قمع النساء بالنساء

تتشابه حراكات الربيع العربي وتختلف في كثير من تفاصيلها. ففي مسار جميع تلك الحراكات، على تنوعها، حققت المرأة اختراقا سياسيا ثقافيا تمثل في فرض وجودها في المجال العام كطرف أساسي وفاعل وليس مجرد رديف. ولكننا نرى اختلاف التفاصيل حين ننظر إلى كمّ المساحة التي تمكنت المرأة من الاستحواذ عليها في المجال العام كمواطنة متساوية في الحقوق. أو حين ننظر إلى تأرجح وتفاوت مستوى الاعتراف المجتمعي بحق المرأة في المجال العام كفاعلة مستقلة

حرّك الربيع العربي أعداداً كبيرة من النساء للمشاركة في مختلف أنشطة المعارضة لأنظمة القمع، كما هو حرّك أعداداً كبيرة أخرى من النساء للدفاع عن تلك الأنظمة. فحين نستعيد صور المواجهات بين مؤيدي الأنظمة ومعارضيها في مختلف مدن الربيع العربي، وكذلك روايات المشاركين فيها، نعرف أن المرأة عنصر بارز في الجهتيْن. وقد خبرنا هذا المشهد في البحرين. فحين ندقق في الصور ومقاطع الفيديو نلاحظ صور فتيات بحرينيات في الزي الخاص بقوات مكافحة الشغب وهن يطرحن على الأرض بحرينيات أخريات تمهيداً لتكبيلهن ونقلهن إلى المعتقل.

أدوار جديدة للشرطة النسائية في البحرين

فوجئ كثيرون بمنظر شابات في مقتبل أعمارهن في كامل الزي الأسود الذي يشبه الأزياء التي يلبسها ممثلو أفلام حرب النجوم وهن يلاحقن المتظاهرات في شوارع المنامة وأزقة القرى المحيطة بها. وسرعان ما تبين أن السلطات الأمنية في البحرين قد قررت مجابهة الحراك النسائي بتنظيم حراك أمني مضاد يعتمد على النساء.
قبل إعلان استقلال البحرين في 1971، أسس البريطانيون قسماً للشرطة النسائية لتولي القضايا المتعلقة بالنساء والأحداث. واستمر النمو التدريجي للشرطة النسائية بفضل الطفرة النفطية التي شجعت على توافد أعداد كبيرة من الأيدي العاملة الأجنبية، بما فيها النساء. إلا أن العنصر النسائي بقي هامشياً ولم يتجاوز نسبة 10 في المئة من مجموع العاملين في الشرطة البحرينية. كما بقيت مهمات الشرطة النسائية محصورة في «الجانب النسائي» سواء في مراكز الشرطة والمراكز الحدودية أو في سجن النساء وإصلاحية الأحداث. إلا أن الشرطة النسائية وفّرت للمسؤولين في البحرين سبباً للتباهي بدورها الريادي في المنطقة العربية عبر «فتح المجال للمرأة للمشاركة في حماية أمن البلاد».

 جديرٌ بالذكر أن التمييز الطائفي، بما فيه منع تعيين الشيعة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، حصر التجنيد في الفتيات السنيات اللواتي يشكلن 99 في المئة من الشرطة النسائية في البحرين. وتشير معطيات بحث ميداني في عام 2005-2006 إلى أن الشرطة النسائية تعاني من جدار عزل جندري، ومن تمييز في شروط وظروف العمل بالمقارنة مع الشرطة الذكور. وتتكرر في الشرطة النسائية احتكار المراتب القيادية للعائلة الخليفية والعوائل القريبة منها. ورغم متاعب التمييز، تتزايد طلبات التحاق البحرينيات بالشرطة النسائية نظراً لأن المتدربات يحصلن على مخصصات مالية في فترة التدريب، ولأن راتب الشرطية المبتدئة وحوافزها يزيد على ضعف ما تحصل عليه مواطنتها العاملة في معمل خياطة أو حضانة أطفال.

 بعد انطلاق حراك 14 فبراير 2011، استجدت ظروفٌ أسهمت في أن تتجاوز الشرطة النسائية دورها كرديف لجهاز الشرطة «الحقيقي»، وكذلك دورها كمادة للتباهي بين الرجال من المسؤولين. فلم يتوقع أحدٌ في السلطة أو المعارضة، أن يكون حجم مشاركة النساء في المسيرات والأعمال الاحتجاجية بالاتساع الذي شهدناه منذ بدء الاعتصام في دوار اللؤلؤة. وفيما سعى المحافظون في المعارضة إلى دعوة النساء إلى «التزام العفاف والقيام بما يناسب طبيعتهن» تسارعت جهود السلطات الأمنية في البحرين لمواجهة هذا التغيير بالإسراع في تخريج فرق نسائية ضمن قوات مكافحة الشغب التي تتولى مواجهة المسيرات والأعمال الاحتجاجية. فعلاوة على مهمات قمع الاحتجاجات في الشوارع واعتقال المشاركات فيها، نجد الشرطة النسائية وجنديات قوات الشغب يشاركن في مداهمة المنازل وتفتيشها. ونعرف من شهادات عدد كبير من الناشطات المعتقلات أثناء محاكماتهن أنهن تعرضن للتعذيب على أيدي ضابطات وعناصر شرطة متخصصات في ذلك النوع من المهمات.

توسيع الدائرة

مثلما كان تأسيس الشرطة النسائية في البحرين العام 1970 بقرار وتدريب بريطاني، فإن للأميركيين دوراً في تشكيل الفرق النسائية في قوات مكافحة الشغب. إلا أن المسؤولين البحرينيين لن يستطيعوا هذه المرة التباهي بدور ريادي عبر «توسيع المجال للمرأة للمشاركة في حماية أمن البلاد». فلقد سبقتهم اليمن بعد 2001 إلى الاستماع إلى النصيحة الأميركية بإشراك العنصر النسائي في «الحرب على الإرهاب». ومع ذلك يستطيع المسؤولون البحرينيون المفاخرة بالصيت الذي تتمتع به الشرطة النسائية في البحرين بين شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي. فبجانب قدرتها على توفير الدورات التدريبية، تمتلك البحرين خبرات عملية طويلة في تشكيل وإدارة جهاز شرطة نسائية يتولى مختلف المهمات بدءاً من مراقبة الجوازات وإدارة السجون النسائية إلى مواجهة الاحتجاجات في الشوارع وانتزاع الاعترافات.
وبسبب هذا الصيت، توفر البحرين دورات تدريبية أسهمت في تخريج دفعات متتالية من الشرطة النسائية في الكويت. وتشير معلومات إلى أن البحرين تقدم مثل هذه الدورات لقوى الأمن السعودية منذ افتتاح مركزيْن للشرطة النسائية في الرياض وجدة في آذار/مارس الماضي. بطبيعة الحال، ما زالت الخطوات السعودية بطيئة وما زالت أعداد النساء في الأجهزة الأمنية متواضعة بالقياس إلى ما حققته البحرين أو البلدان الخليجية الأخرى في هذا المجال. إلا أن هذه البداية المتواضعة تزامنت مع تصريحات ذات مغزى. ففي 24 أيار/مايو الماضي، كشف رئيس الحرس الوطني في السعودية متعب بن عبد الله عن استحداث أقسام نسائية في الحرس الوطني. ويرتبط بهذين التطورين إعلان هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أكثر حصون الذكورية تحصيناً في السعودية، عن مشروع لتوظيف النساء في الهيئة!

مفارقة التمكين

خلال الأشهر الماضية، استمر تخريج أعداد إضافية من الشرطة النسائية من دورات مكافحة الشغب ليشكلن الآن منظراً مألوفاً في شوارع البحرين، كما هو مألوف منظر الأعداد الكبيرة من الناشطات في المسيرات والاحتجاجات. ويعكس هذا أحد جوانب مفارقة «التمكين النسوي» التي تحملها التغييرات السياسية الثقافية في ظل الربيع العربي. فكلما ازداد انخراط النساء في الحراك السياسي من أجل التغيير كلما جندت السلطة المزيد من النساء لقمع ذلك الحراك. وكلما استمر الحراك النسوي من أجل التغيير وتعددت أشكاله، كلما توسعت السلطة في إضافة مهمات جديدة لنساء تجندهن لضبط النظام. ولكن السلطة لن تستطيع منع شرطتها االنسائية من اعتبار ان لها فضلا على السلطة السياسية.
رغم ما يبدو من التعارض، تشهد البحرين مساريْن لتمكين المرأة وتوسيع المساحة المتاحة لها في المجال العام: مسارٌ تشقه الناشطات اللواتي تجاوزن بكثيرالحدود الضيقة التي وضعتها السلطات السياسية والمجتمعية لحصر نشاطهن السياسي. ومسارٌ آخر فتحته السلطة السياسية نفسها، أدى إلى إشراك شرائح كانت مهمشة من النساء في قمع حراك أخريات.
لا يمكن توقع ما سيتولد عن هذين المساريْن وتزامنهما من نتائج على أوضاع المرأة في البحرين. إلا أن من الواضح أنه لن يكون سهلاً على أحد، سواء في المعارضة أو السلطة، أن يعيد الساعة إلى الوراء بتقليص مساحة المجال العام التي استحوذت عليها المرأة منذ بدء حراك الربيع العربي في البحرين

——–

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 15/11/2012م —

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=434&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider.

Advertisements