مقابلة في ـ«الســفير»: تجريدنا من الجنسـية انقلاب على الإنسـانية

… وبعد أن غلب السلطات البحرينية اليأس من قدرتها على إسكات المعارضة، بدأت تجرّد «سيوفها»، الواحد تلو الآخر، علّها تقدر على احتواء تلك «العاصفة» التي تهدّدها، حتى وصلت إلى قرار تجريد 31 معارضاً من الجنسية البحرينية. المعارض المخضرم والبحريني العتيق عبد الهادي خلف كان واحداً من المشمولين بالقرار، ومن الذين ما زالوا يؤمنون بأن «المجد لا يُشترى إلا بعاصفة.. تجتث كل غشوم جائر نذل»، حسب ما قال يوماً، قبل سنوات طويلة على نزول البحرينيين إلى دوار اللؤلؤة، شاعر هيئة الاتحاد الوطني البحريني عبد الرحمن المعاودة.
مواجهة خلف، المولود في العام 1945، مع السلطات البحرينية عمرها أكثر من 40 عاماً، فهو بدأ بـ«إزعاجها» منذ وصوله إلى البرلمان في العام 1973، كممثل عن «كتلة الشـعب»، وهي ائتلاف بين عناصر يسارية وقومية. وقد استطاع خلف أن يصبح من أبرز الأعضاء الفاعلين في أول مجلس وطني تشريعي منتخب، فيما يعتبر من رافقوه في تلك الفترة أنه أكثر من وقفوا بثبات في وجه تمرير بعض القوانين الحكومية المجحفة وفي مقدمتها قانون أمن الدولة، وهو ما دعا الحكومة إلى إبعاده عن المجلس متذرعة بعدم قانونية سنه للدخول.
بعد ذلك تمّ حلّ المجلس في العام 1975، وسُحب جواز السفر من خلف في العام 1978، ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم محطات كثيرة عاشها المعارض البحريني على هامش المواجهة مع السلطة، تخللتها فترات أمضاها في السجن وأخرى أضرب فيها عن الطعام وهاجر وتم التضييق عليه وملاحقته، كما الحجز على جواز سفره.
وتعليقاً على موقف السلطات الأخير، يوضح خلف في حديث إلى «السفير» حيثيات قرار سحب الجنسية منه، ومن آخرين كالنائبين السابقين جلال وجواد فيروز والمحامي تيمور كريمي ورئيس «حركة أحرار البحرين» سعيد الشهابي وعلي مشيمع من حركة «حق» وغيرهم، فضلاً عن تداعيات وظروف المواجهة المقبلة. يُذكر أن خلف يقيم اليوم في السويد ويدرّس علم الاجتماع السياسي في جامعة «لوند» السويدية.
كيف تلقيتم قرار سحب الجنسية؟
لم يكن القرار مفاجئاً بالنسبة لكثيرين ومنهم أنا. لقد رفضت السلطات تجديد جواز سفري منذ بداية الصيف الماضي، علماً أن المسؤولين عندما جدّدوه آخر مرة كان ذلك لمدة سنة فقط.
في الواقع، تتصرّف السلطة على أساس أن الجنسية ليست حقاً للمواطن وإنما منحة من الحاكم للرعية، ولذلك يحق له (الحاكم) أن يسحبها متى يريد. وأشير هنا إلى أنه في السبعينيات، وفي العام 1975 تحديداً، بعد بدء حملة أمن الدولة بات جواز السفر الذي تمنحه السلطة للطلاب المسافرين خارج البحرين محدوداً بمدة سنة، وذلك كي تضمن السلطة التحكم في ما يفعله الطالب عندما يسافر. ومع أن التقدم بشكوى أمام المحاكم متاح أمام من يعترض على القانون، إلا أن الشكوى قد تمتدّ لأشهر وسنوات، حتى يثبت في نهايتها الحاكم «حقّه» بالتحكم في صلاحية الجواز.
ولكن ما هي الأسس التي تحدّد صلاحيات الحاكم في هذا الإطار؟
في الثلاثينيات تمّ تحديد شروط المواطنة، ثم جرى تغييرها في السبعينيات وباتت تحرّم سحب الجنسية إلا في حال الخيانة العظمى. أما تهمة تهديد أمن الدولة، التي ألصقت بنا لتبرير القرار، فقد استُحدثت مؤخراً. وهي تهمة لا بدّ لتأكيدها من تقديم وثائق وشهود، كما لا يجوز سحب الجنسية على أساسها سوى بعد إجراء محاكمة عادلة يتاح فيها للمتهم الدفاع عن نفسه. ووفقاً لهذه الشروط، يُعتبر ما حصل منافياً للقانون البحريني، كما يبدو أن وزارة الداخلية التي اتخذت القرار قد استحوذت على سلطة ليست من حقها، فالمعروف أن الحاكم وحده هو من يمتلك حق سحب الجنسية. وهكذا قرّر الوزير توسيع سلطته، بموافقة من الحاكم بالطبع، وذلك في إطار تشديد الضغط على المعارضين. أشير هنا إلى أن أبو حمزة المصري، ورغم كل ما فعله وعدم حصوله على الجنسية البريطانية بالولادة، لم تسقطها بريطانيا عنه.
بعض من شملهم القرار بحريني والبعض الآخر من أصول إيرانية، هل من تمييز في القرار المتخذ بين الطرفين؟
في الواقع الحديث عن أصل من سحبت جنسيتهم أمر مضحك. فهناك بعض الأشخاص أجدادهم ليسوا من البحرين لكن أهلهم وهم ولدوا في البحرين. مع العلم أن القانون الجديد الذي وضعه الملك ألغى الفارق بين البحرينيين بالولادة والبحرينيين بالتجنيس، بعد أن كان في السابق يميّز بين الطرفين. آنذاك اعتبرنا تغيير القانون قراراً إنسانياً بحتاً، وما حصل اليوم يعدّ انقلاباً على تلك الإنسانية.
كيف تفسرون قرار السلطة اليوم؟
بعد صدور قائمة الـ31 «مُجرّداً»، خرجت إشاعات تفيد بأن هناك أسماء أخرى يتم تحضيرها لسحب جنسياتها. هنا يبدو لي أن السلطة تحاول أن تضرب بسيوف عدة في الوقت ذاته لاعتقادها أنها قادرة على إلغاء المعارضة. تجريد المواطنين من جنسياتهم هو أحد هذه السيوف، إضافة إلى الاعتقالات وبعضها مرتبط بالتفجيرات والبعض الآخر لأسباب قديمة، والحملة الإعلامية البذيئة على شخصيات وأسماء كبيرة في المعارضة. ولكن كل هذه السيوف التي تلجأ إليها ما هي إلا دليل على أن السلطة قد أصيبت بالإحباط.
هل ستتحركون رداً على القرار.. وكيف؟
لا شك في أنه سيكون هناك تنسيق بين أولئك الذين سُحبت جنسياتهم، كما على مستوى التحرك مع منظمات حقوق الإنسان في الخــارج، وقريباً سيكون هناك اجتماع في جنيف وسيُطلب من الهيئات البحث في حجج النظام لسحب الجنسية.
أما مسألة التحرك في الداخل عبر السُبل القانونية، فهي مسألة تستحق الدراسة مع المحامين الذين يستطيعون معرفة إمكانية الوصول إلى نتيجة. ولكن المشكلة تتلخص في أن الشكوى فعلاً متاحة للمواطن، ولكن رغم امتلاكه للأدلة والبراهين التي تثبت براءته إلا أنه عندما يصل إلى المواجهة في المحكمة، تقوم الأخيرة بتبرئة المعتدي لأنه عنصر في القوى الأمنية مثلاً، فالسلطة تخاف اتهام أحد من العناصر الأمنية، حتى لو كان صغيراً، مخافة أن يصل الأمر إلى المسؤولين الكبار.
وماذا عن تمتعك بالجنسية السويدية، هل يُعدّ ذلك عذراً لحرمانك من البحرينية؟
بخصوص جنسيتي السويدية فهذا لا يمكن أن يعتبر سبباً. أولاً القرار الذي اتُخذ لا علاقة له بهذه المسألة، فهو قرار مجحف في جميع الأحوال. وثانياً، في القانون البحريني يقتضي تجريد الجنسية لمن يمتلك أخرى، تخييره أولاً ولصاحب العلاقة الحق في أن يختار بين الاثنتين.
كلمة أخيرة؟
أود أن ألفت إلى أنه عندما سحبوا مني الجواز في العام 1978 كانت الظروف أسوأ بكثير، كانت البحرين مجرّد بلد صغير لم يسمع عنه أحد، كما كانت ظروفي الشخصية بالغة الصعوبة ولم يكن لي من ملجأ حينها سوى منطقة غرب بيروت. وبين عامي 1978 و2001 لم تجدّد السلطة جواز سفري كما كثيرين، غير أن ذلك لم يمنعنا من النضال. وبرغم كل ما تفعله السلطة ستنتصر إرادة الشعوب في نهاية المطاف

http://www.assafir.com/MulhakArticle.aspx?EditionId=2304&MulhakArticleId=837606&MulhakId=4857.

Advertisements