هامشية بعضها له طابع شخصي يتعلق بكبار المسؤولين علاوة على المعارضة. وبطبيعة الحال توخيتُ مطالعة الإشارات المتناثرة المتعلقة بي شخصياً وبكتلة الشعب التي كنتُ أنتمي إليها في برلمان .1973 وسأتعرض هنا لمضمون رسالة سرية من السفير روبرت تيش إلى رؤسائه في لندن في 12 فبراير/ شباط 1974[1].
بعد أن يخبر السفير تيش رؤساءه في لندن بقرار إبطال عضويتي في المجلس الوطني يُخبرهم أيضاً بضرورة تعديل قائمة انتماءات النواب البحرينيين ”نحو الأحسن” حسب قوله نتيجة لقيام المحكمة بتعيين شخص آخر في مكاني. إلا أن السفير يضيف مفاجأة لم أتوقعها. فهو ينسب للأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان الخليفة أنه ألمح له بأن إلغاء عضويتي في المجلس الوطني كانت ”عملية مدبّرة” وأنه، أي الأمير الراحل، لم يكن راضياً عن ذلك.
هذه ”المعلومة” ليست جديدة في حد ذاتها. فلقد وصلتنا تسريبات عنها منذ أن فشلت الجهود الحكومية لإقناع كتلة الشعب بالتخلي عن نيتها استصدار قرار من المجلس الوطني يطالب بإطلاق جميع سراح المعتقلين السياسيين. ولقد كان آخر تلك الجهود هو اجتماع ثنائي جمعني بأحد كبار المسؤولين لمدة قاربت الساعة مما تسبّبَ في تأخير انعقاد جلسة العمل الأولى للمجلس الوطني. وكما هو معروف لم يؤدِ اجتماعنا الثنائي إلى تغيير موقف الكتلة. بعد ذلك مباشرة بدأت إجراءات الطعن في صحة عضويتي. وفي ذلك السياق أشارت تسريباتٌ وصلتنا آنذاك إلى وجود اختلاف بين المسؤولين حول جدوى إزاحتي كإشارة تحذير لبقية أعضاء الكتلة. وبطبيعة الحال لم نهتم بتلك التسريبات فلقد كان تقديرنا أن الأطراف المتشددة في الحكومة لن تنجح في استخدام طردي من المجلس لتخويف الآخرين.
أتت ردود الفعل مثلما توقعنا. وأكدت التطورات التالية أن إسقاط عضوية عضو واحد من كتلة الشعب لم يؤدِ إلى تخويف البقية ولم يؤثر في إصرارهم على المضي حسب برنامج العمل المتفق عليه. فكما يعرف المتابعون لم تكن تلك الكتلة ملكاً لشخصٍ أو حتى لتنظيم. من جهة أخرى فلقد انقلب بعض السحر على الساحر. فبسبب صدور قرار المحكمة بطردي في بداية شهر محرّم قام منظمو بعض مواكب العزاء في المنامة وبعض القرى برفع ”الشيلات” المناسبة. ومن تلك الشيلات اشتهرت ”مال ميزان العدالة وفاز بالكرسي عميل/ من بعد سحب الثقة أصبح الكرسي هزيل” وغيرها من الشيلات السياسية التي أصبحت من خمسينات القرن الماضي إحدى المؤشرات على توتر أو استقرار الوضع السياسي في البلاد.
من خلال الرسالة نفسها (12 فبراير/ شباط 1974) نتعرف أيضاً على مقدار رضا السفير عن مجريات الأمور حين يشير إلى هدوء جلسات المجلس الوطني في الثلاثة الأسابيع الأخيرة. ويبدي السفير إعجابه بأن الوزراء قد أصبحوا أكثر قدرة على مواجهة النواب. فمن جهة انشغل النواب بالتنازع فيما بينهم حول تفاصيل اللائحة الداخلية للمجلس. كما أن الحكومة، حسبما يخبرنا السفير، تنوي إشغال النواب بمناقشة ثلاثة قوانين جديدة للصحة العامة والعقوبات الجنائية والعمل. ويكرر السفير إعجابه بهذه الخطة التي ستؤدي إلى إنهاء الستة الأشهر الأولى من عمر المجلس من دون مشكلات.
يسجل السفير إعجابه أيضاً ببعض الوزراء الذين أثبتوا قدرتهم على تفنيد إدعاءات النواب بوجود بطالة عن العمل في البحرين. وهو يؤكد أن الحكومة افحمت النواب حين أكدت بالأرقام أن عدد العاطلين عن العمل في البحرين هو في حدود 300 شخص فقط. ويورد السفير خبراً ذا دلالة عن اجتماعه ببعض الوزراء بعد تلك الجلسة حامية الوطيس التي أصر النواب فيها على وجود أزمة اجتماعية بسبب الأعداد الكبيرة من العاطلين. لسوء الحظ لا يخبرنا السفير عن دواعي ذلك الاجتماع وعما دار فيه. إلا أنه يذكر في سياق رسالته نفسها إنه حثَّ احد الوزراء الذين أبلوا في الدفاع عن إنجازات الحكومة في مجال سوق العمل على استخدام جاذبيته وقدراته الإقناعية على شاشة التلفزيون.
لن تفوت المتابعين ملاحظةُ أن الحكومة ظلت طيلة العقود التالية تنفي وجود البطالة عن العمل بل وظلت تكرر الرقم الذي ذكره وزير العمل آنذاك وردده خلفه الوزير ذو الجاذبية التلفزيونية. ولم يتوانَ المسؤولون عن الاختباء خلف المجازات والاستعارات البلاغية التي تصل إلى حدود القسوة اللفظية حين يُتهمَ العاطلون بأنهم كسالى وأنهم يتظاهرون بالفقر. فالحال الآن، في جوهره، كما كان قبل أكثر من ثلاثين سنة. فمازلنا نرى المسؤول في قمة الرضا عن نفسه حين ينجح في ”إفحام” الناس أو إسكاتهم بدل أن يسعى معهم لمعالجة ما يعانون من مشكلات من جذورها. فكأنما مجرد نفي وجود الظاهرة سيلغي الحاجة لمعالجة أسبابها وإزالة كل انعكاساتها السياسية والاجتماعية. وهكذا هو الحال فيما يخص أمور كثيرة، كبيرة وصغيرة.
لا يملك قارئ تقارير السفير تيش ورسائله قبل أكثر من ثلاثين سنة من التعجب من استمرار الأحوال على ما كانت عليه. على رغم ما حل بالبلاد وأهلها من مصائب طيلة العقود الماضية يستمر السلوك القديم والعقيم. فنحن نرى السلوك نفسه في إصرار الجانب الرسمي على عدم التعاطي الشفاف مع ما يسمى بـ ”التقرير المشهور” على رغم انتشاره بل وعلى رغم وجود نسخة منه في بيت كل المهتمين بالشأن العام. ونحن نرى السلوك نفسه عبر الإصرار على استخدام تعبير ”المتنفذ” في وقت يعرف كل الناس أسم من هو المقصود في كل حالة من الحالات. ومازال بين المسؤولين من يتخيل أننا سنتحول إلى أسرة واحدة تعيش في تبات ونبات بمجرد تحاشي الحديث عن الامتيازات العائلية والطبقية. ومازال بينهم من يتخيل أن نفي التمييز الطائفي ومنع الحديث عنه سيلغي الطائفية وتداعياتها السياسية والأمنية. وربما يجد بعض هؤلاء سفيراً آخرَ لدولة عظمى أخرى يقوم بتهنئتهم على نجاحهم في ”إفحام” المعارضين على غرار ما فعل السفير البريطاني روبرت تيش قبل أكثر من ثلاثين سنة.

الهوامش:
[1] رسالة سرية موجهة الى بي.آر.اتش. رايت، مكتب الشرق الاوسط، وزارة الخارجية البريطانية، لندن بتاريخ 12 فبراير/ شباط .1974

متى حُلَّ مجلس 1973؟

مقال منشور في الوقت بتاريخ 11 أكتوبر 2007

لوْ كانت هذه مسابقة رمضانية فلن يحصل على جائزة مَن يقول 26 أغسطس/ آب  1975.   فسؤالي لا يتعلق بتاريخ إعلان قرار حلّ المجلس، بل بتاريخ اتخاذ ذلك القرار. صحيحٌ أنه في 26 أغسطس/ آب 1975 استخدم الأمير الراحل المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان سلطاته الدستورية فأصدر المرسوم رقم 14 للعام 1975 معلناً حل المجلس الوطني المنتخب قبل أن يكمل العام الثاني من حياته.

ولقد تبع ذلك المرسوم أوامر أميرية وإجراءات[1] أوقفت العمل بعدد من مواد الدستور بما فيها تلك التي تنص على انتخاب مجلس بديل خلال مدة شهرين من استخدام الأمير حقه الدستوري. لدي اقتناع يزداد رسوخاً بأن قرار حل المجلس صدر لحظة صدور نتائج الانتخابات البرلمانية في السابع من ديسمبر/ كانون الأول .1973

لقد صدمت تلك النتائج كثيرين ممن كانوا يعتمدون على معلومات الأجهزة الأمنية، خصوصاً على تحليلات إيان هندرسون وتنبؤاته. ولعل من لم يعاصر تلك الفترة يجد بعض ملامح تلك الصدمة فيما ينقله علي ربيعة[2] عن أحد الوزراء الاستراتيجيين آنذاك الذي قال «لقد تعرضت البحرين خلال هذا العام (أي 1973) لثلاث مصائب. انتشار الكوليرا وحريق معمل التكرير وفوز اليساريين في المجلس الوطني».

لا تنحصر أسباب الصدمة الحكومية في نجاح «كتلة الشعب» التي  حصلت على أكثر من ربع مقاعد المنتخبين في المجلس. وهنا لا أقلل من الأهمية التاريخية لما تمثله «كتلة الشعب» التي استطاعت أن تقدم بديلاً تقدمياً وطنياً على أساس مشروع سياسي متكامل ومُعلن. وبطبيعة الحال، لا أقلل من أهمية صمود أعضائها أمام عامل الترغيب والترهيب، والذي وصل إلى حد تسفير أحد أعمدتها الرئيسة، علي دويغر، قبل الانتخابات بشهرين.

إلا أنني أرغب في التأكيد أن وصول اليساريين إلى المجلس الوطني كان واحداً من جملة أسباب أدت إلى الصدمة الحكومية. فلقد نجح وطنيون آخرون شكلوا عصب ما عُرف لاحقاً بـ «كتلة الوسط»، كما فاز متدينون تمكن بعضهم لاحقاً من الفكاك من تبعات توافق قيادتهم التقليدية مع السلطة. معلومٌ أن تركيبة المجلس الوطني في العام 1973 كانت على عكس ما تشتهي الحكومة. ولقد برزت مؤشرات ذلك وبوضوح تام منذ الأسبوع الأول لعمل المجلس.

فلقد بينت انتخابات هيئة رئاسة المجلس وجود اصطفاف برلماني لا يلائم رغبات السلطة البتة. لقد فاز حسن الجشي برئاسة المجلس بتوافق الأعضاء الثلاثين المنتخبين مع الوزراء الأربعة عشر، وهم أعضاء في المجلس بحكم مناصبهم. بعد ذلك انقسم المجلس بشأن منصبيْ نائب الرئيس وأمين السر. جاءت المفاجأة الأولى حين تعادلت الأصوات التي حصل عليها كلٌ من جاسم مراد، مرشح المعارضة، والمرحوم خليفة البنعلي، مرشح الحكومة، لمنصب نائب الرئيس.

ولقد كان من السهل معرفة أن ثمانية من الأعضاء المنتخبين، بمن فيهم الكتلة الدينية، قد انضموا إلى الوزراء الأربعة عشر لدعم البنعلي. وبإعادة التصويت وبتغيير حسن الجشي موقفه فاز مرشح الحكومة. وجاءت المفاجأة الثانية في حصول مرشح كتلة الشعب لأمانة سر المجلس، على أصوات 18 من الأعضاء المنتخبين وحصول مرشح الكتلة الدينية على 26 صوتاً بما فيها أصوات 14 وزيراً. وبهذا آلت أمانة سر المجلس للمرحوم عبدالله المدني. لم يتقرر في تلك الجلسة مصير المجلس. فلقد كان مصيره محسوماً منذ إعلان نتائج الانتخابات في 7 ديسمبر/ كانون الأول .1973

إلا أن تلك الجلسة عززت مواقف المتشددين في السلطة وخارجها الداعية إلى إنهاء التجربة البرلمانية قبل فوات الأوان. ومن المفيد الإشارة هنا إلى ما تذكره إحدى المذكرات السرية في أرشيف وثائق وزارة الخارجية البريطانية من أن مجريات تلك الجلسة كانت «غير مشجعة» رغم فوز المرشح الحكومي في الحالتيْن. فلقد كان السفير مستاءً من جهتيْن. فلقد حصل جاسم مراد على أصوات 22 من أصل 30 عضواً منتخباً. ومن جهة ثانية، فلقد «فضّل النوابُ شيوعياً على رجل دين من أنصار الحكومة(3)ا 

حين أقول إن مصير المجلس محسوم قبل انعقاد أولى جلسه لا أ

دّعي علم الغيب ولا ما في القلوب. كما لا أنفي أن مجريات الأمور قد ساهمت في توفير الحجج اللازمة لوضع القرار موقع التنفيذ. وبهذا المعنى لن أحاجج من يلوم أعضاء المجلس الوطني وقتها على ما يعتبره بعض الناس الآن تصلباً. أو يلومهم على إصرارهم على مواجهة الحكومة بشأن مسائل مختلفة واستعجالهم في طرح مشروعاتهم واقتراحاتهم.

ومن أبرز الأمثلة التي تُضرب في جلسات المحاججة يتكرر مثالان؛ أولهما يتعلق بـ «جدوى» إثارة موضوع إلغاء الاتفاقية الخاصة بالقاعدة العسكرية الأميركية في الجفير. والثاني هو «الاستعجال» في طرح مشروع بقانون بشأن تحويل الأراضي الأميرية إلى ملكية الدولة وتحت إشراف المجلس التشريعي. وبطبيعة الحال، هناك من يثير أمثلة أخرى للتدليل على دور المجلس الوطني في «دفع» الحكومة دفعاً إلى حلِّه وإلى إنهاء التجربة البرلمانية وحرمان الناس من حقوقهم الدستورية لأكثر من ربع قرن. ا

في بداية أبريل/ نيسان 1974 كتب السفير البريطاني روبرت تيش إلى رؤسائه في لندن بشأن علاقة الحكومة بالمجلس الوطني، مؤكداً «أن الأمور لا تبدو سيئة في الوقت الحاضر. وبالتأكيد لا أرى احتمالاً لمواجهة عنيفة. لكنني أعتقد أن وزراء عدة قد بدؤوا بالتفكير في حل المجلس أو إصلاحه أو إلغائه. والسبب في ذلك ليس أن المجلس يشكل خطراً، بل لأنه مصدر إزعاج وخيبة أمل[4]». اد

تاريخ هذه الملاحظات سابقٌ لأي نقاش برلماني عن إلغاء اتفاقية القاعدة الأميركية في الجفير، وسابقٌ أيضاً لاحتجاج النواب على قيام الحكومة، سراً، بإعادة تجديد تلك الاتفاقية رغم أنها أُلغيت فعلاً في أعقاب حرب أكتوبر/ تشرين الأول .1973 وبطبيعة الحال، فإن حديث الوزراء عن حل المجلس أو إصلاحه أو إلغائه سابقٌ أيضاً لطرح مشروع بقانون عن تحويل الأراضي الأميرية إلى ملكية الدولة وتحت إشراف المجلس التشريعي. نعم. لوْ لمْ يُطرح هذا المشروع أو لوْ لمْ تُثر تلك المسألة لربما طال عمر المجلس شهراً إضافياً. وربما أكثر. ولكن هذا لن يغير في القرار الأصلي. فتأجيل تنفيذ الحكمِ لا يعني إلغاءه. والحكمُ قد صدر بحق مجلس 1973 يوم تبين أنه لن يكون مجلساً لتبادل الرأي بشأن أحسن السبل لشكر الحكومة على ما تقوم به من خطوات رشيدة

———————

الهوامش:

[1] شملت تلك الإجراءات اعتقال ثلاثة نواب من أعضاء كتلة الشعب هم علي ربيعة ومحمد جابر الصباح ومحسن مرهون لمدة أسبوعين وثلاث سنوات وخمس سنوات على الترتيب.

[2] علي قاسم ربيعة «التجربة الدستورية في البحرين – التجربة الموءودة»، مسودة تحت الطبع.

[3] مذكرة سرية من السفير روبرت تيتش في البحرين إلى بي.آر.اتش. رايت في مكتب الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الأول .1973

[4] مذكرة سرية من السفير روبرت تيتش في البحرين إلى بي.آر.اتش. رايت في مكتب الشرق الأوسط في وزارة الخارجية البريطانية بتاريخ 9 أبريل/ نيسان .1974