الديمقراطية .. هي المخرج

الطليعة : العدد 926 ، 25 يناير1986

http://blog.altaleea.com/?p=119

بقلم / د. عبدالهادي خلف

على الرغم من حداثتها والهشاشة الناجمة عن ذلك، وعلى الرغم مما تتعرض له من ضغوط خارجية وداخلية، وعلى الرغم من مخاطر النكوص، تبقى الحياة البرلمانية الكويتية الشكل الديمقراطي اليتيم في منطقتنا الشاسعة. ويبقى الكويتيون شعبا ونظاما متميزين بين أشقائهم الخليجيين، وقادرين على الاشارة إلى مجلس الأمة باعتباره ثمرة لنضال عشرات السنين ورمزا لغلبة التعقل وخطوة هامة باتجاه ديمقراطية حقة.

ولقد جاءت المناقشات المسؤولة التي دارت في أروقة مجلس الامة عندما طرحت إجابة وزير المالية على سؤال الأخ النائب العنجري، جاءت لتؤكد للمتتبعين من خارج الكويت أن مجلس الأمة الكويتي يقوم أيضا بمهمة»تمثيل «أبناء دول مجلس التعاون الأخرى. وان المناقشات التي يقوم بها اعضاؤه لا تدور حول موضوع كويتي بحت، بل حول مواضيع خليجية مشتركة. وأن المناقشات لا تدور حول تصرف غير مقبول في المال العام، ولا تدور حول هذا الجانب أو ذاك من الوضع الاقتصادي أو السياسة العامة، بل هي تدور حول جذر  الأزمة التي تعيشها جميع بلدان مجلس التعاون دون استثناء.

وجها الأزمة

ولهذه الأزمة، كما نراها، وجهان متلازمان أولهما تصميم أنظمة الحكم في دولنا على ممارسة السلطة كحق لا يحق لها مساءلتها عنه، وثانيهما رغبة هذه الأنظمة في أن تكون شرعية ومقبولة من مواطنيها.

وكما هو واضح فإن الوجهين متناقضان رغم تلازمهما لدى جميع أنظمتنا دون استثناء. فالوجه الأول يفترض استمرار السلطة غير الخاضعة للمساءلة واستمرار إمتيازات أفرادها ويفترض خضوع أو اخضاع المواطنين ( الرعايا في هذه الحالة ) بأي شكل من الأشكال. أما الوجه الثاني فيفترض تنازلات أهمها خضوع الأنظمة وأفرادها للمساءلة وتحملهم تبعات ممارساتهم للسطلة.

وحيث أن التناقض بين الوجهين هو تناقض بنيوي فإنه يزداد حدة أو ينقص تبعا لطبيعة بنية المجتمع، ولمدى تطور العلاقات الاجتماعية فيه ، وحجم القاعدة الاجتماعية للأنظمة، وبالمقابل حجم القاعدة الاجتماعية المتضررة من ممارسات الأنظمة لسلطاتها.

وحيث أن التلازم بين الوجهين هو تلازم بنيوي فإنه يزداد وضوحا أو يقل تبعا لقدرات الأنظمة على السيطرة على أدوات الحكم وعلى التحكم في أشكال المعارضة وحجمها ومطالبها.

ولقد رأينا التلازم بين الوجهين، ورأينا تناقضهما بوضوح شديد خلال عقد الطفرة النفطية. فلقد وفرت الموارد المالية لعوائد النفط منذ 1973 قدرات هائلة لدى الأنظمة كي تمارس حقها في السلطة دون حاجة للبحث عن إضفاء الشرعية على ذلك الحق. ولقد أمكنها ذلك بما قدمته من تسهيلات واغراءات أدت إلى توسيع قاعدتها الاجتماعية.

وأدت هذه التسهيلات والاغراءات إلى ان تتناسى شرائح وفئات اجتماعية مطالبها السياسية. أو ان تنشغل عنها. ومع أن هذه الشرائح والفئات تركزت في أعلى الهرم الاجتماعي. الا أن انعكاسات »رخاء« عقد الطفرة النفطية والآمال المعقودة على استمراره شمل ايضا شرائح وفئات تنتمي واقعيا إلى قاعدة الهرم الاجتماعي.

شرعية.. بلا تنازلات سياسية!

لقد وفر رخاء عقد الطفرة النفطية للأنظمة إمكانيات الحصول على »الشرعية« دون أن تقدم تنازلات سياسية بل ومكنها من النكوص عن عدد من الانجازات التي تحققت بفضل نضال التحالف الاجتماعي الواسع الذي ارتكزت عليه المعارضة قبل عقد الطفرة النفطية.

ففي ظل رخاء الطفرة النفطية تم التراجع عن انجازات ديمقراطية، وتم احتواء مطالب الحركة الجماهيرية وتمت إعادة صياغة حركة المجتمع لتتلاءم مع »ضرورات« الاستقرار الاجتماعي كما تصورتها الأنظمة والفئات الاجتماعية المستفيدة من ممارساتها، وهي فئات رأيناها تتزايد طوال عقد الطفرة النفطية.

ولقد تناست هذه الفئات الاجتماعية، أو انشغلت، عن حقيقة انها لا تستطيع ان تنمو بشكل طبيعي إلا في مناخ ديمقراطي حقيقي. وان منافع رخاء الطفرة النفطية هي منافع مؤقتة مرتبطة بتقلبات سوق عالمية لا حول لها ولا قدرة على التأثير فيها.

ولهذا رأينا هذه الفئات غير راغبة في الاعتراض على وقف المسيرة الديمقراطية ولا على حل مجلسي البرلمان في البحرين والكويت، ولا على تمرير القوانين والمراسيم والأنظمة المجحفة والتي لم تؤد الا إلى تكريس حق الأنظمة في ممارسة السلطة بدون مساءلة.

وبالمقابل، وفي ظل الرخاء وفي ظل الرغبة في تحقيق الاستقرار، تمكنت الأنظمة من المضي قدما في مساعيها لاسكات الأصوات المعارضة الأخرى التي كانت تعبر عن هموم المتضررين من ممارسة السلطة بدون شرعية.

التناقض المزمن

قلنا أن التناقض بين ممارسة السلطة لـ«حقها» وبين الرغبة في الشرعية، هو تناقض مزمن في منطقتنا  ولقد كان بالامكان إخفاء هذا التناقض بما توفر من موارد هائلة طوال عقد الطفرة النفطية الا ان التناقض باق ويزداد بروزا بعودته الى السطح مرة أخرى مع بروز الضائقة الاقتصادية التي تمر بها بلدان منطقتنا.

فعلاوة على حقيقة أن الضائقة الاقتصادية قد قلصت قدرات الأنظمة على الاستمرار في ارضاء قاعدتها الاجتماعية بالأشكال التي كانت سائدة منذ عشر سنوات، فإنها كشفت بوضوح شديد أن المناخ الذي ساد طوال تلك السنوات كان لمصلحة الأنظمة اكثر مما كان لصالح قاعدتها الاجتماعية، والتي بدأت تعي، وان بشكل متأخر، أن تنازلاتها للأنظمة كانت أكبر من الثمن الذي حصلت عليه.

من الجهة الأخرى اثبتت الأيام أن قوانين القمع والممارسات غير الديمقراطية ضد أصوات المعارضة، والتي وصلت في حالات كثيرة إلى حد التصفية السياسية، لم تلجم هذه الاصوات ولم تمنع نموها وسعيها لاستعادة زمام المبادرة بل أن هذه المعارضة تشهد، مرة أخرى، اتساعا ناجما عن إتساع قاعدة المتضررين من الضائقة الاقتصادية الراهنة وانعكاساتها، والمتضررين من الاجراءات المتخدة لمعالجتها.

وكل هذا يعيد الأنظمة في بلداننا إلى مواجهة مأزقها الحقيقي كيفية ممارسة السلطة وكيفية الحصول علي الشرعية.

ولقد كانت الاتجاهات العقلانية في السلطة الكويتية سباقة إلى تلمس الطريق المؤدي إلى الخروج من هذا المأزق. فلا القمع يكفي ولا الرخاء المؤقت يكفي ولا التنازلات الشكلية تكفي كأساس لاستمرار ممارسة السلطة وتأكيد شرعيتها.

الاختلاط بالغمار

كما لا يمكن ممارسة السلطة بشكل شرعي دون رضا القاعدة الاجتماعية، واعتمادا فقط على الحسب والنسب.

فما شهدته بلداننا منذ بدء تحولها إلى السوق الرأسمالية قبل أكثر من نصف قرن أحدث تغيرات جوهرية في قيمة الحسب والنسب. وهذه التغيرات هي التي لمسها ابن خلدون حين كتب في مقدمته »وقد يكون للبيت شرف أول بالعصبية والخلال ثم ينسلخون منه لذهابها بالحضارة كما تقدم، ويختلطون بالغمار ويبقى في نفوسهم وسواس ذلك الحسب يعيدون به أنفسهم من أشراف البيوتات أهل العصائب وليسوا منها في شيء لذهاب العصبية جملة«.

هذا»الاختلاط بالغمار« كما سماه ابن خلدون والذي يشمل أن يمارس حكامنا التجارة وغيرها من أوجه النشاط الاقتصادي كغيرهم من المواطنين، هذا الاختلاط يعني من بين ما يعنيه أن اسس الحكم الفردي وبدون مساءلة لم تعد قائمة رغم وسواس الحسب، الباقي في النفوس.

بطبيعة الحال فإن هذه الظاهرة موجودة في جميع بلداننا الخليجية دون استثناء.

ولقد أشار إلى هذا الأمر أخونا الدكتور عبدالله النفيسي في أحدى مداخلاته البرلمانية بقوله ان هناك »ظاهرة غير شرعية موجودة في الكويت وفي الخليج والجزيرة الا وهي ظاهرة الحكم والتجارة. وهذه الظاهرة هي الازمة اليوم: عندنا في الكويت إصرار من فئة تحكم ومتنفذة على ان تكون طرفا في السوق تريد أن تربح وان تراكم الأرباح«

ولا شك ان أحد لا يطالب هذه الفئة المتنفذة ولا شقيقاتها في بلدان الخليج الأخرى ان تبتعد عن السوق أو ألا تراكم الارباح كغيرها من فئات السوق. فلقد اختلطت هذه الفئة وشقياتها بالغمار واضحت جزء لا يتجزأ منه. ولم يعد بإمكانها العودة إلى ما في نفسها من  »وسواس الحسب« على حد تعبير ابن خلدون.

ان طبيعة تطور مجتمعاتنا تفرض هذا الاختلاط باعتبار ان الطبقة المتنفذة اقتصاديا لا بد وان تكون متنفذة سياسيا. باعتبار أن النفودذالسياسي لابد وان يكون انعكاسا لنفوذ اقتصادي. وحيث ان الشرائح الاجتماعية المتنفذة سياسيا في بلداننا لم تعد، وخاصة في العقود الأخيرة، تكتفي بمواردها الريعية، بل انخرطت بالكامل في العملية الاقتصادية وأصبحت شريحة» اعتيادية «تراكم الربح وتتزاحم عليه، لذلا فمن البديهي ان تتقبل اضطرارها لتقديم تنازلات تتلائم مع مكانتها الجديدة ومع الأسس التي تقوم عليها هذه المكانة.

واذا كانت الأوساط العقلانية في النظام الكويتي قد تفحصت هذه الحقيقة واستوعبت مترباتها، فإنها حظيت بالمقابل على تأكيد شرعيتها وازدياد قبول الجمهور لممارساتها للسلطة.

ومع إقرارنا بأن الطريق مازال طويلاً، وإننا مازلنا في بدايته كما تؤكد لنا المناقشات التي تدور في أروقة مجلس الأمة الكويتي، إلا أننا لا نملك إلا تثمين سعي هذه الأوساط العقلانية لاستيعاب دروس التاريخ رغم الضغوط الداخلية منها والخارجية ورغم مخاطر النكوص.

ولعل ما يجري في الكويت يسهم في تسريع عملية التغيير والاصلاح المطلوبة على مستوى دول مجلس التعاون جميعها. إذ تثبت الحياة البرلمانية أن شرعية السلطة لا تتأتى الا عن طريق واحد، هو الاقرار غير المشروط بحق الشعب في أن يحكم نفسه ومن خلال المؤسسات الدستورية التي تمثله حقا، لا المؤسسات التي عفا عليها الزمن، أو التي لا يقصد منها الا التجميل الخارجي.

وإذا كان ابن خلدون قد تحدث عن ان»الظلم مؤذن بخراب العمران« فإنه تحدث أيضا عن»ان حصول النقص في العمران عند الظلم والعدوان هو أمر لا بد منه، ووباله عائد حتما على الدولة. «ولعل هذا يصف أكثر ما يصف حال منطقتنا في ظل الضائقة الاقتصادية (نقص العمران ) وفي ظل غياب الديمقراطية (الظلم والعدوان) وهو يصف بوضوح كبير طبيعة المأزق القائم: كيف تمارس السلطة سلطتها بشكل شرعي؟؟.

* الطليعة : العدد 926 ، 25 يناير 1986

http://blog.altaleea.com/?p=119

الوزير الفهلوي

إستمعتُ مرتيْن لما قاله وزير العدل في مؤتمره الصحفي. لم أصدق أذني وهو يكرر المرة بعد الأخرى إن حكومته نفذت توصيات لجنة البسيوني بمجرد إنها “بدأت بإتخاذالإجراءات”.  حقاً هذا وزير كلكجي

ألم يتعلم الوزير إن الأعمال حين يتعلق الموضوع ببناء الأوطان ليست بالنيات؟ وخاصة إنه شخصيا كذب وإفترى طوال الأشهر العشرين الماضية.ا

ألم يتعلم الوزير إن الأمور لا تُعتبر منجزة إلا بعد إنجازها فعلاً؟ هل يقبل الوزير لو جاءه أحد موظفيه وقال له إنه “أنجز” جميع المهمات المطلوبة منه بمجرد أن أخرج القلم من جيب قميصه ووضع الورق على طاولة مكتبه؟ أو أن يقول له مقاول بناء لقد “لقد تم أنجاز بناء قصرك” مشيراً إلى أكياس إسمنت وبعض الطابوق مرمية في موقع البناء؟
حقاً هذا وزير كلكجي

تذكرتُ وأنا أتابع ما قاله الوزير الكلكجي روايات عن الفهلوية في باب الحديد في القاهرة الذين يتصيدون زواالمدينة ليبيعوا لمن يصدقهم الترامواي بل وحتى ميدان العتبة والأهرامات. لا يختلف وزير العدل الكلكجي عن فهلوية باب الحديد. إلا إنه لم يبعنا الترامواي أو ميدان العتبة بل أراد أن يضحك علينا ببيعنا كذبة أن البحرين صارت “دولة قانون”.ا

ولكني تذكرتُ إن الوزير الكلكجي تربى في أرض الكنانة. ومعلومٌ أن أهلنا في مصر ظرفاء ومجاملون. وبسبب ظرفهم المعروف نرى بعضهم يبالغون في المجاملة فيسمون طالب سنة أولى طب “دكتور” وطالب سنة أولى هندسة “باش مهندس” وهكذا.ا

إلا الوزير الكلكجي لم يكن ظريفاً حين إستعرض أمامنا ما قد سمعه أو قرأه أو تعلمه من فهلوية باب الحديد. وإلا كيف وقف ليدعي أن تنفيذ 3 توصيات و”الشروع في تنفيذ توصيات أخرى” يعني أن حكومته قد أنجزت تنفيذ توصيات لجنة بسيوني.

ولكن ماذا أقول إذا كان رئيسه هو خليفة بودينار الذي قال وكرر “بيت لكل مواطن” في 1975. ثم قال وكرر شعار”بيت لكل مواطن”  في 2012. وفي المرتين كان بودينار كاذباً

http://tl.gd/k38v3u

الخبز و المهرجانات (مقالٌ عمره أكثرمن 10 سنوات) ا

أبريل 

This slideshow requires JavaScript.

2002
.

أثناء وجودي في البحرين مؤخـراً , كانت البلاد مســــرحاً لعدة مهرجانات احتفالاً بمرور عام على التصويت على الميثاق.  يلخص ما نشــرته  احدى الجرائد المحلية جانبا من الاجواء التي ســادت البلاد في فبراير و بهرجة الاحتفالات التي  شــهدتها :   ” تبدأ البحرين اليوم احتفالاتها بمناسبة الذكرى الأولى على مرور عام على اجماع الشعب على ميثاق العمل الوطني والذي جرى في فبراير من العام الماضي، وتعد هذه الاحتفالات في هذه المناسبة أكبر حدث في تاريخ البحرين ذلك لان جميع فئات الشعب من شتى مناطق البلاد ستشارك فيها من خلال الكرنفالات والبرامج الترفيهية والعروض الشعبية، وتستمر لمدة 7 أيام.   وكانت نتيجة الاستفتاء على الميثاق الموافقة بنسبة 98.4%، وعلى ضوء هذا الاجماع والارادة الشعبية صدر الميثاق عن حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة أمير البلاد المفدى. وتقام الاحتفالات في أربع محافظات لتشمل المنامة والمحرق والمنطقة الجنوبية والمنطقة الشمالية بمشاركة الاندية والجهات الأخرى المنظمة وذلك تحت رعاية وزارة الاعلام، وتتضمن برامجها مواكب للسيارات والدراجات وعروضا للخيل وأخرى موسيقية تتخللها رقصات شعبية. كما سيتم أيضا إلقاء بعض القصائد الشعرية وكلمات بهذه المناسبة. وتبدأ هذه الاحتفالات في الساعة الثالثة عصرا وتستمر حتى يوم الخميس مع تنظيم برنامج خاص يوم الجمعة. كما سيتم تنظيم كرنفال خاص في جامعة البحرين خلال أيام السبت والاحد والاثنين وستعلن الجامعة فيما بعد تفاصيل هذا البرنامج

بعض  الاحتفالات التي شــهدتها  البلاد كانت محدودة الجمهور  بينما كان بعضها الآخر مفتوحة لمن أراد حضورها .

من النوع الأول  كانت الاحتفالية التى تم تنظيمها تحت راية نادى العروبة تحت اسـم ” ندوة التحول الديمقراطي في البحرين ” و التى دعي إليها نخبة من الشخصيات العربية و الأجنبية التى ارتبطت أسماؤها بنضالنا الوطني و الديمقراطي طوال العقود الثلاثة الماضية .  و  أما من النوع الثاني  فلقدشهدت البحرين عشرات الاحتفالات الممتدة من سباق الماراثون و سباقات القدرة حتى الحفلات الموسيقية الســــاهرة بأغانيها المؤلفة خصيصاً للإشـــادة بالأمير و بمشروعه الإصلاحي .

لم يحضر كل من دعته اللجنة المنظمة لحضــور ” ندوة التحول الديمقراطي في البحرين”  و ذلك لأسباب عملية مختلفة بطبيعة الحال.   من جهتها تحاشت اللجنة المنظمة دعوة من اعتبرت مشاركتهم إخلالا بالجانب الاحتفالي  للندوة . و مع ذلك كانت الندوة , كما قيل لي ,  ندوة ناجحة.  و لولا إعلان الأمير , عظمة الملك لاحقاً, عن تعديلاته الدستورية الانفرادية لكانت الندوة الاحتفالية أكثر بهجة  مما كانت عليه لمن حضــرها من باحثين  مرموقين محليين و عرب و أجانب.
لأســباب لا تخفى لم تتح لي المشاركة في تلك الندوة الفكرية الاحتفالية  رغم  ان توقيت حضوري الى البحرين كان بسببها وعلى اســـاس دعوة اســـتلمتها من المنظمين  (غير نادى العروبة)  أي  قبل ان يضطروا الى طلب التمويل من الديوان الاميري . و لقد تبين لاحقاً  ان   للديوان الاميري أولوياته فيما يتعلق بمن يحضــر الندوة . اللهم لا اعتراض .

و لأسباب لا تخفى أيضاً , لم أســـتســغ حضور أي من الاحتفالات من النوع  الآخر بما في ذلك ســباقات للسيارات والدراجات وعروض الخيل .

ما لم أرغب في تحاشيه كانت الاحتفالية التى نظمتها جمعية المنبر  التقدمي الديمقراطي و التي أحياها الفنان التقدمي مارســــيل خليفة بمشــاركة فرقته و بخاصة الفنانة ذات الصوت الباهر أميمة الخليل . كانت حفلة رائعة , رغم ما اعتراها بســــبب حماس الجمهور.

شـــاءت الصدف الطيبة أن يكون مقعدي بجانب مقعد الشاعر قاسم حداد الذي تحاشى هو أيضا الجلوس في المقاعد الأمامية حيث جلس كبار عليتنا.  و في ســياق ما يمكن تبادله من أحاديث متقطعة في انتظار بدء الحفل الموســيقي,  ذكرت لشاعرنا الكبير إن أجواء البحرين الاحتفالية تذكرني بشاعر آخر , لا شـــك انه يعرفه و ان كان قد عاش قبله بأكثر من ألفين سنة . و هو شاعر  يستحق أن نســتذكره هذه الايام و البحرين ترفل في أجواء المهرجانات على اختلاف أشـكالها .

و الشــاعر الذي أقصده هو جوفنال  Juvenal الذي عاش في روما ما بين عام 140 – 60 قبل الميلاد و اشتهر بأشعاره الساخرة مما اعتبره انحطاطاً أخلاقيا في روما آنذاك . و من بين ما تركه هو تعريضـــه ليس فقط بأمبراطور روما و حاشـــيته , بل و أيضاً بأهل المدينة الذي لا هم  لهم سوى البحث عن المتعة و التسلية .

تلخص عبارة ” جوفنال    أعط الناس ما تحتاجه … أعطهم خبزاً و سيركاً , تلخص تقييمه للحياة السياسية و الاجتماعية في روما التى عاصرها . و لقد ذهبت العبارة , بتحويراتها, ” أعط الناس خبزاً و مهرجانات ” , مثلا يصور مخزوناً  يكاد لا ينضــب  لســياسـات تتبناها السـلطات لشغل الناس و جذب اهتمامها بعيداً عن مشاكلها الحقيقية .

تعلم أباطرة روما القديمة درساً ثميناًَ : لكي تبقىالناس راضية و منشــغلة عما يفعل الإمبراطور  فما عليه إلا أن يوفر لها الحد الأدنى من أسباب المعيشة , مرموزاً له بالخبز عند جوفنال , و أن يوفر لها الحد الأدنى من أسباب المتعة و التسلية , في شكل مهرجانات و سيرك .

لم يغب الدرس الروماني عن ملوكنا و حكامنا , على اختلاف تســــمياتهم . و هذا ما يمكن ملاحظته في إصرار جميع حكامنا تقريباً على عدم التخلي عن ســياسـة دعم أســعار الخبز , و في نفس الوقت , تشــــجيع المهرجانات الاحتفالية , والتى تشكل المباريات الرياضية اقلها كلفة و أكثرها انتشاراً . مباريات كرة , و مسابقات رياضية على اختلاف أشكالها , بدء من مباريات الدوري حتى الألعاب الأولمبية  مرورا بكأس الكؤوس و كأس العرب و ما يشبهما.

و تعلٌم حكامنا أنهم يسـتطيعون الإفلات من المحاسبة حتى حين تتعرض أمتنا الى هزيمة مثل هزيمة حزيران  و حتى حين يقفون صــامتين بينما تقصف اسرائيل ~ أي الولايات المتحدة الاميركية ~ أهلنا في فلســطين , ولكنهم لن يســــتطيعوا مواجهة غضب الجماهير إن هم , أي الحكام , غامروا بتخفيض دعم الدولة لأســعار الخبز , أو إن هم غامروا بالتعرض إلى مواعيد دوري مباريات كرة القدم في بلدانهم .

الخبز و المهرجانات سلاح مزدوج شهدناه عشية الإعلان  عن المملكة و عن التعديلات الدستورية التى أعلنها عظمة ملك البحرين  بشــكل انفرادي و بدون مراعاة لتعهدات قطعها على نفســــه , و  بدون أدنى إلتفات  لإعتراضات قيادات القوى السياسية في البحرين .

و تمٌثل الخبز , الذي أشار إليه جوفنال , في الإعلان عن مكرمة ” تخفيض القروض الإسكانية . و تمثلت المهرجانات  التي أشار إليها جوفنال , في سلسلة الاحتفالات التى أقامتها الدولة  بنفســها  أو التي نفذتها الجمعيات الســياسـية. بدءً من الندوة الفكرية الاحتفالية التى نظمت تحت راية نادى العروبة  بتمويل مباشر من الديوان الأميري , مروراً بحفلات أخرى  , و انتهاءً بالحفلة الموسيقية التى أحياها الفنان الكبير مارسيل خليفة  و بتمويل مباشر من الديوان الأميري هي أيضا.

للخبز و المهرجانات دور سياسي هام في حرف اهتمام الناس بعيداً  و طويلاً  كي لا يلاحظوا , ولكي لا يعترضوا عن الأخطاء التى يرتكبها حكامهم و عن التجاوزات التى ترتكب ضدهم . و هي حالات تشابه ما تفعله الأم حين تعطى رضيعها مصاصــته أو حين تهز له الخرخشـــــانة فيتوقف الرضيع عن البكاء و إزعاج والدته و محيطها .

في حالات معينة  , كما هو حال دولنا الريعية , يصبح الخبز و المهرجانات أســلوباً دائماً و نهجاً ثابتاً من أساليب ممارسة الحكم . و تتوفر للدولة الريعية , كما لا يخفى , موارد ضخمة تسهل عليها توفير ما هو أكثر من دعم أسعار الخبز لتشمل توفير السكن و قروضه على سبيل المثال , و تسهل عليها تمويل تنظيم ما هو أكثر من سيرك لتشمل مهرجانات كالتي شهدتها البحرين طوال فبراير الماضي .

ناقش عديد من المفكرين  السياسيين دور الخبز و المهرجانات في تخدير الناس و إضعاف قدراتها على معارضة إجراءات الحكم و سياساته .( انظر على سبيل المثال باتريك براتلينغر Brantlinger في كتابه المعنون خبز و سيرك   Bread and Circuses  الذي يشدد  فيه على هذا الدور التخديري التى تقوم به المهرجانات و المكرمات) . و لدى الاجتماعيين من ذوى الميول الماركســــية تداعيات مستمدة من الشاعر الروماني الساخر جوفنال و ذلك حين يتحدثون عن الوعي المزيف لدى الطبقات و فئات المجتمع المسحوقة . وهو وعى مزيف بواقعها يدفع هذه الطبقات و الفئات الى عدم مواجهة خصومها الحقيقيين و الانشغال بمحاربة بعضها بعضاً .

لدى بعض هؤلاء الاجتماعيين أمثلة كثيرة يمكن أن يسوقونها للتدليل على انتشار الوعي المزيف حتى خارج إطار الطبقات المســتضعفة و فئات المجتمع المسحوقة , ليشـــــمل المثقفين و قيادات المجتمع . و من هذه الأمثلة ما شهدته البحرين من انشغال قيادات العمل السياسي و الاجتماعي طوال السنة الماضية بمنافســـــة بعضها بعضاً في مجال تأســـــيس الجمعيات مما اســتنزف جهودها الجســـدية و الذهنية و جعلها غير قادرة على توفير الوقت و الجهد لمعالجة ما كان يتم تحضيره في الخفاء من إجراءات سياسية تمثل التعديلات الدستورية الانفرادية بعض مظاهرها.  بل  انها   انشـــغلت  , على ما رأينا , بمنافســـــة بعضها بعضاً حتى في مجال من منها ينظم الاحتفالية الأهم أو  الأكبر أو الأخطر……الخ .

الخبز و المهرجانات سلاح سياسي خطير يعرف خطورته كل منشغل بالشأن العام منذ جوفنال  , بل و قبل جوفنال , حتى يومنا. و من الثابت انها  ســتبقى سلاحاً سياسياً خطيراً بعدنا نحن ايضا .   و مع ذلك , و رغم حصافة و حذر , نقع دائماً فريسة ما يوفره الخبز و المهرجانات لنا من تخذير .

و مع إنني أظنها رمية من غير رامٍِ  , إلا أن توقيت انتخابات البلدية سريعا يوفر أجواء مهرجانات تنشغل بها الناس , وقياداتهم عما هو أهم . أما إذا كانت الرمية مقصودة فان مهارات من وراءها وبراعته و تكتيكاته قد فاقت كل توقعاتي .فمن  منا ســـيجد  لديه وقت  كاف  لكي يناقش عدم دستورية التعديلات الانفرادية التي اعلنها عظمة الملك و هو   يرى الاخرين يتدافعون نحو مقاعد موعودة في المجلس البلدي ؟ و من لديه وقت أن يطلب من جمهوره أن لا يحضر المهرجانات التى ستترافق مع الانتخابات البلدية , أو عدم قبول المكرمات  و هي خبز الدولة الريعية التي تعودت الناس أن تتوقعها ؟

يا قاسـم حـداد يا  شاعرنا الحبيب , لقد  أصـبح جـوفنال ,  زميلك الروماني الذي ســـخر من امبراطور روما  قبل أكثر من ألفين عام  , شاعراً بحـرينياً هو  أيـضاً .

عبدالهادي خلف
مملكة الســـــــــويد
أبريل  2002

قمع النساء بالنساء

تتشابه حراكات الربيع العربي وتختلف في كثير من تفاصيلها. ففي مسار جميع تلك الحراكات، على تنوعها، حققت المرأة اختراقا سياسيا ثقافيا تمثل في فرض وجودها في المجال العام كطرف أساسي وفاعل وليس مجرد رديف. ولكننا نرى اختلاف التفاصيل حين ننظر إلى كمّ المساحة التي تمكنت المرأة من الاستحواذ عليها في المجال العام كمواطنة متساوية في الحقوق. أو حين ننظر إلى تأرجح وتفاوت مستوى الاعتراف المجتمعي بحق المرأة في المجال العام كفاعلة مستقلة

حرّك الربيع العربي أعداداً كبيرة من النساء للمشاركة في مختلف أنشطة المعارضة لأنظمة القمع، كما هو حرّك أعداداً كبيرة أخرى من النساء للدفاع عن تلك الأنظمة. فحين نستعيد صور المواجهات بين مؤيدي الأنظمة ومعارضيها في مختلف مدن الربيع العربي، وكذلك روايات المشاركين فيها، نعرف أن المرأة عنصر بارز في الجهتيْن. وقد خبرنا هذا المشهد في البحرين. فحين ندقق في الصور ومقاطع الفيديو نلاحظ صور فتيات بحرينيات في الزي الخاص بقوات مكافحة الشغب وهن يطرحن على الأرض بحرينيات أخريات تمهيداً لتكبيلهن ونقلهن إلى المعتقل.

أدوار جديدة للشرطة النسائية في البحرين

فوجئ كثيرون بمنظر شابات في مقتبل أعمارهن في كامل الزي الأسود الذي يشبه الأزياء التي يلبسها ممثلو أفلام حرب النجوم وهن يلاحقن المتظاهرات في شوارع المنامة وأزقة القرى المحيطة بها. وسرعان ما تبين أن السلطات الأمنية في البحرين قد قررت مجابهة الحراك النسائي بتنظيم حراك أمني مضاد يعتمد على النساء.
قبل إعلان استقلال البحرين في 1971، أسس البريطانيون قسماً للشرطة النسائية لتولي القضايا المتعلقة بالنساء والأحداث. واستمر النمو التدريجي للشرطة النسائية بفضل الطفرة النفطية التي شجعت على توافد أعداد كبيرة من الأيدي العاملة الأجنبية، بما فيها النساء. إلا أن العنصر النسائي بقي هامشياً ولم يتجاوز نسبة 10 في المئة من مجموع العاملين في الشرطة البحرينية. كما بقيت مهمات الشرطة النسائية محصورة في «الجانب النسائي» سواء في مراكز الشرطة والمراكز الحدودية أو في سجن النساء وإصلاحية الأحداث. إلا أن الشرطة النسائية وفّرت للمسؤولين في البحرين سبباً للتباهي بدورها الريادي في المنطقة العربية عبر «فتح المجال للمرأة للمشاركة في حماية أمن البلاد».

 جديرٌ بالذكر أن التمييز الطائفي، بما فيه منع تعيين الشيعة في الأجهزة الأمنية والعسكرية، حصر التجنيد في الفتيات السنيات اللواتي يشكلن 99 في المئة من الشرطة النسائية في البحرين. وتشير معطيات بحث ميداني في عام 2005-2006 إلى أن الشرطة النسائية تعاني من جدار عزل جندري، ومن تمييز في شروط وظروف العمل بالمقارنة مع الشرطة الذكور. وتتكرر في الشرطة النسائية احتكار المراتب القيادية للعائلة الخليفية والعوائل القريبة منها. ورغم متاعب التمييز، تتزايد طلبات التحاق البحرينيات بالشرطة النسائية نظراً لأن المتدربات يحصلن على مخصصات مالية في فترة التدريب، ولأن راتب الشرطية المبتدئة وحوافزها يزيد على ضعف ما تحصل عليه مواطنتها العاملة في معمل خياطة أو حضانة أطفال.

 بعد انطلاق حراك 14 فبراير 2011، استجدت ظروفٌ أسهمت في أن تتجاوز الشرطة النسائية دورها كرديف لجهاز الشرطة «الحقيقي»، وكذلك دورها كمادة للتباهي بين الرجال من المسؤولين. فلم يتوقع أحدٌ في السلطة أو المعارضة، أن يكون حجم مشاركة النساء في المسيرات والأعمال الاحتجاجية بالاتساع الذي شهدناه منذ بدء الاعتصام في دوار اللؤلؤة. وفيما سعى المحافظون في المعارضة إلى دعوة النساء إلى «التزام العفاف والقيام بما يناسب طبيعتهن» تسارعت جهود السلطات الأمنية في البحرين لمواجهة هذا التغيير بالإسراع في تخريج فرق نسائية ضمن قوات مكافحة الشغب التي تتولى مواجهة المسيرات والأعمال الاحتجاجية. فعلاوة على مهمات قمع الاحتجاجات في الشوارع واعتقال المشاركات فيها، نجد الشرطة النسائية وجنديات قوات الشغب يشاركن في مداهمة المنازل وتفتيشها. ونعرف من شهادات عدد كبير من الناشطات المعتقلات أثناء محاكماتهن أنهن تعرضن للتعذيب على أيدي ضابطات وعناصر شرطة متخصصات في ذلك النوع من المهمات.

توسيع الدائرة

مثلما كان تأسيس الشرطة النسائية في البحرين العام 1970 بقرار وتدريب بريطاني، فإن للأميركيين دوراً في تشكيل الفرق النسائية في قوات مكافحة الشغب. إلا أن المسؤولين البحرينيين لن يستطيعوا هذه المرة التباهي بدور ريادي عبر «توسيع المجال للمرأة للمشاركة في حماية أمن البلاد». فلقد سبقتهم اليمن بعد 2001 إلى الاستماع إلى النصيحة الأميركية بإشراك العنصر النسائي في «الحرب على الإرهاب». ومع ذلك يستطيع المسؤولون البحرينيون المفاخرة بالصيت الذي تتمتع به الشرطة النسائية في البحرين بين شقيقاتها في مجلس التعاون الخليجي. فبجانب قدرتها على توفير الدورات التدريبية، تمتلك البحرين خبرات عملية طويلة في تشكيل وإدارة جهاز شرطة نسائية يتولى مختلف المهمات بدءاً من مراقبة الجوازات وإدارة السجون النسائية إلى مواجهة الاحتجاجات في الشوارع وانتزاع الاعترافات.
وبسبب هذا الصيت، توفر البحرين دورات تدريبية أسهمت في تخريج دفعات متتالية من الشرطة النسائية في الكويت. وتشير معلومات إلى أن البحرين تقدم مثل هذه الدورات لقوى الأمن السعودية منذ افتتاح مركزيْن للشرطة النسائية في الرياض وجدة في آذار/مارس الماضي. بطبيعة الحال، ما زالت الخطوات السعودية بطيئة وما زالت أعداد النساء في الأجهزة الأمنية متواضعة بالقياس إلى ما حققته البحرين أو البلدان الخليجية الأخرى في هذا المجال. إلا أن هذه البداية المتواضعة تزامنت مع تصريحات ذات مغزى. ففي 24 أيار/مايو الماضي، كشف رئيس الحرس الوطني في السعودية متعب بن عبد الله عن استحداث أقسام نسائية في الحرس الوطني. ويرتبط بهذين التطورين إعلان هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أكثر حصون الذكورية تحصيناً في السعودية، عن مشروع لتوظيف النساء في الهيئة!

مفارقة التمكين

خلال الأشهر الماضية، استمر تخريج أعداد إضافية من الشرطة النسائية من دورات مكافحة الشغب ليشكلن الآن منظراً مألوفاً في شوارع البحرين، كما هو مألوف منظر الأعداد الكبيرة من الناشطات في المسيرات والاحتجاجات. ويعكس هذا أحد جوانب مفارقة «التمكين النسوي» التي تحملها التغييرات السياسية الثقافية في ظل الربيع العربي. فكلما ازداد انخراط النساء في الحراك السياسي من أجل التغيير كلما جندت السلطة المزيد من النساء لقمع ذلك الحراك. وكلما استمر الحراك النسوي من أجل التغيير وتعددت أشكاله، كلما توسعت السلطة في إضافة مهمات جديدة لنساء تجندهن لضبط النظام. ولكن السلطة لن تستطيع منع شرطتها االنسائية من اعتبار ان لها فضلا على السلطة السياسية.
رغم ما يبدو من التعارض، تشهد البحرين مساريْن لتمكين المرأة وتوسيع المساحة المتاحة لها في المجال العام: مسارٌ تشقه الناشطات اللواتي تجاوزن بكثيرالحدود الضيقة التي وضعتها السلطات السياسية والمجتمعية لحصر نشاطهن السياسي. ومسارٌ آخر فتحته السلطة السياسية نفسها، أدى إلى إشراك شرائح كانت مهمشة من النساء في قمع حراك أخريات.
لا يمكن توقع ما سيتولد عن هذين المساريْن وتزامنهما من نتائج على أوضاع المرأة في البحرين. إلا أن من الواضح أنه لن يكون سهلاً على أحد، سواء في المعارضة أو السلطة، أن يعيد الساعة إلى الوراء بتقليص مساحة المجال العام التي استحوذت عليها المرأة منذ بدء حراك الربيع العربي في البحرين

——–

مقال منشور في السفير العربي بتاريخ 15/11/2012م —

http://arabi.assafir.com/article.asp?aid=434&refsite=arabi&reftype=home&refzone=slider.

Bahrain Revokes Nationality Of 31 Opposition Members

 
interview by: Haifa Zaaiter

                    As Bahrain’s authorities have been overwhelmed by despair about their ability to silence the opposition, they have started to take measures, hoping to contain “the storm” that threatens to engulf them. Then, they reached at decision to strip the nationality of 31 members of Bahrain’s opposition.

Abdulhadi Khalaf, an experienced politician of Bahrain, is affected by this decision and is among those who believe that glory can only be brought about by a storm … eradicating every tyrant, absolutist and villain, as Abdul Rahman al-Muawedah, the poet of the National Union Committee, said years before the Bahraini people first headed to the Pearl roundabout.

The confrontation between Abdulhadi Khalaf, who was born in 1945, and the Bahraini authorities started more than 40 years ago. He began to “annoy them” since he came into parliament in 1973 as member of the People’s Bloc, which is a coalition of leftist and nationalist forces. Khalaf became a prominent member of the first elected national assembly.

His companions at that time said that he stood firm in the face of approving unjust laws drawn by the government, most notably the state’s security law. This has pushed the government to force him out of the assembly, claiming that he was not old enough to be a MP.

After that, the assembly was dissolved in 1975 and Khalaf’s passport was withdrawn in 1978. Since then, the Bahraini opposition member has experienced many events on the sideline of his confrontation with the authorities. These events are punctuated by incarceration, hunger strikes, deportation, prosecution and the seizure of his passport.

Commenting on the recent decision taken by the authorities, Khalaf explained to As-Safir the circumstances and consequences of the decision to strip him of his nationality, as well as his future confrontation [with authorities].

Other citizens were also stripped of nationality, such as former MPs Jalal and Jawad Fairuz, lawyer Taymur Krimi, Saeed Shahabi, head of the Bahrain Freedom Movement, Ali Mushaima of the Haq Movement, and others. It is to be noted that Khalaf is a resident of Sweden and is teaching political science and sociology in Lund University.

As-Safir:  How did you receive the decision to revoke nationality?

Khalaf:  The decision was not surprising for many people, including me. The authorities have refused to renew my passport since the beginning of last summer, knowing that when it was last renewed it was only valid for one year.

In fact, the authorities are acting as if citizenship is not a right for citizens, but rather a grant from the ruler to his people, therefore he is entitled to revoke it whenever he desires. In the 1970s — more precisely in 1975 — after the state security campaign was launched, the passport’s validity for students travelling outside of Bahrain was one year to make sure the authorities are controlling the students’ activities when they travel.  A complaint can be filed before the courts against people who violate this law, but it can last for months and years, until the ruler proves his right to control the passport.

As-Safir:  What are the foundations that specify the ruler’s powers in this context?

Khalaf:  The citizenship requirements were identified in the 1930s and amended in the 1970s, denying the withdrawal of nationality except in cases of high treason. Threatening the state’s security is a reason that was recently adopted to withdraw nationality and we were accused of that in order to justify the authorities’ decision. It is necessary to prove this charge by providing documents and witnesses.

Moreover, nationality cannot be withdrawn based on this charge before a fair trial has been guaranteed, allowing the suspect to defend himself. Based on these conditions, what happened is a violation of Bahrain’s law and it seems that the interior ministry, which took this decision, has acquired powers that are not meant for it, since it is known that only the ruler has this right.

The [interior] minister decided to expand his powers, with the approval of the ruler of course, in order to exert pressure on the opposition. I need to note that Britain didn’t withdraw nationality from Abu Hamza al-Masri, who doesn’t have the British citizenship by birth, in spite of the charges against him.

As-Safir:  Some of those affected by the decision are Bahrainis while others have Iranian origin. Is there any distinction between these parties in the decision?

Khalaf:  In fact, talking about the origin of those whose nationality has been withdrawn is funny. Some people’s ancestors are not from Bahrain, but they and their parents were born in Bahrain. The king’s new law abolishes the distinction between Bahrainis by descent or by naturalization, while this distinction existed in the past. At that time, we said that amending this article was purely humanitarian, and what has recently happened is a coup against humanity.

As-Safir:  How do you explain the authorities’ decision at present?

Khalaf:  After the list of 31 names was issued, there were rumors stating that other names will be added for the withdrawal of nationality. I guess that the authorities are taking several measures at the same time, because they believe that they are able to eliminate the opposition.

They are stripping citizens of their nationality, arresting people for bombings and other reasons and launching dirty media campaigns against prominent figures from the opposition. However, these measures are nothing more than proof that the authorities are frustrated.

As-Safir:  Are you going to respond to this decision, and how?

Khalaf:  Of course, those whose nationality was withdrawn will coordinate with each other and with international human rights organizations regarding the steps that will be taken. A meeting will be held soon in Geneva, where committees will examine the excuses given by the authorities to withdraw nationality.

As for the legal measures that will be taken in Bahrain, the issue is worth examination by lawyers who know whether or not a result will be reached. However, the problem can be summarized with the fact that citizens can file a complaint — even though they have evidence proving their innocence — the court will decide that the offender is not guilty because he is member of security forces for example, and the authorities are afraid of accusing a security member, even if he is low ranked, for fear of affecting senior officials.

As-Safir:  What about the fact that you have the Swedish citizenship, is it an excuse to deprive you from the Bahraini one?

Khalaf:  My Swedish citizenship cannot be a reason. First, the decision has nothing to do with this issue and it is an unfair decision in all cases. Secondly, according to Bahraini law, before stripping the nationality of someone holding a dual citizenship, he is required to be given the right to choose, in the first place. The relevant person has the right to choose between the two nationalities that he has.

As-Safir:  Finally, what can you say?

Khalaf:  I would like to note that when my passport was withdrawn in 1978, the circumstances were much worse. Bahrain was just a small country that nobody had ever heard of. Moreover, my personal situation was very difficult and I didn’t have a place of refuge other than West Beirut.

Between 1978 and 2001, the authorities did not renew my and many others’ passports, but that has not prevented us from struggling. Despite everything the authorities will do, people will triumph in the end.

This article was first published in Arabic on 9/11/2012. Read original article.

The English content was translated by Al-Monitor. All rights reserved. 

 

مقابلة في ـ«الســفير»: تجريدنا من الجنسـية انقلاب على الإنسـانية

… وبعد أن غلب السلطات البحرينية اليأس من قدرتها على إسكات المعارضة، بدأت تجرّد «سيوفها»، الواحد تلو الآخر، علّها تقدر على احتواء تلك «العاصفة» التي تهدّدها، حتى وصلت إلى قرار تجريد 31 معارضاً من الجنسية البحرينية. المعارض المخضرم والبحريني العتيق عبد الهادي خلف كان واحداً من المشمولين بالقرار، ومن الذين ما زالوا يؤمنون بأن «المجد لا يُشترى إلا بعاصفة.. تجتث كل غشوم جائر نذل»، حسب ما قال يوماً، قبل سنوات طويلة على نزول البحرينيين إلى دوار اللؤلؤة، شاعر هيئة الاتحاد الوطني البحريني عبد الرحمن المعاودة.
مواجهة خلف، المولود في العام 1945، مع السلطات البحرينية عمرها أكثر من 40 عاماً، فهو بدأ بـ«إزعاجها» منذ وصوله إلى البرلمان في العام 1973، كممثل عن «كتلة الشـعب»، وهي ائتلاف بين عناصر يسارية وقومية. وقد استطاع خلف أن يصبح من أبرز الأعضاء الفاعلين في أول مجلس وطني تشريعي منتخب، فيما يعتبر من رافقوه في تلك الفترة أنه أكثر من وقفوا بثبات في وجه تمرير بعض القوانين الحكومية المجحفة وفي مقدمتها قانون أمن الدولة، وهو ما دعا الحكومة إلى إبعاده عن المجلس متذرعة بعدم قانونية سنه للدخول.
بعد ذلك تمّ حلّ المجلس في العام 1975، وسُحب جواز السفر من خلف في العام 1978، ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم محطات كثيرة عاشها المعارض البحريني على هامش المواجهة مع السلطة، تخللتها فترات أمضاها في السجن وأخرى أضرب فيها عن الطعام وهاجر وتم التضييق عليه وملاحقته، كما الحجز على جواز سفره.
وتعليقاً على موقف السلطات الأخير، يوضح خلف في حديث إلى «السفير» حيثيات قرار سحب الجنسية منه، ومن آخرين كالنائبين السابقين جلال وجواد فيروز والمحامي تيمور كريمي ورئيس «حركة أحرار البحرين» سعيد الشهابي وعلي مشيمع من حركة «حق» وغيرهم، فضلاً عن تداعيات وظروف المواجهة المقبلة. يُذكر أن خلف يقيم اليوم في السويد ويدرّس علم الاجتماع السياسي في جامعة «لوند» السويدية.
كيف تلقيتم قرار سحب الجنسية؟
لم يكن القرار مفاجئاً بالنسبة لكثيرين ومنهم أنا. لقد رفضت السلطات تجديد جواز سفري منذ بداية الصيف الماضي، علماً أن المسؤولين عندما جدّدوه آخر مرة كان ذلك لمدة سنة فقط.
في الواقع، تتصرّف السلطة على أساس أن الجنسية ليست حقاً للمواطن وإنما منحة من الحاكم للرعية، ولذلك يحق له (الحاكم) أن يسحبها متى يريد. وأشير هنا إلى أنه في السبعينيات، وفي العام 1975 تحديداً، بعد بدء حملة أمن الدولة بات جواز السفر الذي تمنحه السلطة للطلاب المسافرين خارج البحرين محدوداً بمدة سنة، وذلك كي تضمن السلطة التحكم في ما يفعله الطالب عندما يسافر. ومع أن التقدم بشكوى أمام المحاكم متاح أمام من يعترض على القانون، إلا أن الشكوى قد تمتدّ لأشهر وسنوات، حتى يثبت في نهايتها الحاكم «حقّه» بالتحكم في صلاحية الجواز.
ولكن ما هي الأسس التي تحدّد صلاحيات الحاكم في هذا الإطار؟
في الثلاثينيات تمّ تحديد شروط المواطنة، ثم جرى تغييرها في السبعينيات وباتت تحرّم سحب الجنسية إلا في حال الخيانة العظمى. أما تهمة تهديد أمن الدولة، التي ألصقت بنا لتبرير القرار، فقد استُحدثت مؤخراً. وهي تهمة لا بدّ لتأكيدها من تقديم وثائق وشهود، كما لا يجوز سحب الجنسية على أساسها سوى بعد إجراء محاكمة عادلة يتاح فيها للمتهم الدفاع عن نفسه. ووفقاً لهذه الشروط، يُعتبر ما حصل منافياً للقانون البحريني، كما يبدو أن وزارة الداخلية التي اتخذت القرار قد استحوذت على سلطة ليست من حقها، فالمعروف أن الحاكم وحده هو من يمتلك حق سحب الجنسية. وهكذا قرّر الوزير توسيع سلطته، بموافقة من الحاكم بالطبع، وذلك في إطار تشديد الضغط على المعارضين. أشير هنا إلى أن أبو حمزة المصري، ورغم كل ما فعله وعدم حصوله على الجنسية البريطانية بالولادة، لم تسقطها بريطانيا عنه.
بعض من شملهم القرار بحريني والبعض الآخر من أصول إيرانية، هل من تمييز في القرار المتخذ بين الطرفين؟
في الواقع الحديث عن أصل من سحبت جنسيتهم أمر مضحك. فهناك بعض الأشخاص أجدادهم ليسوا من البحرين لكن أهلهم وهم ولدوا في البحرين. مع العلم أن القانون الجديد الذي وضعه الملك ألغى الفارق بين البحرينيين بالولادة والبحرينيين بالتجنيس، بعد أن كان في السابق يميّز بين الطرفين. آنذاك اعتبرنا تغيير القانون قراراً إنسانياً بحتاً، وما حصل اليوم يعدّ انقلاباً على تلك الإنسانية.
كيف تفسرون قرار السلطة اليوم؟
بعد صدور قائمة الـ31 «مُجرّداً»، خرجت إشاعات تفيد بأن هناك أسماء أخرى يتم تحضيرها لسحب جنسياتها. هنا يبدو لي أن السلطة تحاول أن تضرب بسيوف عدة في الوقت ذاته لاعتقادها أنها قادرة على إلغاء المعارضة. تجريد المواطنين من جنسياتهم هو أحد هذه السيوف، إضافة إلى الاعتقالات وبعضها مرتبط بالتفجيرات والبعض الآخر لأسباب قديمة، والحملة الإعلامية البذيئة على شخصيات وأسماء كبيرة في المعارضة. ولكن كل هذه السيوف التي تلجأ إليها ما هي إلا دليل على أن السلطة قد أصيبت بالإحباط.
هل ستتحركون رداً على القرار.. وكيف؟
لا شك في أنه سيكون هناك تنسيق بين أولئك الذين سُحبت جنسياتهم، كما على مستوى التحرك مع منظمات حقوق الإنسان في الخــارج، وقريباً سيكون هناك اجتماع في جنيف وسيُطلب من الهيئات البحث في حجج النظام لسحب الجنسية.
أما مسألة التحرك في الداخل عبر السُبل القانونية، فهي مسألة تستحق الدراسة مع المحامين الذين يستطيعون معرفة إمكانية الوصول إلى نتيجة. ولكن المشكلة تتلخص في أن الشكوى فعلاً متاحة للمواطن، ولكن رغم امتلاكه للأدلة والبراهين التي تثبت براءته إلا أنه عندما يصل إلى المواجهة في المحكمة، تقوم الأخيرة بتبرئة المعتدي لأنه عنصر في القوى الأمنية مثلاً، فالسلطة تخاف اتهام أحد من العناصر الأمنية، حتى لو كان صغيراً، مخافة أن يصل الأمر إلى المسؤولين الكبار.
وماذا عن تمتعك بالجنسية السويدية، هل يُعدّ ذلك عذراً لحرمانك من البحرينية؟
بخصوص جنسيتي السويدية فهذا لا يمكن أن يعتبر سبباً. أولاً القرار الذي اتُخذ لا علاقة له بهذه المسألة، فهو قرار مجحف في جميع الأحوال. وثانياً، في القانون البحريني يقتضي تجريد الجنسية لمن يمتلك أخرى، تخييره أولاً ولصاحب العلاقة الحق في أن يختار بين الاثنتين.
كلمة أخيرة؟
أود أن ألفت إلى أنه عندما سحبوا مني الجواز في العام 1978 كانت الظروف أسوأ بكثير، كانت البحرين مجرّد بلد صغير لم يسمع عنه أحد، كما كانت ظروفي الشخصية بالغة الصعوبة ولم يكن لي من ملجأ حينها سوى منطقة غرب بيروت. وبين عامي 1978 و2001 لم تجدّد السلطة جواز سفري كما كثيرين، غير أن ذلك لم يمنعنا من النضال. وبرغم كل ما تفعله السلطة ستنتصر إرادة الشعوب في نهاية المطاف

http://www.assafir.com/MulhakArticle.aspx?EditionId=2304&MulhakArticleId=837606&MulhakId=4857.

باخرة محملة بالأسلحة والمفرقعات

تناقلت وكالات الأنباء وبعض نشرات الأخبار الرئيسية في الفضائيات الدولية فحوى بيان أمني حول ”إلقاء القبض فجر الثلثاء على عدد من الأشخاص كانوا يخططون لتنفيذ عمل إرهابي بهدف الإخلال بالأمن العام وترويع الأبرياء الآمنين وتهديد حياتهم”.
ولا غرابة في هذا الاهتمام العالمي بالخبر. ففيه كل الكلمات اللازمة بعد 9/11 لاسترعاء الاهتمام الإعلامي. فمن لا يتوقف عند كلمات مثل ”عمل إرهابي” و”تفجير عبوات مصنعة محلياً” بهدف ”ترويع الأبرياء الآمنين”؟ ولهذا استغرب صحافيٌ طلب مني التعليق على ذلك الخبر حين قلتُ إن عليْنا أن ننتظر حتى نعرف مدى صدق الخبر وجديته. فقد يكون واحداً من الأخبار المعتادة في مواسم المسيرات. وديسمبر/ كانون الأول هو شهر مسيرات معارضة وموالاة كما هو معروف.

ولم تتأخر المؤشرات المعتادة والمقلقة. فنشرت الصحف المحلية ما صرح به مصدرٌ في النيابة العامة بأنها لم تبدأ التحقيق في واقعة حيازة عبوات متفجرة إلا بعد يوميْن من اعتقال المجموعة المؤلفة من شخصيْن أو ربما ثلاثة (حتى ساعة كتابة هذه الملاحظات). كذلك تبيَّن أمران مقلقان رغم أننا تعودنا عليهما. أولهما أن المواد المتفجرة المضبوطة هي قنينتا غاز وآلة لحام وعدد غير محدد من كرات الحديد ”الصجم”. والثاني هو عدم حصول محاميي الدفاع على إذن لزيارة المعتقليْن وحضور جلسات التحقيق معهما قبل ”اعترافهما”. بل لم يطلع المحاميان على ملف القضية. ورغم هذا وذاك صرح مصدر مسؤول لا أشك في اطلاعه أو اطلاعها على أصول التحقيق بأن المتهميْن اعترفا في التحقيقات أي دون حضور محاميهما. ولهذا أمرت النيابة بحبسهما لمدة أسبوعين كما ندبت خبراء المفرقعات المختصين لفحص المواد المضبوطة. ولن يستغرب أحدٌ أن يصيب المتهميْن ما أصاب غيرهما فيستمر احتجازهما ”رهن التحقيق” لأشهر قبل إحالتهما للمحاكمة. حينها لن يستطيع أحدٌ أن يثبت أو ينفي تعرضهما للتعذيب لدفعهما إلى ”الاعتراف بالواقعة”.

بدلاً من الدعوة للتروي نقلت بعض الصحف المحلية بيانات التنديد بالعمل الإرهابي حتى قبل أن تبدأ النيابة العامة التحقيق مع الشابيْن المعتقليْن. وطالب منددون بإنزال أقصى العقوبات بما فيها إعدامهما. هذا النوع من التسرع متوقع وأن لم يكن مقبولاً، من بعض أفراد الجمهور الذين تُهيِّجهم البيانات الرسمية وخطباء المساجد. إلا أنه غير متوقع من أعضاء في المجلس النيابي. فمن أكثر من النواب المنتخبين حاجة للتروي قبل أن يصيبوا قوماً بجهالة؟
أ

كتبُ هذا وأمامي تصريح النائب عبداللطيف الشيخ وهو الأمين العام لجمعية المنبر الوطني الإسلامي[1] . فقبل أن يتبين النبأ أي قبل أن تبدأ النيابة العامة تحقيقها وقبل أن يتم إبلاغ محاميي المتهميْن بالتهم الموجهة لموكليْهما، أدان سعادة النائب ”التخطيط للتفجير والتخريب والنَّيل من أمن واستقرار البحرين”. بل أشار وليس لديه أكثر مما لدينا من أخبار إلى أن المعتقليْن يستحقان أشد العقاب حيث إن أعمال التخريب والتفجير والإفساد في الأرض حرَّمها الإسلام ونص القرآن على توقيع أشد العقوبات بمن يتورطون في مثل هذه الأعمال الإجرامية. الطامة أن النائب لم يتروَ بل رأيناه يناشد رجال الأمن، وليس السلطة القضائية، الضرب بيد من حديد. لا أشكك البتة في نوايا سعادة النائب ولا أزايد عليه في حب الوطن والرغبة في أن يعمّه الأمن والعدل. ما أعتبُ عليه فيه أنه لم يعمل على التهدئة ومناشدة الناس المهتاجين انتظار أحكام القضاء بعد سماع دفوع المتهميْن. فهذا هو ما نفترضه ممن يسعى لبناء دولة القانون. فماذا سيكون حال سعادة النائب حين تقرر النيابة العامة إخلاء سراح المعتقليْن أو حين يقرر القضاء براءتهما؟

لا أطرح هذا السؤال مماحكة ولا استفزازاً. فلقد عشتُ مثل كثيرين من جيلي عشرات الأمثلة على”مؤامرات” يتم اكتشافها وعن أشخاص تم اعتقالهم بل وعن أدوات إرهاب وتخريب. وفي كل مرة تقوم الدنيا ولا تقعد تنديداً بالمتآمرين وترتفع أصوات بعضها لعقلاء تطالب بالضرب بيد من حديد بل وتطالب باجتثاث البذرة من جذورها. ثم تهدأ الأمور وينسى الناس الأمر. وتتكرر الحكاية مرة بعد مرة. ”مؤامرةٌ” بعد الأخرى ثم اعتقالات تليها ”اعترافات” وتنديدات ومزيد من الضرب بيد من حديد. ثم مزيد من السلطات لجهاز الأمن.

لا أعرف ما عمر سعادة النائب وهل يتذكر تفاصيل حكاية ”باخرة الأسلحة” أم لا؟ على أية حال سأستعيد لفائدته وفائدة من لا يعرف بعض ما نُشر عنها في الصحافة المحلية لتبرير حل المجلس الوطني في .1975 ومعلومٌ أن الصحافة نشرت قبل الحل وبعده كثيراً من ”الأخبار” عن ضبط أسلحة ومتفجرات وذخائر ومنشورات وكتب ”لدى بعض الخلايا الشيوعية”. إلا أن قمة المضحك المبكي وصلت حين نُشر خبرٌ عن حجز سفينة محملة بالأسلحة والمفرقعات في المياه الإقليمية البحرينية. وتضمن الخبر تفاصيل جيمس بوندية عن إلقاء القبض على قبطان الباخرة وبحارتها ومصادرة الأسلحة التي كان مقرراً تسليمها لأشخاص معينين في البحرين[2]. وحسب الرواية سيئة الحبكة مثل فيلم من الدرجة العاشرة كانت الأسلحة المخبأة في أماكن سرية بالسفينة ”مشفوعة بخطة مستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”.  لا يعرف حتى ”الجن الأزرق” ما حصل لتلك الباخرة المحتجزة التي عُرضت أمام الناس في ”فرضة المنامة”. وبالطبع لا نعرف ماذا حل بربانها وبحارتها و”الأشخاص المعينين” الذين كان من المفترض استلامهم لتلك الأسلحة و”الخطة المستوردة من خارج البحرين للاغتيالات وأعمال التخريب”. ما نعرفه إنها كانت واحدة من عشرات القصص التي كان يفبركها هندرسون وجهازه لتبرير اتساع سلطاته. ومعلومٌ أن الميزانية الموضوعة تحت تصرفه زادت بفضل باخرة الأسلحة المزعومة وأمثالها إلى ثمانية أضعاف ما كانت عليه قبل حل المجلس الوطني.

لا داعي لتفاصيل أو أمثلة أخرى. فلعل ما سبق يكفي لأن يرى سعادة النائب عبداللطيف الشيخ بصفته هذه أو بصفة الأمين العام لجمعية سياسية أهمية التروي وعدم الانجرار وراء مشعلي الفتن. ولعلّه وغيره ممن ساروا على نفس الطريق السريع يتراجعون عن هذه التصريحات غير البناءة التي تزيد معوقات بناء دولة دستورية تضمن التكافؤ والمساواة وحكم القانون

 

مقال منشور في الوقت23 ديسمبر 2008

 

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9079

____________________________________________

 

1] ”المنبر الإسلامي تستنكر التخطيط لعمل إرهابي في العيد الوطني”، صحيفة الوسط. 19 ديسمبر/كانون أول 2008
[2] انظر ما نقله حسن عبدالله المدني عن تغطية مجلة ”المواقف” الأسبوعية لقصة الباخرة ضمن موضوع ”كرة النار المتدحرجة منذ ثلاثة عقود” في موقع مكتبة الموسى الثقافية على الرابط:
http://www.al-  mousa.net/web/play.php?catsmktba=832

__________.