الخبز و المهرجانات (مقالٌ عمره أكثرمن 10 سنوات) ا

أبريل 

This slideshow requires JavaScript.

2002
.

أثناء وجودي في البحرين مؤخـراً , كانت البلاد مســــرحاً لعدة مهرجانات احتفالاً بمرور عام على التصويت على الميثاق.  يلخص ما نشــرته  احدى الجرائد المحلية جانبا من الاجواء التي ســادت البلاد في فبراير و بهرجة الاحتفالات التي  شــهدتها :   ” تبدأ البحرين اليوم احتفالاتها بمناسبة الذكرى الأولى على مرور عام على اجماع الشعب على ميثاق العمل الوطني والذي جرى في فبراير من العام الماضي، وتعد هذه الاحتفالات في هذه المناسبة أكبر حدث في تاريخ البحرين ذلك لان جميع فئات الشعب من شتى مناطق البلاد ستشارك فيها من خلال الكرنفالات والبرامج الترفيهية والعروض الشعبية، وتستمر لمدة 7 أيام.   وكانت نتيجة الاستفتاء على الميثاق الموافقة بنسبة 98.4%، وعلى ضوء هذا الاجماع والارادة الشعبية صدر الميثاق عن حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أمير البلاد المفدى. وتقام الاحتفالات في أربع محافظات لتشمل المنامة والمحرق والمنطقة الجنوبية والمنطقة الشمالية بمشاركة الاندية والجهات الأخرى المنظمة وذلك تحت رعاية وزارة الاعلام، وتتضمن برامجها مواكب للسيارات والدراجات وعروضا للخيل وأخرى موسيقية تتخللها رقصات شعبية. كما سيتم أيضا إلقاء بعض القصائد الشعرية وكلمات بهذه المناسبة. وتبدأ هذه الاحتفالات في الساعة الثالثة عصرا وتستمر حتى يوم الخميس مع تنظيم برنامج خاص يوم الجمعة. كما سيتم تنظيم كرنفال خاص في جامعة البحرين خلال أيام السبت والاحد والاثنين وستعلن الجامعة فيما بعد تفاصيل هذا البرنامج

بعض  الاحتفالات التي شــهدتها  البلاد كانت محدودة الجمهور  بينما كان بعضها الآخر مفتوحة لمن أراد حضورها .

من النوع الأول  كانت الاحتفالية التى تم تنظيمها تحت راية نادى العروبة تحت اسـم ” ندوة التحول الديمقراطي في البحرين ” و التى دعي إليها نخبة من الشخصيات العربية و الأجنبية التى ارتبطت أسماؤها بنضالنا الوطني و الديمقراطي طوال العقود الثلاثة الماضية .  و  أما من النوع الثاني  فلقدشهدت البحرين عشرات الاحتفالات الممتدة من سباق الماراثون و سباقات القدرة حتى الحفلات الموسيقية الســــاهرة بأغانيها المؤلفة خصيصاً للإشـــادة بالأمير و بمشروعه الإصلاحي .

لم يحضر كل من دعته اللجنة المنظمة لحضــور ” ندوة التحول الديمقراطي في البحرين”  و ذلك لأسباب عملية مختلفة بطبيعة الحال.   من جهتها تحاشت اللجنة المنظمة دعوة من اعتبرت مشاركتهم إخلالا بالجانب الاحتفالي  للندوة . و مع ذلك كانت الندوة , كما قيل لي ,  ندوة ناجحة.  و لولا إعلان الأمير , عظمة الملك لاحقاً, عن تعديلاته الدستورية الانفرادية لكانت الندوة الاحتفالية أكثر بهجة  مما كانت عليه لمن حضــرها من باحثين  مرموقين محليين و عرب و أجانب.
لأســباب لا تخفى لم تتح لي المشاركة في تلك الندوة الفكرية الاحتفالية  رغم  ان توقيت حضوري الى البحرين كان بسببها وعلى اســـاس دعوة اســـتلمتها من المنظمين  (غير نادى العروبة)  أي  قبل ان يضطروا الى طلب التمويل من الديوان الاميري . و لقد تبين لاحقاً  ان   للديوان الاميري أولوياته فيما يتعلق بمن يحضــر الندوة . اللهم لا اعتراض .

و لأسباب لا تخفى أيضاً , لم أســـتســغ حضور أي من الاحتفالات من النوع  الآخر بما في ذلك ســباقات للسيارات والدراجات وعروض الخيل .

ما لم أرغب في تحاشيه كانت الاحتفالية التى نظمتها جمعية المنبر  التقدمي الديمقراطي و التي أحياها الفنان التقدمي مارســــيل خليفة بمشــاركة فرقته و بخاصة الفنانة ذات الصوت الباهر أميمة الخليل . كانت حفلة رائعة , رغم ما اعتراها بســــبب حماس الجمهور.

شـــاءت الصدف الطيبة أن يكون مقعدي بجانب مقعد الشاعر قاسم حداد الذي تحاشى هو أيضا الجلوس في المقاعد الأمامية حيث جلس كبار عليتنا.  و في ســياق ما يمكن تبادله من أحاديث متقطعة في انتظار بدء الحفل الموســيقي,  ذكرت لشاعرنا الكبير إن أجواء البحرين الاحتفالية تذكرني بشاعر آخر , لا شـــك انه يعرفه و ان كان قد عاش قبله بأكثر من ألفين سنة . و هو شاعر  يستحق أن نســتذكره هذه الايام و البحرين ترفل في أجواء المهرجانات على اختلاف أشـكالها .

و الشــاعر الذي أقصده هو جوفنال  Juvenal الذي عاش في روما ما بين عام 140 – 60 قبل الميلاد و اشتهر بأشعاره الساخرة مما اعتبره انحطاطاً أخلاقيا في روما آنذاك . و من بين ما تركه هو تعريضـــه ليس فقط بأمبراطور روما و حاشـــيته , بل و أيضاً بأهل المدينة الذي لا هم  لهم سوى البحث عن المتعة و التسلية .

تلخص عبارة ” جوفنال    أعط الناس ما تحتاجه … أعطهم خبزاً و سيركاً , تلخص تقييمه للحياة السياسية و الاجتماعية في روما التى عاصرها . و لقد ذهبت العبارة , بتحويراتها, ” أعط الناس خبزاً و مهرجانات ” , مثلا يصور مخزوناً  يكاد لا ينضــب  لســياسـات تتبناها السـلطات لشغل الناس و جذب اهتمامها بعيداً عن مشاكلها الحقيقية .

تعلم أباطرة روما القديمة درساً ثميناًَ : لكي تبقىالناس راضية و منشــغلة عما يفعل الإمبراطور  فما عليه إلا أن يوفر لها الحد الأدنى من أسباب المعيشة , مرموزاً له بالخبز عند جوفنال , و أن يوفر لها الحد الأدنى من أسباب المتعة و التسلية , في شكل مهرجانات و سيرك .

لم يغب الدرس الروماني عن ملوكنا و حكامنا , على اختلاف تســــمياتهم . و هذا ما يمكن ملاحظته في إصرار جميع حكامنا تقريباً على عدم التخلي عن ســياسـة دعم أســعار الخبز , و في نفس الوقت , تشــــجيع المهرجانات الاحتفالية , والتى تشكل المباريات الرياضية اقلها كلفة و أكثرها انتشاراً . مباريات كرة , و مسابقات رياضية على اختلاف أشكالها , بدء من مباريات الدوري حتى الألعاب الأولمبية  مرورا بكأس الكؤوس و كأس العرب و ما يشبهما.

و تعلٌم حكامنا أنهم يسـتطيعون الإفلات من المحاسبة حتى حين تتعرض أمتنا الى هزيمة مثل هزيمة حزيران  و حتى حين يقفون صــامتين بينما تقصف اسرائيل ~ أي الولايات المتحدة الاميركية ~ أهلنا في فلســطين , ولكنهم لن يســــتطيعوا مواجهة غضب الجماهير إن هم , أي الحكام , غامروا بتخفيض دعم الدولة لأســعار الخبز , أو إن هم غامروا بالتعرض إلى مواعيد دوري مباريات كرة القدم في بلدانهم .

الخبز و المهرجانات سلاح مزدوج شهدناه عشية الإعلان  عن المملكة و عن التعديلات الدستورية التى أعلنها عظمة ملك البحرين  بشــكل انفرادي و بدون مراعاة لتعهدات قطعها على نفســــه , و  بدون أدنى إلتفات  لإعتراضات قيادات القوى السياسية في البحرين .

و تمٌثل الخبز , الذي أشار إليه جوفنال , في الإعلان عن مكرمة ” تخفيض القروض الإسكانية . و تمثلت المهرجانات  التي أشار إليها جوفنال , في سلسلة الاحتفالات التى أقامتها الدولة  بنفســها  أو التي نفذتها الجمعيات الســياسـية. بدءً من الندوة الفكرية الاحتفالية التى نظمت تحت راية نادى العروبة  بتمويل مباشر من الديوان الأميري , مروراً بحفلات أخرى  , و انتهاءً بالحفلة الموسيقية التى أحياها الفنان الكبير مارسيل خليفة  و بتمويل مباشر من الديوان الأميري هي أيضا.

للخبز و المهرجانات دور سياسي هام في حرف اهتمام الناس بعيداً  و طويلاً  كي لا يلاحظوا , ولكي لا يعترضوا عن الأخطاء التى يرتكبها حكامهم و عن التجاوزات التى ترتكب ضدهم . و هي حالات تشابه ما تفعله الأم حين تعطى رضيعها مصاصــته أو حين تهز له الخرخشـــــانة فيتوقف الرضيع عن البكاء و إزعاج والدته و محيطها .

في حالات معينة  , كما هو حال دولنا الريعية , يصبح الخبز و المهرجانات أســلوباً دائماً و نهجاً ثابتاً من أساليب ممارسة الحكم . و تتوفر للدولة الريعية , كما لا يخفى , موارد ضخمة تسهل عليها توفير ما هو أكثر من دعم أسعار الخبز لتشمل توفير السكن و قروضه على سبيل المثال , و تسهل عليها تمويل تنظيم ما هو أكثر من سيرك لتشمل مهرجانات كالتي شهدتها البحرين طوال فبراير الماضي .

ناقش عديد من المفكرين  السياسيين دور الخبز و المهرجانات في تخدير الناس و إضعاف قدراتها على معارضة إجراءات الحكم و سياساته .( انظر على سبيل المثال باتريك براتلينغر Brantlinger في كتابه المعنون خبز و سيرك   Bread and Circuses  الذي يشدد  فيه على هذا الدور التخديري التى تقوم به المهرجانات و المكرمات) . و لدى الاجتماعيين من ذوى الميول الماركســــية تداعيات مستمدة من الشاعر الروماني الساخر جوفنال و ذلك حين يتحدثون عن الوعي المزيف لدى الطبقات و فئات المجتمع المسحوقة . وهو وعى مزيف بواقعها يدفع هذه الطبقات و الفئات الى عدم مواجهة خصومها الحقيقيين و الانشغال بمحاربة بعضها بعضاً .

لدى بعض هؤلاء الاجتماعيين أمثلة كثيرة يمكن أن يسوقونها للتدليل على انتشار الوعي المزيف حتى خارج إطار الطبقات المســتضعفة و فئات المجتمع المسحوقة , ليشـــــمل المثقفين و قيادات المجتمع . و من هذه الأمثلة ما شهدته البحرين من انشغال قيادات العمل السياسي و الاجتماعي طوال السنة الماضية بمنافســـــة بعضها بعضاً في مجال تأســـــيس الجمعيات مما اســتنزف جهودها الجســـدية و الذهنية و جعلها غير قادرة على توفير الوقت و الجهد لمعالجة ما كان يتم تحضيره في الخفاء من إجراءات سياسية تمثل التعديلات الدستورية الانفرادية بعض مظاهرها.  بل  انها   انشـــغلت  , على ما رأينا , بمنافســـــة بعضها بعضاً حتى في مجال من منها ينظم الاحتفالية الأهم أو  الأكبر أو الأخطر……الخ .

الخبز و المهرجانات سلاح سياسي خطير يعرف خطورته كل منشغل بالشأن العام منذ جوفنال  , بل و قبل جوفنال , حتى يومنا. و من الثابت انها  ســتبقى سلاحاً سياسياً خطيراً بعدنا نحن ايضا .   و مع ذلك , و رغم حصافة و حذر , نقع دائماً فريسة ما يوفره الخبز و المهرجانات لنا من تخذير .

و مع إنني أظنها رمية من غير رامٍِ  , إلا أن توقيت انتخابات البلدية سريعا يوفر أجواء مهرجانات تنشغل بها الناس , وقياداتهم عما هو أهم . أما إذا كانت الرمية مقصودة فان مهارات من وراءها وبراعته و تكتيكاته قد فاقت كل توقعاتي .فمن  منا ســـيجد  لديه وقت  كاف  لكي يناقش عدم دستورية التعديلات الانفرادية التي اعلنها عظمة الملك و هو   يرى الاخرين يتدافعون نحو مقاعد موعودة في المجلس البلدي ؟ و من لديه وقت أن يطلب من جمهوره أن لا يحضر المهرجانات التى ستترافق مع الانتخابات البلدية , أو عدم قبول المكرمات  و هي خبز الدولة الريعية التي تعودت الناس أن تتوقعها ؟

يا قاسـم حـداد يا  شاعرنا الحبيب , لقد  أصـبح جـوفنال ,  زميلك الروماني الذي ســـخر من امبراطور روما  قبل أكثر من ألفين عام  , شاعراً بحـرينياً هو  أيـضاً .

عبدالهادي خلف
مملكة الســـــــــويد
أبريل  2002

Advertisements