جواز السفر في بلدان مجلس التعاون الخليجي: انتهاء المقايضة الذهبية

في السادس من تشرين الثاني/نوفمبر الفائت، أصدر وزير الداخلية في البحرين قراراً بنزع الجنسية عن واحد وثلاثين مواطناً لتسببهم في «الإضرار بأمن الدولة». ركَّزت ردود الفعل الأولى على عيب قانوني في القرار يتمثل بأن نزع الجنسية ليس من صلاحيات الوزير بل هو صلاحية يختص بها الملك نفسه، بعد استنفاد عدد من الإجراءات المنصوص عليها في القوانين السارية. فعلى الرغم من العيوب في تلك القوانين، إلا إنها لا تتيح للسلطة أن تنزع الجنسية عن مواطن إلا بعد ثبوت ارتكابه فعلاً من أفعال الخيانة العظمى، أو اكتسابه الجنسية عن طريق التدليس أو الخداع، أو تنازله عن الجنسية البحرينية بهدف الاحتفاظ بجنسية بلد آخر لا يتيح الجمع بين جنسيتين. وبيَّن قانونيون ومدافعون عن حقوق الإنسان مخالفة قرار وزير الداخلية البحريني للقوانين السارية في البحرين ودستورها، ناهيك عن العهود الدولية التي تعهدت البلاد بالالتزام بها.
لتلك وغيرها من الاعتراضات القانونية والحقوقية أن يكون لها تداعيات فعلية في بلدان أخرى غير البحرين وشقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي. فهذه الأخيرة تحكمها أنظمة من «طراز خاص» تستند شرعيتها الى مزيج بين متباعِديْن. أولهما الأعراف القبلية التي تكرس الغنيمة كأساس للشرعية، وثانيهما الدور الذي تلعبه هذه الأنظمة في إدامة الهيمنة الإمبريالية على المنطقة. فالإجراء غير القانوني الذي اتخذه وزير الداخلية في البحرين ليس طارئاً أو فريداً، بل هو يتسق مع رؤية جميع العوائل الحاكمة في بلدان مجلس التعاون لعلاقاتها برعاياها.

البحرين وشقيقاتها

لا تختلف نصوص القوانين السارية في بلدان مجلس التعاون الخليج في ما بينها كثيراً حول «شروط» نزع الجنسية من مواطن، سواء أكان أصيلاً أو مجنساً. إلا إن الدول الخليجية من دون استثناء لا تلتزم حتى بقوانينها. في بداية 2005، قرر أمير قطر سحب جنسية ما يقارب ستة آلاف شخص من قبيلة مُرّة. لم تنحصر صدمة ذلك القرار في انه جاء في صورة عقاب جماعي لم يستثن أحداً من أفراد تلك القبيلة، بل في أن تبعات ذلك القرار كانت شاملة. فلقد وجد آلاف القطريين أن تغيير وضعهم القانوني من مواطنين إلى أجانب يعني أن عليهم الحصول على رخص للإقامة في بلدهم، ويعني أن يُفصلوا من أعمالهم، وأن يُمنعوا من ممارسة بعض أنواع التجارة والمهن الحرة، ويعني أنه لم يعد بإمكانهم استلام حقوقهم التقاعدية أو الحصول على «الخدمات» المقررة للمواطنين، مثل الرعاية الصحية والتعليم، بما في ذلك قطع بعثات المبتعَثين الى الخارج من الطلاب.
وفي مثل هذه الأيام من السنة الماضية، أمر الشيخ خليفة بن زايد، رئيس دولة الامارات العربية المتحدة، بسحب الجنسية عن سبعة إماراتيين اتهموا بالانتماء إلى جماعة الإخوان المسلمين المحظورة، «لقيامهم بأعمال تهدد الأمن الوطني لدولة الإمارات». وبطبيعة الحال، لم يستفد السبعة المغضوب عليهم من التجائهم للقضاء على مختلف مستوياته. فبعد سنة كاملة من شكليات التقاضي، رفضت محكمة أبو ظبي الاتحادية الاستئنافية مجرد النظر في استئنافهم للقرار الجائر بحقهم.
وفي الشهر الماضي، أصدر الملك السعودي عدداً من المراسيم لمواجهة الاحتجاجات التي شهدتها المناطق الشرقية في المملكة. أحد تلك المراسيم يجيز سحب الجنسية من كل سعودي يشارك في الاحتجاجات، مع الحرمان من الاستفادة من أي عفو ملكي في المستقبل! وتناقلت مواقع التواصل الاجتماعي في السعودية خبر قيام السلطات بتذكير ثلاثمئة من النشطاء بهذا المرسوم.
ومع أن سجلات انتهاك حقوق الإنسان في الكويت أو عُمان لا تتضمن حالا جماعية لسحب الجنسية، إلا إن اقتصار سحب الجنسية في البلدين على حالات فردية لا يعني ان آثارها لا تطال مصير أطفال المواطن المغضوب عليه أو أفراد من عائلته. برغم اختلافها في الحيثيات وفي التفاصيل، إلا ان ثمة قاسما مشتركا بين هذه الأمثلة. فما يجمع قرار أمير قطر بنزع جنسية 4 في المئة من مواطني بلاده، بتهديد السلطات السعودية بنزع الجنسية عن المشاركين في الاحتجاجات، أو نزع الامارات والبحرين جنسيات معارضيهما، هو أن جواز السفر ليس حقاً من حقوق المواطنة بل هو مكرمة من العائلة الحاكمة تمنحها لمن تشاء أو تنزعها ممن تشاء من رعاياها.

جواز السفر، استحقاق أم مكرمة؟

غيرت الطفرة النفطية منذ السبعينيات أموراً كثيرة في بلدان الخليج، من بينها تحويل جواز السفر إلى أداة هامة من جملة أدوات أخرى تستخدمها العوائل الحاكمة لتوزيع الريع النفطي. فقبل الطفرة، كان من السهل الحصول على جواز سفر عبر أحد شيوخ الإمارات الصغيرة (الفجيرة وأم القيوين وعجمان ورأس الخيمة). وقتها، كانت رسوم إصدار وتجديد جوازات السفر تشكل مصدراً هاماً من مصادر الدخل لأولئك الشيوخ. أما العوائل الحاكمة في البلدان الأكثر غنى، والتي لم تكن في حاجة إلى بيع جوازات سفرها، فكانت تستخدم إغراء التجنيس لاجتذاب أفراد القبائل في المناطق الحدودية والمشتركة، لإلحاقهم في قواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية.
تغيرت الأمور تماماً منذ منتصف السبعينيات. فلقد أسهمت عائدات النفط في نمو غير مسبوق في الحركة الاقتصادية، بما فيها تأسيس الشركات المساهمة، وانتشار المضاربة في أسهمها، وارتفاع أسعار العقارات والأراضي، وتدافع المستثمرين الأجانب نحو السوق الخليجية، علاوة على اتساع الطلب على استيراد الأيدي العاملة الأجنبية. وفرت الطفرة النفطية فرصة لتكريس جواز السفر الخليجي كشهادة على «صفقة المقايضة الذهبية» التي روجت العوائل الحاكمة في الخليج لها: الثروة والسلطة للعائلة الحاكمة، وللناس المكرمات. فصارت الجنسية الخليجية، أو بالأحرى جواز السفر، مفتاح دخول نعيم الريع النفطي. لم يعد «الباسبورت» مجرد وثيقة لتسهيل حركة الناس عبر الحدود، بل أصبح وسيلة ضرورية للوصول إلى المنافع، إما عبر دخول حاملي جواز السفر مباشرة في مختلف أنشطة السوق، أو عبر «تأجير» جوازات سفرهم لآخرين. أسارع للإشارة إلى أن حصول حاملي جوازات السفر الخليجية على تلك المنافع كان يتفاوت بحسب معايير تتحكم في تحديدها وتطبيقها كل عائلة حاكمة. ولهذا، لم يكن متاحاً لأحد من المعارضين أن يتمتع بالميزات نفسها التي يتمتع بها الموالون، بحسب درجات ولائهم.
كانت القوانين السائدة وقتها تحصر المشاركة في هذه الأنشطة الاقتصادية في كل دولة خليجية على مواطنيها. ولهذا من الممكن الإشارة إلى عدد من العوائل، يتوزع الأشقاء أو أبناء العم فيها على جنسيات الدول الست. بل هناك عدد من بعض كبار رجال الأعمال الخليجيين من يحملون جنسيات خليجية متعددة في الوقت نفسه، بهدف تسهيل دخولهم المناقصات المقتصرة على حاملي جنسية دولة بعينها. وبسبب اشتراط «الشريك المحلي»، كان على المستثمرين الأجانب البحث عن شريك اسمي من مواطني الدولة التي ينوون الاستثمار فيها. وهكذا شهدت بلدان الخليج بروز ظاهرة «الواجهات» التي يختفي خلف كل منها المالك الفعلي لكميات كبيرة من أسهم الشركات عند تأسيسها، أو الذين تُسجل بأسمائهم تأشيرات العمل لمئات العمال الأجانب. كما شهدت بلدان المنطقة آلافاً ممن اعتاشوا على دخولهم كشركاء اسميين لأصحاب أعمال أجانب مقابل عمولة مقطوعة أو جارية.

من مكافأة الولاء إلى معاقبة المعارضة

لم تعد جنات الريع النفطي على ما كانت عليه في أوج الطفرة النفطية، فلقد تآكلت العوائد المالية جراء استشراء الفساد وسوء التخطيط والإدارة، علاوة على صفقات التسليح البليونية، وانخراط العوائل الحاكمة في الخليج في تمويل عدد من الحروب والنزاعات الإقليمية طوال العقود الأربعة الماضية. وانعكس كل ذلك في عدد من الهزات المتتالية التي أدت إلى انفجار الفقاعات الاستثمارية في جميع بلدان الخليج، وخاصة في أسواق الأسهم والعقارات. مثال على ذلك ما يقال له «أزمة دبي»، الإمارة التي كانت قبلها براقة، تبدو كأنها ترتع في وفرة وبذخ خياليين، وكذلك أزمة العجز في الميزانية السعودية في بداية الألفية الثالثة والتي استمرت عدة سنوات وأدت إلى ارتفاع ديون الدولة الداخلية والخارجية إلى عدة مليارات. كما انعكس في تخفيض الحصص المخصصة في الميزانية العامة للخدمات الاجتماعية، بما فيها الصحة والتعليم. بدورها، ساهمت اشتراطات دخول بلدان مجلس التعاون في منظمة التجارة العالمية وعقد اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية في تقليص الميزات الاستثمارية التي توفرها الجنسية الخليجية لحامليها. فلم يعد لجواز السفر الخليجي أهميته في إدامة مقايضة ذهبية ضمنت طوال أربعة عقود استقرار البلدان الخليجية رغم الهزات التي أصابت محيطها. ولم يعد جواز السفر وسيلة كافية للوصول إلى نعيم الريع. إلا إنه لم يفقد دوره السياسي، على الأقل في جهتين، أولاهما ترتبط باستمرار «التجنيس الجماعي» للمجندين المستجْلَبين من بلدان الجوار لتأمين التوسع المستمر في المؤسستين العسكرية والأمنية في جميع بلدان مجلس التعاون الخليجي. وثانيتهما تخص نزع الجنسية أو التهديد بنزعها عن حامليها. فكما رأينا في قطر والامارات والسعودية والبحرين، صار التهديد بعدم تجديد جواز السفر ونزع الجنسية إحدى أدوات ضبط الأمن ومعاقبة من تعتبرهم السلطات ناكرين لجمائلها.
يشكل تزامن حالات التجنيس الجماعي مع حالات نزع الجنسية الجماعي ما يشبه إشهارا رسميا لتلك الفكرة القائلة ان العوائل الحاكمة الخليجية لا تعتبر الجنسية حقاً لمواطني بلدانها بل هي منحة تنعم بها عليهم وتحتفظ لنفسها بالحق في التصرف بها، إغداقاً وحرماناً. إلا إن هذا الإشهار الرسمي ليس علامة عنفوان وقوة.
تقف العوائل الحاكمة في بلدان مجلس التعاون الخليجي في مواجهة منعطف تاريخي معاكس لما خبرته منذ بداية الطفرة النفطية قبل أربعين سنة. فلم تعد ثمة إمكانية مالية أو سياسية لإعادة الحياة للمقايضة الذهبية. ولهذا تواجه العائلات الحاكمة في بلدان المجلس كافة، أزمة شرعية تتفاوت حدتها من بلد لآخر. لكنها جميعاً تقف، للمرة الأولى، أمام حقيقة انها لا تمتلك قدراتها السابقة على استخدام الريع النفطي للتحكم في رعاياها ولإعادة تشكيل مجتمعاتها. فلقد زاد حجم الالتزامات الخارجية لهذه البلدان بما في ذلك التزامات تفرض الاستمرار في تدوير جزء كبير من عوائد النفط عبر الإيداع في المصارف العالمية، وعبر الاستثمار الخارجي، وعبر استيراد السلاح من الدول الغربية، علاوة على الالتزامات الإضافية التي تفرضها مساعي عدد من الدول الخليجية لاحتواء تداعيات الانتفاضات الجارية في العالم العربي.
أمام هذا المنعطف التاريخي، تجد العوائل الحاكمة نفسها أمام خيارات محدودة، جميعها مرتفع الكلفة السياسية وغير مضمون العواقب. ولهذا نراها تتخبط وتتخذ قرارات تزيد من تفاقم الأزمة البنيوية التي تعيق تحول بلدان مجلس التعاون الخليجي من تنظيمات سياسية/قبلية إلى دول تنتمي إلى القرن الواحد والعشرين.

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=499&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider

Advertisements