طبائع الإستبداد (مقالٌ قديم 5 مايو 2009)م

تحتاج ملاحظاتي في مقالي السابق عن «الإفراط في السلطة» إلى ربطها ببعض ما جاء في كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» الذي نشره الشيخ عبدالرحمن الكواكبي باسم مستعار قبل أكثر من مئة سنة.   والكتابُ هو واحدٌ من جملة الجهود التي بذلها مفكرو النهضة العرب في سبيل استنهاض شعوب بلدانهم لإزاحة النير العثماني من جهة ولمقاومة الاستعمار الغربي المستشري من الجهة الأخرى.

لم ترتفع تلك الكتابات النهضوية العربية إلى ما وصلت إليه كتابات معاصرة لها أو سابقة عليها في بلدان غربية وشرقية أخرى. لا جدوى تُرجى من مقارنة «طبائع الاستبداد» بتلك الكتابات التي صيغت في إطار تغيرات جذرية شاملة اقتصادية وعلمية واجتماعية ودينية أفرزت مشروع الحداثة الأوروبي وكانت جزءاً منه.   وللسبب نفسه لا جدوى تُرجى من مقارنة ما طرحه الكواكبي بما جاء به «ديلا بويسي» قبله بثلاثة قرون في كتاب «خطاب حول العبودية الطوعية» الذي تعرضتُ إليه في هذه الصفحة قبل سنة. فالكواكبي رغماً عن تلك الفوارق البيِّنة يستحق مكانته المتميزة في تاريخ مشروع الحداثة العربي. وهو بالتأكيد يستحق اهتماماً أكبر مما يلقاه الآن من قبل القائمين على مؤسسات التعليم في بلداننا.

يسعى الكواكبي إلى الإجابة على سؤالٍ مزدوج: ما سبب الانحطاط وما هو دواؤه؟ ويعكس عنوان كتابه رغبةً في التوفيق بين جُهديْن، فكري وسياسي. فمن جهة ناقش «طبائع الاستبداد» عبر تفكيك المفهوم بالاعتماد على ما لديه بخلقه أدوات تحليل وتنظير. ومن جهة ثانية سعى عبر «مصارع الاستعباد» إلى تحديد ما سماه «طرائق التخلص من الاستبداد». ومع أن مناهج البحث الحديثة أكثر تعقيداً وتداخلاً مما توافر للكواكبي، إلا أننا لا نستطيع التقليل من قيمة الأسئلة المنهجية التي طرحها. فهو لم يكتفِ بطرح الأسئلة المعتادة بشأن تعريف الاستبداد وسببه وأعراضه ومساره. بل دخل في مباحث ماتزال ماثلة حتى اليوم

سأكتفي هنا بالإشارة إلى بعضها: كيف يؤثر الاستبداد على مختلف جوانب الحياة الاجتماعية بما فيه الدين والعلم والعمران لماذا يكون المستبد رغم جبروته شديد الخوف؟ ولماذا، بالمقابل، يستولي الخوف على الرعية؟ ويبدو الكواكبي ابناً للقرن الواحد والعشرين حين تتداخل إجابتاْه على السؤاليْن الأخيريْن فيقول إن «خوف المستبد من نقمة رعيته أكثر من خوفهم من بأسه؛ لأن خوفه ينشأ عن علمه بما يستحقه منهم، وخوفهم ناشئ عن جهلْ. خوفُه عن عجزٍ حقيقي وخوفهم عن توهم التخاذل فيهم[1]».

 يبدأ الكواكبي إجابته على سؤاله عن سبب الانحطاط بانتقاد آراء منتشرة بين العامة. فالقائل إن «أصل الداء التهاون في الدين لا يلبث أن يقف حائراً عندما يسأل نفسه: لماذا تهاوَن الناس في الدين؟ والقائل إن الداء هو اختلاف الآراء يقف مبهوتاً عند تعليل أسباب الاختلاف. فإن قال سببه الجهل، يُشْكل عليه وجود الاختلاف بين العلماء بصورة أقوى وأشد. وهكذا في حلقة مفرغة لا مبدأ لها، فيرجع إلى القول: هذا ما يريده الله بخلقه، غير مكترثٍ بمنازعة عقله ودينه له بأن الله حكيم عادل رحيم». ويلخص الكواكبي التعريف «تحكم أصل الداء هو الاستبداد الذي يستند عليه كل فساد في الدين والعلم والعمران». يشير الكواكبي إلى أن «الاستبداد، لغةً، هو غرور المرء برأيه والأَنَفَة عن قبول النصيحة».

ولهذا يدخل في التعريف «تحكم الأب والأستاذ والزوج ورؤساء بعض الأديان وبعض الطبقات». إلا أن مُراد بحثه هو «استبداد الحكومات» بمعنى أن الاستبداد «هو صفة للحكومة المطلقة العنان، فعلاً أو حكماً، التي تتصرف في الرعية كما تشاء بلا خشية حساب أو عقابٍ محققيْن».
يكرر الكواكبي بعض ما طرحه من سبقه من المفكرين الإصلاحيين والثوريين.

وبالمثل يكرر مفكرون إصلاحيون وثوريون في جيلنا بعض ما قصده الكواكبي. ومن جملته أن الاستبداد فعلٌ إنساني كما أن الاستعباد فعلٌ إنساني. وككل الأفعال الإنسانية فهي خاضعة للإرادة. وهذا يعني أن مواجهة الاستبداد والتخلص من الاستعباد هما أمران في أيدي الناس إنْ وَعَوا وإنْ أرادوا. ففي ذلك الوعي وتلك الإرادة تكمن الحرية كما تكمن العبودية. إلا أن للوعي كُلفةً وللإرادة ثمناً.

ونراه يقارب هذه المقولة في شرحه لما جاء في الأثر: «من أعان ظالماً على ظُلمه سَلَّطه الله عليه». ويشير إلى أن إعانة الظالم على الظلم تبتدئ بمجرد الإقامة في أرضه. أسارع للتنبيه إلى أن الكواكبي كتب ذلك في بداية القرن الماضي، أي حين لم تكن الدول العربية قد قامت ولم ترسَّم بعدُ حدودها.

يرى الكواكبي أن للاستبداد أعواناً لا يمكنه أن يستمر من دونهم. ولكل فئة من الأعوان دورها المعلوم زماناً وظرفاً.    ومن بين هؤلاء الأعوان رجالُ دينٍ ممن اتخذوا الدين «وسيلة لتفريق الكلمة وتقسيم الأمة شِيَعاً وجعلوه آلة لأهوائهم السياسية فضيَّعوا مزاياه وحيَّروا أهله بالتفريع والتوسيع والتشديد والتشويش». وإلى جانب دور رجال الدين من أمثال هؤلاء يحتاج الاستبداد إلى من سماهم الكواكبي «العلماء المنافقين أو الذين حفر رؤوسَهم بمحفوظات كثيرة كأنها مكتبات مقفلة».

ورغم قسوته الظاهرة على الفئتيْن السابقتيْن، إلا أنه احتفظ بأقسى الأوصاف لفئة «المتمجدين». وهي فئة من الناس يحرص المستبدُ على «إيجادهم والإكثار منهم ليتمكن بواسطتهم من أن يغرر الأمة على إضرار نفسها تحت اسم منفعتها». يتخذ المستبدون من المتمجدين «سماسرة لتغرير الأمة باسم خدمة الدين، أو حب الوطن، أو توسيع المملكة، أو تحصيل منافع عامة أو مسؤولية الدولة، أو الدفاع عن الاستقلال». يشدد على أن المتمجدين فئة واسعة وتزداد اتساعاً كلما اشتد الاستبداد.

وبطبيعة الحال فلا حدود لازدراء الكواكبي بالمتمجدين الذين يعتبرهم «مستبدين صغاراً في كنف المستبد الأعظم» يضربون بسيفه وينفقون من ذهبه. إلا أن الكواكبي لا يستصغر شأنهم. بل نراه يشير إلى دوريْن متداخليْن يقوم المتمجدون بهما في الوقت نفسه. فمن جهة هم من لوازم الاستبداد اللازمة. فمن دونهم لا حول للمستبد ولا قوة. ومن الجهة الأخرى هم مثل بقر الجنة لا ينطحون ولا يرمحون إلا برضا المستبد وفي ظل حمايته وبفضل عطاياه.

————
[1] عبدالرحمن الكواكبي، «طبائع الاستبداد ومصرع الاستعباد»، بيروت، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، 6002. جميع الاقتباسات اللاحقة من الكتاب.

.رابط المقال : http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10493 

.

ز

سوق الجنة (مقالٌ قديم 14 مارس 2009)م

كيف يصبح الحرف مفتاحاً لعالمٍ لا يحدّه إلا التعب. والتعب اختيار

يكتبها هذا الإسبوع عبدالهادي خلف:

من درس القرآن انتقل، إلى درس الفلسفة، ثم إلى درس الحَيْرة، ثم إلى درس التعب، ثم بقيَ هناك. شيئان لا حقيقة فيهما: السياسة والفكر. طريقان، اختارهما بعناية امتداد الألف في باقي الحروف، ليجد نفسه ساكناً في لا حقيقتهما. وحين تكون الحيرة حقيقتك، فالتعب اختيارك الذي لن تغادره، حتى يغادرك.   ولعل مقولة ابن عربي الأثيرة ”الحيرة حقيقة الحقيقة” تجعل من حيرة عبدالهادي خلف، أستاذ علم الاجتماع بجامعة ”لوند” السويدية، جنة. جنة تبوح بشيء من تمرد الأسئلة، وشيء من زفرة المخلوق في حضرة حقيقة الحقيقة.. علي الديري

—————

 (1)  ألف لاشَلَه

عرفتُ عبر أربع نساء توليْن تباعاً ”تعليمي” القرآن كيف يصبح ”الألِفُ الذي لا شيء له” والباء التي ”من تحتها نقطة” مفاتيح عالمٍ يزداد اتساعاً. ما عليك إلا معرفة أشكال ربط الحروف بالحروف. وكلما ازدادت معرفتك بالأشكال المختلفة للحروف وأشكال ربطها ببعضها البعض ازداد العالم اتساعاً حتى ولو ضاقت بك الدنيا. لا أتذكر أسماءهن ولا أظنني سأتعرف الآن على مواقع بيوتهن بسبب ما أصاب قصبة المنامة من تغيرات. ولكنني أتذكرهن جميعاً بامتنان. نقلتني أمي بينهن لأسباب لا أعرفها فتعددت أسباب امتناني لهن ولها. فلقد نجحن في تعليمي أن أندهش بالخطوط وهي تتداخل لتخلق سحراً يبهر. ما أبدع القول أن من البيان لسحراً. أتذكرهن الآن، بعقلٍ رجل على مشارف تقاعده، فأبتسم شاكراً لهن حناناً توزع بيننا أولاداً وبناتاً. فلا أتذكر أنهن استخدمن خيزرانة أو فلقة لتأديبنا كما كان يفعل غيرهن بغيرنا. وأبتسم أيضاً شاكراً لهن أنهن زرعن في طفل عمره أربع سنوات بذرة الانبهار بالحرف. وعلّمنه كيف يَربط حرفاً بحرف ليرى الحروف كلمات مقدسة كما في آيات حفظها عن ظهر قلب أو في كلماتٍ فاحشة تعلّم استخدامها في الطرقات بين بيت الأم وبيت المعلمة. رحم الله معلماتي. فلقد علمنني كيف يصبح الحرف مفتاحاً لعالمٍ لا يحدّه إلا التعب. والتعبُ اختيار.  

(2) درس الفلسفة

يشرح مدرس مادة ”الاجتماع والفلسفة” لطلابه في آخر سنة في المدرسة الثانوية شيئاً عن معنى كلمة ”فلسفة”. فيقول إنها حب الحكمة. ويقول شيئاً من قبيل أن هذا الحب يتطلب تحدي المسلّمات عن طريق مساءلة المألوف. فحين نلاحظ سقوط ثمرةٍ من على غصن شجرة فعلينا ألا نكتفي بملاحظة المألوف الذي يراه كل الناس. بل على محب الحكمة أن يطرح الأسئلة من قبيل لماذا وكيف وماذا بعد. إلا أن المدرس يتمادى في شرحه. فيزداد اهتمام ثلاثة على الأقل من تلاميذه بما يقول. لا يجب أن يكتفي محب الحكمة بمساءلة المألوف فحسب بل لا مفر أمامه من تحدي المسلّمات أيضاً عن طريق صياغة الأسئلة غير المألوفة. يطرح أحد الثلاثة سؤالاً عن الخلق والخالق ويتبعه الآخران. من خلق الكوْنَ؟ ولماذا خُلق؟ بل من خلق الخالق إذا كان لكل موجود خالق؟ وتتكاثر الأسئلة في صياغات فجة كالتي يستطيع صياغتها صبيةٌ لا يزيد عمر أكبرهم عن خمس عشرة سنة. يجيب المدرس في حدود المباح وفي حدود ما يعرف. ولكن ذلك لا يسعفه كثيراً فيلجأ إلى الأجوبة المألوفة التي لا تحتاج لتبّحر في حب الحكمة. ينتهي الدرس وتتوقف الأسئلة والنقاش حولها داخل الصف. ولم يعد المدرس إلى الموضوع ولم يهتم تلاميذه بإعادة إثارته. إلا أن ثلاثة تلاميذ يستمرون ليومٍ آخر في ذكر الموضوع. ما لم يعرفه مدرسنا الطيب هو أنه طرح الفلسفة لا كمسلَّمات بل كما رآها ماركس أسلوباً للتفكير العقلاني مادته كل ما يتعلق بالوجود الإنساني ونتائجه. أسلوبٌ للتفكير لا يكتفي بتفسير الوجود بل يسعى لتغييره. أقولُ لم يواصل المدرس ما بدأه ولكنه أغرى ثلاثة صبية بمتعة غير مألوفة. بل وأغرى واحداً منهم بمتعة التمادي في تلك المتعة. أحد الثلاثة صار رجل دينٍ معتبر. فلعله بذلك وجد أجوبة ترضيه ضمن المألوف أو خارجه. ووجد الآخر أجوبته حين أصبح عسكرياً ومسؤولاً معتبراً حتى كاد أن يحقق حلمه بإقامة مشروع إسكاني مهول كنتُ سأكون من جملة من سيُنقلون للسكن فيه. أما هذا الفقير فمازال حائراً بين أجوبة.

(3)    لقد أفلح من حار

قيل إن الشك طريق المعرفة. ولكن المعرفة ليست واحدة. فلقد قادت المعرفةُ التي حصل عليها صاحبي الذي صار رجل دين إلى اليقين المطمئن بثوابٍ وعقاب واستغفار وغفران. وقادت معرفةٌ أخرى صاحبي الآخر إلى قوة الصارم المصقول الذي فيه الأمان. بينما قادتني معرفة ثالثة إلى الحيرة. لا وقت لدي الآن كي أغبط هذا أو أحسد ذاك. ولا حاجة لي بذلك. بل أتسلى بأنني لستُ أفضل ممن أشهدَه الحقُ بالحيرة. وقال له ارْجعْ فلم يجد أين. وقال له أَقْبِل فلم يجد أين. فقال له قِفْ فلم يجد أين. حتى صرخ بجملة تربط الحكمة كلها ”لقد أفلح من حار”. إلا أن الحيرة ليست قدراً مقضياً ولاهي مسارٌ لا متناهٍ كُتبَ على الناس كافة. بل هي خيار فردي. هي خيارُ الحائر نفسه لا يمنعه منه سوى الموت أو انتهاء رغبته في مطالعة العالم ومجالدة الحيرة. أو كما يخبرنا ابن عربي ”من تعب من الفكر وقفَ حيث تعبْ، فمنهم من وقف في التعطيل، ومنهم من وقف في القول بالعِلَل، ومنهم من وقف في التشبيه، ومنهم من وقف في الحيرة فقال لا أدري، ومنهم من عثر على وجه الدليل فوقف عنده فكلَّ عنده. فكلُ إنسان وقف حيث تعب، ورجع إلى مصالح دنياه وراحة نفسه وموافقة طبعه. فإن استراح من ذلك التعب، واستعمل النظر في الموضع الذي وقف فيه مشى حيث ينتهي به فكره إلى أن يتعب فيقف أيضاً أو يموت”.

(4) كليف ريتشارد

بعد الانقلاب البعثي الذي أطاح بعبدالكريم قاسم في العراق العام 1963 انتظم عددٌ من الطلبة البحرينيين في الحرس القومي وحملوا السلاح للدفاع عن النظام الجديد. أحد هؤلاء (وقد صار أغلبهم فيما بعد من كبار المسؤولين في البحرين) رتب كميناً لاعتقالي مع طالبٍ بحريني آخر. لم يدم اعتقالنا طويلاً فلم يكن لدينا ما يستوجب إطالة الاعتقال والتعذيب. ولكنني خسرتُ بعثتي واضطررتُ لمغادرة العراق. بعد عودتي إلى البحرين اشتغلتُ موظفاً في دائرة الجمارك. ولكي أتمكن من توفير المال اللازم لمواصلة دراستي حصلت على عمل إضافي كاتباً للفواتير في كازينو ميناء سلمان الذي أسسه المرحوم حسن محمد جواد. وكان غالبية زبائن الكازينو من الأجانب من بحارة السفن الراسية أو الجنود البريطانيين المتمركزين في قاعدة الجفير. وكجزء من الخدمة كان لدينا غرامفون وعدد من الأسطوانات لمغنين بريطانيين. ولهذا كانت الأغاني تصدح في أركان الكازينو إلى حين إغلاقه قرابة منتصف الليل. وكان أشهر المغنين وأكثرهم شعبية بين زبائن الكازينو هو كليف ريتشارد الذي كانت ترافقه وقتذاك فرقة اسمها ”ذي شادوز” أي الظلال. رغم اسمها البارز على أغلفة الأسطوانات فلم يكن للفرقة من دور سوى ترديد كلمات أو أصوات محددة. مثل أي مجموعة كورس كان دور الفرقة هامشياً وإن كان صاخباً. أتذكر كثيراً فترة عملي في كازينو ميناء سلمان وأحسبُ أنها أسهمت في رسم سلوكي السياسي. أو على الأقل اقتناعي بأن عاقلاً لا يعول على أن يوضع اسمه كبيراً على اليافطات بينما لا يتعدى دوره دور فردٍ في فرقة كورس. أو كما يقال في لغة فنية غابرة مجرد ”مطيباتي” لزعيم أو قائدٍ أو أبٍ روحي. إلا أن الأمر اختيار ولكل اختيار كلفة ومردود. ولهذا وكلما سمعت من يعيب على أحدٍ أنه يغني ”خارج السرب” تذكرتُ كليف ريتشارد وفرقته. وفي كل حال أترحم على الخال حسن جواد ممتناً له أنه أتاح لي أن أتعلم كم هو مهين قبول المرء أن يصبح تابعاً يردد كالببغاء ما يقوله الآخرون أو يفعل ما يأمرونه به.

(5)فرضية 1

خُصِّصت أحدى الجلسات الأولى التي عقدها المجلس الوطني العام 1974 لمناقشة أزمة الغلاء. وحين حمي الوطيس قال أحد أعضاء كتلة الشعب شيئاً عن أن ”الأزمة هي ليست أزمة غلاء بل هي أزمة نظام ولن يمكن حلها إلا بتقليم أظافر الطبقة الكمبرادورية”. وطالب نوابٌ آخرون بما هو أشد أي ”الضرب بيدٍ من حديد على أيدي التجار والمتلاعبين بالأسعار”. بعد ذلك انتفض الوزيران المكلفان بملاسنة المعارضة فشرَّقا على عادتهما وغرَّبا. إلا إنهما لم يدافعا عن التجار ولم يعترضا على الدعوة للضرب على أيديهم بيدٍ من حديد. بل حصرا اعتراضهما على الدعوة لتقليم الأظافر باعتبارها دعوة هدامة لتدمير اقتصاد البلاد وتخويف المستثمرين الأجانب. الفرضية: لا تهتم السلطة بالشعار بل بمن يقف خلفه.

(6) فرضية 2ل

م تكن السلطة موفقة في توقيت إعلان قراراها بإسقاط عضويتي من المجلس الوطني في فبراير/ شباط .1974 فلقد وفرت للناس مع بداية شهر محرم مساحة للاحتجاج على ذلك القرار. ومعلومٌ أن أغلب مواكب العزاء التي جابت شوارع المنامة وبعض القرى كانت تردد شيلات احتجاجية منها ”مال ميزان العدالة وفاز بالكرسي عميل.. من بعد سحب الثقة أصبح الكرسي هزيل” و”أول رسول لحسين بني أمية اغتالته.. وأول رسول للشعب العمالة شالته”. أتذكر بامتنان تلك الشيلات التي أعتبرها تثميناً لخيارٍ شاركتُ آخرين كثيرين في اتخاذه والالتزام به. إلا أن أهم ما أتذكره هو أنني تلقيتُ وقتها لقاحاً ضد الغرور أحسبه مازال فعالاً. ففي ليلة العاشر من محرم في تلك السنة خرجتُ مثل مئات الناس المتزاحمة في شارع الشيخ عبدالله بالقرب من منزلنا في المنامة لمتابعة مواكب العزاء. لم يكن ثمة موقع مرتفع أقف عليه لأشاهد ما يجري لولا أن تكرّم أحد الجيران بأن سمح لي بموقع قدم على عتبة دكان. فطالت قامتي بما يكفي لمتابعة مسيرة المعزين. تمر المواكب الواحد بعد الآخر منددة بطردي من المجلس ولا يهتم أحدٌ من آلاف المشاركين فيها حتى بالالتفات نحوي. الفرضية: لا تهتم الناس بك شخصياً ولا بتاريخك بل بما تقول الآن وتفعل.

(7)  الدين أفيون الناس

هل هو حقاً؟ قرأ كثيرون هذه العبارة في ترجمتها المتداولة ”الدين أفيون الشعوب” كمن يقرأ آية ”ولا تقربوا الصلاة” من دون تكملتها. لا أقصد هنا الدخول في مناقشة ما يسميه حامد أبوزيد بجدلية النص. أي ضرورة فهم النص في إطار علاقته بزمانه ومكانه من جهة وكذلك في إطار علاقته بمتلقيه وزمانهم ومكانهم. فالنص محكومٌ بظروف إنتاجه ومحكومٌ في الآن نفسه بظروف استهلاكه. ما أقصده أقل طموحاً من هذا. فالآية كما هو معروف لا تحض على ترك الصلاة إلا عند ابتسارها. لهذا قد يكون مفيداً قراءة مقولة ماركس كاملة. فلم يعتبر ماركس الدين شراً مطلقاً أو خيراً مطلقاً. فالدين لديه حسب عبارته التي تُقتطف مبتسرة ”هو زفرة المخلوق المضطهد. وهو القلب في عالمٍ بلا قلب. كما هو الروح في وضعٍ خلا من الروح. إنه أفيون الناس”. فالظاهرة الدينية حمالة أوجه ولها عند ماركس دوران متناقضان. وفي الدين دعوة للصبر على معاناة وعذاب يتولدان من ظروفٍ واقعية. وفي الدين أيضاً دعوة للاحتجاج على تلك المعاناة والعذاب وإزالة أسبابها بإقامة العدل. حين يختار رجل الدين أن يرتب أولوياته لصالح أن تتعايش الناس مع معاناتهم فهو يحول الدين إلى أداة تخدير. أما حين يختار ترتيب أولوياته لصالح دعوة الناس إلى الاحتجاج على ذلك الواقع فهو يحول الدين أداة من أدوات تغيير ذلك الواقع. هذه الطبيعة المتناقضة للظاهرة الدينية التي لاحظها ماركس هي التي تفسر أيضاً المبارزة الحادة بين رهبان لاهوت التحرير المتحالفين مع الحركات اليسارية في أميركا اللاتينية وبين أساقفة اللاهوت الفاتيكاني ورؤساء الكنائس الرسمية المتحالفين مع الطغم العسكرية التي كانت تحكم بلدان تلك القارة. وهي التي تفسر أيضاً المفاضلة التي قدمها علي شريعتي بين التشيع العلوي والتشيع الصفوي. وهي نفسها الطبيعة المتناقضة للظاهرة الدينية التي جعلت من الممكن في بحرين التسعينات أن يتزامن الشيخان الجمري والمدني.

 (8) الفتوى..

قبل يوم واحد من انتخابات العام 1973 فوجئنا بتوزيع كميات كبيرة من منشور مستنسخ قيل إنه يتضمن ”فتوى” أصدرها ضدي الشيخ أحمد خلف العصفور، أطال الله عمره. وقيل إنها ستقود الناس إلى عد التصويت لصالحي في دائرتي الانتخابية ولا لآخرين من زملائي من أعضاء كتلة الشعب في دوائرهم. لم يكن الأمر يتعلق بفتوى وإنما بجواب من الشيخ أحمد على سؤالٍ طرحه عليه أحد كبار أهل الحي هو السيدسلمان الحلاّي رحمه الله. فلقد بلغ السيد أنني ناقشتُ مع الشيخ برنامجنا الانتخابي. وبلغه أيضاً أن الشيخ لم يرَ في البرنامج ما يعارض الشريعة. وتركز احتجاج السائل على بنديْن تضمنهما البرنامج. أولهما يتعلق بـ ”حرية المرأة وحقها في الترشيح والانتخاب والتأكيد على مساواتها مع الرجل في جميع الحقوق الاقتصادية، الاجتماعية، والسياسية”. وثانيهما يتعلق ببندٍ حمل ”تأميم الشركات”. بطبيعة الحال نفى الشيخ أحمد العصفور موافقته على نشر برنامجنا الانتخابي. فنحن لم نعرض البرنامج على أحدٍ خارج الكتلة نفسها. وجاءت بقية جواب الشيخ في صيغة يمكن أن يُفهم منها أن ما جاء في برنامجنا يتنافى مع الشريعة. صار جواب الشيخ في نظر كثيرين فتوى. فقيل قُضيِ الأمرُ إذ لم تبق إلا ساعات على صبيحة يوم الانتخابات. ما حدث بعدها يعود بعض الفضل فيه لحكمة الشيخ أحمد وبعضه لأولئك النسوة اللواتي علمنني الربط بين الحروف. فلقد توجهتُ إلى حيث عرفتُ أن الشيخ أحمد يقضي ساعات العصر وانتظرته حتى فرغ من زوارٍ وذوي حاجة. وطرحتُ عليه حين انفردنا لساعة أو أزْيَد سؤالاً أجاب عليه. فكتبتُ السؤال وكتبَ الجواب على ورقة خرجتُ بها قبل صلاة المغرب ليستنسخها الأصحابُ وتنتشر في المنامة وخارجها. وبالغ كثيرون حين زعموا أن الشيخ أصدر ”فتوى” لصالحي. فهو لم يفعل وما كنتُ جاهلاً بالأعراف والأصول لأطلب منه ذلك. جوهر ما قاله الشيخ أنه ”يستنكر استغلال إجاباته”. وكان ذلك يكفيني.

(9) في السؤال الجواب

مثلما فعل معي قبل أربعين سنة أساتذتي في هذه الجامعة فإنني أقضي وقتاً طويلاً بين طلبتي الجدد لتمكينهم من فن صياغة السؤال. ففي القدرة على صياغة السؤال تكمن القدرة على التحكم في الإجابات عليه. ولهذا لا يبدأ أيٌ من طلبتي ورقة أو إطروحة قبل أن يقنع زملاءه بأن السؤالَ واضحٌ ومحددٌ وقابلٌ للإجابة عليه. فلا يعوّل على سؤال غير محدد وغير واضح وغير قابلٍ للإجابة عليه. ولا يعوّل على سؤال لا يعرف السائلُ احتمالات الإجابات عليه. ولا تختلف الأهمية في حال إذا كان الجواب المرجو يأتي في صورة إطروحة أكاديمية أو في صورة جملة في محادثة عابرة. ولا تختلف أهمية السؤال في مقهى عنه في جامعة أو حوزة. ففي كل الأحوال يكون الجوابُ في السؤال.

رابط المقال : http://www.alwaqt.com/art.php?aid=155321 ©

ألمواطنة الدستورية (مقالٌ قديم 2008)ا

تقارن بعض الدراسات المعنية بنظم الحكم بين سهولة إقامة نظام سياسي وإدامته وبين صعوبة بناء دولة. فالنظام السياسي سواءً كان ظالماً أو عادلاً، غنياً أو فقيراً، متسامحاً أو متشدداً فإنه يستطيع استخدام أدوات الحكم المتاحة له للبقاء أطول فترة ممكنة. ولا تنحصر هذه الأدوات في العددِ والعتاد والمال والقدرة على كسب المناصرين في الداخل والخارج بل وتشمل القدرة على إضعاف الأطراف المعارضة بقمعها أو تشطيرها أو باستلحاقها.   فهذه الأدوات توفر لسَدنة النظام إمكانية الحفاظ على الإستقرار لفترات طويلة. إلا إن النظام مهما كان متجبراً أو غنياً أو كريما ومهما كانت درجة ضعف معارضيه لن يتمكن من بناء دولة ووطن بدون الشرعية التي تمحضها له الناس طوعاً لا جبراً.

انطلق مؤسسو هيئة الاتحاد الوطني في خمسينيات القرن الماضي من الاقتناعٍ بأن الأوطان إنما تُشاد على الشراكة الطوعية وليس على الجبْر بالقمع أو العطايا. وأصبح هذا الاقتناع قاعدة الخطاب السياسي الذي اعتمدته أغلب المعارضة طوال العقود التي تلت قمع الهيئة بنفي قادتها وسجنهم وتشريدهم واستلحاق بعضهم. لم يكن قادة الهيئة خبراء في الهندسة الاجتماعية لكنهم حاولوا كما حاول من تلاهم أن يروِّجوا لمشروعٍ اعتبروه طريق البلاد للخلاص مما هي فيه. وهو مشروعٌ يبدأ بالتراضي على بناء وطن يتشارك في امتلاكه وفي حبه جميع مواطنيه ومواطناته. والشراكة المقصودة ليست شراكة بين المتنفذين في التعاضديات التقليدية ولا بين رموز طائفتيْن أو وجهاء مناطق سكنية بل شراكة بين أفراد أحرار يتوافقون على إرادة العيش المشترك كمواطنين متساوين.

أقول لم يكن قادة الهيئة ولا من خطا على خطاهم خبراء في الهندسة الاجتماعية، إلا أن الفكرة التي انطلقوا منها تتلخص في تأكيدهم بأن المشكلة التي تعاني منها البلاد ليست بين شيعة وسُّنّة. بل هي تكمن في الاستراتيجية التي تنطلق من اعتبار الناسَ رعية والبلادَ مزرعة. ولهذا استمرت الحركة الوطنية طوال العقود الماضية في الدعوة لإقامة الوطن الذي يتساوى فيه أهله. وللأسف ما زالت تلك الفكرة، على بساطتها، معلقة في الهواء ومازال إنجازها مطلوباً. فالمشكلة التي واجهت قادة الهيئة هي نفسها التي تواجهنا الآن. وهي المشكلة ذاتها التي تجعل شاباً عاطلاً عن العمل يشتكي من التمييز.

وهي المشكلة ذاتها التي تبرر عدم سعي وزارة الداخلية أو غيرها من الوزارات لاختبار صلاحية ذلك الشاب للعمل فيها بدلاً من توجهها إلى البلدان البعيدة لتجنيد من تتوفر فيهم شروطها.

لا أقلل من خطر الخطاب الطائفي وما يترافق معه من ممارسات، إلا إنني أرى الطائفية عَرَضاً من جملة أعراض علةٍ طالب قادة الهيئة بعلاجها. ولقد خَبَرَ كثيرون منّا شخصياً مدى بُعد نظر أولئك القادة.

لقد عانت البحرين قبل الهيئة وبعدها الكثير ولكن المعاناة كانت مشتركة بين الرعية كافةً. فسقط شهداءٌ من الطائفتيْن ومن كل المناطق. وحين سُجن الآلاف لم تفرق الزنازن ولا الموت تحت التعذيب بين شيعي وسني أو بين ستراوي وحِدِّي، ولا بين هولي وعجمي وعربي قُحّ. كما لم تُعطِ أياً من هذه الانتماءات حصانة لأحدٍ حين تشردت العائلات وتفرق مئات المعارضين في المنافي.

من جهة ثانية لم يقدِّم الناس كل تلك التضحيات من أجل زيادة حصة هذه الطائفة أو تلك في وظائف الدولة. فلو إنحصر العلاج في المحاصصة لما تغير شئ.   فلن نقترب من إنجاز مهمة بناء الوطن عن طريق زيادة عدد الوزراء من هذه الطائفة أو تلك طالما بقينا رعايا ولم نتحول إلى مواطنين بالفعل.   فلو كانت المشكلة تكمن في مظاهر التمييز بين الشيعة والسنة لأمكن علاجها بإجراءات شكلية من قبيل إعادة ترسيم الدوائر الإنتخابية أو إعادة ترتيب الكراسي الوزارية.

طرحتُ قبل سنوات ضرورة تجاوز حصر النقاش في ”الطائفية” فما هي سوى إحدى نتائج استمرار التعاطي مع الناس كرعية. وأن الحل يبدأ بتحديد مستلزمات بناء دولة عصرية يحكمها دستور عقدي يكفل المواطنة المتساوية للمواطنين والمواطنات كافة[1]. وبعد عودتي إلى البحرين وفي سياق محاضرة ألقيتها في نادي الخريجين بتاريخ 15 مايو/أيار ,2001 عددتُ المعيقات التي تواجه بناء الدولة في البحرين.   

في سياق تلك المحاضرة طرحتُ فكرة ”الوطنية الدستورية” مستنداً على إحدى اطروحات عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس. ومعلومٌ أن تلك المحاضرة أثارت غضب بعض أطراف السلطة مما استنفر عدداً من الرفاق الذين تحولوا إلى مرآة إعلامية للموقف الرسمي. فقام بعض هؤلاء بتدبيج المقالات استنكاراً لما اعتبروه جهلاً بالواقع دفعني للتطرف بل والدعوة لحرق المراحل والعياذ بالله. إلا أن الفكرة وجدت أيضاً من ناقشها بهدوء موافقةَ واعتراضاً وهناك من تبنّاها فأغناها.

وهناك من استملك الفكرة ليخوض عراكاً من طرف واحد يؤكد فيه أن الدولة قد تم بناؤها ونحنُ غافلون، وما على المعارضين إلا الخروج من غفلتهم والمسارعة للتوافق مع الدولة.

شددتُ في تلك المحاضرة المغضوب عليها على أن الوطنية الدستورية والمواطنة الدستورية التي تتولد عنها تستلزم حصول درجة من الإجماع على شروط بناء دولة تتراضى عليها القوى الفاعلة في المجتمع. ويشمل هذا الإجماع السعي لإعادة بناء مؤسسات الحكم لكي تصبح مؤسسات وطنية بالفعل تتعاطى مع مواطنين وليس مع رعايا كما في السابق. وعلى أساس هذا التعاطي يتولد اعتراف المواطنين بشرعية الدولة ومؤسساتها واثقين من تساويهم أمامها بغض النظر عن متانة أو ضعف انتماءاتهم الأخرى بما فيها انتماءاتهم الطائفية والقبلية. وهذه الفكرة وإن استندت إلى هابرماس إلا أن استيعابي لها يستند أيضاً إلى خطاب الحركة الوطنية الداعي لإقامة الوطن الذي يتساوى فيه أهله، وطنٌ يتأسس على الشراكة بين مواطنين متساوين فعلاً وليست شراكة بين المتنفذين في التعاضديات الطائفية أو المناطقية.

أجد نفسي الآن أكرر التأكيد على حاجتنا جميعاً، سواءً في ذلك من كان منا في السلطة أو المعارضة أو في منزلة بين المنزلتيْن، إلى إعادة النظر في أولوياتنا. نحن في حاجة إلى العودة إلى أصل المشكلة والعمل على بناء الدولة الدستورية القادرة على إثبات مصداقية مؤسساتها. فعن طريق إثبات مصداقية مؤسسات الدولة الدستورية تتوافر الآليات التي تتيح تجـــاوز الخطاب الطائفي وما يترافق معه من ممارسات وعندها ستضمن الدولة ولاء الناس لها.

عبدالهادي خلف

13 مايو 2008

الوقت

Hhttp://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=6906

ز

البنديرة البريطانية والعلم الملوكي

قبل ثلاثة أسابيع ورد خبرٌ عاجل طَّيرته وزارة  التنمية وحقوق الإنسان على مختلف أدوات التواصل الإجتماعي. وفيه كانت الوزارة تعتذر اعما جاء في خبر إعلاني عن إحتفال أقامته  بمناسبة العيد الوطني الرسمي.   لم تعتذر الوزارة  للناس لأنها إحتفلت في وقتٍ تسود البلاد أجواء الحزن على  ضحايا  إنتهاكات حقوق الإنسان.  بل كانت تعتذر لأن الصور المنشورة في الخبر الإعلاني  تضمنت صورة علم إمارة البحرين (ذي المثلثات الثمانية)  وليس علم مملكة البحرين ( ذي المثلثات الخمسة).  وأكد الخبر العاجل لأولي الأمر إن الوزارة  قامت  باللازم أي يتغيير جميع الأعلام لديها وإستبدالها بالعلم المعتمد حالياً.

لم تكن الوزيرة البلوشي في  حاجة للإعتذار وتسارع إلى التخلص من  كل ما في وزارتها من أعلام ورايات مثمنة المثلثات لولا إنها على ما يبدو إرتعبت وأرادت أن تقي نفسها من غصبٍ  أصاب  غيرها رفع بعضهم علماً  زادت  مثلثاته عما هو مقرر.  ومع ذلك فلا بد من ملاحظة أن أزمة الوزيرة البلوشي مرت بهدوء إذا ما قارناها  بالحملة الإعلامية المستمرة التي تردد روايات حيكت حول  “علم البحرين الإثنيْعشري”.

فيما يلي  قد تجد الوزيرة البلوشي  ما  يخفف عنها بعد أن  تتعرف على الخلفية التاريخية للعلم الذي إرتعبت حين أخطأت فرفعته مثَمَّناً.

الأحمروالأبيض : رمزالخضوع للإستعمارالبريطاني

تذكر كتب التاريخ  أن القواسم وحلفاؤهم قاوموا البريطانيين مقاومة إستبسالية  وخاصة في العقديْن الأولين من القرن التاسع عشر. إلا أن البريطانيين  تمكنوا في آخر الأمر  من إخضاع  الساحل العربي من الخليج إلى سلطتهم بعد أن دَّكوا  حصون القواسم في رأس الخيمة و دمروا  بقية الموانئ الكبيرة فيما يُعرف الأن بدولة الإمارات العربية  علاوة  على  بعض الموانئ  في  جنوب الساحل الفارسي المقابل .

في عام 1820 فرض البريطانيون على شيوخ  الساحل العربي  توقيع “الإتفاقية العامة” التي بموجبها خضعت اتلك المنظقة وحتى إستقلالها في 1971  إلى الهيمنة البريطانية.   حسب نصوص تلك الإتفاقية  تعهد المشايخ  العرب بعدم ممارسة أعمال القرصنة البحرية والتوقف عن التجارة في الرقيق وكذلك الإمتناع عن  بناء السفن الكبيرة، وتشييد التحصينات في المناطق التي يسيطرون عليها. ومنحت  الإتفاقية بريطانيا الحق في تفتيش السفن الخاضعة لمشائخ المنطقة للتأكد من إلتزامها بشروط الإتفاقية.

ولتأكيد الإلتزام بنصوص إتفاقية 1820 فرضت المادة الثالثة منها على شيوخ الخليج  أن يرفعوا على سفنهم في البحر وعلى أراضيهم ما سمته البحرية البريطانية بـ “راية بيضاء تخترقها حُمرة”. وعلاوة على ذلك فلقد كانت السفن البريطانية تُغرق كل سفينة  في البحر وتقصف كل حصن لا يرفع تلك البنديرة المقررة.

  فرض البريطانيون علم الخليج الموحد  فكان  “علماًاحمر يضم حاشية بيضاء ويكون عرض الأبيض في الحاشية مساويا  لعرض الأحمرإلاإنهم تركواالخيارلكل قبيلة في  تزيين الراية  وإضافة شيئا من الكتابةعليها.  ولهذاكانت أعلام مشيخات الخليج  من الكويت شمالاً حتى الفجيرة جنوباً حمراء/بيضاء. ولهذا أيضاً  رأينا إن بعض المشيخات . مثل الكويت و دبي والفجيرة  كانت  تكتب إسمائها في وسط العلم .

حدثت إستثتاءات عابرة لإلتزام آل خليفة بشروط الإتفاقية  بما في ذلك شرط البنديرة ذات اللونيْن الأحمر والأبيض.  ومن بين هذه الإستثناءات ما حدث في فترة حكم محمد بن خليفة ( 1842-1869)  الذي كان يرفع على أبراج قلعته في أبي ماهر الأعلام الإيرانية  أو العثمانية  بحسب نفوذ أيٍ من الدولتيْن. (أنظر االنبهاني: 163). إلا أنه دفع ثمن ذلك  التذاكي حين دكت السفن البريطانية قلعته وعزلته  عن الحكم وعينت أخاه بدلاً منه حاكماً للبلاد.  فكان  ذلك درساً  لكل  من جاء بعده من حكام

 لا تُلام الوزيرة البلوشي  على ما شعرت به من رعب  بسبب خطأ غير مقصود. وبالمثل لا يجب أن يلام أحدٌ غيرها رفع علماً لا يتوافق مع الواصفات المعتمدة في المملكة.   فمثل هذاه الأخطاء تحصل في كثير من البلدان ولا يستدعي ذلك أكثر من تصحيح الخطأ. ولكن البحرين غير كما هو معروف.

مما يجعل “البحرين غير وغير” إنها   بلدٌ يتغير علمُها  كلما تغير حاكمها.  ولهذا صار للبحرين أربعة أعلام خلال فترة خمسة وخمسين سنة. علمٌ قبل 1957  وعلمٌ في 1957 وآخر في  1971 ثم أخر في 2002.   وهي أعلام تختلف في تفاصيل صغيرة ولكنها  تلتزم جميعاً باللونيْن الأحمر والأبيض اللذيْن فرضتهما بريطانيا في عام 1820.

كان علم البحرين  في أواخر عهد المرحوم الشيخ سلمان بن حمد “يتألف من لونين أحمر قرمزي وأبيض”. وكان  الطرف الفاصل بين اللونيْن خطاً مستقيما أو مسنناً بثمانية أسنان. (أنظر إعلان رقم 12 لسنة 1957).

بعد الإستقلال مباشرة  أصدر المرحوم الشيخ عيسى بن سلمان مرسوماً أميريا غيَّر بموجبه صفة الإحمرار من القرمزي إلى القاني. ولكنه إحتفظ  باللون الأبيض وبالشكليْن المعتمديْن أي العلم المفصول بخط مستقيم أو بخطٍ مسنن بثمانية أسنان.  (أنظر مرسوم بقانون رقم  16 لسنة 1972) . 

وأخيراً جاء علم المملكة  ليحتفظ  باللوْن الأبيض و باللون الأحمر القاني وبالمقاسات السابقة المعتمدة في عهد الوالد والجد  ولكنه ألغى العلم المقسوم بخط مستقيم كما إنه إختصر المثلثات الفاصلة بين الأحمر والأبيض إلى خمسة بدلاً من ثمانية. (أنظر قانون رقم  4 لسنة 2002 ).

الأحمروالأبيض  والإسلام؟  

لم أجد فيما هو متوافر لديّ من أوراق تفسيراً  لقرار والد الملك  و جده أن يكون لعلم البلاد شكليْن مختلفيْن. ولا لسبب إختيارهما  تسنين العلم بثمانية أسنان على وجه التحديد.  ولكننا بالمقابل نقرأ تفسيراً غريباً حول المثلثات الخمسة في العلم الملوكي.  فهي كما ورد في نص القانون “تمثل أركان الاسلام الخمسة“.

لا شك أن من صاغ قانون العلم الملوكي  و أشار فيه إلى أركان الإسلام الخمسة كان يقصد أن يضفي هالة من القدسية على العلم  وشرعية من نوعٍ ما على المملكة.  وليس في هذا غضاضة فلقد أُستخدمت الرموز الدينية عبر التاريخ بغرض إضفاء الشرعية على هذا الأمر أو ذاك.  ألم تُرفع المصاحف على رؤوس الأسنة؟

ربما أراد من صاغ القانون أن تتوازى هالة علم المملكة الجديد مع الهالة التي توخاها مصمموأعلام السعودية وإيران والعراق التي يزينها إسم الجلالة. فإن كان هذا هو هدف من صمم العلم الجديد أو صاغ قانونه  فلقد فعل ما ليس له به حاجة.  فلقد كان يستطيع أن  يكتفي  بمثلثٍ واحد  رمزاً للواحد الأحد أو  بمثلثين رمزاً للشهادتيْن أو بثلاثة مثلثات إشارة ً لعدد المساجد التي تُشَّدُ الرحال إليها أو أربعة مثلثات رمزاً للخلفاء الراشدين ؟

 ناقشتُ الإشارة إلى أركان الإسلام الخمسة  في نص القانون المذكورمع بعض أصحابي  فذكرأحدهم  أن من صمم العلم الجديد كان يستطيع أن يحقق حيلته السياسية/الإعلامية دون تغيير عدد المثلثات. إلا أن صاحبي  تدارك  بالقول ربما لا يعرف مصمم العلم  من الإسلام  الكثير أو لعله لم يقرأ من  القرآن الكريم  ما يكفي ليعرف حَمَلَة العرش الثمانية.

قلتُ كانت الوزيرة البلوشي في غنى عن أن ترتعب  أو تعتذر لو بقيَ العلم كما كان قبل 2002.  ولما أهدرت  هي وغيرها من المسئولين المال والوقت  بمسارعتهم إلى بإستبدال كل ما في  مخازن وزاراتهم ومؤسساتهم من أعلام ورايات مثمنة المثلثات.  ومع ذلك فالوزيرة كانت أكثر حظاً من آخرين حملوا  أعلاماً كان عدد المثلثات فيها أقل أو أكثر من خمسة فلحقتهم المسبَّات والإتهامات إلى يومنا.  فلا شك أن  بيننا من  يتذكر روايات تلفزيون البحرين عن “العلم الإثنيْعشري”. وهي روايات لم  يتوقف أحدٌ من مردديها حتى الآن ليخبرنا  لماذا يغيِر “المهدويون” علماً  يرمز إلى أركان الإسلام الخمسة  وخاصة أن بعضهم  قد يرى فيه أيضاً إشارة  لعدد المذكورين في حديث أهل الكساء؟

كرر الإعلام الرسمي أحاديث الإفك حتى صدَّق البعض أن الجمهورية الإسلامية كانت قاب قوسيْن أو أدنى.  والأدهى أن  بعض العقلاء  صدقوا تلك الروايات  ولم يتوقفوا للسؤال  لماذا لا يصمم الجمهوريون, مهدويون كانوا أو ماركسيون أو ليبراليون أو لوفرية, علماً خاصاً بهم؟  أثمة أبسط من تصميم راية لا تثير الشبهات؟ وخاصة أن بعض الإعلام الرسمي يخبرنا أن “هؤلاء” يرضعون فنون التقية مع حليب أمهاتهم؟

علم الإستقلال؟

بعد أقل من شهر على حصول الكويت على إستقلالها في 1961  إستبدل أهلنا في الكويت علم الهيمنة البريطانية بعلم الإستقلال. وكذلك فعلت المشيخات السبع الأعضاء في دولة الإمارات العربية المتحدة بعد إعلان إستقلالها في 1971 .  جدير بالتنويه أن الكويت والأمارات إختارتا  لعلم إستقلالهما ألوان ما يُعرف بالعلم العربي.  أما البحرين فظل الحال على ما كان عليه. فحتى الآن لا يعرف أحدٌ أسباب تمسك السلطة في البحرين  بالبنديرة البريطانية.  نعم  لقد تغير شكلها قليلاً عما كانت عليه في 1820.

 لقد فاتت في 1971 فرصة تغيير إستبدال البنديرة البريطانية بعلم يرمز إلى الإستقلال.  وكان مؤملاً ألا تفوت الفرصة مرة ثانية حين تحولت إمارة االبحرين إلى مملكة في 2002.   ولكن  البنديرة بقيت على حالها وإن تحولت بقانون إلى علم.   أسارع للقول أنني لا أعتبر أن  تفويت الفرصتيْن كان سهواً . بالضبط كما لا أعتبر سهواً  الإصرار الرسمي على عدم إعتبار يوم الإستقلال عيداً وطنياً تحتفل البحرين كلها به.  فالسلطة تفعل كل ما تستطيع كي لا يكون للبحرين ما يجمع أهلها على إختلاف نحلهم وأهوائهم وطبقاتهم.

  لا تنحصر مشاكل البحرين في  شكل البنديرة  أوعدد مثلثات علم المشيخة أو علم الأمارة أو علم المملكة.   ولكن علينا ألا ننسى أن العلم ليس  مجرد قطعة قماش ملونة ذات شكل محدد يرسمها ضابطٌ صغير في البحرية البريطانية  أو مستشارأو شيخ أو ملك.  فالعلم هو رمز لأمور أخرى أكبر من حجم قطعة القماش واعمق من ألوانها. ولهذا  لم  يكن البريطانيون ليهتمون بالبنديرة التي فرضوها بالقوة على مشايخ الخليج  لوْ لم تكن رمزاً لهيمنتهم على شئون المنطقة ولوْ لم تكن تمثل تأكيداً لرضوخ المشايخ لتلك الهيمنة. ولهذا تبقى البنديرة في نظري رمزاً لحقبة مهينة في تاريخ الخليج العربي.

في هذه هذه الرمزية  بعض ما يفسر الرعب الذي أصاب الوزيرة البلوشي جعلها تسارع إلىالإعتذار بمختلف الوسائل عن خطأ غير مقصود.  ووبسبب هذه الرمزية تستمرإستخدام رواية العلم “الإثنيْعشري” ليس للتشكيك في ولاء الناس للحاكم  بل للتشكيك في ولائهم لوطنهم.

حين يتمعن المواطن والمواطنة في سيرة البنديرة البريطانية منذ 1820 وحتى الآن سيسهل عليْهما التعاطي مع أمور أكثرتشابكاً وتعقيداً. وسيعرفان أسباب إصرار السلطة على  رفضها الإحتفال  بعيد الإستقلال. و لماذا جاء الدستور في صورة منحة؟ ولماذا يستمر تشطير المجتمع أفقيا وعموديا وتدمير أواصر التواصل المباشر فيه؟ ولماذا هناك بحرينيون درجة سوبر وأولى وثانية؟  ولماذا  تُرسم الدوائر الإنتخابية بالطريقة القراقوشية التي هي عليها؟ ولماذا لا يتمكن النواب  المنتخبون من تعديل الدستور وحتى  تغيير لائحة مجلسهم الداخلية؟ ولماذا لم يستطيع النواب المننتخبون تغيير سياسة الحكومة  أو محاسبة رئيسها؟ ناهيك عن إستبداله برئيس وزراء منتخب.  فكل هذه الأسئلة وأجاباتها عروق متواصلة تقود  إلى كشف سر إصرار السلطة على مقاومة كل جهد يهدف إلى إستكمال  بناء الدولة الدستورية الحديثة التي يحلم بها الناس منذ بدايات الحركة الوطنية.  في هذه الدولة الدستورية ترتعب الوزيرة وتُضطر للإعتذار لأنها لم تدافع عن حقوق الإنسان وليس لأنها رفعت علماً فيه  مثلثُ  زائد أو ناقص.

عبدالهادي خلف

يناير 2012

Bahrain: Crushing Pro-Democracy Protests

  American and British Police Chiefs Step Up State Repression
Top Western appointments allegedly aimed at improving human rights…

By Finian Cunningham

Global Research

ttp://www.globalresearch.ca/index.php?context=va&aid=28452

Bahrain’s revolutionaries

 By: Toby C. Jones and Ala’a Shehabi  

January 2, 2012

http://mideast.foreignpolicy.com/posts/2012/01/02/bahrains_revolutionaries

Rip-off

For some insight on the Alkhalifa rgime’s PR-mania  follow

http://twitter.com/#!/chanadbh

two examples:

1) Detailed breakdown of what cmharvin and BruceFryer did in return for $35,000 of  Bahrain’s money to defend the AlKhalifa regime http://bit.ly/tAxsxr

2) Details of work done by Sorini Samet & Assoc to defend the Bahrain regime in return for $205,428 (pg 35) http://bit.ly/s528ov

—————

Read more items on Bahrain  by Chanad  in http://chanad.posterous.com/
.