فضيحة “ريح السموم السعودية”

في بداية آذار/مارس من العام الماضي، بثت الإذاعة الرسمية السويدية تحقيقاً كشف عن صفقة تمت في نيسان/أبريل 2005 في إطار اتفاقية تعاون عسكرية بين وزارتي الدفاع في السعودية والسويدية، لبناء مصنع لإنتاج وصيانة الصواريخ والقذائف المضادة للدروع، وبناء مخازن محصنة تحت الأرض لتخزين المتفجرات ووقود الصواريخ. وتبين سريعاً فيما بعد أن تلك الصفقة تشكل جزءاً من مشروع “السَمُوم”، ويشمل أيضا تزويد السعودية بطائرات رادار لمراقبة الأجواء السعودية بالإضافة إلى أجهزة متطورة لمراقبة شبكة الاتصالات الداخلية، علاوة على عقود تدريب للأفراد وصيانة المنشآت والمعدات. وبحسب ما تبين من مجريات جلسة لجنة التحقيق البرلمانية التي عُقدت في نهاية الشهر الفائت مع وزير الدفاع السابق، وكذلك جلسة التحقيق مع رئيس الوزراء في 2 أيار/مايو الحالي فإن “الفضيحة” ستكون واحدة من أهم مواضيع السياسة الخارجية السويدية في الحملة الانتخابية السنة القادمة.

الفضيحة الأخلاقية

فأجات الصفقة وتفاصيلها الرأي العام السويدي الذي ظل حتى وقت مقتنعاً بما يروجه السياسيون السويديون عن استمرار التزامهم بالأسس الأخلاقية المعلنة والمتوافق عليها فيما يتعلق بالصناعة العسكرية وصادرات السلاح السويدي. وفي مقدم هذه الأسس “عدم تصدير السلاح إلى دول تحكمها أنظمة غير ديموقراطية”. فكلما ازداد الكشف الإعلامي عن التفاصيل السرية للصفقة، كلما استقرت تسميتها بـ”الفضيحة”. وساهم الكشف عن قيام إحدى الهيئات الحكومية المكلفة بمتابعة المشروع باللجوء إلى خبير روسي لإعداد بعض الجوانب التقنية في إضافة سبب للسخرية من تولي دولة صغيرة مثل السويد مشروعاً عسكرياً يفوق قدراتها.
إلا إن أهمية “الفضيحة” لا تقتصر على مخالفتها الالتزامات الأخلاقية المعلنة، ولا بسبب تفوق القدرات التقنية السويدية، بل لأنها كشفت أن المسؤولين السويديين عن تنفيذ الصفقة تمكنوا من إبقائها سرية طوال أكثر من سبع سنوات، وفي ظل حكومتيْن متعاقبتيْن، إحداهما بقيادة الاشتراكيين الديموقراطيين والثانية بقيادة وسط اليمين. وتطلب ذلك لجوء المسؤولين في وزارة الدفاع والمؤسسات المعنية إلى سلسلة من الإجراءات التضليلية والتمويهية. ولتخفيف تداعيات “الفضيحة” بوجهيْها، عمدت الحكومة، بالتوافق مع حزب المعارضة الرئيسي، إلى تركيز اللوم على وزير الدفاع وعدد محدود من كبار المسؤولين في مؤسسات تابعة لوزارته. وفي هذا السياق أُضطر وزير الدفاع السويدي إلى تقديم استقالته وسارع البرلمان إلى تشكيل لجنة تحقيق في 30 آذار/مارس 2012 .

لا فضيحة في السعودية

رغم تفاعل “الفضيحة” في السويد واستقالة وزير دفاعها، التزمت السعودية الصمت في البداية لتتجه فيما بعد إلى الأسلوب المعتاد. فكرر المسؤولون السعوديون نفي توقيع أي اتفاق مع السويد لتنفيذ مشروع عسكري. ولا يوجد تفسير لصمت المسؤولين السعوديين ثم نفيهم، سوى الرغبة في تحاشي التعاطي مع ما قد يكشفه الإعلام السويدي من تفاصيل عن “مشروع السَمُوم”. ولهذا جرت اتصالات على أعلى مستوى في البلديْن ضمنت أن تحصر السويد تداعيات الفضيحة/الصفقة في إطار حدودها الجغرافية، وألا يتم تسريب أية وثائق رسمية تشير إلى أطراف سعودية. فلم يكن المسؤولون السعوديون بحاجة إلى فضيحة أخرى كالتي كشفتها التحقيقات البريطانية (قبل إيقافها بقرار من الحكومة البريطانية) حول صفقة اليمامة المعقودة في 1985، والتي بيَّنت حصول عدد من كبار الأمراء والمسؤولين السعوديين على رشى وعمولات مجزية بلغت عشرات الملايين من الجنيهات الإسترلينية.

الأزمة الاقتصادية وتعزيز الأنظمة الدكتاتورية

شملت تداعيات الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها أغلب الدول الغربية تقليص ميزانياتها العسكرية. ولهذا تجد السويد وغيرها من البلدان المصدرة للسلاح أن استمرار صناعتها العسكرية مشروطٌ بقدرتها على توسيع صادراتها إلى بلدان أخرى أو البحث عن أسواق جديدة. فما كان محرَّماً قبل عقد أوعقدين أصبح مطلوباً بتأثير من الأزمة الاقتصادية الراهنة. ولهذا ينشط سماسرة السلاح وتزداد زيارات كبار المسؤولين الغربيين إلى البلدان الأخرى في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا لعقد صفقات التسليح. وتبرز في هذا السياق أهمية السعودية وبقية بلدان مجلس التعاون الخليجي كمحج يأتي إليه أولئك السماسرة وكبار المسؤولين الغربيين.
ساهمت الأزمة الاقتصادية في الدول الغربية من جهة وارتفاع عوائد النفط من جهة أخرى في إعادة رسم العلاقة بين الدول المصدرة والمستوردة للسلاح. فأصبحت دولة مثل السعودية أكثر قدرة، على الأقل فيما يتعلق بالأسلحة التقليدية، على محاولة تحسين الشروط التي تفرضها عليها الولايات المتحدة وبريطانيا اللتان احتكرتا أهم صفقات التسليح السعودية منذ بدء الطفرة النفطية قبل أربعة عقود. هي أصبحت أكثر قدرة على توسيع إطار نفوذها السياسي عن طريق عقد صفقات عسكرية مع دول مثل روسيا وألمانيا وفرنسا وإسبانيا وتركيا، علاوة على السويد.

استقلالية القرار أم توسيع إطار التبعية؟

تشير تقارير غير رسمية إلى أن حركة السعودية في سوق السلاح العالمي وسعيها إلى زيادة عدد الدول التي تستورد منها السلاح والعتاد العسكري، هي جزء من خطة متكاملة لتطوير القدرات العسكرية السعودية وتأهيل المملكة عسكرياً للقيام بدورها كقوة إقليمية بموازاة إيران، وبالتعاون معها أو في مواجهتها. وتشمل الخطة التطويرية أيضاً زيادة عدد القوات المسلحة وتحسين تدريبها، والاستفادة من الصفقات العسكرية مع الدول المصدرة الصغيرة، مثل السويد، لتسهيل نقل التكنولوجيا العسكرية وبناء صناعة عسكرية ذات صدقية. وتفترض هذه الخطة العسكرية التطويرية أنها ستساهم في خلق ظروف ملائمة للتخلص من منظومة علاقات التبعية السياسية والاقتصادية التي تربط السعودية بالولايات المتحدة الأميركية.
يمكن بكل تأكيد التعاطف مع طموحات تلك الخطة. فمن الثابت أن اعتماد السعودية وبقية بلدان مجلس التعاون الخليجي على مصادر توريد السلاح الأميركية جعلها رهائن للقرار السياسي الأميركي ولأحوال الصناعة العسكرية فيها. فرغم الهدر غير العقلاني للموارد منذ منتصف السبعينيات على استيراد السلاح والعتاد الأميركي، لا يمكن لأكثر المتفائلين في السعودية وبقية بلدان مجلس التعاون الخليجي ادّعاء أن قواتها العسكرية قادرة على توفير متطلبات الدفاع عن أمنها القومي وحماية حدودها وسيادتها. فلا يمكن تجاهل أن تعقيد الصناعة العسكرية العالمية يخفي حقيقة إن الولايات المتحدة الأميركية تهيمن فعلياً على هذه الصناعة في مختلف الدول الغربية. وهي هيمنة تتضح من خلال متابعة اتفاقيات التعاون التكنولوجي بين الولايات المتحدة الأميركية والدول الصغيرة المصدرة للسلاح، بما فيها المقاولات من الباطن (وهذه عملية شائعة تتضمن أن يقوم المتعهد الرئيس بتكليف مقاول/متعهد آخر ـ أصغر أو أرخص أو لديه وقت ـ بتنفيذ أجزاء من الصفقة. لهذه المقاولات جاذبيتها بسبب ما توفره على المتعهد الرئيس من أكلاف ووقت. أكثر ما شهدناه من مقاولات الباطن قذارة وبشاعة هي تلك التي تولتها/ تتولاها شركات غربية متخصصة في إزالة الألغام ـ مثال الكويت ـ إذ يقوم المتعهد الرئيس بالتعاقد مع شركة من بنغلادش للقيام بأجزاء رئيسة من المهمة. وهناك تقارير تكرار السلوك نفسه في عقود شركات الحماية الأمنية كبلاك ووتر، وتجنيدها مقاولين من الباطن من بلدان أفريقية). وتضمن الولايات المتحدة بذا حقوق امتياز المخترعات والبرامج العلمية المعقدة التي تتطلبها الصناعة العسكرية الحديثة، علاوة على الالتزام الدقيق بشرط منع إعادة تصدير التكنولوجيا. ولهذا فإن قدرة السويد على تصدير إنتاجها العسكري إلى السعودية أو غيرها هي في آخر المطاف مرهونة بموافقة الطرف الأميركي.

رياح السَمُوم ما زالت تلفح السويد

يثق المسؤولون السعوديون أن الحكومة السويدية ستحذو حذو الحكومة البريطانية وستعمل على إبقاء تفاصيل الصفقات العسكرية سرية حتى ولو خالف ذلك أعرافاً وقوانين سارية فيها. فالصناعة العسكرية السويدية، مثل غيرها في بلدان غربية أخرى، لم تعد قادرة على الاستمرار والتطور بدون زيادة حصة الصادرات من إنتاجها. ويعرف المسؤولون السعوديون أيضاً أن حصة بلادهم تبلغ 20 في المئة من إجمالي الصادرات العسكرية السويدية، مما يعزز موقفهم التفاوضي. ولهذا ركزت تحليلات سعودية على ما تعتبره إيجابيات ناتجة عن إعادة رسم العلاقة بين الدول المصدرة والمستوردة للسلاح. فالمفاوض السعودي صار الآن أكثر قدرة على المساومة والحصول على ميزات إضافية مثل إنشاء مصانع إنتاج عسكري ومشاريع نقل تكنولوجيا، بدلا عن الاكتفاء بمصانع التجميع أو بالخبراء الأجانب. علاوة على ذلك، فإن تنافس الدول المصدرة للسلاح وتعدد البدائل يوفر للسلطات السعودية فرصاً للتخلص مما تعتبره “ابتزازاً” سياسياً تحت راية حماية حقوق الإنسان، بما فيها المطالبة بحقوق المرأة وحماية المهاجرين الخ… المسؤولون السعوديون مطمئنون إلى قدرة الحكومة السويدية على إغلاق ملف التعاون العسكري بين الدولتين، ولو حدث ذلك بثمن باهظ على السويد، حيث تستمر تداعيات “الفضيحة” في بلد يفاخر أهله برسوخ القوانين والأعراف الملزِمة بالشفافية

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=884&refsite=twitter&reftype=sharebutton&refzone=tweet

Advertisements