نموذج من نماذج العبودية الطوعية

نموذج من نماذج العبودية الطوعية
مافيش فايدة:……. لقد تعودوا على تعطيمه

 

نقلاً عن الوطن نيوز

.

مرافعة امين عام جمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد” ابراهيم شريف

مرافعة امين عام جمعية العمل الوطني الديمقراطي “وعد” ابراهيم شريف السيد موسى امام محكمة الاستئناف العليا الجنائية حول كيدية التهم

 أشكركم على إتاحة الفرصة لي للحديث أمام هذه المحكمة الموقرة بعد حرماننا من حقنا في الدفاع عن أنفسنا أمام محكمتي السلامة الوطنية رغم فداحة التهم والبون الشاسع بينها وبين الحقيقة التي لا يمكن لفصاحة الإدعاء/النيابة إخفائها، وهو الإدعاء الذي اعتمد أساساً على أقوال انتزعت بالتعذيب أو بناءً على “المصادر السرية” المصطنعة لجهاز الأمن الوطني، الذي افتضح أمره بعد إصدار تقرير اللجنة البحرينية لتقصي الحقائق (“لجنة بسيوني”)، والتي صيغت من أجل تمرير أحكام الإدانة الجاهزة والمعدة مسبقاً.

محكمة أفكار: هذه المحاكمة أيها السادة الكرام، كانت منذ بدايتها محاولة لمحاكمة الأفكار وتفتيش النوايا، و للتدليل على التهم الموجهة لي ساقت النيابة مجموعة من الأقوال المنسوبة لي مثل “لا شرعية لنظام يقتل شعبه” و”لا شرعية لدستور 2002″ و”النظام ناقص شرعية” أو “نظام الحكم فقد شرعيته” وإن “الجيش البحريني غير وطني” وان “الأسرة الحاكمة غازية” وأنها “تستولي على ثروات البلاد” وإني “أفضل النظام الجمهوري” وإني دعوت “لإسقاط المجالس النيابية”. ورغم توافر كم كبير من التسجيلات المرئية والصوتية والكتابات لي أثناء الحراك الشعبي الذي انطلق في 14 فبراير وقبلها فإن النيابة فشلت في استحضار دليل واحد يثبت أنني دعوت لاستخدام العنف أو العمل على قلب نظام الحكم بالقوة. إن الأفكار أيها السادة لا يمكن اغتيالها أو اعتقالها، ولا يمكن هزيمتها في هذه المحكمة أو غيرها من محاكم الدولة. المحكمة الوحيدة التي يمكن أن تُحاكم فيها الأفكار هي محكمة الرأي العام، والعقوبة التي تصدرها محاكم الرأي العام هي الحكم بهزيمة الفكرة ومن ثم اندثارها، أو الحكم بتبرئتها ومن ثم شيوعها.

 أسباب الأزمة السياسية: نحن هنا اليوم ليس بسبب ما حدث في 14 فبراير، فقد كان ذلك اليوم الفارق من تاريخ البحرين نتيجة لعقد من الفشل الذريع للنظام السياسي بعد خروجه من عنق الزجاجة وأزمة امتدت أكثر من عقدين ونصف منذ حُل المجلس الوطني المنتخب عام 1975م. في فبراير 2001م كانت آمال المواطنين البحرينيين كبيرة بعد اتفاق المعارضة والحكم على فتح صفحة جديدة من خلال ميثاق العمل الوطني أطلق بموجبها الملك مجموعة من التعهدات بالحفاظ على دستور 1973 وإعادة الحياة النيابية والانتقال إلى طور ديمقراطي أعلى بطرح مفهوم “الملكية الدستورية على غرار الديمقراطية العريقة” إلا أن النظام سرعان ما ارتد عن تعهداته ونكث بوعوده وأصدر دستوراً جديداً في 2002 بإرادة ملكية منفردة كان من نتائجه توسيع الصلاحيات التنفيذية للملك، وتشكيل مجلس شورى معين وإدخال عدد كبير من التعديلات الدستورية جاءت جميعها على حساب سلطة الشعب ومجلسه النيابي المنتخب. ومنذ ذلك التاريخ والحكم يقوم، عن طريق سن التشريعات أو تغيير الممارسات، بالعودة عن الإصلاحات المحدودة التي جرت عام الميثاق، خصوصا في مجال الحريات العامة، وإعادة بناء الدولة الأمنية وأجهزتها المختلفة المتخصصة في رصد ومحاصرة ومعاقبة المعارضة. وقد أسفرت سنوات الاحتقان السياسي وغياب المشاركة الشعبية الحقيقية وتفشي الفساد في وسط النخبة الحاكمة إلى دفع البلاد إلى شفير أزمة كانت بانتظار شرارة قادمة من دول الربيع العربي لتتحول إلى انتفاضة شعبية عارمة قادها شباب يحلم بالحرية والكرامة ويؤمن بدور التضحية والاحتجاج السلمي في إجبار النظام على احترام إرادة الشعب. وقد لاحظت “لجنة بسيوني” في الفقرة (642) من تقريرها إن “إجراء إصلاحات وليس تغيير النظام كان المطلب الأساسي للثورة في بدايتها، وأضافت أنه “عند عدم الاستجابة لمطالب الإصلاح فإن الأمر يتطور ويرفع سقف المطالب ليكون المطلب هو تغيير النظام“. البحرين كانت بانتظار هذه اللحظة للانفجار الكبير، السلطة كانت تعتقد بأن ماكينتها الإعلامية الدعائية المدعومة بنظام توزيع المنافع على الطبقة السياسية الجديدة التي أحدثها تشكيل الجماعات السياسية الموالية والتمثيل النيابي والبلدي والتوسع البيروقراطي لأجهزة الدولة وهيئاتها واستمالة معارضين سابقين للعمل على ترويج سياستها، وتقسيم المجتمع على أسس طائفية، والأهم من ذلك كله تعزيز قدراتها الأمنية والمخابراتية، كل ذلك سيجنبها ربيعاً بحرينياً محتملاً. وقد خاب ظن السلطة لأن التراكمات السياسية والاجتماعية على الأرض كانت أكبر من كل ما حشده النظام لمواجهة انتفاضة شعبية. لقد غاب عن الحكم إنه كان هو المتسبب والمحرض الأكبر لهذه الثورة، والدلائل على ذلك كثيرة منها: – الإحباط المتزايد لدى المواطنين خاصة الشيعة بسبب الوتيرة السريعة في عملية التجنيس السياسي التي تستهدف إحداث تغيير ديمغرافي (سكاني)، والتمييز المستمر ضد المواطنين على أساس طائفي وسد أغلب أبواب التوظيف في القطاع العسكري في وجوه ابناء الطائفة الشيعية الكريمة. – تقاسم النخبة الحاكمة أراضي الدولة التي تحولت إلى إقطاعيات خاصة لكبار أفراد الأسرة الحاكمة وحلفائهم. – انتشار الفساد في مؤسسات الدولة وعجز ديوان الرقابة المالية عن الحد منه رغم العدد الكبير من المخالفات التي يرصدها سنوياً في تقريره السنوي، وعدم قدرة الدولة على محاسبة كبار الفاسدين خصوصا من أبناء الأسرة الحاكمة، كما هو الحال في قضية الفساد بشركة ألمنيوم البحرين (ألبا) المرفوعة بالولايات المتحدة والمتورطة فيها ايضا شركة ألكوا الأمريكية عبر توقيع عقود فاسدة أدت إلى خسارة البا نحو مليار دولار. علينا أن نفخر جميعاً إن شبابنا لم يتوقف عن الأمل في يوم أجمل من يومنا هذا، وفي نظام أفضل من نظامنا هذا، وفي حكم أرشد من حكمنا هذا. وهو في استلهامه ثورات الربيع العربي أثبت ارتباطه بأمته وإصراره على خياره السلمي لإجبار النظام على تحقيق الإصلاح الشامل، وبدل أن يُزج في السجون والمعتقلات كان من واجب السلطة الحوار مع الشباب البحريني الذي استمر في نهجه السلمي رغم احتكام السلطة للسلاح.

موقف أخلاقي ضد العنف: فضلاً عن أنها لا تستند إلى أي وقائع أو أفعال أو أقوال منسوبة لي أو إلى تنظيمي “وعد”، فإن التهمة التي ساقتها النيابة دون دليل وأدانتني بموجبها محكمتي السلامة الوطنية دون سبب، وهي التهمة الواردة في الفقرة الأولى من “سادساً” من أمر الإحالة ومفادها إنني روجت لقلب وتغيير النظام بالقوة من خلال الكتابة والخطب والبيانات. ان هذه اتهامات مرسلة ولا أساس لها، فهي لا تستقيم مع موقفي وموقف التنظيم الذي أنتمي إليه. دعوني أبين لكم موقفي وموقف جمعية “وعد” المبدئي من رفض استخدام العنف أو القوة كمحرك للتغيير السياسي. أنا أؤمن بأن الوسيلة يجب أن تكون من جنس الهدف. إذا كان هدف جماعة ما الإستيلاء على الحكم من أجل إقامة نظام شمولي أو استبدادي، فإن من المؤكد أن الوسيلة ستكون من جنس هدفها. عنف وقوة وإسالة دماء فكل شيء يصبح مبرراً لأن أصحاب هذا النهج يؤمنون بأن “الغاية تبرر الوسيلة“. أما إذا كان الهدف هو التحول الديمقراطي فإن الوسيلة الطبيعية هي الاحتكام للإرادة الشعبية السلمية، إما عن طريق صناديق الاقتراع، فإذا لم تتوفر، فعن طريق الاحتجاجات السلمية وربما العصيان المدني. أصحاب هذا النهج – وأنا منهم – يعتبرون الاحتكام للسلاح أو استخدام العنف والقوة من المحرمات التي تُلحق أضراراً بالغة بالقضية وأصحابها. وعندما كان المهاتما غاندي يناضل ضد القوانين العنصرية في جنوب أفريقيا قال لأنصاره “أنا مستعد للموت من أجل قضايا كثيرة، ولكن يا أصدقائي، ليست هناك قضية واحدة تستحق أن أقتل من أجلها، هكذا يجب أن يكون حراكنا السياسي وانتفاضاتنا. أما من الناحية العملية فأنا لا أحتاج إلى جهد كبير لإثبات عدم توافر إمكانية التغيير بالقوة – إن وُجد من يدفع بهذا الخيار – بسبب الاخلال الشديد في موازين القوى العسكرية بين شعب أعزل لا يملك قطعة سلاح واحدة وحكومة وموالين لها مدججين بالسلاح تساندهم قوة إقليمية للتدخل السريع في غضون ساعات معدودة. أستطيع أن أجزم ان المستفيد من العنف هو النظام الحاكم، لأنه بذلك يجر المعارضة من معركة القيم والأفكار التي تتفوق فيها المعارضة إلى معركة السلاح والقوة التي يهيمن عليها النظام وعندما يستخدم الطرفان القوة والعنف لفرض إرادة كل منهما على الآخر، فإن الفوارق الأخلاقية والقيّمية بين الطرفين تكاد تختفي ويصبح من الصعب إبعاد اهتمام قوى السلام العالمية للمنظمات الحقوقية الدولية بعدالة قضيتنا، ونستنفد بذلك الرافعة المعنوية التي يحتاجها شعبنا للاستمرار في نضاله من أجل دولة ديمقراطية عادلة. العنف ثقافة ينشأ عليها المستبدون، وهي ثقافة مدمرة للمجتمعات إذا تبنتها الشعوب وقواها السياسية المعارضة.

تهمة العنف لقمع المعارضة وإقصائها: إن تاريخنا السياسي يشهد حالات عديدة استخدمت فيها السلطة الحاكمة تهمة العنف للبطش بالمعارضة وإقصائها، وقد حوكم في عام 1956 قادة هيئة الإتحاد الوطني، عبدالرحمن الباكر ورفاقه، بتهمة “محاولة اغتيال الحاكم” و”محاولة نسف قصر القضيبية والمطار” و”إدخال المنظمات العسكرية تحت شعار منظمة كشفية كنواة للإطاحة بالحكومة” و”الإخلال بالأمن خلال المظاهرات” وصدر الحكم الجاهز مسبقاً بالسجن والنفي إلى جزيرة سانت هيلانه البريطانية من قبل محكمة رأسها الشيخ دعيج بن حمد الخليفة وكان على يمينه ويساره شيخان آخران من نفس الأسرة الحاكمة المختصمة مع قادة الهيئة. ان تاريخ البحرين على مدى العقود الماضية يثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن المصدر الأساسي للعنف هو الدولة بأجهزتها الأمنية والعسكرية، وأحياناً بميليشياتها من القبائل والفداوية. وقد اعترفت الدولة جزئياً بقبولها تقرير “لجنة بسيوني” بمسؤوليتها عن بعض أحداث العنف ضد المتظاهرين المسالمين وبقتل 5 مواطنين تحت التعذيب في سجونها. وأجد من واجبي أن أذكر النيابة والمحكمة الموقرة بأن أهالي هؤلاء الضحايا مازالوا ينتظرون العدالة والقصاص من جلاديهم فيما يساق معارضون للنظام بتهم زائفة إلى المحاكم وتصدر بحقهم أحكام قاسية بسبب آرائهم السياسية.

كيدية التهم التهم كانت منذ البداية كيدية لا أساس لها ولا دلائل مادية تدعمها، هدفها كان عقابي على مواقفي وأقوالي طوال السنوات الماضية. وليس مستغرباً أن يقوم نظام مستبد باستخدام جميع أجهزته، مخابرات ونيابة وقضاء وقوات أمن، لتصفية حسابه مع معارضيه. وقد جرت العادة أن تكون هذه الأجهزة أكثر ذكاءً في اختلاق وزرع وعرض الأدلة والشهود للتدليل على وجود “مؤامرة لقلب نظام الحكم بالقوة”. ولكن عدم كفاءة هذه الأجهزة واستعجالها إصدار أحكام تلبية لأوامر عليا قدمت لنا خدمة لإثبات كيدية هذه الدعوى منذ بدايتها. الأمثلة على ذلك كثيرة منها: · إدعاءات الرائد عيسى سلطان السليطي من جهاز الأمن الوطني المسجلة في محضر النيابة العسكرية بتاريخ 30/4/2011 بأنني قمت مع آخرين “بتوفير الدعم المادي اللازم لتنفيذ مخططاتهم الإجرامية مستغلين بذلك أموال الخمس” (صفحة 8)، وإنني، حسب ادعاءات الرائد السليطي نفسه، كنت ضمن من شاركوا في “الاعتداء على دور العبادة السنية” (صفحة 9)، وإنني أهدف إلى “إعلان نظام جمهوري إسلامي في البلاد” (صفحة 15)، وإنني انضممت الى جماعة “تحمل الفكر الأيدلوجي للجماعات السابقة وذات الأهداف والأغراض وهو إقامة جمهورية إسلامية تابعة لإيران”، وإنني سعيت مع الآخرين “بإثارة النعرات الطائفية” (صفحة 19)، و”تعديهم على المرضى من الفئة السنية” (صفحة 20) وإننا أعلنا “قيام جمهورية إسلامية” (صفحة 21) وإننا نؤمن “بولاية الفقيه كمبدأ سياسي في الحكم”…كل ذلك حسب ادعاءات الرائد عيسى سلطان السليطي. ألا يعلم هذا الرائد في جهاز الأمن الوطني إن مثل هذه الإدعاءات حول شخص معروف بانتمائه للفكر السياسي الليبرالي العلماني المعارض لفكرة الدولة الدينية وواحد من أبناء الطائفة السنية ستثير الضحك بقدر ما تثير الشفقة على تدني المستوى المهني لجهاز الأمن الوطني وعدم تورعه عن اختراع اتهامات لا يمكن لعاقل أن يصدقها؟! · هل يمكن أن يسلم شخص بهذه الخطورة التي يدعيها ويصورها الرائد السليطي من تفتيش منزله وكمبيوتره الشخصي ومكتبته المليئة بالملفات السياسية والبيانات والمواقف والكتابات. هذا هو الواقع فلم يتم تفتيش منزلي أو أي شيء فيه بل أن رجال الأمن الوطني لم يقتربوا من باب المنزل وسمحوا لي بتسليم كل ما في جيبي لزوجتي قبل القبض علي دون تفتيشها!! · تواطؤ النيابة العسكرية مع الأمن الوطني، فيما يخص التعذيب وانتزاع الاعترافات، كان جلياّ في جميع المراحل حتى 10/6/2011 . كما ان النيابة العسكرية لم تسمح لي الالتقاء منفرداً مع المحامي أثناء جلستي التحقيق، ثم لم تسمح لي الالتقاء معه إلا مع بدء جلسات المحاكمة في 8 مايو 2011م أي بعد 51 يوما من الاعتقال. وكل جلسة من جلسات التحقيق مع النيابة العسكرية تسبقها وتلحقها وجبة تعذيب رغم إبلاغي النيابة بذلك. كان ضباط النيابة على علم بالزيارات المتكررة من قبل المعذبين الملثمين وقيامهم بتعذيبنا وإساءة معاملتنا، كما كانوا على علم بوجودنا في الحبس الانفرادي حيث كنا في ولايتهم. كنا نضرب ونهان في مباني النيابة والقضاء العسكري. وفي أمر الإحالة لم يتورع ضباط النيابة العسكرية عن تزوير أقوالنا لدى النيابة ونسبت “اعترافات” لي ولمعتقلين آخرين خلت محاضر الاستدلال وتحقيقات النيابة من أي سند لها. · وعلى نفس النسق تصرف قاضي محكمة الدرجة الاولى من محكمة السلامة الوطنية منصور المنصور وقاضي الاستئناف سمير الزياني اللذين قاما بإدانتنا بأحكام زاد مجموعها على 362 سنةبعد جلسات لم تستغرق بضع ساعات لم يتسنى فيها للمحامين تقديم مرافعاتهم الشفهية أو سماع كل شهود النفي، فيما لم يسمح لأي من المتهمين بالحديث دقيقة واحدة عن التعذيب الذي تعرضوا له. وفي مبنى القضاء العسكري تم ضرب جميع المتهمين بعد إصدار الحكم عليهم في 22/6/2011 بسبب رفعهم هتاف في نهاية الجلسة.

 اسمحوا لي الان ايها السادة ان افند التهم التي وجهتها لي النيابة العسكرية وبعدها النيابة العامة:

اولا:الرد على تهمة قلب النظام بالقوة بداية أنا ابن الحركة القومية العربية التي أطاحت بالأنظمة الرجعية المرتبطة بالاستعمار، وأجد بأن فطرتي الطبيعية تدفعني لكراهية الألقاب والامتيازات الوراثية. لكن العمل السياسي الوطني لا يقوم على ما نحب أو نفضل بل على ما هو أنفع للناس وأحفظ لمصالحهم. لذلك دعوت إلى ترسيخ دعائم الملكية الدستورية الديمقراطية باعتبارها الخيار الأفضل لبلدنا آخذاً في الاعتبار الأوضاع المحلية والإقليمية والكلف الباهضة والمستقبل المجهول من استمرار الوضع الحالي للملكية شبه المطلقة أو الخيار الآخر بإنهاء الملكية والانتقال لنظام جمهوري. وبالرغم من موقفي المؤيد للملكية إذا توافرت فيها الشروط الديمقراطية كاملة، فإنني أحترم الرأي الآخر الذي يدعو لنظام جمهوري باعتباره رأي يحق لأصحابه اعتناقه، وهو رأي أغلب البشرية والوطن العربي على أي حال، حيث يسود النظام الجمهوري. وفي الدول التي تحولت من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري هناك من يدعو لعودة الملكية، كما ان هناك من يدعو للنظام الجمهوريٍ في دول تحكمها أسر ملكية، ولم أسمع إن دولة ديمقراطية واحدة تجرم اعتناق هذه الأفكار وفي 26/5/2012 نشرت صحيفة البلاد نتائج استطلاع للرأي جاء فيه إن 22% من البريطانيين يرفضون النظام الملكي هناك. ولو تصرفت النيابة العامة في بريطانيا كما تتصرف النيابة لدينا لكان لديهم 14 مليون متهم أو محكوم بتهمة الدعوة لقلب نظام الحكم. إن دعمي للملكية مشروط بمبدأ “الشعب مصدر السلطات جميعاً”، أي إنجاز تحول ديمقراطي كامل ينتهي بوجود ملك دون أية صلاحيات تنفيذية، أي “ملك يسود ولا يحكم”. وقد دعوت المواطنين أثناء انتفاضة 14 فبراير الإكتفاء بشعار الإصلاح الشامل للنظام دون تغيير الشكل الملكي الوراثي، غير أنني اخشى إن استمرار النظام في عناده ورفضه الإصلاح الديمقراطي سيقلص المؤيدين لاستمرار الملكية ويدفع المواطنين دفعاً للاعتقاد بأن هذا النظام “لا يَصلحُ ولا يُصلح“. إذن لم تكن مسألة قلب نظام الحكم مطروحة من قبلي بينما كان موضوع استخدام القوة في حل النزاعات السياسية (وغير السياسية) من المحرمات التي لا تنسجم مع عقيدتي السياسية كما سبق وذكرت. فإذا كانت النيابة تبحث عن طرف لتوجيه تهمة قلب نظام الحكم بالقوة فإني أحيلها إلى محاولتين انقلابيتين ناجحتين للتحقيق فيهما: الأولى حدثت في أغسطس 1975 بإصدار الأمر الأميري رقم (4) الذي أوقف العمل بنص المادة (65) من الدستور لمدة 27 عاماً وأحال كامل صلاحيات السلطة التشريعية إلى الأمير ورئيس الوزراء. أما عن المحاولة الثانية فكانت في فبراير 2002 عندما تراجع الملك عن تعهداته ومنها ما جاء على لسان رئيس اللجنة العليا لميثاق العمل الوطني الشيخ عبدالله بن خالد الخليفة ونشر بتاريخ 9 فبراير 2001 مانشيتا رئيسيا، بمباركة من الملك بعد لقائه مع مجموعة من شخصيات المعارضة، في الصفحات الأولى بجميع الصحف المحلية، حيث جاء نص العنوان كالتالي: “المجلس النيابي ستناط به المهام التشريعية بالدولة والمجلس المعين مهمته الاستشارة والرأي فقط. ويمكن للنيابة – إذا تجرأت وقامت بمهامها كما يجب – رفع دعاوى ضد أصحاب الانقلابين استناداً إلى المادة (148) عقوبات التي تنص على: “يعاقب بالسجن المؤبد كل من حاول بالقوة قلب أو تغيير دستور الدولة“.

ثانيا: تهمة التحريض على كراهية نظام الحكم والازدراء به قبل البدء في تفنيد هذه التهمة تجدر الإشارة إلى أن تقرير لجنة بسيوني” توصل في الفقرة (1281) إلى أن تطبيق المادة (165) عقوبات، التي تندرج تحتها هذه التهمة، قد جرى بشكل “ينتهك حرية الرأي والتعبير إذا أقصيت من النقاش العام الآراء التي تعبر عن معارضة نظام الحكم القائم في البحرين والآراء التي تدعو لأي تغيير سلمي في بنية الحكم أو نظامه أو تدعو إلى تغيير النظام“. تم إضافت الفقرة (1284) ان “المواد 165، 168، 169 (عقوبات) تقيد أيضاً حرية الرأي والتعبير بتجريمهما التحريض على كراهية النظام أو الإضرار بالصالح العام دون أن تنص على أي عمل مادي ينتج عنه ضرر للمجتمع وللفرد. وقد جرى تطبيقها لقمع النقد المشروع للحكومة“. وقد أوصت لجنة بسيوني في الفقرة (1291) من تقريرها “بإلغاء الأحكام والعقوبات التي صدرت بحق جميع الأشخاص الذين اتهموا بارتكاب جرائم ذات صلة بالتعبير السياسي ولا تنطوي على الدعوة إلى العنف” وحسب الفقرة (1285) في التقرير فقد أبلغت اللجنة حكومة البحرين بهذه الآراء وأضافت في الإشارة رقم (629) بتلقيها تأكيدات بـ “اسقاط حكومة البحرين التهم التي بنيت على تلك المواد في حق 14 من كبار شخصيات المعارضة أدينوا من قبل محاكم السلامة الوطنية” في إشارة إلى المتهمين في هذه المجموعة. وليس مفهوماً لدينا استمرار تمسك النيابة بهذه التهم بعد أن تعهدت الحكومة باسقاطها واصرارها على اهدار وقت المحكمة الموقرة وأموال الدولة وماء وجه المسؤولين الذين أصدروا التعهدات الى لجنة بسيوني“. ولا أعلم أي من الأقوال المنسوبة لي ترتبط بتهمة الكراهية والازدراء حسب المادة (165) عقوبات، ولكنني سأفترض أن المقصود هو ما نسبته النيابة إلى تسجيلات صوتية لي تتهم “الأسرة الحاكمة بالاستيلاء على الثروات والاستئثار بها، وعدها غازية للبلاد، وأكد على فقد نظام الحكم لشرعيته” كما جاء في الصفحة (25) من أمر الإحالة. وكما تلاحظون فإن جميع هذه التهم هي تهم رأي، ورغم ذلك فليس من الصعب تفنيدها. بداية يجب القول أن تهمة كراهية نظام الحكم وازدرائه – ان وجدتا – لا تحتاجان إلى محرض من المعارضة، فأفعال النظام هي أكبر محرض على ذلك، ولم أسمع في حياتي أحد من المواطنين لا يكره الظلم أو يزدري الفساد المستشري في أجهزة الدولة. ثم أن شعبنا على درجة عالية من التعليم والثقافة والاطلاع، يسمع ويقرأ تقارير ديوان الرقابة المالية واللجان النيابية والتحقيق في دفان البحر وأملاك الدولة، ويعلم بسرقة 65 كلم مربع من أراضي وشواطي الدولة تم توثيقها من قبل لجنة التحقيق النيابية المختصة، ويسمع عن الشيخ المتهم في فضيحة المليار دولار المرفوعة في المحاكم الأمريكية من قبل شركة ألبا ضد شركة ألكوا وشركائها في جريمة الاحتيال والفساد، ويستطيع أن يعد أسماء أبطال فضائح سرقة أملاك الدولة ومشاريعهم في “المرفأ المالي” و “خليج توبلي” و “خليج البحرين” و “ديار المحرق” و”رفاع فيوز” وأراض لا تعد ولا تحصى تجاوز قيمتها عشرات المليارات من الدولارات. ويعلم شعبنا علم اليقين سياسات التمييز والامتيازات والتجنيس السياسي. أما قيام الأسرة الحاكمة الكريمة باعمال الغزو خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر فيجب أن يقرأ من خلال السياق التاريخي لهذه الأحداث. كانت أعمال الغزو والقرصنة والنخاسة شائعة آنذاك مارستها قبائل عربية عديدة ولم تكن من الأمور التي تعاب بها القبائل أو تزدرى. كما أنها أمر ثابت في التاريخ لا مجال لانكاره، فقد ورد في المادة (1) من اتفاقية الصداقة الأبدية في بريطانيا الموقعة عام 1861 من قبل الشيخ محمد بن خليفة الخليفة، حاكم البحرين آنذاك، والتي وضعت البلاد تحت الوصاية البريطانية، إنه ” سيكف شيوخ البحرين عن جميع الأعمال العدوانية ومزاولة القرصنة والنخاسة بحراً”. هذا اعتراف من شيخ البحرين نفسه بممارسة “القرصنة” أما كلمة غزو المنسوبة لي فهي كلمة محايدة مثل كلمة “حرب” ولا تحمل طابعاً أخلاقياً فقد يكون الغزو لأسباب دفاعية أو لنشر دعوة دينية أو قد يكون مجرد عمل من أعمال القرصنة وقطع الطرق والاعتداء على الآخرين. لم يكن الهدف محاولة الإساءة إلى العائلة الحاكمة بقدر ما هو تحذير بأن هذا الزمن ليس زمن غزو وما يستتبع من وجود عقلية “الغنيمة” المرتبطة تاريخياً بالغزوات. ومع الأسف هناك في العائلة الحاكمة من لايزال يفكر بالطريقة القديمة، بأن البحرين كانت وما زالت غنيمة حرب “أخذناها بالسيف” فيصبح من المشروع تقسيم أراضي وثروات هذه الدولة ومناصبها العليا على أبناء القبيلة المنتصرة وحلفائها. التحريض هنا – إن وُجد – ليس تحريضاً ضد عائلة أصبحت جزءاً من النسيج الاجتماعي لهذا البلد، بل هو تحريض ضد عقلية كان يجب أن تندثر من عشرات السنين. ورغم ذلك فإنني لا أرى أي علاقة بين القول المنسوب لي حول “الغزو” و”الاستبداد بالثروة” من قبل العائلة الحاكمة والمادة (165) عقوبات، إلا اذا اعتبرت النيابة “نظام الحكم” و”العائلة الحاكمة” شيء واحد وهو مالم تفصح به ولا تستطيع اسناده من الدستور والقانون رغم إنه أمر واقع بحكم الممارسة. كما أن النيابة لم تبلغني بوجود شكوى من واحد أو أكثر من أبناء الأسرة الحاكمة الكريمة يحتج عن الكلام المنسوب لي. فإن وجد فلا يمكن استخدام هذه المادة لتوجيه تهمة “التحريض والازدراء” بالنظام. أما عن ما نُسب لي حول “فقد النظام لشرعيته”، فقد مارست النيابة دور إظهار نصف الحقيقة وإخفاء النصف الآخر. وقبل شرح موقفي من “شرعية النظام” يجب أن أؤكد إن القول بشرعية النظام أو عدم شرعيته يدخل في مجال حرية التعبير التي لا يمكن الحجر عليها لأي سبب من الأسباب. أما في الموضوع فإني متمسك بالمبدأ القائل ان النظام الديمقراطي يستمد شرعيته من المواطنين لأن الشعب مصدر السلطات جميعاً، كما جاء في المادة الاولى من الدستور. وإذا فقد أغلبية المواطنين ثقتهم في النظام تقوضت شرعيته، ويصبح الحديث عن “نقض الشرعية” أو “فقد الشرعية” أمراً بديهياً. إن أي حكومة ديمقراطية في العالم تقوم بتجديد شرعيتها كل 4 أعوام، تزيد أو تنقص قليلاً، ولا توجد حكومة تستمر شرعيتها مدة 40 عاماً دون انتخاب أو تجديد للتفويض الشعبي كما هو الأمر في بلدنا. ليست هناك حكومة شرعية في أي بلد ديمقراطي في العالم استمرت في الحكم دون أن يكون ذلك عن طريق الانتخاب الدوري.

ثالثا: تهمة إذاعة ونشر أخبار وإشاعات كاذبة تناولت النيابة هذه التهمة في لائحة الاتهام حول إذاعة وبث “أخبار وشائعات كاذبة ومغرضة ودعايات بوجود تمييز طائفي في البلاد، وبفقدان سلطات الدولة سيطرتها على الأمور، وبانتهاجها ممارسات غير مشروعة“. يمكن العودة لتقرير لجنة تقصي الحقائق لاثبات أن القول بانتهاج الدولة ممارسات غير مشروعة وبفقدان السيطرة على الأمور أصبحت من الأمور التي اعترفت بها الدولة بقبولها تقرير اللجنة وتوصياتها. ورغم ذلك لم تثبت النيابة كيف أن هذه الآراء السياسية قد أدت إلى “إضطراب الأمن أو إلقاء الرعب بين الناس أو إلحاق الضرر بالمصلحة العامة” وهو الشرط الضروري لتطبيق نص هذه المادة الفضفاضة (168 عقوبات) التي اعتبرتها “لجنة بسيوني من المواد التي يجري “تطبيقها لقمع النقد المشروع للحكومة“. أما الشق الآخر حول وجود تمييز طائفي في البلاد، فبالإضافة إلى التقارير الدولية الكثيرة في هذا المجال فإنه يمكنني وضع الحقائق التالية أمام محكمتكم الموقرة لإثبات تمييز منهجي ضد الشيعة في الحكومة والقطاع العام. 1. مجلس الوزراء : يشكل الشيعة ما نسبة 24% من أعضاء مجلس الوزارة فيما تبلغ نسبة أفراد الأسرة الحاكمة 40% والطائفة السنية (من غير الأسرة الحاكمة) 36% (مرفق جدول رقم 1) 2. وزارة الداخلية: يشكل الشيعة 10% من المناصب العليا فيما يشغل أبناء الأسرة الحاكمة 35% والسنة (من غير الخليفة) 55% (مرفق جدول رقم 2) 3. قوة الدفاع : لا يوجد أي شيعي في الرتب العليا (لواء أو أكبر) في حين يشغل أبناء الأسرة الحاكمة نصف المناصب والنصف الآخر للسنة (من غير الأسرة الحاكمة). (مرفق جدول رقم 3). 4. مجلس الدفاع الأعلى: لا يوجد أي شيعي في المجلس في حين يسيطر أبناء الأسرة الحاكمة على 13 من 14 مقعداً منه (مرفق جدول رقم 3). 5. الهيئات والمؤسسات والأجهزة الحكومية : لا يزيد نسبة الشيعة في قياداتها عن 7% فيما يشغل أبناء الأسرة الحاكمة 29% والسنة (من غير الخليفة) 64%. (مرفق جدول رقم 4). 6. الشركات الحكومية والمختلطة: مرة أخرى لا يزيد تمثيل الشيعة في القيادة العليا عن 8% فيما يبلغ تمثيل غير البحرينيين 19% وأبناء الأسرة الحاكمة 27% والسنة (من غير الخليفة) 46%. (مرفق جدول رقم 5). 7. الأجهزة القضائية والقانونية: لا يوجد أي تمثيل للشيعة في أي من الهيئات القضائية والقانونية العليا فيما تبلغ نسبة أفراد العائلة الحاكمة 33% والسنة (من غير الخليفة) 58% وغير البحرينيين 9%. (مرفق جدول 6). 8. المدراء العامين للبلديات : يشكل الشيعة نسبة 20% فيما يشغل أبناء الأسرة الحاكمة والسنة باقي المناصب بالتساوي أو 40% لكل منهم. (مرفق جدول رقم 7). هذه الأرقام فاضحة ومخجلة في الوقت نفسه لأن هذه القسمة الطائفية الضيز لم تكن موجودة على هذا النحو قبل ثلاثة عقود وهي تدل على حالة تمييز وتهميش منهجية تمارس ضد الشيعة الذين يشكلون مالا يقل عن 50% من السكان، وهي في الغالب لمصلحة الأسرة الحاكمة التي تشغل مواقع قيادية أكثر بكثير من المواقع التي يشغلها الشيعة رغم ان نسبتهم في السكان ربما لا يتجاوز النصف في المئة. ان ما يطالب به المواطنون جميعا، والشباب الشيعة الذين اشعلوا انتفاضة 14 فبراير، هو المواطنة المتساوية التي هي اساس لأي مجتمع ديمقراطي.

رابعا: تهمة إهانة الجيش موضوع الطائفية والتمييز ينقلني إلى ما نسب إلي بوصف الجيش بأنه غير وطني. مرة أخرى تخرج النيابة الكلام عن سياقه. كان الحديث يدور في إحدى الندوات عن عدم التعويل على حياد الجيش في أي صراع سياسي داخلي، وان الجيش البحريني لن يكون كالجيش التونسي أو المصري. أما السبب فقد شرحته في الندوة بقولي بأن تركيبة الجيش، كما بينت سابقاً في الإحصاءات الواردة في الجدول رقم (3) تخلو من أي تمثيل للشيعة فيما تحتل الأسرة الحاكمة 50% من المواقع القيادية العليا. هذا الأمر يجعل من الصعب تخيل أن يتغير موقف الجيش أو يقف على الحياد لصالح الشعب في أي صراع بينه وبين الأسرة الحاكمة. لذلك فقد استنتجت إن تركيبة الجيش الحالية “غير وطنية” من حيث غياب تمثيل طائفة تشكل أكثر من 50% من شعب البحرين. أما مجلس الدفاع الأعلى المسؤول عن السياسات الدفاعية والإستراتيجية الأمنية فهو مشكل بالكامل تقريباً من أفراد الأسرة الحاكمة وكأنه مجلس دفاع عن الأسرة الحاكمة وليس عن الوطن. أضف إلى ذلك وجود عدد كبير من الأجانب في قوى الجيش والأمن وقد اعترف وزير الداخلية قبل عدة سنوات إن نسبتهم في وزارته يبلغ أكثر من 50%، رغم مخالفة ذلك المادة (16) من الدستور التي تنص صراحة على أن “الوظائف العامة خدمة وطنية” و “لا يولى الأجانب الوظائف العامة إلا في الأحوال التي يبينها القانون”. وعندما يتم رفض قبول بحرينيين من دخول قوة دفاع البحرين بسبب انتمائهم الطائفي ويفضل عليهم الأجانب يحق لهم اعتبار ان الجيش لا يمثلهم، أي إنه ليس جيشاً وطنياً بالنسبة لنصف أفراد الشعب على الأقل. ان كل ما قلته في الندوات العامة، وفي التصريحات الصحافية التي ادليت بها خلال الفترة الماضية التي سبقت اعتقالي، جاءت انطلاقا من حرصي على المصلحة العامة، التي اساسها استتباب السلم الاهلي والاستقرار الاجتماعي، وذلك من خلال تحقيق الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية بين مكونات المجتمع البحريني، والشروع في بناء الدولة المدنية الديمقراطية، وبدون هذه الثوابت التي تتمسك بها الانسانية جمعاء لايمكن رفع الظلم عن فئات الشعب المختلفة ولا النهوض بتنمية مستدامة تضع بلادنا في مصاف البلدان الديمقراطية التي تحترم حقوق الانسان وتمارس الديمقراطية في نهجها اليومي. ان المخرج من الازمة السياسية الدستورية التي تعصف بالبلاد تتم من خلال حوار جاد ذي مغزى بين الحكم والمعارضة السياسية، على ان يسبقها تنفيذ الاستحقاقات التي الزم الحكم بها نفسه وتتمثل فيما تعهد به منذ فبراير 2001، من حيث صلاحيات المجلس المنتخب التشريعية والرقابية التي لاينافسه فيها المجلس المعين الذي هو للمشورة وابداء الراي فقط، والانتقال الى نظام ملكي دستوري على غرار الديمقراطيات العريقة. وترجمة تعهدات الحكم في التنفيذ الدقيق والامين والصريح لكافة توصيات لجنة تقصي الحقائق، وتنفيذ توصيات المجلس العالمي لحقوق الانسان التي تم الاعلان عنها في جلسته المنعقدة في الثامن عشر من مايو 2012، والشروع في العدالة الانتقالية القائمة على الانصاف والمصارحة والمصالحة الوطنية، وذلك من خلال جبر الضرر عن ضحايا التعذيب والاعتقال التعسفي والاحكام الجائرة الصادرة بحق المئات من المواطنين والنشطاء السياسيين والحقوقيين، واعادة المفصولين جميعا الى مواقع عملهم التي كانو يتبؤونها قبل فصلهم تعسفيا وتعويضهم عن الفترة الماضية. كما يتمثل المخرج من الازمة السياسية في دوائر انتخابية عادلة تعكس مبدأ “صوت متساو لكل مواطنفي مختلف المناطق، يترجمه نظام انتخابي عادل يحاكي كافة مكونات المجتمع البحريني السياسية والمذهبية والعرقية، وفي حكومة منتخبة تمثل الارادة الشعبية، وفي قضاء مستقل ونزيه، وفي امن للجميع وفق عقيدة واضحة تتمثل في غاية وطنية هي امن الوطن من امن المواطن. لذلك،

 أيها السادة، نقف أمامكم اليوم بعد تجربة ومعاناة امتدت أكثر من 14 شهراً ونحن على يقين أن “فاقد الشيء لا يعطيه، وان نظاماً لا يعرف العدالة لا يستطيع أن يطبقها. إننا نعرف سلفاً نتيجة هذا الامتحان بين العدالة الحقيقية التي تنتصر للمظلوم ولو كان ضعيفاً، والعدالة الزائفة التي تنتصر للقوي ولو كان ظالماً. يستطيعون حبسنا ولكنهم لن يستطيعوا اعتقال حلمنا .. حلم الحرية لشعبنا، والكرامة لأهلنا أشكركم على حسن الاستماع والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته إبراهيم شريف السيد سجين الرأي

غواية الأجنحة

في تصريح له قبل يومين أشار المساعد السياسي للأمين العام في جمعية الوفاق الإسلامية النائب االمستقيل  الأستاذ خليل المرزوق  إلى وجود  “جناح متشدد” داخل السلطة  “يتسبب في تصدّع البحرين سياسياً واجتماعياً واقتصادياً ولا يهمه أي شيء”.  وإستطرد الأخ المرزوق ليؤكد أن “هناك صراع داخل العائلة الحاكمة وهناك أجنحة لا تريد هذا الحوار….”ا

لا أعرف ما يجعلني أصدق الإدعاء بأن في السلطة الخليفية أجنحة إصلاحية ومتشددة  تتصارع فيما بينها.  فما نعرفه يشير إلى إن أجنحة السلطة الخليفية  لا تختلف إلا على ثلاثة مسائل رئيسة. أولاها تتعلق بتحديد الأساليب الأكثر جدوى لإدامة موروث الغزو الذي يعتبرونه أساس شرعية سلطتهم.  فهذا الطرف يفضل القمع الدموي وطرفٌ ثانٍ يفضل شراء الذمم وطرفٌ ثالث يجمع بين هذا وذاك. أما المسألة الثانية التي يختلفون عليها فتتعلق بأسلوب توزيع الغنائم  بينهم. أما الثالثة فتتمثل في التنافس على إكتساب أكبر عدد من الموالين والموالي. وبهذه المعاني الثلاث نرى إنه كلما إزداد الإختلاف بين أجنحة العائلة الخليفية كلما إزدادت معاناة الناس وكلما ضاعت حقوق الأجيال القادمة. ا

قد يقال أن الإستاذ المرزوق ومن خلفه جمعية الوفاق على علمٍ بأمورٍ تخفى على أمثالي وعلى بقية العامة من الناس.  فإن صَّح ذلك وصَّح  أيضاً إن في  السلطة الخليفية جناح متشدد وأخر إصلاحي فإنني لا أجد للأخ المرزوق عذراً  في أن يتركني غارقاً في جهلي بهذه الأسرار. أو أن لا يشرح الأمرَ للناس حتى نكون جميعاً على بيِّنة.   فما أحوجنا بعد مايقارب 250 سنة من “الفتح” إلى معرفة أن في السلطة  الخليفية من يستطيع التخلي عن موروث ذلك الفتح  بما فيه إعتبارنا مجرد رعايا وإعتبار البحرين مجرد غنيمة غزو.ا  

للأسف يبدو أن كلام الأخ المرزوق  ليس إلا إطناب بلاغي.  فالشواهد التي أمامنا لا تؤيده. وآخرها ما نُشر قبل أيام من تفاصيل  ما تعرض له الأخوة محمد جواد و حسن مشيمع وغيرهما من قادة المعارضة ورموزها من صنوف التعذيب بأنواعه كافة بعضه على أيدي أولاد وبنات من العائلة الخليفية نفسها.ا      

وجدتُ تصريح الأخ خليل  المرزوق هاماً وخطيراً  في نفس الوقت. فأهمية التصريح تأتي من أنه يوضح بعض مبررات النهج السياسي الذي تتبناه جمعية الوفاق تجاه النظام الخليفي.  فهي لا ترى النظام شراً كله يجب إسقاطه  ولا تراه خيراً كله يجب إبقائه على حاله.  ولهذا تجب مسايرته لإصلاحه. نعم لقد إستطاعت أحداث الأشهر الماضية منذ ملحمة دوار اللؤلؤة تبيان مساوئ هذا النهج.  إلا إن لنهج المسايرة أنصاره سواء طمعاً أو تذاكيا.ا   

و تكمن مخاطر تصريح الإستاذ المرزوق في أنه يعبر عن  قسم مؤثر في قيادة  جمعية الوفاق يرى أن السلطة الخليفية هي مجرد إئتلاف لأجنحة عدة  بعضها متشدد لا بد من مواجهته وبعضها إصلاحي يتوجب التعاون معه.  وهذا يعني , إستطراداً, أن من صالح  أصحاب هذا النهج المساير دعم الجناح الإصلاحي في السلطة الخليفية في مواجهته مع الجناح المتشدد.  وبطبيعة الحال فقد يتطلب هذا الدعم تقديم ما هو “ضروري” من التنازلات بحجة “تشجيع الجناح الإصلاحي على الصمود والمثابرة.ا”  

أقول, كلام الأخ المرزوق خطير إن أخذناه بجدية فهو يكرر ما سمعناه من كثيرين في 2001 ثم كرره آخرون  في السنوات الإحدى عشر التالية تمهيداً لكل خطوة أتخذوها للتراجع عن أهداف الحركة الدستورية و للإبتعاد عن مواجهة السلطة علاوة على تسويق خط المسايرة معها.ا

أسارع إلى التذكير  بأن أخينا المرزوق  لم يأتِ ببدعة من عندياته  بل هو يكرر إقتناعاً وجدناه راسخاً لدى كثيرين للأسف. ولن يجد القارئ والقارئة صعوبة تُذكر في إستعادة ما قيل طوال السنوات الماضية عن الحرس القديم والجديد أو ما قيل عن جناح الملك في مقابل جناح عمه.   ناهيكم عن جناح يقوده المشير وأخوه وزير البلاط الملكي في مقابل جناح يقوده ولي العهد.ا  

 ولو عدنا بالذاكرة إلى السجالات التي دارت في فترة السنوات 2000-2002, أي الفترة  بين  غداة إعداد ميثاق العمل الوطني وعشية إعلان الدستور المنحة,  لوجدنا تلك الأصوات القيادية في المعارضة الوطنية والدينية التي كانت  تطالب الناس بعدم رفع سقف مطالبها. فمرات بحجة “عدم إستفزاز الحرس القديم” ومرات  بحجة “عدم  إعطائه ذريعة للإنقضاض على “المشروع الإصلاحي”. وصدَّق كثيرون ذلك الهراء.ا

 في تلك الفترة أيضاً تولى آخرون بعد أن إنهالت عليهم المكرمات المثلثة إغواء الناس كي يصدقوا خديعة “الأجنحة المتصارعة”  وليقبلوا نصيحة “الحرص على عدم إستفزاز الحرس القديم”.  ومن الواضح أن بيننا الآن من هم في حاجة إلى تكرار تلك الفترة الرَزِية في تاريخ المعارضة.ا  

لقد أثبتت  الأحداث التي شهدتها بلادنا منذ الخميس الأسود في 17 فبراير 2011  وحتى الآن إن الحديث عن حرس قديم وحرس جديد أو جناح إصلاحي وجناح متشدد هو من قبيل خداع النفس في أحسن الأحوال.   فلم نجد أحداً من الحرس الجديد قد إستنكر ولو بالهمس الخجول قيام أجهزة الأمن وقوة الدفاع والحرس الوطني مدعومة بالقوات السعودية بمهاجمة  دوار اللؤلؤة. ولم يستنكر الإصلاحيون في السلطة الخليفية  إعتقال  المئات من المواطنين والمواطنات وتعريضهم للتعذيب المفضي إلى الموت والعاهات المستديمة.  ولم يقف أحدهم ليقول لا لقطع أرزاق آلاف أخرى ولا لهدم المساجد ولا لإضطرار العشرات إلى  طلب اللجوء في مختلف بلدان العالم.ا

 بل  على الضد.   فلقد وقفت السلطة الخليفية كما عرفناها دائماً موحدة ومتراصة في قمعها للناس وفي الدفاع عن كل الجرائم التي إرتكبتها أجهزتها  ضد معارضيها سواء أكانوا من قادة المعارضة أونشطائها أو جمهورها. وحتى بعد أن كشف تقرير البسيوني  بعض الإنتهاكات الفظيعة  التي مارستها تلك الأجهزة  لم نسمع  إصلاحياً أو إصلاحية من السلطة الخليفية  يعتذران  عن تلك الفظائع  إلى الناس عموما  وإلى الضحايا وأهاليهم خصوصاً. فالسلطة الخليفية كلها تقف صفاً متراصاً في مواجهة الناس فهي تعرف إن أي إصلاح حقيقي يعني بالضرورة إنهاء موروث الغزو الذي إستباحت به البلاد والعباد ويعني أيضاً أن تتحول البحرين, بغض النظر عن توصيفاتها, إلى بلاد يملكها أهلها.ا   

عبدالهادي خلف

الأول من يونيو 2012