مسيرة 7 سبتمبر 2012 ….. مسيرة نبيل

.

قبل أكثر من ثمانية أشهر , في مساء الجمعة 6 يناير الماضي تقدم نبيل رجب مظاهرة صغيرة إنطلقت من فريق المخارقة بإتجاه فريق الحطب في المنامة.  لم يزد عدد الذين شاركوا في تلك المظاهرة عن بضعة عشرات.  لم يتمكن نبيل ومن معه من إكمال المسيرة بعدأن إعترضت طريقهم قوات الأمن التي قامت بتفريقهم بالشدة المعتادة.  كان نبيل من بين من تعرضوا للضرب فنُقل إلى مستشفى السلمانية.  إلا أن غضب السلطة على جرأة الرجل لم يتوقف. ولهذا رأيناها تلاحقه بأذاها حتى بعد أن أدخلته السجن.

لم تشارك جمعيات المعارضة الرسمية في تلك المسيرة. فهي لم تشأ أن تتحدى السلطة إلى حد أن تنقل أنشطتها الجماهيرية إلى المنامة. نعم  لم تتخلى جمعيات المعارضة عن إستخدام مقراتها في المنامة لعقد الندوات والمؤتمرات. إلا السلكة كثيراً ما منعت عقد تلك الندوات رغم إن حضور أغلبها لا يزيد عما تستطيع قاعات تلك المقرات إستيعابه.

من السهل الإشارة إلى عدة أسباب وأعذار تفسر موقف الجمعيات  المتوجس من إستفزاز السلطة.  أما أولها فهو قانون الجمعيات لعام 2005 الذي قبلت الجمعيات نفسها أن تسجل نفسها تحت شروطه رغم إجحاف تلك الشروط.  فالقانون يجيز للسلطة  معاقبة أية جمعية تخالف أنشطتها “أحكام الدستور” أو أيٍ من القوانين المرعية بإيقاف نشاط الجمعية مؤقتأً أو نهائيا  وتصفيتها و ومصادرة أموالها. لقد وافقت الجمعيات السياسية على الخضوع لتلك الشروط المكبلة رغم معرفتها أن السلطة ستسخدم جميع صلاحياتها. بل ولقد رأت تلك الجمعيات نُذرنوايا السلطة متمثلة في جهود الوزير د. مجيد العلوي في ملاحقة نشاط مركز البحرين لحقوق الإنسان والتي تمخضت عن إغلاق المركز ومصادرة أمواله. (الوسط  1/2/2005)ا

أما السبب الثاني فهو ما أسميه بغواية الأجنحة التي قادت أقسام مؤثرة في قيادات الجمعيات السياسية وكوادرها إلى الإقتناع إلى حد الإيمان بأن في السلطة جناحيْن. أحدهما جناح خير والآخر جناح شر. (انظر مقالي بغواية الأجنحة 1/6/2012).  و حسب هذه الغواية يتوجب على المعارضة الرسمية أن  تساند الجناح الخيِّر في السلطة الخليفية عن طريق كبح جماح الأطراف “المتطرفة” في صفوفها و التبرؤ من الشعارات الإستفزازية . ومعلومٌ أن هذه الشعارات هي الغالبة في المظاهرات اليومية في المناطق المختلفة من قبيل “يسقط حمد” أو” الشعب يريد إسقاط النظام”.  ومازالت الغواية تفعل فعلها كما رأينا في تصريح  مؤخراً لأحد قادة المعارضة الرسمية “أن يخرج شعار هنا وشعار هناك، هذا لا يمثلنا ولكننا نحن نرفع الشعارات التي تترجم المطالب الحقيقية التي نرى أنها هي المخرج”. (راديو سوا بتاريخ 8/9/2012)ا

أقولُ لقد إقتنعت أطرافٌ قيادية في المعارضة الرسمية بأن “الجناح المعتدل” في السلطة على إستعداد للتضحية بجميع الأجنحة الأخرى في العائلة الخليفية في سبيل تحقيق الإصلاح السياسي الذي يضمن إستفرار الحكم. إلا أن تلك الأطراف القيادية عجزت عن تفسير مشاركة “الجناح المعتدل” في مختلف الإنتهاكات التي إرتكبتها السلطة منذ إدخال الجيش السعودي لقمع إنتفاضة الدوار وإعلان حالة الطوارئ في البلاد.

أما السبب الثالث فهو إن إستكبار السلطة بلغ حداً جعلها لا تعطي لاحدٍ في صفوف المعارضة مهما بلغ من “الواقعية” حجة للدفاع عنها. وهي لم تترك لإحدٍ  مهما كان للإستمرار في تسويق فكرة صراع  المتطرفين  الصقور والمعتدلين الحمائم  في السلطة.  حتى صار بعض هؤلاء موضع سخرية من جمهور يعيش نهاراً وليلا في خوف على أمنه وماله بل والموت أما برصاص الشرطة او بما تطلقه من  قنابل غازمسيل للدموع .

طوال أكثر سنة ونصف على قمع إنتفاضة الدوار وماتلاها من فظائع لم يستطع  دعاة الواقعية وفن الممكن في المعارضة أن يقدموا مؤشراً واحداً, ناهيك عن دليل, على وجود ما أشاعوه عن فروق بين الملك وعمه أو بين أي منهما وولي العهد.  بل جاء موقف السلطة, باجنحتها وأصولها وفروعها, متكاتفاً حتى تجاه عدم تنفيذ التوصيات الجوهرية في تقرير بسيوني.  وواصلت المحاكم المدنية ما بدأت به المحاكم العسكرية, وإستمرت الملاحقات والإعتقالات والمنع من العمل كما إستمرت حملات الإعلام الرسمي التي لم توفر أحداً من بذاءاتها حتى ولو كانوا على هامش الساحة السياسية.

أما السبب الرابع فهو تركيبة جمعيات المعارضة وإختلاف خلفياتها ومرجعياتها. ولقد رأينا أن تلك التركيبة وذلك الإختلاف منعا (ربما حتى 14 فبراير 2011) الجمعيات السياسية الرسمية من التوصل إلى توافقات مشتركة على برنامج وطني لبناء دولة دستورية تضمن الحق في المواطنة المتساوية لجميع بناتها وأبنائها.

ومعلومٌ أن إحدى مصادر قوة السلطة الخليفية تكمن في قدرتها على تنفيذ سياسة “فرق تسد” والإمساك بسيف التفريق الذي تحركه كيفما ووقتما تشاء.  ولعلني لا أحتاج هنا إلى أكثر من الإشارة إلى الإنقسام الأفقي في الشارع السياسي الذي أحدثه تلويحها, أي السلطة, بقانون الأحوال الشخصية في 2005.  وهاهي السلطة في هذه الأيام تعيد التلويح بذلك القانون مرة أخرى. إلا أن ما يبشر بالخير أن بعض من وقعوا في الفخ وقتها إكتشفوا مؤخراً “إن تحريك السلطة لملف لأحوال الشخصية هو لشق صف المعارضة”. ( الشيخ عيسى قاسم  في خطبة الجمعة بتاريخ 7/9/2012)ا

صموووود

طوال الأشهر الثمانية التالية لم يتعب نبيل رجب من تكرار إحدى كلماته المفضلة: صمووود. ولم يتعب نبيل, ولا الآخرون من رفاقه, من تكرار توجيه مناشداتهم إلى جمعيات المعارضة ألا تتجاهل المنامة, عاصمة البلاد. و ألا تقع في مصيدة السلطة التي تريد أن تحصرالأنشطة السياسية وخاصة المسيرات الإحتجاجية والمواجهات في محيط بعض القرى بعيداً عن المنامة.  ومعلومٌ إن الأجهزة الأمنية تستطيع بسهولة وبدون كلفة سياسية أو أمنية عالية أن تحاصر أنشطة المعارضة في تلك القرى وتمنع الوصول إليها حتى تؤكد لبقية المواطنين وللرأي العام الخارجي أن المواجهات هي مواجهات محلية ومعزولة ومتفرقة.

بعد أكثر من ثمانية أشهرعلى تلك المظاهرة الصغيرة التي قادها نبيل رجب في 6 يناير الماضي إحتضنت المنامة جمعيات المعارضة, الرسمية منها وغير الرسمية,  في مسيرة إعادت لأحيائها أهميتها الحيوية كساحات لنشاط المعارضة وللمواجهة  الجدية مع السلطة. نعم لم يشارك نبيل شخصياً وهوفي سجنه في مسيرة 7  سبتمبر ولكن الناس كلهم يعرفون إنه كان معهم يردد الكلمة نفسها: صمووود.

 جوقة الإستنكار المعتادة

لم يكن مستغرباً أن نسمع الأصوات المنددة بالدعوة لتنظيم المسيرة  من وزراء ووجهاء متعددي الوجاهات علاوة على الإعلاميين والشاكردية.  وكما العادة  رأينا رئيس مجلس النواب خليفة الظهراني يلخص موقف السلطة من تلك المسيرة.  فهو يراها خروجاً على القانون وتحدياً  للسلطة.  وهي خطر على الاقتصاد الوطني وعمليات الاستثمار والسياحة ناهيك عن سمعة البلاد.  ومعلومٌ أن رئيس مجلس النواب دافع عن هجوم القوات السعودية على دوار اللؤلؤة وتنكيلها بالمعتصمين فيه.  بل هو لم ينبس ببنت شفة لإدانة هدم المساجد وإنتهاك حرمات المنازل وقتل المتظاهرين في الشوارع أوالتنكيل بالمعتقلين في السجون.  إلا إنه يعلن الآن إن القيام بمسيرة في شارع واحد من شوارع المنامة  سيكون مصدر ضرر بمصالح المقيمين والقاطنين بالمنطقة بما ستسببه من إزدحام مروري يتضرر منه “أصحاب المصالح العامة والخاصة والإنسانية، وما يسببه من خوف وتوتر لدى الناس”. (الوطن 8/9/2012 )ا

     من جهته أدان السيد خالد المسقطي رئيس لجنة الشئون المالية والاقتصادية بمجلس الشورى ما سماه “دعوات الفوضى والشغب التي تستهدف زعزعة الاستقرار وإحداث  الضرر المباشر بالحركة التجارية والاقتصاد الوطني”. وكعادة أمثاله في مثل هذه المناسبات كرر المسقطي  “تقديره لدور رجال الأمن في التصدي لمحاولات زعزعة الاستقرار والسلم الأهلي و تمكنهم من حماية الممتلكات العامة والخاصة بكل مسئولية”. فمسيرة المنامة ليست سوى مؤامرة كشفت له “أن الغاية من هذه التحركات في العاصمة هو التأثير على سمعة المملكة على المستويين الحقوقي والاقتصادي.” مضيفاً أنها “غاية لم ولن تتحقق”. وبطبيعة الحال لم يسأله أحد عن سببغضبه إذا كانت المسيرة لن ولم تحقق هدفاً. (وكالة أنباء البحرين 8/9/2012)ا

بطبيعة الحال لم  تكتف السلطة بإستنطاق الظهراني والمسقطي وأمثالهما من نواب وشوريين  فإستدعت الأسماء المعتادة  وأضفت على أصحابها مختلف نعوت الوجاهة اللازمة.  فرأينا الناشط الحقوقي   والتاجر وسيدة البيت ورجل الدين علاوة على “الشخصيات الوطنية” و”الفعاليات الإجتماعية” ناهيك عن “نشطاء المجتمع المدني”  ممن  لا تعرف الناس أسماءهم أوممن لا ترغب الصحف في فضحهم.  ضمن المجموعة المعلنة أسماؤها رأينا رجل دين يستنكر “المشاركة في مسيرة لم ترخص لها وزارة الداخلية  (بإعتبارها) تحدياً  مباشراً للسلطة ومحاولة إثبات وجود وهوية   لإضفاء زخم أكبر على المعارضة في الشارع البحريني”. ورأينا ناشطاً حقوقياً يتهم المعارضة بأنها ليست معارضة بل مجموعة من الدخلاء على البلاد  تعمل من أجل “تحقيق مطالب غير مشروعة لا يقبلها الشارع البحريني”. (الوطن 9/9/2012)ا

توسيع ساحات المواجهة وآفاقها

أحدثت  مسيرة المنامة  قبل وبعد القيام بها  عدداً من التغييرات التي يصعب التنبؤ بمفاعيلها في المستقبل. فلقد  ألغت مسيرة 7 سبتمبر في المنامة عمليا قراراً قراقوشياً أصدره  وزير الداخلية بمنع     المسيرات في العاصمة ليس فقط ولأنه يصادر حقاً أساسيا من حقوق الإنسان بل وأيضاً لأنه يكبل نشاطها وقدرتها على القيام بدورها الذي تطالبها الناس القيام به.

إلا إنني أود أن أتوقف عند بداية تغييرين آخرين أحدثتهما جهود السلطة  عشية مسيرة المنامة وبعدها. فلقد وسَّعت السلطة مساحة مواجهتها مع المعارضة حين أضافت عنصريْن  كان دورهما هامشياً في السنوات الماضية:   التجار والجاليات الأجنبية. و لعل ما نُشر حول  تشكيلة الوفد الرسمي وحواشيه المتواجدين في  جنيف يكشف إن السلطة تتجه إلى مأسسة دور التجار والجاليات الأجنبية في المواجهة بينها وبين قوى المعارضة.  وهذا يعني أن على المعارضة سواء كانت ستكتفي  بإصلاح النظام أم تريد إسقاطه أن تضيف هذا التطور إلى حساباتها بما يفرضه من تعقيد وما يوفره من فرص وإمكانيات.

تحشيد التجار

كان التجار بمجموعهم وكشريحة, طوال العقود السابقة, على هامش المواجهات بين السلطة والمعارضة. فهم تعودوا على الوقوف على الحياد في أوقات الأزمات التي     تمر بالبلاد بين الفينة والأخرى. إلا هذا لا ينفي أن للتجار إسهاماتهم كأفراد في جانب السلطة أو المعارضة وخاصة منذ الخمسينيات.  ولقد أشرتُ في مقال سابق (غزوة جواد على خطى خليفة بن سلمان 15/4/2012)  إلى أن رئيس الوزراء خليفة بن سلمان إستدعى بعد خمسة أسابيع على دخول القوات السعودية إلى البحرين في 15 مارس 2011 حشداً كبيراً من التجار ورجال الأعمال البحرينيين لتقريعهم  على ما إعتبره مواقفهم المترددة مؤكداً أن “الولاء هو المعيار الذي سيستخدمه في علاقته بهم”. و سمع الحاضرون منه تصنيفهم إلى ثلاث فئات حسب مواقفهم في فترة إحتجاجات دوار اللؤلؤة.  فهنا فئة “التجارالوطنيين”  اي الذين أثبتوا إخلاصهم للعائلة الخليفية.  و فئة “التجار الضد” أي الذين تعاطفوامع المعتصمين في الدوار وعليهم الآن أن يتوقعوا أن  تتم مقاطعتهم بإعتبارهم أعداء. أما تلك الفئة المحايدة أي غالبة تجار البحرين الذين فعلوا ما  تعودوا على فعله طوال العقود الماضية أي النأي بأنفسهم عن المواجهات وتركيز الإهتمام بتجارتهم. إلا إن خليفة بن سلمان لم يتركهم في حالهم بل طالبهم بإتخاذ موقف. ولعل هناك من ذكّرهم بما قاله الرئيس الأميركي بوش: من ليس معنا فهو ضدنا.

بعد أيام من ذلك الإجتماع رأى الناس تفعيل ما أعلنه خليفة بن سلمان من عقاب للتجار الضد. فما بين المقاطعة والحرمان من مناقصات الحكومية إلى الغزوات المنظمة في رعاية الشرطة لمحلات     كثيرة من بينها محلات جواد.  أما الآخرون فلقد تعلموا الدرس  فصاروا يتدافعون لإبراز مدى ولاءهم للسلطة ولتأكيد إنهم ليسوا محايدين بل هم في الصف الأممي للدفاع عن السلطة الخليفية ولخليفة بن سلمان بالذات. فإزداد تواجدهم في المجالس الإسبوعية لخليفة بن سلمان وأبنائه.

إستوعب كثيرون من التجار إن هذا لا يكفي لإرضاء السلطة الخليفية. ولهذا نراهم يزايدون في التعبير الولاء حتى على أفقر الموالين وأكثرهم حاجة لمكرمات هذا الشيخ أو ذاك.  ولهذا رأينا مدى إسفاف تصريحاتهم ومبالغتها في التذلل عشية مسيرة المنامة وبعدها.  فعلى سبيل المثال سارع د. عصام فخرو رئيس غرفة تجارة وصناعة البحرين لإبلاغ رئيس الوزراء بإسم مجلس إدارة الغرفة إنهم  يقفون في صف الحكومة جنباً إلى جنب للحفاظ على الأمن والاستقرارفي البلاد وضد كل من يسعى إلى زعزعة أمنها. وإتهم عصام فخرو الجمعيات السياسية الداعية لمسيرة المنامة إنها تمارس التأزيم دون مبرر. (الأيام 9/9//2012)ا

ينتمي د. عصام فخرو إلى أحد أهم  البيوتات التجارية في البحرين. ولبعض أفراد عائلة فخرو دورٌ بارز ومعتبر في تاريخ الحركة الوطنية في البحرين. فمن ينسى دورالمناضلين المرحومين إبراهيم فخرو وعبدالله فخرو وليلى فخرو في مسيرتنا المستمرة نحو وطن حر وشعب سعيد؟ إلا أن من سمع  أو قرأ تصريحات  د. عصام فخرو يظنه يعيش في كوكب آخر فلم يسمع بالإنتهاكات متعددة الأشكال التي حدثت منذ دخول  القوات السعودية إلى البحرين وإعلان حالة الطوارئ في البحرين. بل هو يعتبر أن  السلطة مظلومة حين يصفها معارضوها بأنها ” لا تراعي مصالح شعبها”. ورغم إن فخرو يعرف إن المتظاهرين في البحرين لم يتعرضوا للمحلات التجارية بسوء  حتى في أوج إنتفاضة دوار اللؤلؤة إلا إنه تبرع بإدانة مسيرة المنامة بل إعتبرها “إستهدافأ لسوق المنامة” متوعداً الناس بأن التجار ربما يقومون بتقليص العمالة مما يزيد من أعمال العاطلين عن العمل.

لا يكتفي د. عصام فخرو بأن يقف  صامتاً وهو يرى وزارة العدل وهي تمنع الناس من التعبير عن رأيهم وحقهم في التجمع والتظاهر السلمي ولا يكتفي بأن يصمت وهو يرى وزارة الداخلية تعتقل     المشاركين في تلك التجمعات وتحيلهم إلى نيابة تصيغ التهم الفضفاضة ثم تحيلهم  بدورها  إلى قضاء لديه قفة أحكام جاهزة  يلتقط القاضي منها ما تيسر.  بل هاهوعصام  فخرو يحول غرفة التجارة والصناعة إلى  جهاز أمني حكومي يهدد الناس أن لم يرعووا  بعقوبات جماعية تتمثل في قطع الأرزاق حين ينفذ وعيدهه بأن التجار سيقلصون العمالة مما يزيد من أعداد العاطلين عن العمل

تحشيد الجاليات

استدعى وزير الداخلية مؤخراً  ممثلين عن اتحاد  جمعيات الجاليات الأجنبية المقيمة في البحرين ليخبرهم بأن السلطة مهتمة بتفعيل  دورهم فيما يخدم الإستقرار. وركز الإعلام الرسمي على السيدة بيتسي ماثيوسن عبدالرحمن بصفتها الأمين العام للاتحادز ومعلومٌ أن إسمها برز طوال السنة الماضية وهي تدافع  في مختلف المواقع الإعلامية عن جرائم السلطة.  أكدت السيدة بتسي ماثيوسن عبدالرحمن للوزير أن إتحادها يدعم وزارة الداخلية ويقدرالخدمات الأمنية التي يقدمها رجال الأمن رغم التحديات الكبيرة التي يواجهونها.  كما “أشادت بشجاعة رجال الشرطة وقدرتهم على ضبط النفس ومهنيتهم التي بدت في عديد من المواقف الصعبة. إلا أن الوزير أراد المزيد من ضيوفه فطالبهم  بإيصال أصواتهم إلى ” خارج حدود البحرين، فبعض ما دار هنا بحاجة إلى أن يصل إلى البعض الذين لا يعيشون هنا، ولا يعرفون الوضع الذي نواجهه”. ” (أخبار الخليج 14/9/22012)ا

تأمل السلطة حسبما نقل مدير أخبارالخليج (16/9/2012) أن تقوم الجاليات الأجنبية  بدور إضافي يتحقق حين يستمع “سفراء وقناصل الدول الأجنبية وسفاراتها في البحرين..إلى آراء جالياتها     واتحاد جمعيات الجاليات الأجنبية بدلا من الاستماع إلى أكاذيب وتلفيقات جمعية الوفاق ومن لف لفها حول الأوضاع في البحرين، لأن صوت الجاليات هو الحق بينما صوت الوفاق هو الباطل” .ا

مساحات جديدة ومهمات إضافية أمام المعارضة

بتحشيد السلطة للتجار  وبأقحامها للجاليات الأجنبية تهدف السلطة إلى تصعيد  نزاعها مع قوى المعارضة.   إلا أن هذا التصعيد يفتح مجاليْن رحبيْن كانت المعارضة تتحاشاهما لأسباب كثيرة.  وهذا يعني أن على المعارضة الآن  تأخذ على  عاتقها مسئوليات إضافية لتوسيع أنشطتها ضمن هذيْن المجاليْن أي القطاع التجاري والجاليات.

بطبيعة الحال تأمل السلطة أن تحتكر النشاط السياسي للجاليات الأجنبية ,ان تجعلها أدوات ضغط على “السفارات والقنصليات في البحرين”. وتأمل السلطة أن تتوسع في إستخدام أفراد الجاليات في مناوشاتها الإعلامية مع قوى المعارضة سواء في وسائل الإعلام البحرينية أو الأجنبية.  إلا أن السلطة سرعان ما ستكتشف إنها لا تستطيع شراء كل أفراد الجاليات الأجنبية كما هي لم تستطع شراء المواطنين.  علاوة على هذا وكما كتب د.منصور الجمري “مادامت الحكومة ادخلت الجمعيات الاجنيية في الشأن العام، يمكن للمعارضة ان تذهب اليهم وتعرض عليهم وجهة النظر الاخرى وتدعوهم لفعالياتها… فتمكين جمعيات الجاليات الاجنبية سياسيا لايضر الحركة الديمقراطية لان هؤلاء عليهم حساب وعتاب من بلدانهم ذات الثقافة الديمقراطية”.

من جهة ثانية يضيف دخول التجار كشريحة وليس كأفراد  فئة إجتماعية هامة إلى ساحة النزاع حول صيغة النظام السياسي الأفضل لتقدم البلاد وإستقرارها.  بل وربما يمكن القول إن هذا سيشكل منعطفاً جديداً في تاريخنا. نعم سيقف بعض التجار وأصحاب الأعمال من أمثال عصام فخرو و خالد المسقطي وغيرهما  في صف النظام.  بل وربما قاتلوا في سبيله.  ولكن أين سيقف الآخرون ممن يكتشفون يومياً إن تصلب السلطة وعنفها  ناهيك عن فسادها وإنتهاكها لحقوق الإنسان هو ما يمنع الإستقراراللازم لممارسة التجار تجارتهم وأصحاب الأعمال أعمالهم؟

نعم هناك تبسيط يسوقه الإعلام الرسمي الذي يربط عدم قدرة  السلطة على توفير الأمن والإستقرار سببه إنها “لم تقمع مسسبي الإضطرابات والمحرضين عليها بالشدة اللازمة”.ولهذا ستزداد عدداً وإرتفاعاً  تلك الأصوات التي تكررالمناشدات التي سمعناها منذ 14 فبراير 2011  وتطالب السلطة بالضرب “بيد من حديد بعد أن ثبت أن طيبة السلطة ولينها لا ينفع مع هؤلاء”.  بل و سيزداد عدد الداعين  إلى إعادة البلاد إلى عهد أمن الدولة

أقول هذا تبسيط يسوقه الإعلام الرسمي لأن هناك من التجار من يلوم السلطة على تصلبها وعلى إفراطها في إستخدام العنف.  ومن التجار من يرى أن اليد الحديدية التي إستخدمتها السلطة وخاصة بعد إدخال القوات السعودية فاقمت الوضع الأمني بدلاً من معالجته.  وفي هذا الصدد يجب الإنتباه إلى تداعيات حملة المقاطعة التي شنتها أجهزة في السلطة  مباشرة بعد إجتماع  خليفة بن سلمان بالتجار وتهديده لهم. نعم أنهكت المقاطعة هذا البيت التجاري وذاك.  ونعم أدت إلى إفلاس رجال أعمال وتقليص حركة آخرين.  إلا إن تداعيات حملة المقاطعة لا تنحصر في ضحاياها المباشرين من تجار ورجال أعمال بل هي تؤثر في السوق كله.  شيئاً فشيئا سيتضح لكثيرين بمن فيهم من هللوا لحملة المقاطعة إن المستفيد ألأول منها هي الإمبراطورية التجارية  المالية التي يمتلك خيوطها خليفة بن سلمان نفسه.

من جهة أخرى فمن المعلوم أن بين التجار في البحرين كثيرون من مواطني بلدان ديمقراطية.  فالقادمون من الهند على سبيل المثال يعرفون  أن ممارسة الناس لحقهم التظاهر لا تحصره القوانين ولا الأوامر الإدارية ولا الأعراف في القرى أو في مناطق خارج المدن.  بل هم يعرفون أن التظاهرات الحاشدة حتى في قلب المدن المكتظة لا تعطل الأعمال والتجارة إلا حين تلجأ الشرطة أو بلطجية السلطة إلى إستخدام العنف.  وحتى صاحب الدكان الصغير يعرف من خبراته في بلاده إن إفراط الشرطة في إستخدام العنف يؤدي تحويل التظاهرات  السلمية إلى عنفية والمسيرات الصغيرة إلى مواجهات كبرى. ويعرف إنه لم يكن مضطراً لإغلاق دكانه لو تُركت المظاهرة الإحتجاجية تسير في طريقها.  هذه الخبرات لاتنمحي من ذهن المهاجر البنغالي أوالكيرالي لمجرد أنه جاء إلى البحرين.

يعرف دارسوالمقاومة المدنية أن  نجاحها مشروط بقدرتها على إحداث تغييرملموس في ميزان القوى بينها وبين السلطة.  وتشمل هذه قدرتها على التأثير في الأطراف المحايدة وحتى المؤيدة للسلطة سواء أكانت هذه الأطراف محلية أو خارجية.  وتتضح أهمية ذلك بصفة خاصة في الوضع البحريني بإعتباره مثالاً مدرسياً على المواجهة بين  طرفيْن غير متكافئيْن.  فللنظام قدرات دولة لها مواردها وتحالفاتها وآلتها وآلة جيرانها العسكرية والأمنية.  إلا إن حالة عدم التكافؤ هذه لم تحقق للسلطة نصراً ولم تفرض على المعارضة ولا على جمهورها قبول ما لا يمكن قبوله.

ولهذا تسعى السلطة الخليفية لتحريك  طاقات  أطراف كانت تهمشها في السابق أو تزدريها.  فمساعي تحشيد التجار والجاليات الأجنبية هي مؤشرات على بداية التغيير التدريجي الحاصل في ميزان القوى لصالح قوى المعارضة الرسمية منها وغير الرسمية.  إلا هذه الموشرات الإيجابية تحتاج إلى تثبيتها بإجراءات عملية إضافية منها منع إحتكار السلطة لدور التجار والجاليات الأجنبية في النزاع القائم.  وبطبيعة الحال فإن  قدرة قوى المعارضة على  القيام بتلك الإجراءات ومن ثم تحقيق الإنتصار تتطلب أولاً وأخيراً التنبه إلى إن قوتها وفاعليتها كمعارضة ترتبطان تصاعديا بقدرة أطرافها, سواء كانوا تنظيمات أو أفراد, على التمسك بالوحدة الداخلية رغم تنوعهم والإصرارعلى الأهداف المشتركة رغم الغوايات.

ماذا بعد؟

يجدر بي أن أختم هذه الملاحظات بتكرار التشديد على الإيجابيات الكثيرة التي نتجت عن  تنظيم مسيرة 7/9 وإستعادة العاصمة كساحة من مساحات المواجهة مع السلطة. ولعل أول هذه الإيجابيات التي تحققت ليلة مسيرة نبيل رجب هو ما لاحظه الناس ولاحظته السلطة والمراقبون الخارجيون  من تماسك قوى المعارضة سواء كانوا  ممن ينادون  بإسقاط النظام أو ممن لا يريدون إسـقاطه. وهو تماسكٌ يحتاج إستمراره وتثبيته إلى جهود من جميع الأطراف المعنية ببناء دولة دستورية يكون الشعب هو مصدر السلطات فيها, دولة تستند شرعيتها إلى إرادة الناس وليس إلى موروث الغزو والقوات الســعودية

لقد  نجحت جمعيات المعارضة في تحدي القرار القراقوشي  الذي يجعل المنامة خارج حدود الوطن الذي تتحرك المعارضة فيه وله.  ولكن تبقى  سئلة متعددة مشتقة من: ماذا بعد؟  هل كان ذلك الإنجاز مؤقتاً؟ وكيف يمكن ضمان إستمراره؟  هل ستجرؤ الجمعيات الرسمية على تكراره أم  ستعود إلى قبول حصارها في ساحات القرى؟  من جهة أخرى ماهي النتائج العملية للتصريح بأن “تحريك السلطة     لملف لأحوال الشخصية هو لشق صف المعارضة”؟  هل سيتولد عن هذا التصريح مواقف سياسية تنتزع هذا السلاح التفتيتي من  يد السلطة وتقود إلى موقف وطني توافقي حول تقنين حقوق المرأة؟ أم ستبقى المسألة موضوع تجاذب قد يقود إلى المراوحة كما هو الحال الآن أو إلى صفقة مقايضة جديدة؟ وأخيراً ماهي خطط المعارضة للتحرك المضاد في صفوف التجار وفي  صفوف الجاليات الأجنبية؟

لا يملك أحدٌ الآن إجابات هذه الأسئلة ولا على ما يتولد منها.  فما زالت معطياتها تتبلور في حومة المواجهة بين السلطة وانصارها وقوى المعارضة وأنصارها. إلا إنني أزعم إن الطريق صارت بعد مسيرة سبتمبر, مسيرة نبيل, أكثر وضوحاً ومباشرة مما كانت عليه قبل ذلك التاريخ.

عبدالهادي خلف

.

Advertisements